الرئيسية » إصدارات المركز » مقالات ودراسات » نحو التطوير الاستراتيجي لمنظومة الاقتصاد (2) استحداث دوائر الاستخبارات الاقتصادية

نحو التطوير الاستراتيجي لمنظومة الاقتصاد (2) استحداث دوائر الاستخبارات الاقتصادية

آخر تحديث: نوفمبر 10, 2020

نحو التطوير الاستراتيجي لمنظومة الاقتصاد

(2) استحداث دوائر الاستخبارات الاقتصادية

يحدث أحياناً أن يستغرب خبراء الاقتصاد والاستثمار في الأوساط الاقتصادية العالمية من صفقة لبيع مُنتج ما، أو حتى شركة متعددة المنتجات بأكملها، لشركة أخرى بسعر خيالي يفوق توقعاتهم وتقديراتهم المتفق عليها في الوسط الاقتصادي، لدرجة أنها تُثير الدهشة والتساؤلات التي تبحث عن إجابات لها وسط تخمينات وتكهنات عديدة لفحوى الأهداف الحقيقية للصفقة وأسبابها، والتي قد تبقى أسرارها خفية حتى لو تم الإعلان عن حقائق هامشية أو أقل أهمية كنوع من التمويه والتغطية “المشروعة” على أسرار العمل بهدف الحفاظ على مفاتيح التميّز والتفوق على المنافسين من الشركات الأخرى.

ففي مجتمع شركات المعلوماتية مثلاً هناك العديد من الصفقات التي تجريها شركات كبرى بهدف الاستحواذ على شركات ناشئة بأسعار خيالية، وحقيقة الأمر أن سر الصفقة أحياناً قد لا يتعدى أن يكون “جملة برمجية” فريدة في برنامج الحاسوب الخاص بمنتج الشركة الناشئة تمت صياغتها بطريقة غير مسبوقة وتؤدي أغراضاً مهمة للمستخدم بحيث تضمن الشركة الكبرى بهذه الصفقة الإبقاء على الصدارة وتقديم الخدمة المتميزة واستدامتها بشكل استراتيجي بدون منافسين محتملين في المستقبل، ولا يخفى على خبراء المعلوماتية أن شركة محرك البحث العالمية العملاقة “جوجل” أسست كل نجاحها وتميزها المنقطع النظير وتربعها على قمة هرم شركات المعلوماتية في السوق العالمي على فكرة جملة برمجية من هذا النوع، وهي جملة رياضية مهمتها فقط سرد نتائج البحث بطريقة إبداعية مُبتكرة تُرضي احتياجات المستخدم من حيث ترتيب أهمية المحتوى الذي يبحث عنه على شبكة الإنترنت لا أكثر!

وفي الوقت الذي قد يتمادى فيه المحللون والخبراء في تفسير حقيقة ودوافع هذا النوع من الصفقات، المُثيرة، أو حتى تفسير الخطط والسياسات الاقتصادية للشركات والمؤسسات العالمية بشكل عام، ويضعون التحليلات والرؤى التي تشرح أسبابها ونتائجها المُبهرة المُنتظرة إلاّ أن معظمها يكون بعيداً كل البُعد عن الحقائق والدراسات التي ارتكزت عليها تلك الخطط، وبالرغم من ذلك قد يتأثر بتلك الرؤى ويأخذ بها رواد شركات ومؤسسات أخرى شبيهة ويهرولون لتطبيقها في بيئاتهم كنوع من التقليد والاستنساخ الهش وتكون النتائج أقرب للفشل والتبذير منها للنجاح وذلك وفقاً لغياب الركائز الحقيقية التي كان يتوجب أن تستند عليها تلك الخطط المستنسخة في بيئاتهم بكل ما فيها من خصائص مميزة لها.

ومهما تعددت أسباب اتخاذ القرارات المهمة في الشركات والمؤسسات الاقتصادية العالمية، التي تستند في عملها على أسس علمية سليمة وعصرية، إلاّ أنها تتشابه في كونها اتُخذت وفق تحليلات ودراسات تقترب من منهج العمل الاستخباراتي الأكاديمي المنظم الذي يقوم بدراسة وتحليل المعلومات بطرق علمية متقدمة وتخطيط وتنفيذ الدراسات التحليلية والأبحاث المتخصصة ومن ثم تقديم النتائج لصنّاع القرار لرسم السياسات واتخاذ القرارات التي تؤسس للنجاح الاستراتيجي وتضمن استمرارية المحافظة عليه، بل وحمايته من الفشل مهما تعددت أسبابه المستقبلية، وفق تلك الأبحاث، ولا عجب إن كانت هذه الشركات والمؤسسات تستقطب المحللين والباحثين والخبراء في التخصصات الأكاديمية الحديثة كاستخبارات الاستثمار والأعمال والاستخبارات الاقتصادية والتنافسية واستخبارات التسويق، بالمفهوم العلمي الأكاديمي الحديث، التي انتشرت في الأوساط الأكاديمية العالمية، وتوظفهم في إدارات متخصصة بهذا الشأن في هيكلها الإداري وبنفس المسمى المُثير أحياناً، أو حتى بمسميات أخرى أقل إثارة لطموح الشركات المنافسة غير المواكبة لتطورات العصر، سواء كانت شركات عالمية كبرى أو حتى مجرد محلات لبيع الأغذية بالتجزئة!

إن استحداث دوائر متخصصة بالاستخبارات الاقتصادية والاستثمار والأعمال بشكل عام في هيكلية المجتمع الاقتصادي أصبح ضرورة ملحة في هذا العصر المليء بالمتغيرات والمؤثرات والتشابكات، ليس على مستوى الشركات المتوسطة أو الكبرى أو حتى المؤسسات الاقتصادية ولكن على مستوى أشمل وأوسع ليصل إلى أعلى هيئة اقتصادية في المجتمع والتي تعني برسم السياسات الاقتصادية والتخطيط والتطوير الاقتصادي فيه وفق أسس علمية وأولويات مدروسة وتعمل على تعزيز مقوماته الاقتصادية بشكل متكامل مع المقومات الأخرى وتؤسس للتغلب على المعضلات التي أفرزها، وسيفرزها في المستقبل، العصر الحديث والتي تستدعي المزيد من البحوث المتخصصة التي تتخطى حدود الإطار الاقتصادي الكلاسيكي وتشتمل على التحليلات المتقدمة، غير التقليدية، للمعطيات بكل أشكالها وتقاطعاتها البينية ودراسات التنبؤ والاستقراء واستشراف المستقبل لتقديم الرؤى الإستراتيجية والعميقة التي تساعد متخذي القرارات في التطوير الاقتصادي بالشكل الصحيح والمناسب وضمان حمايته واستدامته بما يتماشى مع كل من السمات الأساسية للبيئة المحيطة ومتغيراتها ومؤثراتها وخصائص وملامح النمو السكاني فيها والتشابكات والتقاطعات مع المجالات الحيوية الأخرى المرتبطة بالاقتصاد من جهة وضغوط السوق العالمي وتطوره المستمر والتنافس الشديد فيه من جهة أخرى.