الرئيسية » إصدارات المركز » مقالات ودراسات » نحو تطوير الفنون والثقافة الفنية والتذوق الفني (1) الفنون والعلوم

نحو تطوير الفنون والثقافة الفنية والتذوق الفني (1) الفنون والعلوم

آخر تحديث: نوفمبر 10, 2020

نحو تطوير الفنون والثقافة الفنية والتذوق الفني

(1) الفنون والعلوم

بالرغم من كل السلبيات المرئية، أو حتى الخفية، لظاهرة انتشار الأعمال الفنية الهابطة من حيث المستوى الفني أو الأخلاقي إلاّ أننا نستطيع أن نقول، بشكل لا يقبل الشك، أنها وفرت لنا أحد أهم الانجازات البحثية الإحصائية في العصر الحديث، وهو الإنجاز الذي لا يستطيع أكبر مركز أبحاث متخصص بالشأن الثقافي استكشافه بسهولة إذا لم يكن مستحيلاً، بحيث أنه بإمكاننا الآن، وبلمح البصر، قياس كل من نسبة ومنسوب الثقافة السلبية والترهل الثقافي في المجتمع وذلك من خلال معرفة العائد المادي الذي يعبر عنه شباك التذاكر لمثل تلك النوعية من الأعمال الفنية وخاصة الأفلام، وهي طريقة سهلة وموثوقة الآن بعد أن كانت تتطلب الكثير من الوقت والجهد القائم على أسس البحث العلمي المنظم الذي اعتدنا على استخدامه لقياس نسبة الأمية أو التعليم العالي في المجتمع مثلاً.

والفن الذي لعب على مر العصور دوراً مهماً وأساسياً في منظومة البنية الثقافية للإنسان بحيث أنه ساهم بشكل ما في تأسيس العلاقة الخفية بين ثقافته العامة والعلمية المتخصصة، مهما كان هذا التخصص، وعزز كل منهما الآخر لدى كل شخص بطريقة لا يعلمها إلاّ هو بحسب تخصصه الأدبي أو العلمي أو حتى ميوله الفنية والرياضية وطبيعة الفنون التي يستهويها، أصبح الآن، بأعماله الهابطة أو حتى الركيكة، في الكثير من الدول وحتى العظمى منها، وسيلة للنزول بالمستوى الثقافي للمشاهد بل وتغذيته بالثقافة السلبية ومن ثم جذبه للاستمرار في هذا المستوى من خلال إقباله على مشاهدتها بشكل متكرر، بحيث أصبح المشهد العام للمسيرة الفنية وكأنها تراجيديا مسرحية شاملة لواقع فني ثقافي أليم ينتظر الجميع إسدال الستار على مشهدها الأخير الذي يموت فيه “الفن” وسط تصفيق الجماهير!

والعلاقة التبادلية والتكاملية ما بين الفن والثقافة والعلوم ظهرت منذ عقود في الغرب وفي بعض الأعمال العربية المتميزة أيضاً وفي كثير من المجالات، فعلى صعيد التخصص الأدبي، كان هناك ارتباط للكثير من الروايات الأدبية الكبرى المطبوعة بالفن السينمائي أو المسرحي بحيث تم تحويلها لأفلام أو مسرحيات عالمية تربعت إحداها على عرش السينما العالمية حتى اللحظة ولاقت رواجاً منقطع النظير عبر عقود من الزمن مقارنة بالكثير من الأعمال الفنية الأخرى من المسرحيات والأفلام الاعتيادية التي لم تكن قصصها من أصل عمل أدبي مكتوب ومطبوع كعمل روائي، وقد كان مشاهدة مثل تلك المسرحيات والأعمال السينمائية الكبرى، المقررة في بعض الكليات الأدبية المتخصصة أو العلوم الإنسانية، أحد أهم أسباب تميز وتفوق طلابها أو حتى إبداعهم في المجال الأدبي حتى لو كان مطلب مشاهدتها اختياريا، بحيث أسس هذا الأمر لعلاقة ثقافية تبادلية بين رواد الفن والأدب يرفع كل منهما الآخر.

وفيما يتعلق بالتخصصات العلمية، فقد لعبت أفلام الخيال العلمي الغربية مثلاً دوراً لا يُستهان به في دفع عجلة التطور العلمي والتكنولوجي وتنبأت في كثير من المواضع بأسرار المستقبل وتكنولوجيته وعلومه المختلفة، حتى وإن كان بشكل مُبالغ فيه أحياناً، وقد كانت في أغلبها، وبخاصة الناجح منها، تحترم المشاهد المتخصص في تلك العلوم بطريقة تجعله يشعر أن تفاصيل الأحداث لم تخرج عن المعقول من منظوره العلمي الخالص بل تساعد أحياناً في تطوير قدراته تماماً مثلما فعلت الأعمال الفنية التي تعود قصتها لرواية أدبية، وقد كان هذا الأمر يتماشى غالباً مع جميع التخصصات العلمية العامة والدقيقة في معظم الأفلام التي ترتكز قصتها الرئيسية على مسائل وقضايا علمية أو حتى تحتوي جانب منها ضمن السياق العام لأحداث الفيلم حتى وإن كان رومانسياً، ومن أمثلة هذه الأفلام ما تعلق بمسألة الانتقال عبر الزمن، تلك المسألة التي أسست لها النظرية النسبية لآينشتين، النظرية العلمية الأكثر تعقيداً على مر العصور، وذلك بالرغم من وضعها في إطار كوميدي.

وحتى بالحديث عن أعمال فنية تخاطب الجمهور الأصغر سناً كانت السمة الأساسية لتلك الأعمال أنها تحترم وتقدر احتياجات واهتمامات بل وحتى التطلعات التعليمية والطموحات المتنوعة للجمهور من طلاب المدارس أو الجامعات وتساهم بشكل ما في دفعهم للتعلم وبذل الجهود المناسبة لتحقيق آمالهم بطريقة واقعية، وقد تجسد ما يمكن أن نطلق عليه “أعظم أسرار النجاح الفني على مر العصور” يمكنني الإفصاح عنه هنا وامتلكته سلسلة أعمال الكرتون الخاصة بالأطفال “توم وجيري”، ويتلخص هذا السر في احترام هذا العمل، بشكل مثير للدهشة أحياناً، لعقلية المُشاهد “الطفل” من منظور علمي متخصص قد يتعلق بمسائل رياضية وهندسية دقيقة، وهو من أهم أسباب نجاح هذه السلسلة على مر كل تلك العقود واستمرار مشاهدتها من قِبل الصغار والكبار على حد سواء والتي ينبغي أن تكون نموذجاً يُحتذى به للأعمال الفنية التي تحترم عقلية المُشاهد مهما كانت فئته العمرية وتتطلع للنجاح، ولا يضاهيها في هذا التميز من حيث اللغة والمضمون وحتى التفاصيل العلمية الدقيقة إلاّ مجلة واحدة قصصية للأطفال في الشرق الأوسط كله والمعروفة باسم مجلة “ميكي جيب”.

بالمقابل، نجد أن العصر الحديث، بكل ما يحمله من تطور فكري علمي وتكنولوجي، أثر بشكل معكوس على النقلة النوعية التي حدثت في إنتاجنا الفني العربي، بحيث أنها هبطت بالأعمال الفنية لتصل إلى مستويات اتصفت بالتدني الثقافي والأخلاقي أحياناً أو بالركاكة وإهمال المنطق والسياق واحترام القدرات الفكرية للمشاهد، حتى وإن كانت أعمالاً هادفة، أحياناً أخرى، بحيث اشتملت على ثغرات وهفوات أدت إلى ابتعاد المشاهد المثقف والمتخصص، أدبياً أو علمياً، عن الفن برمته، بل وصل بالبعض أحياناً حد السخرية مما تحتويه من هفوات واستهتار في كثير من مشاهدها وتشبيهها بالأفلام الهندية التي تتميز بهذا الأسلوب، كما أنها أفسدت لدى المستمرين في مشاهدتها، من غير المثقفين أو المتخصصين، الحس والتذوق الفني العام على مر السنوات بحيث أبقت المسيرة الفنية في النهاية على كل من الأعمال الفنية الهابطة وجمهور استهلاكي لا يمتلك أدوات القياس من تخصص أو ثقافة فنية أو حس وتذوق فني يستطيع تقييم الأفلام باستخدامها، الأمر الذي أدى لانسياقه وقبوله بمثل تلك الأعمال بشكل طوعي وبدون وعي ويسير معها في منحنى تنازلي يسحبهم للقاع معاً ويصعب التنبؤ بالنقطة التي يمكن أن يصلا إليها من حيث طبيعة الأعمال الفنية التي ستأتي في المستقبل أو المستوى الثقافي الذي ستأخذهم إليه تلك الأعمال، ناهيك عن الزيادة التصاعدية في أعداد هذا النوع من الجمهور التي يتغنى بها بعض المنتجين ويعتبرها مقياس نجاح لأفلامه الهابطة.

وإذا كنا بصدد علاج هذه المسألة، جذرياً، بهدف تطوير الفنون فيكون لزاماً علينا معالجة أسبابها الأولية الحقيقية وليس نتائجها الحالية فقط، فمن جهة، إذا اعتبرنا أن هذا المستوى الهابط والركيك هو مطلب الجماهير، بدلالة النجاح المادي الذي تحققه الأعمال الهابطة في شباك التذاكر إحصائياً، نكون قد أصبنا نصف الحقيقة، ومن جهة أخرى إذا اعتبرنا أن المستوى المتدني للأعمال الفنية هو الذي دفع الجمهور نحو ذلك المستوى بشكل تدريجي خلال عدة عقود نكون قد أصبنا النصف الآخر من الحقيقة، ويكون من الحكمة هنا البدء بإعادة التأهيل والتصحيح بشكل متوازي وعلى المدى البعيد لطرفي المعضلة من أجل رفع “مستويات” الثقافة الفنية والتذوق والحس الفني العام لدى المشاهد، لكي لا يهرول نحو الأعمال الهابطة، من جهة، والعمل على الارتقاء بالأعمال الفنية لتحافظ على احترام تلك المستويات، الموجودة بالفعل لدى بعض الجمهور العازف عن مشاهدة الأعمال الفنية أو التي سيتم إيجادها لدى البعض الآخر من أولئك المهرولين، من خلال تقديم الأعمال الفنية المتميزة والعالية المستوى من جهة أخرى.

وتفاصيل تلك المسيرة الإصلاحية الفنية الشاملة الهادفة للتطوير، والتي ستكون بطابع تدريجي شبيه بالطابع الذي أدى لنشوء المشكلة أصلاً، ينبغي أن يتم التأسيس لها من قبل جميع أفراد المجتمع وفي كل مكان، في البيوت والمدارس والجامعات والنوادي الرياضية والاجتماعية والثقافية، وحتى في الإنتاج الأدبي والروائي الأكاديمي والاحترافي الذي يغذي مضامين الأعمال الفنية أو قصص وألعاب وبرامج الأطفال، فكل هذه الأركان الأساسية في المجتمع تساهم بشكل ما وبقدر معين في تأسيس منظومة الثقافة الفنية بكافة أشكالها وزرع حاسة التذوق الفني بكل خصائصه لدى الأجيال المتعاقبة، كما أنها تؤسس للترابط والتكامل مع مختلف الآداب والعلوم بشكل يؤدي بالنهاية لتأسيس الاحترام المتبادل بين الفنون والعلوم ورفع مستوى الثقافة الفنية والحس والتذوق الفني لدى الجمهور، ذلك الجمهور الذي سيكون له الدور الأساسي بعد ذلك في إنجاح الأعمال الفنية التي تليق بمستواه وتحترم تفكيره وإفشال ما دونها من الأعمال، كما سيؤسس لمسيرة فنية مستقبلية ناجحة تتطور بشكل تسلسلي لأجيال المستقبل المتعاقبة والتي سوف تسير على نفس الخطى بحكم نشأتها في بيئة يتوفر فيها كل ما يتم زرعه اليوم.

أما على صعيد صنّاع الفن أنفسهم بكافة أشكاله فهم مطالبون الآن، أكثر من أي وقت مضى، بإعادة النظر في كل ما يتم تقديمه من أعمال فنية وبدء الارتقاء بها إلى المستوى الذي يحترم القدرات والإمكانات الفكرية لجميع المشاهدين على اختلاف مستوياتهم وتخصصاتهم الأدبية والعلمية بكافة أشكالها بل والعمل على الإضافة والتطوير لتلك الإمكانات ضمن سياق أحداث وسيناريوهات ومرجعيات علمية منطقية معقولة ومقبولة حتى وإن كانت خيالية، باعتبار أن ذلك هو المدخل الأساسي والسر الأعظم للنجاح واستمراريته، وبحيث تليق تلك الأعمال بكل فئات المجتمع، سواء من المثقفين بشكل عام أو المتخصصين وأصحاب المهن المتنوعة مهما كانت دقيقة والطلاب وحتى المواطن العادي البسيط الذي قد تعجبه وتجذبه مثل تلك النوعية من الأعمال الفنية بشكل فطري فقط لما يمكن أن تحتويه من تفاصيل فنية وفكرية جاذبة له أكثر من أي شيء آخر، إضافة لما يجب أن تحمله من جوانب أخرى تتناسب مع العادات والتقاليد والأخلاقيات والتي يجري الحديث عنها يومياً، ولكنه فضل العزوف عن كل الفنون بسبب ما وصلت إليه من تدني في المستوى بالرغم من أنه قد يكون لا يزال يتابع ما اصطلح على تسميته “أفلام الأبيض والأسود” القديمة نسبياً ويرى فيها ما يفتقد وجوده في معظم الأعمال الفنية الحالية مهما كانت متحضرة ومعاصرة.

وحتى تتحقق أهداف هذه المسيرة على المدى البعيد يتطلب الأمر التعاون والتعاضد بين كل أركان المجتمع والبدء بتحمل الكثير من المسؤولية التثقيفية للجميع في كل مكان، كما أن صنّاع الفن تحديداً مطالبون بعدم الاهتمام بالأرباح المادية المباشرة من شباك التذاكر فقط، والقبول بالعائد المادي التراكمي التصاعدي الذي قد يكون أقل من المعتاد في البداية عند إنتاج أعمال فنية بالمستوى العالي المطلوب، مع التأكيد على أن هذا الأمر قد لا يتطلب زيادة في التكاليف بقدر ما يتطلب إعادة توزيعها بالشكل المناسب والابتعاد عن الإسراف في أوجه الصرف لصالح الشكليات والديكورات وغيرها واستبدالها بأوجه صرف أكثر أهمية لتحقيق السمو الفكري والقيمة الأدبية والعلمية للعمل الفني حتى يرتقي للمستوى المطلوب، الأمر الذي من شأنه أن يصب في النهاية لصالح المجتمع ككل ويعمل عمل الرافعة الذاتية له وللفن بشكل تبادلي، كما أنه سيعود بالنفع على صنّاع الفن أنفسهم بشكل استراتيجي بعيد المدى، تماماً مثلما يحدث لأي مشروع استثماري يبدأ بداية بسيطة ويعمل على التحديث والتطوير لمنتجاته باستمرار لتناسب تطلعات المستهلك من جهة ولكسب المزيد من الزبائن على المدى البعيد من جهة أخرى، فجمهور اليوم الذي قد لا يحقق الأرباح المرجوة سوف يكون جمهوراً أكبر في المستقبل وسيكون هو السبب الرئيسي لمزيد من الارتقاء والإبداع والأرباح في آنٍ معاً، وباعتقادي أن مثل هذه التضحيات البسيطة سوف تكون أفضل بكثير مما يحدث الآن من تحول تدريجي للكثير من صنّاع الفن وحتى الفنانين المبدعين والمتميزين وتوجههم للعمل في مجال الإعلانات التجارية!