الرئيسية » إصدارات المركز » مقالات ودراسات » الحلول الإبداعية الجذرية لمشكلات التعليم (5) مفارقة التعليم والتدريب

الحلول الإبداعية الجذرية لمشكلات التعليم (5) مفارقة التعليم والتدريب

آخر تحديث: نوفمبر 10, 2020

الحلول الإبداعية الجذرية لمشكلات التعليم

نحو التطوير الإستراتيجي لمنظومة التربية والتعليم

(5) مفارقة التعليم والتدريب Education and Training Paradox

بالرغم من كثرة وتنوع الألعاب الرياضية المنتشرة في كل مكان حول العالم إلاّ أننا نستطيع أن نقسمها إلى قسمين لا ثالث لهما، بحيث تنتمي كل لعبة لأحد هذين القسمين بغض النظر عن طبيعتها وأهدافها ومهما كانت سماتها المميزة لها. ويعتمد هذا التقسيم على خاصية خفية، ربما حتى على الرياضيين أنفسهم تتعلق بطبيعة المنافسة في كل لعبة، والتي قد تكون ساهمت إما في استمرار إبداعهم وتميزهم فيها لفترات طويلة أو في فشلهم المبكر وابتعادهم عنها منذ الصغر. القسم الأول يشتمل على كل الألعاب التي تتشابه فيها، وربما تتطابق، طريقة اللعب أثناء التدريب مع طريقة اللعب عند المنافسة في المباريات الرسمية مع لاعبين آخرين، كرياضة السباحة وسباقات العدو والمشي والوثب والقفز والرمي والفروسية والجمباز وكمال الأجسام ورفع الأثقال وغيرها من الألعاب التي يتدرب فيها اللاعب ويبذل المحاولات المتكررة في الحصص التدريبية ومن ثم يقوم بنفس الأمر ولكن بمشاركة لاعبين آخرين في المنافسات والمباريات المختلفة فيما بينهم. أما القسم الثاني فيشتمل على الألعاب التي يستحيل أن تتشابه فيها طريقة اللعب أثناء التدريب مع طريقة اللعب عند المنافسة في المباريات الرسمية مع لاعبين آخرين، كرياضة كرة القدم وكرة اليد والسلة والطائرة والتنس والملاكمة والمصارعة وغيرها من الألعاب التي تتنافس فيها الفرق مع بعضها البعض وتلعب في كل مرة بطريقة جديدة وباحتمالات لانهائية من الطرق التي تحدد سير مثل تلك المباريات، بحيث يستحيل أن تتشابه مع التدريب الذي يجري قبل بدء المنافسة.

وبالتدقيق في مسألتي التعليم والتدريب بشكل عام في شتى المجالات فإنه يمكن ملاحظة الفرق الخفي والجوهري فيما بينهما، والذي بمكن استنباطه من الفرق بين موقفي سبّاح محترف وفريق كرة قدم يخسران في المباراة النهائية في إحدى المنافسات. فالسبّاح لم يواجه أمراً جديداً عليه غير السباحة بسرعة والتي دأب على التدرب عليها قيل المنافسة، ورغم ذلك فإنه يمكن اعتباره وكأنه تعلم درساً جديداً في المثابرة مثلاً في تلك المباراة، أما فريق كرة القدم فقد واجه أمراً جديداً عليه تميز باللعب بطريقة غير محددة الملامح مسبقاً في تلك المباراة، طريقة حددها أسلوب الفريق المنافس وفرضها عليه، وجعلت المباراة تسير بشكل فريد يستحيل تكراره، الأمر الذي يجعل الفريق الخاسر يبدو وكأنه قد قام بحصة تدريبية جديدة ولكنها قد تكون مليئة بالدروس!

وبالرغم من الفروق المعلومة أو حتى الخفية بين التعليم والتدريب، إلاّ إنه لا يمكن بأي حال من الأحوال الفصل بين العمليتين. فالتعليم دائماً وأبداً يمكن تدعيمه بالتدريب، والعكس صحيح، بل والأكثر من ذلك فإنه لا يمكن الحكم على أية عملية تعليمية بأنها ناجحة إلاّ لو اشتملت على التدريب بالفعل، كما أنه يستحيل تحقيق أهداف التدريب ما لم يتضمن لمسات تعليمية تقترن به وتعزز من تثبيته في ذاكرة المتدرب، تماماً مثلما تفعل حصص الإملاء في اللغة العربية وحصص التمارين وحل المسائل في الرياضيات التي تتميز بأنها من أهم الحصص المدرسية العصيّة على النسيان عند معظم الطلاب، والتي بالرغم من اعتبارها مجرد حصص تدريبية إلاّ أنها كانت دوماً مليئة بالدروس الجديدة!.

إن تطوير منظومة التربية والتعليم، وإن كانت تستلزم الكثير من الجهود الخاصة بتطوير المناهج التعليمية، إلاّ أنه يلزم لهذا التطوير حتى يكون تطويراً فاعلاً ومجدياً أن يكون مشتملاً على استحداث أساليب جديدة ومتخصصة في التدريب وصولاً لإيجاد حالة من التكامل بين التعليم والتدريب بشكل يخدم أهداف العملية التعليمية برمتها ويعزز من قدرة الطالب على التعلم من خلال ممارسته للتدريبات المتنوعة في شتى المجالات، حتى وإن تطلب الأمر تعديل برنامج الحصص الأسبوعي ليشتمل على حصة مخصصة للتدريب في كل منهج من المناهج التعليمية المقررة بحيث يتم استثمارها في التدريب والتطبيق العملي لكل ما احتوته الدروس الاعتيادية المقررة خلال الأسبوع وبطرق مبتكرة تساعد في تحفيز الطالب وتثبيت فهم المادة العلمية المقررة في ذاكرته باستخدام أساليب التدريب العملية من جهة وتعزز من قدرته على التفكير الإبداعي اللازم للتوصل إلى حلول لتلك التدريبات من جهة أخرى.