الرئيسية » إصدارات المركز » مقالات ودراسات » الحلول الإبداعية الجذرية لمشكلات التعليم

الحلول الإبداعية الجذرية لمشكلات التعليم

آخر تحديث: نوفمبر 10, 2020

الحلول الإبداعية الجذرية لمشكلات التعليم

(1) تطوير المعلم وولي الأمر

بالرغم من كل الجهود التي تُبذل في مسيرة التربية والتعليم، وبخاصة تلك التي تهدف لتطوير المنهجية والأدوات والأساليب وتحديثها سنوياً لتتماشى مع تطورات العصر الحديث ومتطلباته الملحّة، إلاّ أننا لا نزال نراوح في منطقة متأخرة مقارنة بدول أخرى قد تمتلك إمكانات أقل مما نمتلكه، سواء كانت فكرية أو حتى مادية، لدرجة أننا قد نعتقد في لحظة ما وكأننا نتراجع للوراء في هذا الشق المهم من البناء ألا وهو بناء الإنسان، بل ونحقق تراجعاً قد نسبق فيه أي دول أخرى تتعمد التراجع وتحاول أن تسبقنا فيه.

والغريب في هذا الأمر، بل والأكثر غرابة من أي شيء آخر، أننا جميعاً نًقر دوماً بأن الجهل هو المُسبب الرئيسي لكل المشكلات والعثرات التي نواجهها في كافة المجالات، ولكنّنا أيضاً لم نعطِ الاهتمام الكافي والضروري لحل تلك المعضلة واعتبرناها دوماً مشكلة “وزارية” تتحمل أعباءها الوزارة المعنية بالتعليم فقط ويقع على عاتقها بحثها وإيجاد الحلول المناسبة لها وتطبيقها ومن ثم القيام بالتقييم والتعديل، في الوقت الذي أصبحت فيه مشكلة مجتمع كامل يشارك في التأسيس لها واستفحالها الجميع بلا استثناء.

وعند التفكير في إيجاد حلول جذرية وحقيقية لتلك المشكلة، التي امتدت لعقود من الزمن، فسوف نجد أنفسنا نواجه مشكلة من نوع جديد، وهي مشكلة ممتدة عبر عدة أجيال متعاقبة، ومن المعروف أن المشكلات التي تمتد لعدة أجيال تحتاج لحلول مختلفة عن الحلول الاعتيادية بحكم أنه في لحظة ما من الممكن أن يتولى إيجاد الحل أحد الأجيال التي عانت من المشكلة أصلاً، لذا فإننا مطالبون الآن، أكثر من أي وقت مضى، بإيجاد حلول إبداعية مُبتكرة لوقف تمددها للمزيد من الأجيال الأخرى القادمة، أو بمعنى آخر لمنع وصولها إلى قمة هرم القائمين على مسيرة التعليم أنفسهم بمرور الزمن!!

ومن هذا المنطلق، فإن المنطق يفرض علينا التفكير في حلول تخص المدرّس الذي عانى من ضعف التعليم قبل أن يصبح مدرساً، بحيث نعمل على تطوير قدراته أصلاً وتحسين أسلوبه في تبسيط وتوصيل المعلومة للطالب وإخضاعه للتدريب والتقييم السنوي، كما أنه ينبغي أن نفكر في حلول تخص الأهل في المنزل الذين لربما عانوا أيضاً من ضعف التعليم ضمن الأجيال السابقة، ولا نبالغ عندما نقول بأننا بالفعل قد نكون بحاجة لعقد حصة أسبوعية خاصة لأولياء الأمور في المدرسة لتدريبهم على كيفية متابعة دروس الأبناء وتبسيط اللغات والعلوم المختلفة لهم أكثر من حاجتنا لأي شيء آخر، بل والأكثر من ذلك، قد يستلزم الأمر طباعة كتاب كمقرر إضافي لكل صف من الصفوف المدرسية يكون مخصصاً لولي الأمر فقط ويشتمل على كل ما يلزم من شروحات وإيضاحات وأمثلة عن كيفية تدريس الأبناء ومتابعة تعليمهم وتحفيزهم على الدراسة وزرع حب العلم في نفوسهم طوال العام الدراسي، حتى وإن تطلب الأمر عقد الامتحانات اللازمة لنجاح ورسوب أولياء الأمور في هذا المقرر لضمان التزامهم بما يحتويه من إرشادات.

من جهة أخرى، يستلزم الأمر العمل على الاستفادة من عصر المعلوماتية وما وفّره من إمكانات عديدة سوف تساهم بشكل ما في العمل على تطوير العملية التعليمية بكافة مفاصلها وعلاقاتها بمجالات التنمية الأخرى بالطريقة التي تتلاءم مع احتياجاتنا الفعلية بشكل تكاملي بعيداً عن التقليد والحشو والاستهلاك السطحي لتلك الإمكانات، وبمساهمة أوسع من الخبراء والمتخصصين في شتى المجالات بحيث تتكامل كل الجهود لتصب في بوتقة واحدة تهدف لإصلاح تلك المشكلة جذرياً، ونأمل أن يحدث ذلك قبل أن تكبر أجيال جديدة أخرى متعاقبة تعاني نفس المشكلة وتبدأ إحداها بتحمل مسئولية إيجاد الحلول لمشكلاتهم المستقبلية، ولكن هذه المرة لن يجدوها لأنها ستكون قد اختفت للأبد مع الأجيال السابقة لهم!!

(2) التخطيط العنقودي – Cluster Planning

نستطيع أن نقول، بدون مبالغة، أن معظم مشكلات التعليم، ومشكلات أخرى، في هذا العصر تتعلق بمسألة التضخم والزيادة في عدد السكان بشكل عام في كل مكان، الأمر الذي أدى بطبيعة الحال للزيادة في كل أركان المسيرة التعليمية، فمن جهة، هي زيادة مستمرة في أعداد الطلاب والمدارس والمعاهد والجامعات والتخصصات والمدرسين وأساتذة الجامعات والأطقم الإدارية والأنشطة بكافة أنواعها، وبطبيعة الحال فُرضت الزيادة الأُسية في المعلومات المتعلقة بجميع جوانب العملية التعليمية برمّتها، ومن جهة أخرى هناك أيضاً تضخم في المعلومات العلمية والبحثية الناتجة عن التطور العلمي في جميع التخصصات أو حتى عمليات استحداث تخصصات دقيقة وجديدة.

وبالرغم من كل الجهود التي بُذلت، وتُبذل باستمرار، بهدف إيجاد حلول علمية وتطبيقية لمشكلات التعليم التي نتَجت عن هذا التضخم والنمو المعلوماتي، إلاّ أننا لم نلجأ لعلاجها بالطريقة التي تناسبه وتناسب احتياجاته العلاجية الفعلية، ولجأنا في المقابل إلى وسائل أخرى قد تؤدي في بعض المواضع إلى نتائج عكسية، كتضخيم الأهداف التعليمية، وإلى حد المبالغة أحياناً، في الوقت الذي قد يكون مفتاح حل كل المشكلات هو عملية “تبسيط” للازدحام الذي نعاني منه وهي عملية من شأنها أن تساعد في تحقيق الأهداف في ظل هذه الظروف التضخمية.

وعند الحديث عن الشق الخاص بالتخطيط تحديداً، فيكون من الحكمة أن نستخدم ما يُمكن أن يطلق عليه “التخطيط العنقودي” Cluster Planning كوسيلة مُبتكرة للتبسيط ومواجهة هذا الكم الهائل من النمو المعلوماتي علمياً وإدارياً، وهو أسلوب في التخطيط يُمكن أن نؤسس له بطريقة مشابهة لطريقة عمل خوارزمية التحليل بالتجزئة العنقودية Cluster Analysis التي يستخدمها علماء هندسة المعلومات كأحد الأدوات المهمة لمعالجة وتحليل البيانات في عصر الفيض المعلوماتي، وهي طريقة لتجزئة البيانات بشكل عنقودي يتم تجميعها على شكل فئات عنقودية مختلفة لدراستها بطريقة يمكن أن تساهم في تفسيرها واستنباط ما فيها من معرفة، وباعتقادي أننا بحاجة لمثل هذه الطريقة لاستخدامها في إعادة هندسة أساليب التخطيط وبناء الخطط التعليمية بالشكل الذي يتناسب مع هذه المرحلة وبالطريقة التي تجعلنا أقرب لتحقيق الأهداف المرجوة منها.

يبقى أن نقول أن أسلوب التخطيط العنقودي المَنتظر، في حال تم تطبيقه بالشكل المناسب والصحيح، من شأنه أن يُعيد التأسيس لأرضية أكثر صلابة وتحملاً للمسيرة التعليمية الحالية وأعبائها المتعددة، والتي من المنتظر أن تزداد، بل وتتضاعف، في المستقبل نتيجة التوسع الأفقي والرأسي لكافة أركانها، ويتطلب هذا الأمر تكاتف جميع الجهود لاستكشاف كل ما من شأنه التوصل لأفضل الخطط العنقودية العملية التطبيقية والقابلة للتنفيذ على أرض الواقع بطبيعة الحال.

(3) تجديد الفكر التعليمي

بالرغم من أن مهنة التدريس كانت في العقود السابقة تُعد من المهن الحيوية الشيقة وفيها الكثير من التجديد والتفاعل، الناتج عن تعامل المدرس المثقف مع طلاب من مختلف المستويات الفكرية والثقافية وإدارة التنافس فيما بينهم، مقارنة بغيرها من الوظائف، إلاّ أنها أضحت في هذا العصر المهنة الأكثر رتابة في كثير من الدول. وبعد أن كان المدرّس يُعتبر أحد أهم مقومات المجتمع والمطلِع على فكر وقدرات الأجيال اللاحقة ومفتاح اكتشافها وتطويرها وصقلها وإعدادها للمستقبل، بل ويرى فيه الطالب هذه المواصفات بالفعل ويتأثر به ويعتبره نافذته على العالم الشيق، أصبح في عصرنا هذا هو الشخص الروتيني الوحيد والأبعد ما يكون عن فكر وتطلعات الطالب، وامتد هذا الأمر ليشمل نظرته للبيئة التعليمية ككل بشكل تراكمي.

والتغيير الجذري الذي طرأ على معادلة “المعلم الملهم والتلميذ المنبهر” يعزى لعدة مسببات من أهمها ما يتعلق بتطورات العصر الحديث والعولمة وما أفرزته من تغيرات كبرى على صعيد الحياة اليومية لطرفي المعادلة، ففي الوقت الذي أثر هذا التطور على الأسرة والمجتمع بشكل عام وطال الطلاب تحديداً وأساليبهم وأدواتهم المعرفية بحكم أنهم الجيل الناشئ والأكثر تأثراً بهذا العصر وأدواته المختلفة كالفضائيات والإنترنت والألعاب الإليكترونية وما تحمله من إثارة وتشويق استهلاكي، إلاّ أنها أثرت بشكل عكسي تماماً على المدرّس وجعلته يبدو بعيداً عن كل ذلك بعد أن تدفق وتكدّس في هذه المهنة معظم الأشخاص الذين يميلون بطبعهم للاستقرار ويحبذون الرتابة والروتين في العمل والابتعاد عن الإثارة والمغامرة أكثر من حبهم لتلك المهنة أحياناً وما تحمله من تحديات ومبادئ تتخطى حدود الوظيفة، مهما كانت طباعهم جميلة وقدراتهم متميزة!

وإذا كنا بصدد إيجاد الحلول “الوسط” لتلك المُعضلة تحديداً، والتي أرهقت جميع الأطراف، سواء في المنزل أو المدرسة والجامعة، فيكون من الواجب أن نفكر في حلول تُصحح المعادلة وتُعيد بناء البيئة التعليمية لتُصبح مكاناً متميزاً مليء بالإثارة والتشويق الذي يصاحبه متعة في كل من التعليم والتعلم وتطوير قدرات كل من فيها، وذلك من خلال استخدام المزيد من الوسائل التعليمية الترفيهية وتخطيط وتنظيم الأنشطة اللامنهجية والمنافسات الدورية والمسابقات “العَلنية” وحتى المتلفزة والمتنوعة للطلاب والمدرسين وبمشاركة مجتمعية واسعة، وصولاً لتطوير وتجديد الفكر التعليمي برمته وجعل بيئة المؤسسة التعليمية المكان الأمثل للتعليم والتعلم التنافسي التفاعلي الترفيهي الذي يتخطى حدود الكتب والمناهج إلى استفزاز واستكشاف القدرات بكافة اشكالها العلمية والفنية والرياضية والثقافية وفق خطط إستراتيجية منظمة عالية المستوى ولجميع المراحل التعليمية.

يبقى أننا نأمل أن يحدث ذلك قبل أن تزداد الفجوة بين كل ما تحتويه المدارس والجامعات من أنشطة تعليمية “جافة” وروتين مُسبب للملل والكسل الفكري حتى وإن كان مثالياً، وبين ما تعج به الفضائيات من برامج ترفيهية تنافسية تزداد انتشاراً والتي أثبتت نجاحها وأظهرت العديد من المواهب المغمورة التي كان من باب أولى أن تكتشفها وتكافئها وتعلن عنها المدارس والجامعات التي ينتمون لها أصحابها من الطلاب في مسابقات متخصصة تكون وسيلتهم لإظهارها وطريق شهرتهم التي قد يضحون بكل شيء من أجلها، حتى وإن كان التعليم نفسه، الأمر الذي يتطلب تغيير الفكر التعليمي والبنية التعليمية قبل فوات الأوان والعمل على جعل المؤسسة التعليمية مكاناً لكل من التعلم والتنافس الممزوج بالترفيه والانطلاق نحو الشهرة من خلال منافسات موثّقة أكاديمياً وتقييم دوري واستمرارية توفرها المؤسسة التعليمية والتي ستختلف أهدافها بطبيعة الحال عن الأسلوب الاستهلاكي ذو الأهداف الاستثمارية الربحية الموسمية.

وإذا صح لنا الاعتقاد بأننا يمكن أن نذهب لما هو أبعد من ذلك، كأن نطمح بأن تنظم المؤسسات التعليمية مثل تلك المسابقات بطريقة إستثمارية أيضاً وبالشكل الذي يناسب، ويتناسب مع، مستوى المؤسسة فسوف نتوقع لها أن تحقق من إحداها على الأقل أرباحاً قد تفوق الميزانية السنوية لها ولعدة سنوات بخاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة والحاجة الملحة لمثل تلك الأفكار، ناهيك عن ما ستحققه من اكتشافات للقدرات والمواهب الحقيقية لدى المشاركين وتقييمها بشكل مُنصف ومتابعة تطويرها دورياً، وما المانع أن نطمح بذلك إذا علمنا أن معظم برامج المسابقات في الفضائيات تبدأ مع بدء العام الدراسي وتنتهي بانتهائه، وكأنها تُعلن بشكل واضح لا يقبل الشك أنها تُبدع في التسويق واستثمار البيئة المدرسية والجامعية وتواصل الطلاب فيها أكثر من استثمار أي شيء آخر!!