الرئيسية » إصدارات المركز » مقالات ودراسات » التأمين الصحي الذكي

التأمين الصحي الذكي

آخر تحديث: نوفمبر 10, 2020

نحو التطوير الاستراتيجي لمنظومة الصحة

(1) التأمين الصحي الذكي

احتلت صناعة التأمين مكانة متميزة في عالم الاستثمار والأعمال على مر عقود من الزمن، وقد كانت صناعة جاذبة لرأس المال لأنها أقل كلفة وجهداً، فهي ليست بحاجة لشراء المواد الخام ومعدات وتجهيزات خطوط الإنتاج وأعمال الصيانة والتشغيل والتسويق والتوزيع، وأقرب ما تكون للمؤسسات المالية والمصرفية التي تعتمد في عملها بشكل أساسي على السيولة النقدية البحتة، ولكنها تميزت بميزتين إضافيتين ربما لم تتوفرا في أي من الأعمال الأخرى في تلك العقود، وهي الشجاعة والذكاء!

فمن جهة، ساهمت “شجاعة” صناعة التأمين على انتشارها في كل مكان على وجه الأرض، حتى في تلك الأماكن الأكثر توتراً واضطراباً، بحكم طبيعة هذه الصناعة، بعكس الأنواع الأخرى من الأعمال التي تقدس النظرية السائدة في عالم الأعمال والقائلة بأن “رأس المال جبان”، وينبغي عدم المخاطرة به في مكان غير آمن، ومن جهة أخرى، ساهمت نظريات علم الإحصاء والاحتمالات وأساليب التحليل الإحصائي الهادف للتنبؤ، التي تُعتبر العصب الرئيسي لصناعة التأمين، بإضافة سمة “الذكاء” لهذه الصناعة بحيث جعلت منها تجارة رابحة بأقل نسبة مخاطرة مقارنة مع الصناعات الأخرى وشجعتها على دخول جميع الأسواق، بما فيها الأسواق غير الآمنة، وفق تلك النسبة.

والتزاوج الذي نشأ بين الذكاء الإحصائي وتحقيق أفضل الأرباح بأقل نسب مخاطرة في صناعة التأمين انتشر بشكل أكبر في عصر التكنولوجيا والمعلوماتية وانتهى الأمر بظهور علم جديد بمسمى استخبارات الأعمال (ذكاء الأعمال) Business Intelligence، الذي يعزز من قدرات التوقع والتنبؤ للشركات في جميع المجالات باستخدام التكنولوجيا المميكنة وفي وقت قياسي وبأقل جهد ممكن، بعد أن كانت تستغرق الكثير من الوقت والجهد من علماء الرياضيات والإحصاء المتخصصين، الذين ندر وجودهم في كثير من مجالات الأعمال في العقود السابقة، باستثناء كبرى الشركات بما فيها شركات التأمين بطبيعة الحال.

وبالنظر لمشكلات القطاع الصحي في المجتمعات العربية بشكل خاص سوف نجد أنها في تعاظم مستمر بسبب الضغوط الناشئة عن الزيادة السكانية أولاً، وما يترتب عليها من زيادة في الأعباء، إضافة لتنوع وتشابك تلك المشكلات في هذا العصر، بحيث أصبحت الحاجة للذكاء الإحصائي من أجل إيجاد الحلول الإستراتيجية أكبر من أي شيء آخر وأكثر من أي وقت مضى، وبطبيعة الحال سوف يكون لاستخدام هذا الذكاء في نظام التأمين الصحي تحديداً الأثر الأكبر والأهم في التوصل لتلك الحلول والتأسيس لمنظومة صحية متكاملة تساهم في توفير الأمن الصحي والعلاج لجميع المواطنين وبأقل التكاليف، والتضخم السكاني الذي تسبب في إضعاف منظومة الصحة في العقود السابقة سيكون هو السبب الأساسي في إعادة استنهاضها، وسوف يساهم هذا العدد في تعزيز قدرة القطاع الصحي المالية ويجعله قادراً على الإيفاء بالتزاماته وتحقيق الأمن الصحي والاجتماعي لكل المواطنين بشكل إستراتيجي مستدام.

ويتميز نظام التأمين الصحي الذكي بأنه مبني على دراسات التحليل الإحصائي والاحتمالات الإحصائية وهو يهدف إلى توفير العلاج المجاني لجميع المواطنين بلا استثناء من خلال اشتراكهم جميعاً ودفع أقساط التأمين الشهرية، بحيث يتم تحديد قيمة الأقساط المتنوعة لكل مواطن بحسب شرائح وفئات مختلفة تتناسب مع مستوى العلاج الذي يرغب به ويناسب دخله الشهري وتتوافق مع نتائج الدراسات التحليلية الإحصائية الهادفة لدراسة احتمالات التعرض للمرض أو العدوى ومدى توفر مسبباتها المختلفة لكل مواطن وتفاصيل السمات والخصائص الفردية لكل منهم، كوجود أمراض وراثية في العائلة أو عادات سلوكية كالتدخين مثلاً، وهي طريقة شبيهة بعمل شركات تأمين السيارات، فالشركة تقرر أقساط تأمين السيارة بذكاء وبحسب كل من قيمة السيارة واحتمالات تعرضها للحوادث وفق ما يتوفر لديها من دراسات وتحليلات إحصائية تاريخية سابقة لجميع أنواع السيارات وفي كل الظروف، بل والأكثر من ذلك سلوك وعادات السائقين وإحصاءات المخالفات المرورية لهم.

إن الفوائد المنتظرة من تطبيق نظام التأمين الصحي “الذكي” والشامل لكل المواطنين لن تقتصر على توفير الأمن الصحي والعلاج المجاني لهم بأقل التكاليف والتوفير الهائل في الإنفاق الحكومي على القطاع الصحي والإنصاف الصحي لكل المواطنين وخلق بيئة صحية تناسبهم وتناسب أبنائهم بحكم انخراطهم في المجتمع حتى وإن كانوا أصحاء، بل سيمتد هذا الأمر إلى استحداث قدرات بحثية جديدة في القطاع الصحي برمته بشكل يساهم في دراسة الواقع الصحي بشكل عملي تطبيقي لاستنباط السلوك المرضي في كل المناطق ولجميع الفئات والشرائح واستكشاف العادات والظروف والأحوال التي من شأنها زيادة احتمالات التعرض للأمراض أو العدوى، الأمر الذي سوف يعمل على تطوير منظومة الصحة بشكل عام ويعزز من قدرة الجهات المختصة في التخطيط السليم ووضع السياسات الصحية المناسبة واتخاذ الإجراءات اللازمة للتثقيف الصحي في المناطق الأكثر حاجة لها وللفئات والشرائح الأكثر تضرراً من أجل الوقاية من الأمراض ومنع وقوعها.

يبقى أن تكون سمة التكافل الصحي الاجتماعي هي الطابع المميز المنتظر لمثل هذا النظام وفق ما يتم اعتماده من استثناءات وتخفيضات للفئات الأكثر حاجة في المجتمع أو لمن يعانون من الأمراض المزمنة أو حتى في حالات الطوارئ الاستثنائية، وبالمقابل فإنه ينبغي، من أجل إيجاد التوازن الإستراتيجي للنظام ودعم استمرارية نجاحه، أن يكون منصفاً للفئات المعافاة صحياً، التي لا تكلف النظام أعباء مالية والمتبعة لإجراءات السلامة والوقاية والمواظبين على دفع أقساط التأمين ولم يتلقوا أي علاج أو رعاية طبية، بأن يتم مكافأتهم بشكل دوري ومنحهم إعفاءات وتخفيضات تشجيعية وفق ما يتوفر للنظام من إحصاءات تاريخية لكل منهم، الأمر الذي سوف يساهم أيضاً في تشجيع آخرين لإتباع نفس السلوك الصحي للحصول على مثل تلك المكافآت.