الرئيسية » إصدارات المركز » مقالات ودراسات » الاستخبارات الثقافية و الأمن الثقافي

الاستخبارات الثقافية و الأمن الثقافي

آخر تحديث: نوفمبر 10, 2020

الاستخبارات الثقافية .. و الأمن الثقافي !!

بقلم: مصطفى عبيد

20 مارس، 2007م

لا شك أن العديد من المثقفين العرب تحدثوا كثيراً وبشكل موسّع في مسألة الأمن القومي الحديث وكيف أنه أصبح متميزاً في هذا العصر ويكاد ينحصر في مسألة الأمن الثقافي كأحد أهم القضايا التي يجب التركيز عليها في عصر العولمة والانفتاح الثقافي الذي نعيشه اليوم، والذي باعتقادي أنه سيزداد ليصبح بشكل أكبر، وأخطر، مما هو عليه الآن في العقود القادمة.

وبالرغم من تنوع وثراء النقاط التي طُرحت وأُثيرت في المؤتمرات واللقاءات الثقافية والأكاديمية التي كانت تبحث هذا الأمر وتنادي بأهمية وضرورة التركيز عليه كنوع من أنواع الحماية والتحصين لأجيالنا القادمة والحفاظ على هويتنا، إلاً أنها تجاهلت، أو حتى أهملت بدون قصد، أهم ما يتوجب أن يُقال في هذا الشأن، وهو باعتقادي ما يمكن أن يطلق عليه “الاستخبارات الثقافية” كأحد أهم الأعمال التي يتوجب تأسيسها والقيام بها لخلق حالة الأمن الثقافي المنشود.

وإذا كان من المفترض أن تقوم أجهزة الاستخبارات الأمنية والعسكرية بالعمل على جمع وتحليل المعلومات الخاصة بالأعداء بهدف استكشاف مكامن القوة ونقاط الضعف لديهم وتقدير المواقف الأمنية والعسكرية التي تجري في أرض المعركة، بل وحتى التنبؤ بما يمكن أن يتم التخطيط لتنفيذه في المستقبل، إلاً أنها بالمقابل، وبقدر أكثر أهمية، تهتم بدراسة وتحليل أوضاعها الذاتية الداخلية لكشف كل من مكامن القوة، لتوجيهها واستخدامها بالشكل الأمثل، ونقاط الضعف، أو حتى الإرتخاء، التي يمكن أن تتسبب في الهزيمة وقت الحرب أو زعزعة الوضع الأمني الداخلي وقت السلم، بهدف تقويتها أو حتى تخطيها.

وبالعودة للشأن الثقافي، كمحاولة لاستخلاص المهمات التي يجب أن تُناط بما يمكن أن يطلق عليه العمل الاستخباري الثقافي، الذي نحن أحوج ما نكون إليه في هذا العصر ويفترض أن يكون قائماً فعلاً، فإنه يمكننا القول أن المطلوب لتحقيق هذا العمل تكاتف الجهود، وتكاملها أيضاً، بهدف جمع وتحليل المعلومات الخاصة بثقافة “الأعداء” ومجمل تجاربهم الثقافية لكشف كل من مكامن القوة فيها، التي يجب الاعتراف بها والاستفادة منها وتوظيفها في مكانها الصحيح الذي يناسبنا، ونقاط الضعف التي يجب إهمالها والابتعاد عنها، أو تطويق آثارها على أقل تقدير، وحتى الإستفادة منها كأحد السلبيات!!

ولكن بالمقابل، فإنه يتوجب من جهة أخرى، وبشكل أكثر أهمية، دراسة وتحليل ثقافتنا الخاصة لكشف مكامن القوة فيها وتوجيهها التوجيه الصحيح واستخدامها بالشكل الأمثل، وحتى تصديرها، لتكون رسالتنا تجاه العالم أجمع والتي جاء الإسلام بها من أجل أن تكون رحمة للعالمين، وكذلك علينا كشف نقاط الضعف، أو حتى الإرتخاء، التي يمكن أن تتسبب في الهزيمة أو على أقل تقدير الترهل الثقافي المؤدي للهزيمة، بهدف تعزيزها وتقويتها أو حتى تخطيها.

بل والأكثر من ذلك، فإنه يتوجب تكثيف الجهد الإستخباري للكشف عن نقاط الضعف في الكثير من الأمور الأخرى كالأفكار المدسوسة والمسمومة التي تساهم بشكل أو بآخر في هزيمتنا الثقافية أمام ما يمكن أن نفترض بأنها ثقافات معادية، فهناك دوماً الكثير من تلك النقاط التي يتوجب كشفها بكل جرأة وصدق ومن ثم اجتثاثها حتى لا تكون بمثابة الأسلحة الفاسدة، التي نظن بها القوة، والتي ستؤدي بنا حتماً إلى هزيمتنا الثقافية الكبرى، أو حتى نكستنا على أقل تقدير، كما يحلو للبعض تسميتها، تماماً مثلما حدث في حروبنا العسكرية الماضية، والتي باعتقادي أن هزيمتنا فيها كانت نتيجة فشل استخباراتي لا أكثر!!