الرئيسية » إصدارات المركز » مقالات ودراسات » نظريات العقد الاجتماعي الحديثة (3) العقد الديني الاجتماعي

نظريات العقد الاجتماعي الحديثة (3) العقد الديني الاجتماعي

آخر تحديث: نوفمبر 10, 2020

نظريات العقد الاجتماعي الحديثة

(3) العقد الديني الاجتماعي

تتفق جميع الأديان السماوية في كونها نزلت من أجل البشر ورحمة لهم ولإخراجهم من الظلمات إلى النور ونشر الخير والمحبة والتسامح والسلام والحكمة ومكارم الأخلاق فيما بينهم والتأسيس لمجتمعات علمية حضارية عقلانية وأخلاقية، وقد واجه معظم الأنبياء والرسل على مر العصور الكثير من الأهوال والمصاعب والعقبات التي اعترضت مسيرتهم النبوية التنويرية، والغريب في هذا الأمر أن أكثر ما تعرضوا له من عقبات ومنغصات ظهرت من الأمم والمجتمعات وحتى القبائل التي ينتمون لها أصلاً ويُبعثون فيها، وذلك برفضهم ومحاربتهم لهم ولرسالاتهم التي تهدف لإنقاذهم من براثن التخلف والظلمات التي يعيشون فيها، الأمر الذي كان أكثر إيلاماً للأنبياء والرسل أنفسهم، وقد كان لحكمة الله سبحانه وتعالى في انتقاءه لأولي العزم من البشر ليكونوا رسله وأنبياءه ربما نظراً لما توفره هذه الصفة من قدرة على مواجهة وتحمل وتخطي مثل تلك الآلام التي يتسبب بها ذوي القربى أكثر من أي شيء آخر.

وبالرغم من وحدة أهداف الأديان السماوية الثلاثة وترتيب نزولها المنطقي، الذي اختتم بنزول الدين الإسلامي كمنظومة وسطية شاملة ومتكاملة تحتوي كافة الشرائع والأحكام اللازمة لتسيير شئون الحياة وفيها من الحكمة والمرونة الكافية لإمكان الاجتهاد من أجل استنباط سبل تطويره وتجديده ليكون صالحاً في كل مكان وزمان لحياة المسلمين وطرق تعايشهم مع معتنقي كل الديانات الأخرى، إلاّ أنها جميعاً عانت، ولا تزال تعاني، من الاختلافات فيما بينها والناتجة عن اختلافات في تقديرات البشر أنفسهم وقناعات ومعتقدات المجتمعات التي نزلت فيها تلك الأديان، بل والأكثر من ذلك ما نشأ من اختلافات وانقسامات تشكلت على هيئة طوائف ومذاهب متعددة في كل دين نتيجة اختلاف وجهات نظر بشرية فردية أو معتقدات اجتماعية قبلية في كثير من المواضع بدأت بخلافات حول صغائر الأمور وتطورت تدريجياً عبر التاريخ حتى أصبحت صراعات مذهبية وطائفية على كل الأصعدة وفي كل الاتجاهات وكل الأديان منها براء، تماماً كتلك المعتقدات الفكرية والعصبية الاجتماعية والقبلية التي واجهها الأنبياء والرسل أنفسهم مع مجتمعاتهم وقبائلهم على مر العصور!

ومن منظور إحصائي رياضي، يمكن للمتأمل في معظم الصراعات والنزاعات والاضطرابات التي تحدث حول العالم في وقتنا الحاضر، وبخاصة تلك التي اشتدت في الآونة الأخيرة، أن يجد أغلبها يميل لأن يكون صراعاً فكرياً حول قضايا دنيوية ذات جذور اجتماعية ثقافية وقبلية أكثر من أن تكون صراعات تتعلق بمسائل دينية إيمانية روحانية جوهرية من التي لا يختلف عليها أحد، بحيث يمكن الجزم بأن هذا الطابع الاجتماعي هو المحرك الأساسي لتلك الصراعات بل وسر استمرارها وبقاءها واستشراءها في تلك النوعية من المجتمعات على اختلافها، أو في مناطق محددة فيها، حتى وإن تغلف بطابع آخر، ديني مذهبي أو طائفي أو عنصري أحياناً، فالفكر القبلي المتشدد الذي ينفر من التغيير والتجديد ويُقدس مسائل معينة كالثأر عبر الأجيال المتعاقبة، مثلاً، يقترب أكثر من غيره من أن يتطور وينمو ليصبح على شكل فكر ديني متشدد طالما أنه يتناغم مع المقاييس والمعقدات السائدة في المجتمع القبلي المحافظ من منظور اجتماعي، كما أنه يحقق بهذا التغليف والتطوير، الظاهري، ميزة حشد مناصرين آخرين في أماكن أخرى لديهم نفس المقاييس الفكرية الاجتماعية، سواء كانوا من نفس الدين أو المذهب أو الطائفة أو حتى اللون، ويمكننا بسهولة استنتاج المشهد العكسي الذي تجسده المجتمعات الأكثر تحضراً والأكثر قرباً للمجتمع المدني المعاصر، فهي أكثر ميلاً للفكر الديني الوسطي المتسامح وتنشغل أكثر في توفير أفضل سبل العيش لمواطنيها وحل المشكلات بكافة أشكالها وتعمل على بناء المستقبل وتهتم به أكثر من اهتمامها بالماضي وبالنزاعات التي أفرزها.

من جهة أخرى، أكثر أهمية، فقد لعبت الاختلافات في المعتقدات الفكرية البشرية، إضافة للتعصب القبلي الاجتماعي وتأصله وتعاقبه عبر الأجيال، دوراً مهماً، وربما الدور الأهم، في الانصراف عن بذل الجهود التكاملية التي من شأنها المساهمة في استنباط ومن ثم التوافق على سبل تطوير وتجديد الفكر الديني بشكل عام، وتم إهمال هذا الأمر على مدى عدة قرون بل والانشغال بدلاً من ذلك في النزاعات والصراعات المذهبية والطائفية التي استهلكت الكثير من الطاقات والجهود الفردية والجماعية وأفرزت المزيد من الخلافات المركبة والمتشعبة حول قضايا ثانوية ليست ذات أهمية كبرى مقارنة مع متطلبات واحتياجات المجتمع الأساسية في هذا العصر، هذا بالرغم من أن الدين الإسلامي تحديداً مر بمراحل تطور تدريجية ملموسة في فترات صغيرة جداً في بدايات نزوله وفقاً لمتطلبات وحاجات المجتمع وتفادياً لمشكلات ربما كانت ستظهر في ظل المعتقدات والعادات القبلية الاجتماعية السائدة آنذاك، الأمر الذي يؤكد مرة أخرى على العلاقة المباشرة والمهمة بين خصائص المجتمع ومدى تحضره أو تشدده القبلي واستعداده لقبول أو رفض تعاليم الدين الذي يتبعه أفراد هذا المجتمع سواء من حيث التشديد أو التخفيف وعلى كافة الأصعدة.

وطالما وُجدت مراحل للتطوير الجزئي في بداية نزول الدين الإسلامي لأسباب اجتماعية، فإن المنطق الرياضي يحتم وجود سبل لتطوير وتجديد الفكر الديني بما يتناسب مع خصائص المجتمع المدني الحديث ينبغي العمل على إيجادها وبحثها ودراستها وتطويرها بشكل تكاملي وصولاً لما يمكن أن نطلق عليه “العقد الديني الاجتماعي” الحديث الذي يتوافق فيه الفكر الديني المرتقب مع كل من الخصائص الاجتماعية العصرية والتقدم الحضاري وما أفرزه هذا العصر من تطورات من جهة وما نتج عنه من تشابكات وتقاطعات بين مختلف أوجه وأدوات هذا التطور من جهة أخرى، ليس من أجل الحفاظ على ما تم تحقيقه من تقدم اجتماعي وحضاري واللحاق بالركب الحضاري العالمي وحل المشكلات المستعصية الحالية أو المستقبلية فحسب، وإنما من أجل الحفاظ على الدين الإسلامي نفسه ورفعته وإثبات صلاحيته لكل العصور والأزمنة ولكافة أنواع المجتمعات، الأمر الذي لن يتحقق إلاّ إذا تم تحريره من الارتباط بالجذور الاجتماعية ذات الصبغة العصبية القبلية المتشددة التي تساهم في ابتعاده عن الواقع المدني الحديث واغترابه في مجتمعات أخرى كثيرة ربما تكون في أمس الحاجة إليه في هذا العصر أكثر من حاجتها لأي شيء آخر، وربما بشكل أكبر من حاجة المسلمين أنفسهم له!