الرئيسية » العلوم الإدارية » الحوكمة ومبرراتها وأهميتها وطرقها وإيجابياتها وسلبياتها

الحوكمة ومبرراتها وأهميتها وطرقها وإيجابياتها وسلبياتها

آخر تحديث: نوفمبر 10, 2020

مقدمة

أدى لجوء الدول إلى الخصخصة غير المقننة، في ظل تحرير التجارة والسعي لتحقيق اقتصاد السوق الحر في ظل العولمة الاقتصادية، إلى زيادة حدة المنافسة بين المنظمات، ونشأة المنظمات متعددة الجنسيات ككيانات اقتصادية عملاقة قد تفوق قدراتها القدرات الاقتصادية لبعض الدول، مما أدي بمعظم المنظمات للتفكير في وسائل لتحقيق أرباح ضخمة تحت ستار نشاطاتها الاقتصادية المتنوعة، فظهرت ممارسات تتضمن غسيل الأموال، الإغراق، الاحتكار، فضلا عن عدم الاهتمام بالبيئة والمجتمع المحلي، مما ترتب عليه خسائر اقتصادية متنوعة، فنشأت الحاجة الممارسات فعالة تقلل إلى أدنى حد من الانتهاكات وسوء الإدارة والتي تنعكس في مجملها سلبًا على نمو الاقتصاد الوطني، ومن هذه الممارسات الحوكمة (بالإنجليزية: Governance).

والهدف الرئيسي من الحوكمة هو تصحيح المسار الاقتصادي للمنظمات من خلال مراقبة تصرفاتها ومواجهة أي انحراف أو نشاط مشبوه، وتحسين إدارتها وزيادة قدرتها وزيادة فاعلية وكفاءة الأداء، والعمل على توفير مناخ يتسم بالشفافية وإمكانية المسائلة والرقابة لتفعيل دور المؤسسات من خلال الدعم والمشاركة.

مفهوم الحوكمة

تُعد الحوكمة أداة رقابية فهي: “الإجراءات التي تستخدم من قِبل أصحاب المصلحة في المنظمة، كالمساهمين وغيرهم، من أجل الإشراف على المخاطر ورقابة الممارسات التي تقوم بها الإدارة”.

ويمكن تعريف الحوكمة بأنها:

“مجموعة القواعد والنظم والإجراءات التي تحقق أفضل حماية وتوازن بين مصالح مديري المنظمات والمساهمين فيها، وأصحاب المصالح الأخرى المرتبطة بها”.

تعريف الحوكمة

والحوكمة كأداة رقابية يمكن تعريفها بأنها: “الآليات التي تكفل للأطراف المعنية بالمنظمة (المساهمين، الدائنين، المديرين، الموظفين، الموردين، العملاء، الحكومة) من ممارسة الرقابة لحماية مصالحهم”.

ويمكن تعريف الحوكمة بصفة عامة بأنها: “اتخاذ إجراءات حكومية لمراقبة أعمال المنظمات الربحية لتأكيد دعمها للنشاط الاقتصادي أو عدم مخالفتها لأحكام القوانين أو ارتكابها نشاط مخالف لطبيعة نشاطات المنظمة، كالمساهمة في تلويث البيئة المحلية، غسيل الأموال، أو الاحتكار أو الإغراق، أو التهريب، أو غيرها من النشاطات التي تنعكس سلبًا على الأمن الوطني”.

مبررات اللجوء إلى الحوكمة

هناك العديد من المبررات التي دعت إلى اللجوء إلى الحوكمة كوسيلة فعّالة في ضبط المسار الاقتصادي، ومن أهمها:

عدم تقنين النشاطات الاقتصادية

من شأنه إيجاد المناخ المناسب للأنشطة غير المشروعة مثل غسيل الأموال وغيرها.

الكساد الاقتصادي العالمي وانهيار بعض المنظمات المالية

أدى الكساد الاقتصادي العالمي وإفلاس بعض المنظمات نتيجة سوء الممارسات الإدارية والمالية إلى التفكير في اللجوء إلى الحوكمة كوسيلة لمواجهة عجز الإدارة التقليدية عن مواجهة الأزمات المالية العالمية التي انعكست سلبًا على الاقتصاديات العالمية والمحلية، ومن ثم أصبحت حوكمة المنظمات من الموضوعات الملحة على جدول أعمال المنظمات الدولية والمحلية.

ومن أهم الأحداث التي وقعت خلال العقدين الماضيين ووضعت قضية الحوكمة على قمة الاهتمامات فضيحة بنك الائتمان والتجارة الدولي وأزمة المدخرات والقروض في الولايات المتحدة وغيرها من الأحداث التي دعت إلى التغيير في الدول المتقدمة، وقد حدث في بداية القرن الحادي والعشرين فضائح كبيرة وأزمات اقتصادية في روسيا وآسيا والولايات المتحدة جعلت حوكمة المنظمات تطفو إلى السطح.

وأدت الأحداث السابقة إلى أهمية وجود ضوابط تحكم آلية الاقتصاد العالمي، وهذه الآلية هي الحوكمة أو التحكم في سير الاقتصاديات العالمية لكيلا تنحرف عن هدفها الرئيس.

الفساد المالي والإداري

أدت إخفاقات القطاع العام إلى اتجاه الدول نحو الخصخصة ببيع القطاع العام إلى القطاع الخاص، لكن الخصخصة لم تجلب سوى تبديد أموال القطاع العام نتيجة عدم تقنين عمليات الخصخصة. فبعد دراسة صندوق النقد الدولي لأسباب العجز في موازين مدفوعات الدول النامية، اتضح أن سوء إدارة المؤسسات الحكومية والفساد المالي والإداري من أهم أسباب خسائرها وإخفاقاتها المستمرة، لذلك طالب الصندوق بالتخلص من هذه المؤسسات وبيعها، أي خصخصتها، مع تقنين ذلك من خلال فرض الرقابة على بيع هذه المؤسسات. فقد ثبت في كثير من الدول النامية سوء استغلال عملية الخصخصة من خلال بيع الأصول بأسعار لا تتناسب مع ما تحققه من دخل وربح وشهرة تجارية، لذا يجب إحراء تقييم موضوعي لقيمة الأصول قبل بيعها.

كما أن الحكومات لم توفر البيئة الملائمة لنجاح عملية الخصخصة، بل وأسهمت الخصخصة في زياد نسبة البطالة، ومن هذا المنطلق لم تسهم عمليات البيع في تصحيح اختلالات اقتصاديات الدول النامية، مما ترتب عليه رفض صندوق النقد الدولي مساعدة الدول الأعضاء التي يتفشى فيها الفساد المالي والإداري.

انخفاض الاستثمارات

أدى الكساد العالمي إلى خوف المستثمرين على أموالهم ومن ثم عدم إنشاء مشروعات جديدة وعدم التوسع في المشروعات القائمة بل واللجوء إلى تخفيض النفقات ولو عن طريق الاستغناء عن العمالة، ومن ثم تفاقم مشكلات البطالة والفقر.

العولمة

أصبح العالم قرية صغيرة نتيجة ثورة الاتصالات والإنترنت. والعولمة من الناحية الاقتصادية تعني إغراق الدول النامية بالبضائع والمنتجات الأجنبية التي تتميز بالجودة، وفي الوقت نفسه انخفاض السعر، مما يجعلها تنافس المنتجات المحلية الأقل جودة. فالعولمة وإن كانت ستحقق فوائد للمستهلك على المدى القريب، إلا أن لها تأثير سلبي على المنتجات المحلية، فهي عملية يدفعها الجشع للسيطرة على اقتصاديات الدول النامية والحصول على أكبر قدر من الأرباح وإن لم نحسن منتجاتنا ونجعل لها القدرة على المنافسة سنصبح في وضع صعب .

كل تلك الأسباب جعلت من الضروري إشراك أصحاب المصالح في الرقابة واتخاذ القرارات الرئيسة للشركات الحكومية من خلال الحوكمة.

أهمية الحوكمة

يساعد تطبيق الحوكمة على تحسين أداء المنظمات من خلال:

حماية حقوق المساهمين

وتتضمن هذه الحقوق بحق المساهمين في نقل ملكية الأسهم وحق التصويت في الجمعيات العمومية وحق اختيار أعضاء مجلس الإدارة وحق الاطلاع على البيانات ومراجعة القوائم المالية.

حماية حقوق أصحاب المصالح المرتبطين بالمنظمة

ترتبط أيه منظمة بالعديد من المصالح والعلاقات مع العديد من الأطراف، مثل الموردين والموزعين والبنوك والدائنين وحملة الأسهم والمواطنين، وأي خلل قد يحدث ينعكس بشكل كبير على هذه الأطراف.

تعديل تشكيل دور مجلس الإدارة

وذلك من خلال تحديد صلاحيات مجلس الإدارة والمديرين التنفيذيين واختصاصات كل منها، وذلك من خلال وضع المعايير الخاصة باختيار أعضاء المجلس بحيث يكون فيه ممثلين للأطراف ذات العلاقة وأصحاب المصالح، وتحديد نطاق الدور الإشرافي والرقابي لمجلس الإدارة وتفعيله.

زيادة معدلات الإفصاح والشفافية

وذلك من خلال زيادة عملية تدفق البيانات وتحقيق شفافية وسهولة الاطلاع عليها وفي هذا ما يساعد المساهمين وأصحاب المصالح على اتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب.

ويُعد جانب الإفصاح والشفافية من أهم أركان الحوكمة، وتوضح تقارير دولية الآثار الإيجابية لتطبيق الحوكمة حيث أوضحت ارتفاع أداء المنظمات التي طبقت الحوكمة وتمتعها بأسواق مالية مستقرة.

كيفية تطبيق الحوكمة

يمكن تطبيق الحوكمة من خلال الخطوات التالية:

  1. قيام المساهمين بانتخاب أعضاء مجلس الإدارة الذين يمثلونهم ويضاف إليهم الأطراف ذات العلاقة في المجتمع المحلي واتخاذ القرارات بالأغلبية.
  2. اتخاذ القرارات بطريقة تتسم بالشفافية بحيث يمكن للمساهمين وأصحاب المصالح وغيرهم أن يخضعوا أعضاء مجلس الإدارة للمساءلة بشأنها.
  3. اتباع المنظمة لمعايير محاسبية تنشأ عنها المعلومات اللازمة لأعضاء مجلس الإدارة والمستثمرين وأصحاب المصالح الآخرين بحيث يمكنهم اتخاذ القرارات.
  4. التزام سياسات المنظمة وممارستها بالقوانين الوطنية وقوانين المحليات واللوائح المحلية وقيم المجتمع المحلي ومصالحه.

وتعتمد نظم حوكمة المنظمات على مجموعة من التشريعات والقوانين واللوائح والعقود والقواعد التي تمكن المنظمات التي تحكم نفسها بنفسها من العمل باعتبارها العنصر الرئيسي في اقتصاد سوق تنافسي. وتعمل هذه التشريعات على ضمان تنفيذ إجراءات حوكمة المنظمات الداخلية وعلى مسؤولية الإدارة أمام أصحاب المنظمات (المساهمين) وأمام أصحاب المصالح الأخرى.

إيجابيات الحوكمة

للحوكمة العديد من الإيجابيات والتي تنعكس إيجابًا على الاقتصاد الوطني، وتهيء المناخ الملائم للاستثمار الإيجابي الذي يحقق فوائد متعاظمة ويسهم في تحقيق الرفاهية ورفع مستوى المعيشة والقضاء على مشكلات البطالة والتضخم وغيرها من المشكلات.

ومن أهم إيجابيات الحوكمة المباشرة وغير المباشرة:

  1. تصحيح مسار الاقتصاد الوطني، بحيث تسهم الحوكمة في اكتشاف حالات غسل الأموال، وتمويل الإرهاب، وكذلك الاحتكار والممارسات السلبية التي تهدف للتحكم في الأسواق وفرض الأسعار على السلع والخدمات.
  2. تعظيم العوائد المتوقعة للدولة من وراء الاستثمارات الأجنبية والمحلية الحقيقية.
  3. زيادة حجم تدفقات النقد الأجنبي مما يؤدي لإشباع حاجات المجتمع المحلي من السلع والخدمات مع احتمال توفر فائض للتصدير، أو تقليل الواردات، مما يترتب عليه تحسين ميزان المدفوعات.
  4. المساهمة البناءة في التحديث التقني من خلال اختيار التقنية المناسبة مع حاجة السوق لتحقيق الناتج الأمثل وكذلك تحقيق مصالح المجتمع المحلي.
  5. خلق فرص للعمل سواء في مراحل التأسيس والتشغيل أو في مراحل البناء.
  6. إكساب العمالة الوطنية مهارات وخبرات فنية.
  7. التغلب على القيود الإدارية والجمركية التي تفرضها بيروقراطيات الدولة المضيفة على المشروعات والمنظمات المختلفة.
  8. تنمية قدرات المديرين الوطنيين وتكوين علاقات تكامل اقتصادية مع النشاطات الاقتصادية والخدمية.
  9. حماية المصادر الأولية وحماية المستهلك وحماية البيئة المحلية.
  10. تقليل الأخطار المحيطة بالمشروع كالتأميم والمصادرة ومعاداة المجتمع المحلي، وتقليل حجم الخسائر عند التعرض لأي خطر تجاري.

سلبيات الحوكمة

بالرغم من إيجابيات الحوكمة، إلا أن الإفراط في إخضاع المنظمات للمساءلة في الحوكمة لها سلبيات منها:

  • التأثير على أداء المنظمات والناتج القومي، نتيجة تعطيل مصالح بعض المنظمات ووضع عراقيل أمامها في حالة إجراء رقابة غير دقيقة، مما يترتب عليه خوف بقية المنظمات والمستثمرين وإقلاعهم عن افتتاح المشروعات واتباع سياسة تقشفية قد يترتب عليها إفلاس المصانع الوطنية وعدم قدرتها على المنافسة مع الشركات العملاقة، مما يترتب عليه على المدى البعيد انخفاض النشاط الاقتصادي واختلال الميزان التجاري، ومن ثم انخفاض القدرة الشرائية نتيجة قلة فرص العمل.
  • يترتب على عدم جدية الرقابة التي تمارسها أجهزة الحوكمة أو فساد القائمين عليها عدة سلبيات من أهمها:
  • انتشار الفساد في الأجهزة الإدارية التي تساند المستثمرين المحتكرين من خلال انتشار الرشاوى والمحسوبية والاختلاسات والوساطات، وتعمد بعض المسؤولين إهدار حقوق المواطنين والاعتداء على أموالهم من خلال مساندتهم للفئة المستثمرة واتخاذهم التدابير التي تضمن سيطرتهم واستغلالهم على الأسواق والمجتمعات المحلية دون منافسة مقابل مبالغ مالية من المستثمرين.
  • هدر رأس المال البشري، حيث تتدهور قيمته ويقل عمره الإنتاجي عند تعطله عن العمل بسبب الممارسات الاحتكارية التي تقصر فرص العمل على الفئة المستثمرة التي تحظى بثقة جهات التحريات المالية.
  • انخفاض تدفق الاستثمارات الأجنبية الأخرى على الدولة نتيجة عدم توفر فرص نجاح المشروعات الجديدة في ظل احتكار فئة معينة للسوق والمكاسب، والتعرض لخطورة وممارسات الحوكمة من تحريات مالية وتجميد الأموال والممتلكات أو مصادرتها.
  • تؤثر الحوكمة المتعسفة سلبًا على معدلات النمو الاقتصادي، نتيجة انخفاض فرص تكوين رأس المال اللازم للاستثمار في إنشاء وتطوير المشروعات الاقتصادية والاجتماعية وخوف المستثمرين وهروبهم.
  • فقدان الدافع الاقتصادي، حيث تؤدي الحوكمة المتشددة إلى فقدان المستثمرين للدافع الاقتصادي، بمعنى فقدان دوافع العمل وتحقيق الربح والتكسب واليأس من ذلك، كما يؤدي ارتفاع الأسعار بسبب الممارسات الاستثمارية الاحتكارية لتحقيق الربح الوفير، إلى انخفاض القدرة الشرائية. وتؤدي الممارسات الاحتكارية السلبية إلى تضييق فرص الرزق والبطالة وما يترتب عليها من آثار سلبية نتيجة فقدان الدافع الاقتصادي والدخول إلى طريق الجريمة كوسيلة أسهل في تحصيل المال بجدية والتحقق من أي بلاغ أو شكوى قبل إجراء التحريات المالية، لكي لا يترتب على ذلك هروب المستثمرين وإغلاق المشروعات، ونفور المستثمرين من الاستثمار نتيجة الخوف من التشدد الرقابي للحوكمة، وما يترتب عليها من معوقات تحد من نشاطات المؤسسات المالية والمنظمات، وبصفة خاصة إذا كانت هذه التحريات غير جدية أو نتيجة شكاوى كيدية قد يلجأ إليها المستثمرون لإشغال منافسيهم أو لإزاحتهم من السوق والسيطرة عليه.

المراجع

إطلالة حول الإدارة العامة، 2020، المؤلفون:

  • الأستاذة الدكتورة حميدة النجار، كلية التجارة، جامعة المنصورة
  • الدكتورة منى سامي، كلية التجارة، جامعة المنصورة.
  • الدكتورة منى القصبي، كلية التجارة، جامعة المنصورة.
  • الدكتورة عزة المنياوي، كلية التجارة، جامعة المنصورة.