الرئيسية » إصدارات المركز » مقالات ودراسات » نحو تطوير الفنون والثقافة الفنية والتذوق الفني (2) الفنون و النقد الفني

نحو تطوير الفنون والثقافة الفنية والتذوق الفني (2) الفنون و النقد الفني

آخر تحديث: نوفمبر 10, 2020

نحو تطوير الفنون والثقافة الفنية والتذوق الفني

(2) الفنون و النقد الفني

يُعتبر النقد الفني البنّاء والمبني على أسس صحيحة، سواء من منظور التحليل المعمق والمتخصص للعناصر الفنية أو من منظور الرؤية الشاملة لكل الأركان التي تُعبر في مجموعها عن مرجعية ثقافة فنية بشكلها العام، هو المحرك الرئيسي والأهم لتطوير الأعمال الفنية ونجاحها وحتى استمرارية هذا النجاح. والنقد الفني ليس نقد من أجل النقد فقط أو نقداً سطحياً فيه الكثير من المديح المبالغ به، الذي يؤدي إلى الغرور أحياناً ومن ثم الاستهتار والفشل، ولا نقداً هداماً قد يؤدي إلى الإحباط، بل هو رؤية فنية إبداعية تهدف لكشف البؤر الحقيقية ومكامن التفوق والإبداع في الأعمال الفنية من أجل التعريف بها وتبسيطها وإظهارها لكل من الجمهور والفنانين أنفسهم حتى لو كان يتمثل بعبارة واحدة، وهو ما يساعد الفنان في الالتفات لها والحفاظ عليها وتنميتها في مسيرته الفنية، كما أنه يمكن للنقد الفني أن يُظهر نقاط الضعف والترهل في الأعمال الفنية بطريقة بنّاءة تهدف للمساعدة في التقويم والمعالجة والتطوير، وبطبيعة الحال سوف يساهم كل ذلك بشكل موازي في تثقيف الجمهور فنياً وتنمية حاسة التذوق الفني لديه، الأمر الذي يؤدي بالنهاية لتطوير وازدهار المسيرة الفنية بكل مكوناتها وأشكالها وألوانها بشكل تراكمي.

والترهل التدريجي الذي أصاب منظومة النقد الفني بدأ منذ عدة سنوات بظهور ما يسمى النقد الفني التجاري الذي أسست له دوائر وغرف صناعة الفن في الغرب وفق آلية تجارية استثمارية لتعزيز عمليات التسويق باستخدام مدراء أعمال لبعض الفنانين العالميين وظهور الكثير من أشباه النقاد الدخلاء على عالم النقد الفني الحقيقي بحيث أثر ذلك على مسألة النقد الفني برمتها وجعلها تبدو وكأنها عملية تسويق إعلاني تجاري للأعمال الفنية أكثر من أن تكون ناقدة ومقومة لها ومن ثم للمسيرة الفنية بكل تفاصيلها. كما انتشرت هذه العدوى وضمت نقاد من نوع جديد من خلال ما وفرته التكنولوجيا وعصر الإنترنت والتواصل الإليكتروني الذي سهل للكثير ممن يمكنهم توجيه ما يشبه النقد أو حتى إبداء الاستياء أو الإعجاب مباشرة بالفنانين وأعمالهم الفنية عموماً، وقد أصبح لما يمكن أن نطلق عليه “الإحصاءات الركيكة” الكثير من التأثير في تقييم العمل الفني والتسويق له لدرجة قد تكون أكبر من تأثير النقد الفني المتخصص والبنّاء، بخاصة في مواقع الإنترنت والتواصل الاجتماعي والتي انتقل إليها السباق في إظهار أعداد المعجبين من الجمهور بالأعمال الفنية حتى وإن كان معظمهم يقومون بذلك بشكل روتيني سطحي و70% منهم لا يتجاوز سنهم خمسة عشر عاماً!!

إن تصحيح وتقويم ودعم ازدهار المسيرة الفنية هو مسؤولية الركن الأساسي لمنظومة الفنون بكافة أشكالها والمتمثل بالنقد الفني، وأي إهمال أو تهميش لهذا الركن المهم يؤدي إلى تراجع وترهل المسيرة الفنية برمتها، وهو بحاجة ملحة الآن لتفعيل آلية العمل الخاصة به وتعزيز مكانته في المسيرة الفنية ودفعه ليكون الوسيلة المثلى والمتقدمة في هيكلية المجتمع الفني ليقوم بالدور المهم والبنّاء في تقييم ودعم الفنون وإظهار بريقها وتدعيم أسس نموها وتطورها في هذا العصر. ومن أمثلة الأدوار التي يتوجب أن تُسند للنقد الفني هو ما نشاهده في برامج مسابقات المواهب والفنون في الفضائيات الأجنبية والعربية وكيف تقوم لجان التحكيم في معظم الحلقات بعمليات النقد والتقييم للمشتركين باعتبارها لجان تحكيم ونقد فني، حتى وإن كانت غير متخصصة في كل المواهب، بحيث أوقفت مسيرة بعض المشتركين الذين يستحيل اعتبارهم أصحاب مواهب فنية وأبعدتهم عن المنافسة قبل بدء عملية التصويت من قبل الجمهور، بالإضافة لما تقدمه من توجيهات وملاحظات للمشتركين الموهوبين فعلاً وإبراز مكامن إبداعاتهم بطريقة تساهم في تطوير قدراتهم من جهة وتثقيف المشاهدين وتعريفهم بطبيعة وخصائص الفنون التي يقدمونها من جهة أخرى، الأمر الذي يقود بالنهاية للتأثير الإيجابي على تذوق تلك الفنون، وهي تذكرنا بالطريقة التي كانت تقوم بها برامج تليفزيونية عريقة توقفت منذ سنوات وكانت تقدم لمحة نقدية يتم عرضها قبل بدء عرض الأفلام السينمائية، والتي بالرغم من أن مدتها كانت لبضعة دقائق فقط إلاّ أنه كان لها من التأثير ما يفوق تأثير كل ما يتم تداوله اليوم حتى لو كان لساعات طويلة وربما لأيام!!