إدارة المخاطر – تحديدها وتصنيفها وتحليلها

مفهوم إدارة المخاطر

يمكن للمخاطر أن تكون مفيدة. فمن دونها، لا وجود للمكافآت، كما أنها تولّد الابتكار. وبالتالي، ينبغي تشجيع المخاطر ضمن أي مؤسسة. لكنها تتسم ببعض الخطورة أيضًا، ومن الضروري إدارتها بفعالية. والواقع أن نظام إدارة المخاطر يهدف إلى تحديد المخاطر الرئيسة التي تتعرّض لها المؤسسة، بحيث يصبح بالإمكان إجراء تقييم مبني على المعلومات وصنع القرارات الملائمة لحماية هذه المؤسسة.

والجدير بالذكر أن هذا المفهوم ليس جديدًا، كما أنه ليس جذريًا في فلسفته أو مداه. فكلنا نقيّم المخاطر في حياتنا اليومية، كأن نقيّم على سبيل المثال المخاطرة بتجاوز سيارة أم لا. فالدماغ يفكّر في المعلومات التي تصله عبر الحواس، وبناءً على التجارب الماضية وموقف صانع القرار من المخاطر، يقرر ما إذا كان ينبغي القيام بالمخاطرة أم لا. وفي هذه الحال، يكون المسار مبنيًا بمعظمه على الحدس.

الواقع أن تقييمات المخاطر حدسية بمعظمها. وغالبًا ما يكون الوعي للمخاطر كافيًا (كنفاد الوقود في السيارة مثلاً) بسبب نتائج حدث مشابه في سياق مختلف. ولا بدّ عندئذٍ من تطوير نماذج لأشكال أخرى من المخاطر (كنفاد الوقود في الطائرة مثلاً). هذا ومن الضروري التنبّه إلى أن إدارة المخاطر لا تشمل كل المخاطر التي تواجهها شركة معيّنة. فإدارة المخاطر معنيّة فقط بالمخاطر الأكثر ملاءمة في السيناريو المحدِّد.

وبصورة عامة، ينبغي أن يكون أي نظام لإدارة المخاطر:

  • عمليًا.
  • واقعيًا.
  • متوافقًا مع المعاير الداخلية والخارجية.
  • فعَّالاً من حيث التكلفة.

أنظمة إدارة المخاطر

أضف إلى ما تقدّم أن أنظمة إدارة المخاطر المستخدمة تندرج في أنواع كثيرة. ويتم في العادة النظر إليها باعتبارها شبيهة بأنظمة إدارة الجودة. وغالبًا ما يعتبر الأفراد أنها غير عملية، وبيروقراطية، ومكلفة. وفي المقابل، لكي يحظى أي نظام لإدارة المخاطر بدعم الأفراد، ينبغي أن يكون هذا النظام عمليًا، فيتمكن الأفراد من إدراك أنه نظام مباشر وفعّال. وقبل كل شيء قابل للتطبيق. وعلى غرار أنظمة إدارة الجودة، يمكن لأنظمة إدارة المخاطر أن تصبح سريعًا باهظة التكلفة. فمن الضروري أيضًا أن يُنظر إلى أنظمة إدارة المخاطر باعتبارها فعالة من حيث التكلفة.

تشمل أنظمة إدارة المخاطر معظمها خمسة مجالات متميزة هي:

  1. تحديد المخاطر.
  2. تصنيف المخاطر.
  3. تحليل المخاطر.
  4. الموقف من المخاطر.
  5. الاستجابة للمخاطر
  6. ضبط وسياسة والتقرير عن المخاطر وردّة فعل عليها.

تم تجسيد هذه السلسلة في مخطط في القسم المركزي من الشكل (3.6)، وفيما يلي وصف لكل مجال.

تحديد المخاطر

تكمن فكرة تحديد المخاطر في اكتشاف كل المخاطر التي يُرجَّح أن تؤثر في مشروع معين، واستكشاف الروابط وأوجه التكافل بينها، ما يؤدي إلى تكوين صورة عن “جانبية” المخاطر التي تنطبق على مشروع معيّن، ويمكِّن صانع القرار من إبداء رد فعل مبني على المعلومات، مع التفكير الضروري في المخاطر ذات الصلة، بما في ذلك المخاطر الحالية وتلك التي يُرجَّح أن تطرأ في خلال دورة حياة المشروع.

ويتعلق تحديد المخاطر بتحديد وتقييم كل مجالات هذه المخاطر المحتملة التي ينطوي المشروع عليها. وقد يشمل تحديد المخاطر أيضًا إجراء مسحٍ للمخاوف والمجالات المحتملة لهذا المشروع والزبائن والمستخدمين مع الإشارة إلى ضرورة أن يكون هذا المسار مفصّلاً وشاملاً. فيشكل تحديد المخاطر نقطة انطلاق كامل مسار إدارة المخاطر. وبالتالي، تعتمد فاعلية نظام إدارة المخاطر وصحته على الدقة في مسار التحديد.

شكل (3.6): إدارة المخاطر
شكل (3.6): إدارة المخاطر

ولا شك في أن أي تطبيق سيشتمل دومًا على درجة معينة من المخاطر. أما مدى الدقة في تحديد هذه المخاطر، فيعتمد على عدد من المتغيّرات. ويتمثل أبرز هذه المتغيّرات بفلسفة صانع القرار أو موقفه من المخاطر. فقد يستند صانعو القرارات الذين يسعون وراء المخاطر إلى مقاربة تفترض سير الأمور بحسب المخطط، في حين أن صانعي القرارات الذين ينفرون من المخاطر قد يعتمدون مقاربة حذرة عنوانها ماذا لو.

فضلاً عن ذلك، تتجلّى مخاطر فردية في المشروع مثل الحدود الزمنية، وحدود التكلفة، والمواصفات، وتوافر الموارد، ومكانة المشروع، إلخ. كما تتجلّى مخاطر تقنية، وضمنًا مخاطر الأبحاث والتطوير، ومخاطر التنفيذ، ومخاطر المقياس الزمني، إلخ. وقد يحدث أن تنشأ أيضًا مخاطر في الإنتاج تشمل المخاطر التي تطال الأداء الفاعل في خط الإنتاج، والصيانة، والوقت التنازلي، وانقطاع الطاقة، وتسليم المكوّنات، والتوضيب، وتسليم المنتج. هذا وقد تظهر مخاطر في الهندسة ترتبط بموثوقية النظام وقابليته للصيانة، بالإضافة إلى جودة المنتج ومعدل العيوب في المنتج النهائي.

تأثير المخاطر وتصنيفاتها النمطية

ومن الضروري أن نتذكر أن المخاطر لا تتميّز كلها بمستويات عالية من التأثير والاحتمال. لكن المفعول التراكمي للكثير من المخاطر الصغيرة قد يكون مماثلاً لمفعول المخاطر التي تتميّز بمستوى عالٍ من التأثير.

وتتجلى في الواقع تصنيفات نمطية راسخة كثيرة لتحديد المخاطر. وقد يشمل نظام التصنيف الواضح لمخاطر المشروع المحضة ما يلي:

  • المخاطر الداخلية: يمكن عمومًا تحديد هذه المخاطر عبر تفصيل المشروع إلى رزم عمل مستقلة باستخدام هيكلية تفصيل العمل. وفي معظم الحالات، يسمح تطوير هيكلية تفصيل العمل المكوّنة من ثلاثة أو أربعة مستويات بتحديد مجالات المخاطر الأكثر وضوحًا.
  • المخاطر الخارجية: تنشأ هذه المخاطر من خارج المشروع وترتبط بعوامل مثل معدلات الفائدة ومستويات النشاط الاقتصادي، كما أنّه طبعًا من الصعب التعرّف عليها وتقييمها.
  • مخاطر المشروع: تتداخل هذه المخاطر مع المخاطر الداخلية والخارجية. وهي تشكل ميزة في المشروع المحدّد وفي تقنيات الإدارة والضبط التي تُطبَّق ضمن الشركة ومن قبل مؤسسات أخرى تؤثر في الفريق العامل على المشروع. وتشمل أبرز الأمثلة على ذلك هيكلية التفصيل المؤسساتي، وعضوية الفريق، والقيادة، والتواصل، إلخ.

وبالتالي، يمكن النظر إلى المخاطر الشاملة باعتبارها مزيجًا من هذه المصادر الثلاثة كما هو مبيّن في الشكل (3.7).

شكل (3.7): تداخلات تحديد المخاطر
شكل (3.7): تداخلات تحديد المخاطر

المصادر الموضوعية والذاتية للمخاطر

يمكن في غالب الأحيان تحديد مصادر المخاطر بحسب المصادر الموضوعية والذاتية. وتشكل المصادر الموضوعية مجموع التجارب السابقة من المشاريع الماضية المرتبطة بالمشروع الحالي. وفي بعض الأحيان، يُشار إلى هذا المصدر باسم “الخبرة”. أما المصادر الذاتية، فهي مجموع المعرفة الحالية المبنية على التجربة الحالية. ومثالٌ على ذلك، تحليل تقنية تقييم ومراجعة البرامج (أنظر الوحدة 5). ويتم إجراء التقديرات للأداء الحالي بناءً على التقديرات المتفائلة والمحتملة والمتشائمة، المرتبطة بالتقديرات الحالية.

ينبغي أن يتم تقييم كل المخاطر بوضوح، كما ينبغي أن يركِّز التحديد على مصدر المخاطر وليس على مفعولها. وبالتالي، يرتبط الحدث الذي يحتل مركز المخاطر ارتباطًا وثيقًا بالمصدر والمفعول على حد سواء.

ومن الضروري أن يكون مسار التحديد معنيًا مصدر المخاطر وليس بالحدث نفسه أو بمفعوله لأن المُخاطِر يستطيع أن يتَّخذ إجراءً يتعلق بمصادر المخاطر، في حين أنه يتعذَّر عليه أن يغيّر الكثير في الأحداث أو المفاعيل. وعلى سبيل المثال، من الممكن إزالة مصدر “سيارة صيانتها سيئة” عبر اتباع دليل الصيانة المُوصى به. لكنه من المستحيل إزالة الحدث نفسه أو مفاعيل الاصطدام بالسيارة، ذلك أن هذه المفاعيل تعتمد على متغيّرات خارجية وعلى نتائج لا يملك المُخاطِر أي سيطرة عليها. فبعض المخاطر قابل للضبط (مثل اختيار قيادة السيارة)، في حين أن البعض الآخر غير قابل للضبط (مثل الطقس الرديء استثنائيًا). كذلك، يعتمد بعض المخاطر على عوامل أخرى (مثل حجم المحرك في ظل تزايد متطلبات محصّلات الطاقة)، فيما يكون بعضها الآخر مستقلاً (مثل سماكة الطلاء في ظل تزايد متطلبات محصّلات الطاقة).

ويشكل التفكير الجماعي الطريقة الأشد وضوحًا والأكثر شيوعًا المستخدمة لتحديد المخاطر. وتقوم هذه فكرة تفكير أكبر عدد ممكن من الأشخاص في سيناريو المشروع ومحاولة تحديد أكبر عدد ممكن من المخاطر التي تشمل المخاطر الداخلية والخارجية، والمخاطر القابلة للضبط وغير القابلة للضبط، وكل أشكال المخاطر الأخرى التي يمكن أن تؤثّر نظريًا في المشروع.

التفكير الجماعي

في منهجية التفكير الجماعي، يتم عمومًا تعيين منسِّق أو منشِّط لترأُس الجلسات. فيحفِّز المناقشة ويحاول أن يضمن استمرار المجموعة في التركيز على المشكلة (بغية تحديد المخاطر). ولا بد من الإشارة إلى أن جلسات العصف الفكري معرَّضة لأن تتحوّل عن الهدف الأصلي وتنحرف عنه. وبالتالي، ينبغي أن يكون المنسِّق قويًا وواعيًا، وربما يتمتع بحس الدعابة. ومن الضروري أن يتم أقله طرح الأفكار غير المألوفة وحتى تلك التي تبدو ساذجة في ظاهرها. فالكثير من الممارسات الجيّدة انطلق من أفكار ومفاهيم بدت في الأصل موضع ارتياب أو حتى سخيفة. فكيف يمكن لنا أن نحطّ بشخص على سطح القمر من دون أجهزة كمبيوتر توجيهية معقدة؟ الواقع أن بعض الأجهزة التي استُخدمت في المركبة الفضائية أبولو 8 Apollo 8 كانت تُشغَّل بآلية الساعة.

هذا وتشتمل معظم جلسات التفكير الجماعي على عدد من المراحل المتميزة:

المرحلة 1: المرحلة الإبداعية

  • تتمثل فكرة المرحلة 1 بدعوة الفريق العامل على التفكير الجماعي إلى طرح أكبر عدد ممكن من الأفكار. وينبغي أن يضم هذا الفريق نفسه أكبر عدد ممكن من أعضاء الفريق العامل على المشروع، بالإضافة إلى أفراد آخرين يؤثرون في المشروع أو يشكلون أصحاب مصالح. وفي العادة، يستخلص المنسِّق فكرة واحدة في كل مرة من أعضاء الفريق. ومن الضروري أن يتم تحديد مجالات المخاطر وتشجيع الأفراد على التفكير خارج نطاق تخصصهم، كما ينبغي تشجيع الأفكار التي تبدو مجنونة في ظاهرها على أن تدوّن لدى استخلاصها من الجلسة. ولا يُسمح في هذه الجلسة بأي انتقاد أو مناقشة.

المرحلة 2: مرحلة التقييم

  • ما إن تكتمل لائحة الأفكار (على الأقل في الجلسة المعيّنة)، حتى يتولى أعضاء الفريق تقييم كل فكرة مطروحة. ويمكن للأعضاء الفرديين الآن تطبيق التجربة والخبرة التقنية بغية تحديد الأفكار النافذة وغير النافذة. ومن المهم ألا يتم ربط الأفكار بالأفراد بحيث يُفسح المجال أمام التقييم والانتقاد الحر والصريح. وفي هذا الإطار، يتم بحث كل فكرة بالتفصيل وإعداد لائحة نهائية بالأفكار المرتبطة بمخاطر المشروع التي يُعتقد أنها نافذة فعليًا وتستحق المُضي قدمًا في تطويرها علمًا بأن اللائحة النهائية هي نتاج الجهد الجماعي للمجموعة وليست لائحة مساهمات فردية.

أضف إلى ما تقدم أن التفكير الجماعي يُطبَّق على نطاق واسع كتقنية لتحديد المخاطر في المجالات حيث مستويات التأثير عالية، مثل محطة توليد الطاقة النووية وتصميم مركبة فضائية. ويتم استخدام فرق من الاختصاصيين لتحديد كل المجالات المحتملة حيث يمكن أن تقع الأخطاء أو تطرأ المشاكل. وقد يستخدمون تقنيات خاصة لمحاولة التوصل إلى اتفاق جماعي حول المجالات الشائعة للمشاكل ومزيج المشاكل المحتملة التي قد تطرأ معًا في أوقات معيّنة.

ستتم مناقشة المنهجيات الخاصة بالتفكير الجماعي باستخدام طريقة دلفي Delphi، وتقنية المجموعة الإسمية، وتحليل مواطن القوة والضعف والفرص والتهديدات مزيد من التفصيل في وحدة 7.

تصنيف المخاطر

ما إن يتم تحديد المخاطر المختلفة، حتى تتحلى الحاجة إلى تصنيفها بطريقة ما.

يرتبط معظم المساعي لتصنيف المخاطر (أقله جزئيًا) بما يُسمّى نظرية المحفظة. وتبحث هذه النظرية في تصنيف المخاطر من وجهة نظر مالية. وقد تطوّرت منهجية مفصّلة من تحليل المحفظة استنادًا إلى مُعامل بيتا Beta. وبصورة عامة، يتحرك السهم الذي يبلغ مُعامل بينا Beta فيه 10 بالمئة، بنسبة 10 بالمئة كحد وسطي لكل حركة من 1 بالمئة في السوق. فضلاً عن ذلك، تعتبر نظرية المحفظة أنه يمكن التفكير في المخاطر وفقًا لتصنيفات مختلفة.

ويمكن تصنيف المخاطر بشكل رئيس بحسب ما إذا كانت مخاطر سوق أو مخاطر ثابتة (أنظر أنواع المخاطر)، كما يمكن تصنيفها بحسب مجال تأثيرها أو مداه في المؤسسة. فبعض المخاطر يؤثّر في الشركة فقط على مستوى المشروع الفردي فيما يمكن لمخاطر أخرى أن تؤثر في الشركة ككل. فضلاً عن ذلك، قد تؤثّر المخاطر الأوسع نطاقًا في كامل القطاع الذي تنشط فيه الشركة، فيما يمكن للمخاطر الأكبر أن تؤثّر في كل البيئة الاقتصادية ذلك أن تأثير وسّع المخاطر الأكبر، مثل الانهيار في مخزون النفط، يمتد عبر المجموعة ككل. وقد يكون للمخاطر تأثيرات مختلفة، وقد ترتبط بمدى تأثيرها في المؤسسة أو بمتغيرات أخرى.

والناتج مما تقدم أن نظامًا بمستويات ثلاثة لتصنيف المخاطر متوفّر:

  1. نوع المخاطر.
  2. مدى المخاطر.
  3. تأثير المخاطر.

تم تلخيص هذه الفكرة في الشكل (3.8) كما يلي:

شكل (3.8): تأثير المخاطر - تصنيف المخاطر
شكل (3.8): تأثير المخاطر – تصنيف المخاطر

تشمل المخاطر التي تؤثّر في البيئة العامة المخاطر غير القابلة للضبط (مثل الأحوال الجوية) والمخاطر القابلة للضبط جزئيًا (مثل أسعار النفط). وتشكل نتيجة المخاطر أو تأثيرها موضع اعتبار هام يتم تجسيده بالآتي:

  • الخسارة القصوى المحتملة.
  • التكلفة القصوى المحتملة للخسارة.
  • التكلفة المحتملة لتغطية الخسارة (في حال لم يكن مؤمنًا ضدها).
  • تكلفة التأمين ضد الحدث المتحقق.
  • موثوقية التوقعات بشأن الحدث.

ويمكن تصنيف المخاطر بطريقة ملائمة باستخدام هذه المقاربة.

تحليل المخاطر

ما إن يتم تحديد المخاطر وتصنيفها حتى تتجلّى الحاجة إلى تحليلها. ويستند تحليل المخاطر إلى تحديد الخيارات المجدية كافة والبيانات المرتبطة بالمخاطر المختلفة وبتحليل محصّلات القرارات المُتخذة.

تشمل معظم منهجيات تحليل المخاطر على ست خطوات أساسية:

الخطوة 1: تقييم الخيارات كافة

ينبغي النظر في الخيارات المختلفة كافة. فمن الضروري البحث في كل العوامل التي تؤثِّر في المخاطر. وبالتالي، ينبغي أن يكون التفكير الجماعي أو غيره من أشكال تحديد المخاطر شاملاً وأن يتم تحديد كل العوامل التي يمكن أن تؤثِّر في المخاطر أو في احتمال تحققها.

الخطوة 2: البحث في الموقف من المخاطر

يشكل موقف صانع القرار من المخاطر اعتبارًا هامًا. فيقيّم الأفراد المخاطر بطرائق مختلفة ويصنعون قرارات مختلفة باستخدام البيانات نفسها. والواقع أن بعض صانعي القرارات يميلون أكثر من غيرهم إلى تفادي المخاطر. فيتقدّم هؤلاء بتخمينات ذاتية مختلفة لاحتمال وقوع المخاطر وتأثيرها استنادًا إلى البيانات المحددة.

الخطوة 3: البحث في خصائص المخاطر

من الضروري البحث في المخاطر المحددة والقابلة للضبط والتفكير في تأثيراتها المحتملة. وقد يمكن تطبيق الضوابط على بعض المخاطر (شأن المخاطر الداخلية القابلة للضبط)، فيما يستحيل تطبيق الضوابط على مخاطر أخرى (مثل المخاطر الخارجية غير القابلة للضبط). ومن الضروري الحرص على تحديد كل الخصائص المحتملة للمخاطر.

الخطوة 4: إرساء نظام قياس

ينبغي قياس المخاطر وتقييمها باستخدام مقاربة كمية أو نوعية (أو مختلطة). والواقع أن بعض المقاربات يلجأ إلى تقنيات راسخة لبلورة نماذج المخاطر. وفي هذه التقنيات، قد تشكل خصائص المخاطر والوضع مدخلات تسمح بالتقدّم بالتوقعات استنادًا إلى تجارب سابقة.

الخطوة 5: تفسير النتائج

الجدير بالذكر أن البيانات التي يتم إنتاجها من خلال القياس تحتاج إلى تفسير. ومجددًا، قد يكون التفسير كميًا أو نوعيًا. فتشكل نتائج مسار القياس مؤشرًا على توقعٍ أو محصّلة محتملة، إلا أن هذه النتائج تبقى في غالب الأحيان مفتوحة على تفسيرات مختلفة. وقد يحدث أن يدرس مفسِّران مختلفان البيانات والنتائج نفسها ويجريان تخمينات مختلفة. ومن الضروري أن ينطوي التفسير على التخمين الاستقرائي استنادًا إلى البيانات التي يتم النظر فيها بغية توقّع المحصّلة المستقبلية.

الخطوة 6: صنع القرار

تتمثل المرحلة النهائية في هذا المسار باتخاذ قرار حول المخاطر التي ينبغي المحافظة عليها وتلك التي ينبغي نقلها إلى أطراف آخرين. أما جانبية المخاطر التي يُسمح بالمحافظة عليها، فتعتمد على طبيعة المؤسسة وموقف صانع القرار منها.

تجدر الإشارة إلى أن منهجيات أخرى تعتمد مقاربة مختلفة نوعًا ما.

  • الخطوة 1: تحديد المخاطر ومصادرها واستخلاص كل المعلومات المرتبطة بها.
  • الخطوة 2: تحديد كل التهديدات والفرص المحتملة (تحليل مواطن القوة والضعف والفرص والتهديدات) ووضع خارطة محركات المخاطر. تحديد أصحاب المخاطر وإعلامهم عندما يكون ذلك ملائمًا.
  • الخطوة 3: تقييم احتمال وقوع كل من المخاطر وتأثيرها وتطوير خارطة بالمخاطر الفعلية.
  • الخطوة 4: النظر في كل الخيارات المحتملة وتطوير خارطة بالمخاطر المستهدفة.
  • الخطرة 5: تقييم القيمة المضافة إلى الشركة عبر الاستجابة للمخاطر وفقًا للتحرك الموصى به.
  • الخطوة 6: إرساء أنظمة للمراقبة وإعداد التقارير لضمان التطور الفاعل لخارطة المخاطر.

خارطة المخاطر

تظهر خارطة المخاطر بكل بساطة المخاطر الفردية المعزولة على محور لاحتمال تحققها في مقابل تأثيراتها. ويمكن الاطلاع على مثال عن الخارطة في الشكل (3.9).

شكل (3.9): خارطة المخاطر الأساسية
شكل (3.9): خارطة المخاطر الأساسية

يُشار في بعض الأحيان إلى مسار إعداد خارطة المخاطر باسم إعداد جانبية المخاطر أو حتى إعداد آثار المخاطر. ويتمثل هذا المسار بشكل رئيس بإظهار العلاقة بين احتمالات وتأثيرات مجموعة من المخاطر المعيّنة كدالة للوقت. وتتألف خارطة المخاطر الأساسية من أربع ربعيات، علمًا بأنه من السهل نسبيًا توسيعها إلى المزيد من القطاعات. وفي خارطة المخاطر الأساسية، تتمثل الربعيات بالآتي:

الربعية 1: المنطقة الحمراء (مستوى عالٍ من التأثيرات ومستوى عالٍ من الاحتمالات).

تضم هذه المناطق المخاطر الجديّة التي لا يمكن لأي شركة أن تتحملها عند هذا المستوى الحَرج على المدى الطويل. ولا بدّ من مواجهة هذه المخاطر سريعًا واتخاذ الإجراءات الفورية لمعالجتها نظرًا إلى أهميتها الاستراتيجية. وبصورة عامة، ينبغي تعيين مدير للمخاطر وبلورة استراتيجية محددة. وإذا كانت الشركة تعجز عن إدارة هذه المخاطر بفاعلية على المدى الطويل، فينبغي النظر في استراتيجيات تفاديها. وقد تشمل الأمثلة اليومية على ذلك الضرر الذي يلحقه الفيضان بالمنازل الواقعة عند السفوح المعرضة للفيضانات بسبب الاحتباس الحراري.

الربعية 2: المنطقة الصفراء العليا (مستوى عالٍ من التأثيرات ومستوى متدنٍ من الاحتمالات)

لا تُعتبر هذه المخاطر حيوية بقدر تلك التي تقع في المنطقة الحمراء. لكنها تتطلّب في المقابل اهتمامًا بالغًا باعتبار أنها تنطوي على المفاعيل الحادة للأحداث الاستثنائية. وقد تشمل الأمثلة النموذجية عن هذه المخاطر مفاعيل عاصفة عاتية على شركة زراعية. صحيح أن وقوع هذه الأحداث مستبعد تسبيًا، إلا أنها قد تقضي على كل المحصول في حال وقعت. وغالبًا ما تكون هذه المخاطر ناجمة عن عوامل بيئية تقع خارج نطاق سيطرة الإدارة. لكن التخطيط للحالات الطارئة قد يكون ملائمًا لهذه المخاطر التي يمكن إبرام تأمين ضدها.

الربعية 3: المنطقة الصفراء الدنيا (مستوى متدنٍ من التأثيرات ومستوى عالٍ من الاحتمالات)

غالبًا ما ترتبط هذه المخاطر بالعمليات اليومية ومسائل الإذعان. وقد تشمل الأمثلة النموذجية التعطل في الآلات والمصانع الفردية، مثل تعطل حافلات فردية في مجموعة كبيرة من الحافلات. والواقع أن المفعول الصافي لهذه المخاطر، في حال لم تتم إدارتها، يوازي مفعول المخاطر في الربعية 2. هذا وتندرج إجراءات ضبط التكلفة في هذه الفئة. وتستند هذه الإجراءات إلى المراقبة والرصد وتحدد دفق العيوب من المخاطر مع الإشارة إلى أنها تقترن حتمًا بتجاوز التكلفة.

الربعية 4: المنطقة الخضراء (مستوى متدنٍ من التأثيرات ومستوى متدنٍ من الاحتمالات)

تتميز هذه المخاطر بمستوى متدنٍ من الحدة واحتمال التحقق. فهي ليست هامة بما فيه الكفاية لتستحق تخصيص موارد معينة لها، وإنما هي مخاطر مقبولة عند مستواها الحالي وتندرج في إطار المجالات التي يمكن تلزيمها. كذلك، تشمل بنودًا مثل المراحيض المسدودة والنوافذ المخرَّبة في إحدى المحطات. ويتمثَّل الحل الأفضل بتلزيم وظيفة صيانتها مقابل سعر محدد بحيث يتم نقل المشكلة إلى مؤسسة أخرى.

تجدر الإشارة إلى إمكان إعداد خارطة المخاطر لأي مستوى أو قطاع في عمليات الشركة. ويمكن للمدراء الفرديين ترتيب التأثيرات والاحتمال بحسب مدى كونها مألوفة ومفهومة بالنسبة إليهم. فضلاً عن ذلك، يمكن تكييف الإطار الزمني أو المقياس الزمني المطلوب النظر فيه وفقًا لمستوى المؤسسة التي يتم النظر فيها. والمقصود من ذلك هو أن خارطة المخاطر ديناميكية وتبيّن نزوح بعض المخاطر على مر فترة زمنية معيّنة. وفي الشكل (3.10)، نزحت المخاطر الثلاثة المبيّنة على مر فترة زمنية معيّنة.

انتقلت المخاطر (أ) من مستوى متدنٍ من التأثيرات والاحتمالات إلى مستوى مرتفع منها. ومن الواضح أن هذا الانتقال مقلق للغاية. مثالٌ على ذلك التغيير الأساسي المطلوب نتيجةً لتشريع جديد. وبصورة عامة، يمكن للمخاطر الخارجية غير القابلة للضبط أن تنتج هذا النوع من الانتقال. أما المخاطر (ب) ، فقد تعززت تأثيراتها فيما أبقت على المستوى نفسه لجهة احتمال تحققها.

شكل (3.10): خارطة المخاطر ونزوح المخاطر
شكل (3.10): خارطة المخاطر ونزوح المخاطر

ومثالٌ على ذلك تغيير في الطلب في السوق قد ينجم عن إطلاق شركة منافسة لمنتج جديد وهام يدخل في منافسة مباشرة مع المنتج الراسخ الخاص بالشركة. وفي المقابل، ظلت المخاطر (ج) عند مستوى عالٍ من الاحتمالات، لكن تأثيراتها تدنّت. ومثال على ذلك استبدال أحد كبار المدراء الساخطين. فقد يترك هذا المدير الشركة، ولكن تأثير هذه الخطوة يبقى أدنى بكثير طالما تم استبداله.

استخدام خرائط المخاطر كأدوات تخطيط

أضف إلى ما تقدّم أنه يمكن استخدام خرائط المخاطر كأدوات للتخطيط. والواقع أن بعض أنظمة إدارة المخاطر يستخدم خارطة للمخاطر الفعلية وخارطة للمخاطر المستهدفة فيما يتعلق بإرساء منهجية الخط الأساسي والمكانة الحالية. وتبيّن خارطة المخاطر المستهدفة المخاطر كما تريدها أن تكون، حين أن الفرق بين خارطة المخاطر الفعلية وخارطة المخاطر المستهدفة يحدد المجالات حيث تتجلّى الحاجة إلى تلبية متطلبات نظام إدارة المخاطر.

للانتقال من خارطة المخاطر الفعلية إلى خارطة المخاطر المستهدفة، يتم تطوير استراتيجية معيّنة ويتحمّل أصحاب المخاطر كل مجال من مجالات المخاطر الكبرى. وتتمثّل المخاطر المُختارة في هذه الحال بالمخاطر الداخلية والقابلة للضبط. فعلى سبيل المثال، قد يكمن الخطر الفردي الأكبر في “الجنيه الإسترليني القوي”. لكن لا يمكن للمؤسسة أن تفعل أي شيء بهذا الخصوص سوى أن تغيّر استراتيجية المبيعات لديها بشكل تام. وبالتالي، ينبغي المحافظة على هذا الخطر. فضلاً عن ذلك، ينبغي أن تعكس خارطة المخاطر المستهدفة المخاطر الداخلية والقابلة للضبط. وفي المثل المبين في الأشكال (3.11) و(3.12)، تقضي أهم المخاطر الداخلية القابلة للضبط ببطلان استخدام المنتج والمقدرة الإنتاجية.

ويمكن معالجة بطلان استخدام المنتج من خلال الأبحاث حول السوق، ما يؤدي إلى تطوير منتجات جديدة. أما المقدرة الإنتاجية، فيمكن زيادتها عبر الاعتماد التدريجي لممارسات جديدة في العمل أو ربما عبر إعادة تصميم وإعادة تجهيز بعض أو كل مسارات الإنتاج. ويشكل كل من هذه المسارات مشروعًا مستقلاً يقع تحت سيطرة شخص مستقل من أصحاب المخاطر.

ونظرًا لأهمية كلا منها، ينبغي إدراجها في خطة عمل الشركة وإعطاءها الأولوية.

إعداد خارطة المخاطر

يشكل إعداد خارطة المخاطر أداة أساسية تكمن جدواها في مرونتها وتعدّ من أكثر الأدوات شيوعًا في تصنيف المخاطر، وإلى حد ما في تحديد المخاطر. هذا ويمكن ربط هذه الأداة ربطًا وثيقًا بهيكلية التفصيل المؤسساتي على صعيد الشركة وبهيكلية تفصيل العمل على صعيد المشروع، كما بمصفوفة مسؤوليات المهام التي تشكل صلةً بين هيكلية التفصيل المؤسساتي وهيكلية تفصيل العمل على المستويين التشغيلي والاستراتيجي (أنظر وحدة 5). وعلى غرار إدارة المخاطر الشاملة، يمكن تطوير خارطة المخاطر في اتجاه تصاعدي أو تنازلي بالنسبة إلى أي مستوى مطلوب من التفاصيل.

شكل (3.11): خارطة المخاطر الحالية (مثال)
شكل (3.11): خارطة المخاطر الحالية (مثال)
شكل (3.12): خارطة المخاطر المستهدفة (مثال)
شكل (3.12): خارطة المخاطر المستهدفة (مثال)

فضلاً عن ذلك، يمكن إظهار المدخلات على خارطة المخاطر في هيئة مجالات أو مناطق. وتمثّل هذه المجالات “نوافذ” لحدود التباين التي يمكن للمخاطر المحدّدة أن تتفاوت ضمنها. والواقع أن مثل هذا التمثيل قد يُستخدم حيث يمكن لاحتمال تحقق المخاطر أو تأثيرها أن يتفاوت ضمن بعض الحدود المعروفة. وقد تم تحسيد مثل عن ذلك في الشكل (3.13)، حيث تشكل الحدود الفاصلة الحدود التي يمكن لمخاطر معينة أن تتفاوت ضمنها بحسب الظروف.

أمثلة تطبيقية

على سبيل المثال، تبقى المخاطر (أ) دومًا في منطقة “الحذر” لأن احتمال تحقق هذه المخاطر ثابت. لكن تأثيرها يتفاوت. ومن الأمثلة التي تبلور هذه الفكرة، تذكر العيب في إطار مطاطي. فقد تتفاوت المفاعيل بحسب موقع المركبة على الطريق أو موقع العيب في الإطار. وفي حالة المخاطر (ب)، يمكن لاحتمال تحقق هذه المخاطر أن يتفاوت على نحو ملحوظ، وإلى حد كافٍ بحيث يسمح للمخاطر بأن تنتقل من منطقة “الحذر” إلى منطقة “الخطر”. أما المخاطر (ج)، فهي الأكثر تغيّرًا مع تقدمها بين المناطق الأربع كافةً بحسب مدى التغيّر الذي يمكن أن يطرأ ضمن حدود التأثير والاحتمال. والواقع أن هذا النوع من المخاطر هو الأصعب لجهة تحديده ومعالجته. وفي المقابل، تتميّز المخاطر (د) بحدود ضيقة لمدى التغير وتبقى ذات نتائج متدنية ضمن الحدود المحددة.

شكل (3.13): خارطة المخاطر وحدود التغيّر
شكل (3.13): خارطة المخاطر وحدود التغيّر

يمكن استخدام تقنيات مختلفة لتحديد حدود التغيّر بالنسبة إلى المخاطر الفردية أو مجموعات المخاطر كما يمكن إعداد نماذج للحدود باستخدام تقنيات إحصائية راسخة وتعيين الحدود ضمن الحدود المعيّنة للثقة أو الاحتمالات الفرعية لتحقق المخاطر. وقد تكون هذه الحدود في بعض الأحيان مفيدة لتحليل المستويات المختلفة للتغيّر.

شكل (3.14): خارطة المخاطر وحدود التغيّر
شكل (3.14): خارطة المخاطر وحدود التغيّر

في الشكل (3.14)، يبقى المجال الشامل الذي تم احتواؤه ضمن المخاطر (ج) على ما كان عليه. لكنه يتم إظهار الأرجحية الفردية للتباينات ضمن الحدود الشاملة. على سبيل المثال، قد يتجلّى احتمال بنسبة 99 بالمئة بأن تقع قيمة المخاطر الفعلية ضمن المجال ج1. وفي حالات أكثر تطرفًا، يمكن للتباينات أن تحدث ضمن المحال ج2. وفي المقابل، وفي الحالات الأشد تطرفًا، قد يحدث تباين شامل يبلغ ضمنًا الحدود المعيّنة في ج3. هذا وتتفاوت مغلّفات الشكل الفعلي بحسب طبيعة المخاطر وخصائص التأثير والاحتمال، كما يمكن لبعض المخاطر أن يتفاوت إلى حد ما بحسب احتمال تحقق المخاطر (مثل رداءة الأحوال الجوية)، فيما يمكن للبعض الآخر أن يتفاوت بحسب التأثير (مثل الإطار المطاطي المشتمل على عيب).

شبكة المخاطر

تشكل شبكة المخاطر بديلاً عن خارطة المخاطر. ويتم إعداد هذه الشبكة عندما تبحث الشركة في مجموعة من النشاطات وتتخذ قرارًا بشأن التغطية المطلوبة للمخاطر الخاصة. وتعتمد هذه المسألة بصورة مباشرة على احتمال تحقق المخاطر وتأثيرها في حال تحققت. أضف إلى ذلك أن هيئة شبكة المخاطر تعتمد أيضًا بصورة مباشرة على موقف المُخاطر. وقد تم تجسيد هيئة الشبكة المخاطر في جدول 3.7. وفيما يجب المحافظة على بعض الأعمال، ينبغي التأمين على بعضها الآخر بشكل تام أو جزئي. وقد تتمثّل استراتيجية الشركة بوقف النشاط في مجالات المخاطر التي تتميز بمستوىً عالٍ من التأثير والاحتمال، إلا إذا تجلّت أسباب منطقية تسمح بغير ذلك.

جدول (3.7): شبكة المخاطر
جدول (3.7): شبكة المخاطر

ويمكن في الواقع إضفاء تطويرات أخرى على شبكة المخاطر بغية توفير بيانات من أجل حسابات عوامل المخاطر، كما يمكن إعداد نماذج عن المخاطر بالشكل الأبسط، كالعلاقة بين احتمال تحقق المخاطر والنتائج. هذا ويمكن قياس النتائج طرائق عدّة مختلفة أبرزها الوقت والتكلفة والجودة (غالبًا ما يُشار إلى الجودة باسم الأداء).

الموقف من المخاطر

من الواضح أن موقف المُخاطر يشكل عنصرًا هامًا. فتقييم المخاطر ذاتي بمعظمه. وبالتالي، يعتمد مستوى المخاطر الملحوظ الذي يشمل مسارًا للتحرك، على موقف المخاطر. فقد يقرر لاعب البوكر أن يقوم بمخاطرة معيّنة في خلال اللعبة. وفي المقابل، قد يقرر لاعب بوكر آخر اللعب بطريقة مختلفة حتى إذا كان يحمل الأوراق نفسها. فضلاً عن ذلك، قد يستجيب لاعب البوكر نفسه بطريقة مختلفة للأوراق التي يحملها في مراحل مختلفة من اللعبة، ولا سيما لجهة كونه سيربح أو يخسر.

وبصورة عامة، يمكن للمُخاطرين أن يكونوا حياديين، أو أن ينفروا من المخاطر أو أن يسعوا إليها. ولا بدّ من الإشارة إلى أن الموقف المبني على النفور من المخاطر يقارب جانب الحذر، في حين أن الموقف المبني على السعي إلى المخاطر يميل إلى جانب تشجيع المخاطر. والواقع أنه يمكن لهذه الخصائص أن تتفاوت بحسب الشركة موضوع البحث وموقف المُخاطر وشخصيته وما إلى ذلك. وبينما لا يضاعف صانع القرار الذي ينفر من المخاطر جهوده إلا عندما يبلغ تأثير المخاطر مستوىً عاليًا، يعزز صانع القرار الذي يسعى إلى المخاطر جهوده في مرحلة أبكر بكثير. وقد تم تجسيد هذا المفهوم في مخطط في الشكل 3.15.

شكل (3.15): موقف المُخاطر
شكل (3.15): موقف المُخاطر

في شكل (3.15)، يُقصد بكلمة “تأثير” المكافأة أو الفرصة القصوى المتوافرة للمُخاطر. وفيما تتزايد هذه المكافأة المحتملة، يميل النافر من المخاطر أكثر فأكثر إلى المجازفة، في حين أن الساعي إلى المخاطر يكون سعيدًا بتعزيز مستوى جهوده في مرحلة أبكر بكثير. ولا ينبغي الخلط بين استخدام كلمة “تأثير” في هذا السياق واستخدام الكلمة نفسها في مجالات أخرى من هذا النص، كما في الأشكال (3.12) و(3.13)، حيث يُقصد بكلمة “تأثير” الضرر المحتمل الذي يمكن أن يتسبّب به خطر معين في حال تحققه.

مستوى الموقف من المخاطر

وما إن يتم النظر في موقف المُخاطر بطريقة ما حتى تتجلّى الحاجة إلى رسم المخاطر أو تعيينها نسبةً إلى المخاطر الأخرى والعوامل المحدَّدة المختلفة التي يمكن أن تؤثر في المحصّلة. والجدير بالذكر أن الأنواع المختلفة من الأفراد وحتى المهن تكشف عن خصائص قياسية مختلفة على مستوى الموقف من المخاطر. وقد تم عرض بعض الأمثلة على ذلك في الشكل 3.16.

على سبيل المثال، يواجه الخبير في تفكيك القنابل الكثير من المخاطر لدى إبطال مفعول القنبلة. لكن المرجح هو أن يتقيّد “بالتعليمات المكتوبة” بحذافيرها باعتبار توافر مقاربات وإجراءات قياسية ينبغي اعتمادها. ويتم تبنّي هذه المقاربة لأنها تسمح بتمرير ما يتم تعلّمه في عملية تفكيك واحدة في هيئة إجراءات آمنة، ولأنها توفّر معلومات يمكن تعقبها حول الخطأ الذي تسبب بانفجار القنبلة عن غير قصد. وبالتالي، يثبت الخبير في تفكيك القنابل مقدارًا ضئيلاً نسبيًا من الإبداع. وفي المقابل، يقوم قائد طائرة حربية بمخاطر قتالية عالية المستوى، إنما عليه أيضًا أن يكون شديد الإبداع. فصحيح أن الكتيّبات والإرشادات التشغيلية القياسية متوافرة، إلا أنه ينبغي أن تكون المناورات والانعطافات الفعلية في خلال الهجوم والدفاع مبتكرة، باعتبار أنها تعتمد على خصائص كل وضع قتالي. وبالتالي، ينبغي أن يكون قائد الطائرة الحربية قادرًا على الابتكار، وأن يتقبّل أيضًا المستوى العالي من المخاطر.

يتفاوت الموقف من المخاطر بالنسبة إلى أي مشروع بحسب خصائص الفريق العامل على المشروع. فيميل الأفراد إلى اتخاذ قرارات لا تنطوي على الكثير من المخاطر مقارنة بالفرق. وبالتحديد، تنزع الفرق المتعددة الاختصاصات إلى صنع قرارات تنطوي على مخاطر أكبر مقارنةً بالفرق ذات الاختصاص الواحد. هذا وتميل كل الفرق إلى صنع قرارات تنطوي على مخاطر أكبر كلما مر وقت طويل على عمل الأفراد معًا ضمن فريق واحد.

شكل (3.16): الإبداع والمخاطر المتأصلة في بعض أنواع الوظائف

الاستجابة للمخاطر

اعتبارات الاستجابة

بعد أن يتم تحديد المخاطر وتحليلها، تبقى مسألة الاستجابة لها. والواقع أن الاستجابة للمخاطر تعتمد على طبيعة المخاطر وتفاصيل التحليل وموقف المُخاطر. ويمكن لأحد العناصر أن يدعم أو يعرقل العناصر الأخرى بحسب الترتيب. هذا وتتجلّى مجموعة من المتغيّرات الأخرى التي يمكن أن تؤثر في الاستجابة للمخاطر، أبرزها:

  • سياسة الشركة
  • الافتقار إلى المعلومات ذات الصلة حول الأسباب والمفاعيل.
  • طول فترة التعرّض للمخاطر.
  • مصالح الأفراد في مقابل مصالح الفريق.
  • المخاطر اللاإرادية (التي تُفرض على المخاطر).
  • المخاطر الإرادية (المخاطر التي يكون المُخاطِر مستعدًا للقبول بها).
  • البدائل (الفعّالة وغير الفعّالة من حيث التكلفة).

كذلك، تتمحور الاستجابة للمخاطر بشكل رئيس حول توزيع المخاطر نفسها. ولا شك في أن بعض المخاطر الخارجية، مثل رداءة الطقس، يبقى قائمًا على الدوام. فإذا تم استئجار سفينة لتسليم شحنة معيّنة في تاريخ محدد، قد تتأخر السفينة بفعل رداءة الأحوال الجوية. ويظل هذا الاحتمال مستمرًا، ولا يمكن لأي شخص أن يفعل شيئًا بهذا الخصوص. هذا ومن المرجح أن يكون احتمال أن تسوء الأحوال الجوية أكبر في الشتاء منه في الصيف، علمًا بأن الوضع قد يكون مختلفًا بالنسبة إلى بعض الأحوال الجوية مثل الأعاصير. وبالتالي، سيظل خطر التأخير بفعل الأحوال الجوية قائمًا على الدوام. وفي النهاية، ينبغي أن يقبل الأطراف المتعاقدون كافة بمثل هذه المخاطر.

وبوجه عام، تتمحور مسألة تخصيص المخاطر حول اختبار المعقولية. وفي مثلنا عن السفينة، يتحمل مالكها مسؤولية تسليم الشحنة في الوقت المحدد. وبالتالي، يقع التأخير الناجم عن الأحوال الجويّة التي يمكن توقعها إلى حد معقول ضمن مسؤولياته القانونية، باعتبار أن الأحوال الجوية تُشكل جزءًا لا يتجزأ من مجال عمله في البحر. لكن الأحوال الجوية غير المواتية على نحو استثنائي، مثل الإعصار، قد تقع ضمن مسؤولية الزبون القانونية لأنه ما كان بالإمكان توقعها بشكل معقول.

الاعتبارات التعاقدية

وتجدر الإشارة إلى أن العقد يشكل الأداة المستخدمة لتخصيص المخاطر وتشاركها بحسب شروط العقد. وبالتالي، يرسم العقد الاستجابة للمخاطر. وفي حال احتمال أن تسوء الأحوال الجوية، فلا بدّ من أن يحدد العقد من تقع مسؤولية هذه المخاطر عليه، ومدى تشاركها (في حال تشاركها) بين الفريقين المتعاقدين. وإذا لم يكن المشروع يعتمد شكلاً قياسيًا من أشكال العقود، ينبغي إدراج شروط خاصة لتحديد الأحداث المنطوية على المخاطر والمسؤولية القانونية عن المخاطر ضمن وثيقة العقد.

هذا ويعتمد توزيع المخاطر على عدد من الاعتبارات غير التعاقدية التي تشمل الآتي:

هل محصلة المشروع تستحق المخاطرة؟

الواقع أن الطريقة المثلى لتفادي المخاطر التي ينطوي عليها المشروع تكمن في تفادي المشروع نفسه. وقد يكون هذا الخيار إما مجديًا وإما غير مجدٍ. ويتم إلغاء أو إيقاف بعض المشاريع في مرحلة مبكرة من دورة حياتها نظرًا إلى فداحة المخاطر نسبةً إلى المكاسب المحتملة. وقد ظهرت أمثلة عديدة على ذلك، على مرّ السنوات. ويتمثل خير مثال في هذا الصدد في المملكة المتحدة بمشروع قطار الركاب المتطوّر (أدفانسد باسینجر تراین) Advanced Passenger Train (قطار الركاب المتطور) الذي تم تطويره جزئيًا بتكلفة مرتفعة ثم جرى إلغاؤه مع تفاقم مخاطر تطويره هذا.

من يتمتع بالقدر الأكبر من السيطرة على المخاطر؟

تقرض معظم الأنظمة القانونية الأوروبية إحالة غالبية المخاطر على الجهة التي تتمتع بأكبر قدر من السيطرة عليها. وبالتالي، يلقي العقد بين المورِّد والزبون مسؤولية مخاطر التأخير في التسليم على المورِّد وحده. وحيث لا تكون السيطرة ممكنة، كما هي الحال بالنسبة إلى الأحوال الجوية الرديئة، يمكن تجزئة المخاطر، أو كما هي الحال عادةً، إلقاء مسؤوليتها على عاتق الزبون باعتبار أنه يُفترض به أن يكون واعيًا لهذه المخاطر عندما يطلب المشروع.

على من تقع المسؤولية القانونية الأكبر عن المخاطر؟

الإضافة إلى اعتبارات السيطرة، تلقي الأنظمة القانونية الأوروبية معظمها بعبء المخاطر على عاتق الجهة الأقل تأثرًا بتحقق هذه المخاطر. فقد يتحمل رب العمل المسؤولية القانونية عن الإهمال الذي يبديه أحد المستخدمين في عمله لأنه أقدر على تسوية المطالبة بالأضرار الكبيرة، ما يؤدي إلى المسؤولية القانونية البديلة حيث يتحمل فريق واحد (مثل رب العمل) مسؤولية قانونية ضمنية عن أفعال الآخرين (مثل المستخدَمين).

ما هي الحوافز التي يمتلكها كل فريق؟

بسود عمومًا اعتقاد بأن من الحكمة أن يحافظ كلا الفريقين على بعض المصالح في المخاطر. ومن المرجَّح أن تصر شركة التأمين على فائض ما (حيث ينبغي بحامل بوليصة التأمين أن يدفع المبالغ الأولى الكبيرة في أي مطالبة بالتعويض) بحيث يكون للمؤمِّن بعض المصلحة في عدم التقدم بأي مطالب غير ضرورية. ومن شأن غياب مصلحة أحد الفريقين في المخاطر أن يعرِّض الفريق الآخر للخطر أو الضرر.

أضف إلى ما تقدم أن أشكال العقود معظمها تقتضي اعتماد مقاربة تعاونية إلى حد ما لتشارك المخاطر بإنصاف.

خيارات الاستجابة للمخاطر

تشمل الاستجابة للمخاطر:

  1. المحافظة على المخاطر.
  2. تخفيض المخاطر.
  3. نقل المخاطر.
  4. تفادي المخاطر.
  5. البحث عن معلومات إضافية حول المخاطر.

وقد تم أدناه وصف كل من هذه الخيارات بمزيد من التفصيل.

1. المحافظة على المخاطر

من الواضح أن تجاهل المخاطر يشكل بحد ذاته استراتيجية تنطوي على مخاطر. ومن الأمثلة التي تبلور هذه الفكرة، أن يقرر مالك المنزل عدم التأمين على محتويات منزله. فكل شيء يسير على خير ما يرام شرط ألا يطرأ حادث ما. وبالتالي، تشكل المحافظة على المخاطر غير المبنية على المعلومات استراتيجية تنطوي على مستوى عالٍ من المخاطر باعتبار أن النتائج قد تكون بالغة الأهمية.

في المقابل، تشكل المحافظة على المخاطر المبنية على المعلومات مقاربة بديلة علمًا بأن هذه المقاربة هي الأكثر ملاءمة للمخاطر التي تتميّز بخسائر صغيرة ومتكررة. وأبرز الأمثلة على ذلك المطالبة بالتأمين على السيارة. فمعظم الأفراد مستعدون للقبول بفائض قيمته 50 جنيهًا إسترلينيًا لدى التأمين على السيارة، ما قد يبقي قسط التأمين منخفضًا ويحول دون التشجيع على المطالبات غير الهامة. وفي هذا السياق، قد يكون بعض الأفراد سعداء بتكبّد ٢٠٠ جنيه إسترليني في مقابل قسط أصغر. ومن الأمثلة التي قد تبلور هذه الفكرة أيضًا، نذكر تأمين الفريق الثالث عوضًا من التأمين الشامل. أما مستوى المحافظة على المخاطر، فتمليه الظروف المالية واحتمالات الخسارة. وقد يكون من غير المجدي اقتصاديًا نقل بعض المخاطر، ما يفرض في هذه الحالة المحافظة عليها ذلك أنه من الضروري أن تنطوي المشاريع بمعظمها على بعض المخاطر، أهمها تلك التي تتميّز بمستوى متدنٍ من التأثير واحتمال التحقق، في حال كان هذا الخيار متوافرًا.

المخاطر متدنية الاحتمال

وبصورة عامة، تنطبق المحافظة على المخاطر على المخاطر التي تتميز بمستوى متدنٍ نسبيًا من التأثير واحتمال التحقق. ونادرًا ما تكون المحافظة على المخاطر التي تتميّز بمستوىً عالٍ من التأثير واحتمال التحقق أمرًا حكيمًا، إلا إذا لم يتوافر أي خيار آخر. ومثال على ذلك قيادة سيارة إطارها مثقوب في محاولة لبلوغ المرأب تصليح السيارات بسبب عدم وجود إطار إضافي في صندوق السيارة. والواقع أن الإطار المثقوب سيتفتت في مرحلة ما. وعندما يحدث ذلك، قد يفقد السائق السيطرة على السيارة. وبالتالي، يأمل ألا يتمزق الإطار قبل بلوغه المرأب.

وفي أي مسار تصنيعي، تتجلى عمومًا بعض المخاطر لجهة إنتاج منتج يشتمل على عيب ما. ولا يمكن إزالة هذا الاحتمال بالكامل إلا من خلال تحسين مقاييس الجودة إلى حد تصبح معه تكلفة التصنيع باهظة جدًا للحفاظ على المقدرة التنافسية للسلع. ومجددًا، يتمثل حل هذه المشكلة بالمحافظة على المخاطر ونقلها. فيقبل المصنِّع بحتمية معدل عيوب نسبته (على سبيل المثال) 5 بالمئة، ويغطي هذا المعدل المحتمل بالضمانات والكفالات الملائمة، ما يسمح للمصنِّع بأن يحافظ على مخاطر المنتج المشتمل على عيوب غير منح الشاري فرصة نقل المخاطر مجددًا إلى المصنِّع. فضلا عن ذلك، يقبل الشراة بمعظمهم باحتمال نسبته 5 بالمئة بشراء منتج يشتمل على عيوب إذا كان هذا المنتج بخس الثمن كفايةً كما أنهم يطلبون استبداله أو إصلاحه مجانًا إذا تبيّن أنه غير صالح.

2. تخفيض المخاطر

يمكن تخفيض المخاطر بعدد من الوسائل. فقد يكون بالإمكان هندسة المخاطر خارج المعادلة، وتخفيضها من خلال التدريب والتطوير، أو من خلال إعادة تحديد غايات المشروع وأهدافه. وإذا لم يكن بالإمكان تخفيض معدل حوادث السير، يظل ممكنًا تخفيض المخاطر الفردية عبر تصميم هياكل سيارات تتحمّل التأثير بمزيد من الفاعلية. وكانت هذه الفلسفة هي تلك التي اعتمدتها بعض الشركات المصنِّعة للسيارات على مر سبعينات وثمانينات القرن العشرين.

ولا بدّ من الإشارة إلى أن السيارات الحديثة بمعظمها مصمَّمة بحيث تشتمل على مناطق لامتصاص الصدمات. ولا تزال هذه الفلسفة تشكل نوعًا من نقل المخاطر باعتبار أنها تسعى إلى تعزيز الضرر المحتمل بالنسبة إلى السيارة بغية تخفيض الضرر المحتمل بالنسبة إلى الركاب.

ومن الممكن في بعض الأحيان تجميع مصفوفة لتخفيض المخاطر ترد فيها المخاطر الشائعة في أي مشروع واقتراحات لجهة تخفيض كل من الاحتمال والتأثير.

3. نقل المخاطر

يتعلق نقل المخاطر بنقلها إلى الآخرين. وتتوافر طرائق عدّة لتحقيق ذلك. فبالإمكان نقل المسؤولية القانونية عبر الأحكام التعاقدية أو عبر التفاوض. لكن الطريقة الأكثر شيوعًا تتمثل بعقد التأمين. ومن الأمثلة التي قد تبلور هذه الفكرة، تجمع الشركات التجارية لويد Lloyd، حيث عملت مجموعات أو شركات تجارية تحمل “أسماء” لويد Lloyd معًا من أجل توفير غطاء تأميني للشحن. وكان يُفترض بأعضاء تجمع الشركات التجارية هذا أن يكونوا قادرين على إثبات امتلاكهم لاحتياطي نقدي يسمح بتلبية مطالب الأطراف المؤمّنين. بعد ذلك، توافق التجمّع على مستوى التغطية وقسط التأمين. ولو غرقت السفينة المؤمّن عليها لاحقًا، لكان تجمّع الشركات التجارية قد اعتُبر مسؤولاً قانونيًا أمام المالكين عن تكلفة السفينة وشحنتها. ومن الواضح أن التأمين يشكل عنصرًا هامًا في المحافظة على المخاطر.

فيما يلي وصف للعوامل ذات الصلة التي يمكن تطبيقها عمومًا لدى البحث في التأمين:

إمكانية التأمين ضد المخاطر

لا يمكن التأمين ضد كل المخاطر. ولاحتساب قسط التأمين، من الضروري أن يتوافر أساس ما للقيام بهذه العملية الحسابية. فلتحقيق ذلك، ينبغي أن تتوافر بعض البيانات وأن يكون بالإمكان إجراء تقييم ما لمخاطر وقوع الحدث. والجدير بالذكر أن مستوى المخاطر قد يكون عاليًا جدًا، كما هي الحال لدى التأمين على طائرة تجوب في منطقة نزاع، أو أن يكون متدنيًا جدًا، كمخاطر انفصال قطعة من الطائرة وسقوطها وتسببها بأضرار في ملكية معيّنة. وفي كلتا الحالتين، قد لا يكون من المجدي احتساب احتمال وقوع الحدث المنطوي على مخاطر.

كلفة أقساط التأمين

تشكل أقساط التأمين نسبة صغيرة من خسارة المؤمّن. بالنسبة إلى سيارة ما، تتراوح الأقساط في العادة بين 5 و10 بالمئة سنويًا بحسب طراز السيارة وعمرها. أما بالنسبة إلى البنود التي تنطوي على مستوى أدنى من المخاطر، مثل التأمين على الأبنية، فيمكن للقسط ألا يتجاوز 0.5 بالمئة سنويًا.

الخسارة القصوى المحتملة

تشمل الخسارة القصوى المحتملة مجموع ما يمكن خسارته نتيجة لتحقق المخاطر. ولدى بناء مكتب ما، قد تنطوي هذه الخسارة على كل ما يمكن خسارته إذا احترق البناء. وقد يكون من الصعب في بعض الأحيان تقييم كل ما يمكن خسارته في هذه الحالة.

التكلفة المحتملة للخسارة

تشمل التكلفة المحتملة للخسارة مجمل تكلفة إعادة ما تمت خسارته إلى وضعه الأصلي.

التكلفة المحتملة للتعويض عن الخسارة في حال لم يكن مؤمنًا ضدها

في بعض الحالات، قد تكون تكلفة القبول بالخسارة وتغطيتها أدنى من تكلفة التأمين على الأصول. ومثالٌ على ذلك الذخائر في زمن الحرب. فتعتمد وزارة الدفاع في المملكة المتحدة قاعدة عامة مفادها عدم محاولة التأمين على المعدات المستخدمة من قبل القوات المسلحة. وفي العام ١٩٨٢، أبحر أسطول بريطاني إلى جزر فالكلاند Falkland بغية طرد الجيش الأرجنتيني الذي احتل الجزر. وفي خلال هذه العملية، غرقت 11 سفينة، فيما تعرّض عدد أكبر من السفن لأضرار فادحة. ولم يكن قد تم التأمين على أي من هذه السفن بعد نظرًا إلى تكلفة الأقساط الباهظة جدًا.

تحويل المخاطر لشركة التأمين

تجدر الإشارة إلى أن نقل المخاطر من خلال التأمين يحوّل المخاطر إلى شركة التأمين مقابل القسط المحدد. كذلك، يمكن تحويل المخاطر عبر أحكام الأضرار ضمن العقود علمًا بأن معظم أشكال العقود القياسية تنقل المخاطر إلى حد ما عبر أحكام التأمين وشروط النقل. على سبيل المثال، يضطر أي زبون في العادة للحفاظ على التأمين ضد الحرائق. ولكنه يتوجّب عليه الاستعانة بمتعاقد بغية توفير الإثبات على وجود بوليصة تأمين مناسبة ضد المخاطر كافة تغطي البنود شأن رداءة الصنعة (المحافظة) والعيوب المستترة (الضمانات). فلا يمكن التأمين على هذه البنود، وتتم بالتالي تغطيتها من خلال شروط العقد. والواقع أن هذه الإجراءات تشكل طريقة لنقل المخاطر غير القابلة للتأمين من الزبون إلى طرف ثالث، وقد تم تلخيصها في جدول 3.8.

وفي معظم الأنظمة القانونية، تتوافر الأضرار عمومًا كتعويض لخرق العقد فيما تكون حاضرة مقابل المسؤولية القانونية عن الأذى (أو العرف المعادل) (مثل الإهمال) في بعضها. وبصورة عامة، تغطي الأضرار الخسائر الفعلية التي يتكبّدها الأطراف في العقد. ويتم تحويلها إلى سيولة والتثبت منها (بناء على الخسارة الفعلية). وأحيانًا ما تكون الأضرار جزائية، بموجب قانون شروط العقد غير المنصفة للعام 1977 على سبيل المثال.

لا يمكن نقل كل المخاطر وقد لا يكون من المجدي اقتصاديًا نقل بعضها فيما قد يؤدي نقل خطر واحد إلى ظهور خطر آخر، ما يحول دون تحقيق منفعة صافية. وفي مثل هذه الحالات، قد تكون المحافظة على المخاطر والتصرّف بناء على ذلك أقل تكلفة. ويمكن التطرّق إلى الاحتجاز على سبيل المثال، فقد يصر الزبون على احتجاز ما نسبته 10 بالمئة على كل الأعمال التي ينجزها المتعاقد لحماية نفسه من تقصير هذا المتعاقد. ففي حال وقوع أي تقصير، يتم استخدام مبلغ الاحتجاز للتعويض بقدر ما يكون ذلك ممكنًا.

جدول (3.8): الأحكام العامة للتأمين والنقل
جدول (3.8): الأحكام العامة للتأمين والنقل

4. تفادي المخاطر

يُقصد بتفادي المخاطر إزالة المخاطر بمختلف أشكالها من المشروع علمًا بأنه مرادف لرفض القبول بالمخاطر. وفي العادة، يرتبط تفادي المخاطر بالمفاوضات في المرحلة السابقة لإبرام العقد. لكنه قد يشمل أيضًا الإبطال (أو البت) في أعقاب خرق أساسي لأحكام العقد. ومن الأمثلة التي قد تبلور هذه الفكرة، أحكام الإعفاء. ويقوم تفادي المخاطر بصورة أساسية على فلسفة تفادي المخاطر عبر المفاوضات أو الصفقات بغية التخلص منها بالكامل. وفي المقابل، قد تسنح الفرصة لإعادة تحديد مدى المشروع وحدوده بحيث يتم إلغاء المجال الذي ينطوي على المقدار الأكبر من المخاطر.

5. البحث عن معلومات إضافية

يمكن في بعض الأحيان تفادي المخاطر أو تخفيضها عبر البحث عن معلومات إضافية ترتبط بالقرار. فقد ينشأ مستوى من الارتياب بفعل الافتقار إلى المعلومات المهمة، ويمكن تخفيض مستوى المخاطر المتوقعة إذا توافرت معلومات إضافية. فضلاً عن ذلك، قد تتجلى الحاجة إلى تحسين دقة التقنية المعتمدة للتنبؤ بالمخاطر أو إعداد نماذج عنها بهدف ضمان معالجة المخاطر بالشكل الملائم. هذا وقد يشكل التحيّز مشكلة أخرى وتتجلى الحاجة إلى الرد عليه عبر البحث عن معلومات إضافية.

ضبط المخاطر وسياستها وإعداد التقارير حولها

يشكل ضبط المخاطر مسار استخدام المعلومات التي تم تعلّمها في أحد المشاريع بغية المساعدة على التطوير اللاحق للمشروع كما في مشاريع أخرى. والواقع أن تخزين وتصنيف المعلومات المكتسبة ضروريان لأي نظام جيد لإدارة المخاطر.

وقد يحدث أن تكون أنظمة تحديد المخاطر وتحليلها غير صائبة، أو أن يتم إغفال بعض البنود. وبالتالي، من الضروري أن يتم تسجيل كل الفرضيات ومسارات التقييم ثم قياسها بطريقة ما لمعرفة ما إذا كان أداؤها صحيحًا، مع الإشارة إلى أنه يمكن لاحتمال تحقق المخاطر المحددة وتأثيرها أن يتغيّرا على مر الوقت. فتنشأ الحاجة إلى مراقبة المخاطر المحدّدة ومراجعتها باستمرار من أجل تحديد وضعها التطوري. وينطبق هذا الوضع على وجه الخصوص في الحالات التي تم فيها تحديد المخاطر وإنما لم يتم اتخاذ أي إجراء بصددها بعد. ويمكن تشبيه هذه الحالة بثقب بطيء في إطار سيارة. فيعلم السائق بوجود مشكلة ولكنه يقرر، لأي سبب من الأسباب، ألا يستبدل الإطار. وقد لا يكون في ذلك مشكلة طالما أن السائق يراقب الإطار ويواظب على ملئه بالهواء. أما إذا تزايد معدل تسرّب الهواء، فلن يعود القرار السابق بالامتناع عن أي فعل ملائمًا.

غالبًا ما يتم توثيق التجربة مع المخاطر وإدارة المخاطر في دليل المخاطر. ويمكن إدراج هذا الدليل في وثائق الشركة لأفضل الممارسات. وفي هذا السياق أيضًا، ينبغي إعداد تقارير منتظمة عن مخاطر الربعية الحمراء وإجراء مراجعة مستمرة للبرنامج المعتمد من أجل معالجة هذه المخاطر.

وينبغي إعداد التقارير حول المخاطر وفقًا لجدول زمني وضبطها من خلال استراتيجية شاملة. أما مستوى إعداد التقارير ووتيرتها، فيعتمدان على أهمية المخاطر.

وما إن يتم تطوير استراتيجية المخاطر الشاملة وتقييمها حتى يتم في بعض الأحيان تكييفها وبلورتها في سياسة للمخاطر الشاملة التي تشكل مجرّد بيان بسياسة المؤسسة على مستوى المخاطر وإدارتها.

عناصر سياسة المخاطر

وفضلاً عن تحديد أصحاب المخاطر واستراتيجياتها بالنسبة إلى مخاطر الربعية “الحمراء”، تحدد سياسة المخاطر عددًا من العناصر كما هو مبين أدناه:

  • الغايات والأهداف الشاملة: استنادًا إلى الأهداف الشاملة لنظام إدارة المخاطر، ينبغي أن تبيّن السياسة بوضوح ما هي المحصّلات المطلوبة لكل قسم أو وحدة ضبط. وقد ترتبط الغايات والأهداف بمعالجة المخاطر الخاصة كما هي محدّدة في خارطتي المخاطر الحالية والمخاطر المستهدفة، أو قد ترتبط بالمخاطر الخاصة المعزولة في مساري التحديد وتعيين المصادر.
  • تأدية الحساب بالنسبة إلى المدراء الفرديين: يتم في العادة تحديد تأدية الحساب من خلال مصفوفة مسؤوليات المهمات حيث تعيّن الأهداف والموجبات الفردية نسبةً إلى السياسة ككل.
  • القنوات الرسمية لإعداد التقارير: تحدد السياسة وتيرة إعداد التقارير، والتبليغات، والعضوية، والمسؤوليات الفردية.
  • مقدار الاختلاف المسموح به في المخاطر: لا تشكل إدارة المخاطر علمًا دقيقًا، ولا يمكن تحقيق كل الأهداف بعناية كاملة. ومن الضروري التصريح بالانحرافات ومقدار الاختلاف المسموح به في هيئة مغلف التباين المباشر. ويبرز هذا المغلّف حدود الممارسات المقبولة ويطلق جرس الإنذار في حال خرج الأداء الشامل عن هذه الحدود.
  • التفويض: تحدد السياسة إجراء التفويض، وهو أمر ضروري في المشاريع الكبرى المعقّدة حيث قد لا يتضح مباشرة مَن المفوَّض بماذا. وسيتم عمومًا اعتماد مصفاة التفويض التي تعيّن الحدود المالية (أو غير ذلك من المقاييس مثل المخاطر المحددة التي تم قياسها كميًا بحسب ما يكون ملائمًا) التي تنطبق على التفويض في كل مستوى من مستويات إعداد التقارير.

أضف إلى ذلك، يُفترض في الأساس بكل سياسة للمخاطر أن تطوّر أهدافًا خاصة للأقسام المستقلة داخل المؤسسة. وما إن تحقق هذه الخطوة حتى يتم تطوير السياسة وإعدادها كوثيقة استراتيجية.

  • مراجعة موضوعات إدارة مخاطر المشروع:

المصدر

  • الوحدة الثالثة من كتاب إدارة المشاريع، إدارة مخاطر المشروع – أحوال المخاطر وصنع القرارات. تأليف الأستاذ ألكسندر روبرتس والدكتور وليام والاس، جامعة هيريوت وات، كلية إدارة الأعمال، إدنبرة، إسكتلندا، المملكة المتحدة.
  • موسوعة إدارة المشاريع، مركز البحوث والدراسات متعدد التخصصات.