الرئيسية » إصدارات المركز » مقالات ودراسات » نظريات العقد الاجتماعي الحديثة (2) نظرية وحدة المجتمع العالمي

نظريات العقد الاجتماعي الحديثة (2) نظرية وحدة المجتمع العالمي

آخر تحديث: نوفمبر 10, 2020

نظريات العقد الاجتماعي الحديثة

(2) نظرية وحدة المجتمع العالمي

نستطيع القول أن المجتمعات تسير باتجاه تصاعدي نحو الانفتاح والاطلاع على بعضها البعض في عصر العولمة وبشكل لم يسبق له مثيل، فمن جهة، هي تسير وفق آلية “عشوائية” لخطوط تعارف وتبادل ثقافي عشوائي على الصعيد الفردي والجمعي والذي يتمثل بالتواصل المباشر بين الأفراد والمجتمعات من خلال الفضائيات والإنترنت ومحطاتها ومواقعها العالمية المختلفة بكافة ألوانها، كما أنها تسير وفق آلية أخرى “منظمة” موازية وفقاً للأنشطة والفعاليات الرسمية وغير الرسمية الناتجة عن الأدوات والمكونات الأساسية ومفرزات منظومة العولمة بشكل عام، كالمنظمات والاتحادات الدولية والمؤسسات والشركات متعددة الجنسيات وكل ما ترشح منه من مؤتمرات ولقاءات واتفاقيات وتبادلات ثقافية وعلمية وتجارية وسائر الأنشطة الأخرى التي تُفرِز يومياً فعاليات مستمرة واحتكاكات في كل مجال، تجاري اقتصادي وعلمي وأدبي وفني ثقافي أو سياحي، أو حتى بشكل مركب بين أي من تلك المجالات مجتمعة.

وبالرغم من أن العولمة كمنظومة متكاملة بآليتها “الممنهجة” تسببت في نشوء الطموحات المتنوعة للعديد من البؤر العالمية، على اختلاف اهتماماتها، وسارعت في استغلال هذه المنظومة لصحالها الخاص، كلٌ حسب أولوياته، سواء كانت تلك الطموحات ثقافية وعلمية خالصة أو تجارية اقتصادية أو غيرها من الطموحات، إلاّ أن النتائج لم تكن كما كانت متوقعة للكثير من تلك البؤر نظراً لطبيعة وحجم الحداثة والتغيرات التي فاقت قدرات كل منها. وفي الوقت الذي ساهمت فيه هذه المنظومة في نهضة بعض الأمم علمياً واقتصادياً وانتشرت ثقافاتها وأخلاقيات شعوبها وأصبحت تتصدر الكثير من المؤشرات والإحصائيات برغم صغرها نسبياً، إلاّ أنه بالمقابل تراجعت أمم أخرى اقتصادياً وثقافياً وعلمياً وبدأت تظهر مؤشرات التراجع لكثير من الدول المتقدمة وحتى العظمى منها، كما تعرضت دول لأزمات اقتصادية ونشأت صراعات مختلفة في دول عديدة، وكل ذلك ناتج عن عدم تفهم النقلة النوعية التي حدثت في المجتمعات كنتيجة لهذه المنظومة.

وبالتدقيق في خصائص هذه النقلة سنجد أنها أشبه ما تكون بانتقال مجموعة من الأسر المحافظة للعيش في قرية سياحية كبيرة بعد فترة طويلة من العيش في منازل مستقلة، والاختلاف الجوهري الذي تسببت به هذه النقلة هو أن كل الأسر بكل أفرادها بدأت للتو بالاختلاط الفكري وممارسة الأنشطة المختلفة “المشتركة” مع كثير من الأسر الأخرى على مستوى كل الأجيال فيها، وكذلك الاستفادة من كل المقومات والخدمات المتوفرة في تلك القرية بشكل مشترك، بعد أن كانوا منعزلين نسبياً ويمارسون كل ذلك بشكل مستقل كلٌ في منزله الخاص، وبطبيعة الحال تنوعت الآثار المترتبة على تلك النقلة بحسب كل أسرة، فمنها ما كان له الأثر الإيجابي على بعض الأسر ومنها ما كان له الأثر السلبي على أسر أخرى، وسأترك للقارئ هنا، بحسب ثقافته وأسلوبه في الحياة وزاوية الرؤية التي يرى من خلالها هذه النقلة، ما يمكن أن يتصوره من خلافات واختلافات أو حتى تناقضات قد تنشأ بداخل الأسرة الواحدة أو بين الأسر المختلفة نتيجة هذه النقلة في حال حدوثها فعلاً، بعدها يصبح بإمكانه تصور الأثر الذي لحق بكل الأمم والمجتمعات.

وإذا كان العنصر البشري هو أساس بنية كل مجتمع من المجتمعات، فإن وجود هذا العنصر موزع على دول مختلفة بشكل متداخل ومتشابك خلال العقود السابقة والذي تسببت فيه الهجرة كأحد الأمثلة وساهمت في كثير من التغيرات لعدد من المجتمعات على حساب أخرى، وكان أكثرها تأثيراً هو الذي أحدثته هجرة العقول النابغة، فإنها اليوم تؤثر بنفس الطريقة ولكن بشكل أعظم ولكنه خفي غير ملحوظ نظراً للتشابك والترابط الذي أسست له منظومة العولمة بكل أدواتها، ولكن هذه المرة لا نستطيع أن نحدد كيفية حدوث تلك التغيرات أو حتى نتوقع الآثار المترتبة عليها بشكل دقيق، وهنا تكمن معضلة العصر الحديث التي تدفع باتجاه الحاجة الملحة لإعادة هندسة وتأسيس بنية المجتمع العالمي الجديد ليكون مجتمع موحد فيه من الترابط والتكامل والتعاضد ما يمكن أن يجعلنا نحافظ على مستقبل الأجيال القادمة بكل ألوانها وأطيافها ونجعلها تنتمي للمجموع الكلي بشكل يساهم في البناء الصحيح له ومواجهة التحديات المستقبلية التي لن يتم التغلب عليها إلاّ بالاتحاد.

إن الفوائد المنتظرة من تأسيس مجتمع عالمي جديد “موحّد” بما يتناسب مع كل ما تم التأسيس له من حضارة وحداثة في العقود السابقة وحتى يومنا هذا أو ما سيتم تأسيسه لاحقاً، أو حتى مع ما سينشأ بدون تدخلنا نتيجة لسياق التطور نفسه، سيكون أشبه بعملية فتح قنوات بين مجموعة من البحيرات تعاني كل منها من النقص أو الزيادة في أملاح من نوع معين بهدف دمجها معاً، فمنها ما ينقصه أملاحاً نافعة ولكن كثرتها ضارة ومنها ما يعاني من زيادة في تلك الأملاح لدرجة أصبحت ضارة، وبطبيعة الحال سوف يعود شق القناة بالفائدة على كل البحيرات، تماماً مثلما حدث عبر عصور من الزمن عندما تشكلت تضاريس جغرافية على سطح الأرض والمحيطات والبحار وفق آلية وأسرار علمية تحقق حاجات الطبيعة وقدرات إلهية لا تدخل لإرادة الإنسان فيها، مع التأكيد على أننا مهما نقلنا كميات مياه من بحيرة إلى أخرى بهدف التخفيف من الضرر في الأولى وزيادة النفع في الثانية فلن يكون هذا الأمر مفيداً مثل فتح القنوات بين البحيرات وتركها تختلط بشكل انسيابي طبيعي.

إن الحاجة لمزايا المجموع ككل أكثر من حاجة طرف على حساب طرف وفق مكاييل معينة، فهي عملية طبيعية ينبغي أن تتم وفق معطيات الطبيعة ووفق ما تم التوصل له من تطورات وتشابكات حالية تستلزم إعادة التنظيم بطريقة تناسبها، كذلك سيكون لهذا الأمر الأثر الأكبر والأهم في إنهاء الصراعات وبشكل جذري وحل المشكلات وفق تلك الرؤية التي يُفترض أن تؤدي إلى ترابط المجتمع العالمي وتوحيد مصالحه، كما أننا بحاجة لذلك الآن لكي نحافظ على، بل ونواصل استمرار، التطور الإنساني والحضارة الإنسانية بكافة مكوناتها، الثقافية والعلمية والصحية والتعليمية والرياضية، والاقتصادية والصناعية والزراعية، وسائر الجوانب الحيوية الأخرى التي أسس لها الإنسان على مر العصور بشكل تكاملي لا يقبل التجزيء، مع محافظة كل المجتمعات وأفرادها على مقدراتها الخاصة وانتمائها وموروثها الثقافي بل وحتى زيادة الاعتزاز به والتأكيد عليه عند وجوده في بيئة عالمية موحدة، بطريقة تعمل على التعزيز والاحترام المتبادل وإظهار أفضل ما لدى كل منها، تماماً مثلما يحدث في المناسبات العالمية والمنافسات الرياضية والثقافية وما تحمله من معاني وقيم وطنية تخص هوية كل المشاركين فيها بشكل أكبر مما تعنيه المناسبات المحلية مهما كانت مهمة، وهو ما سيعمل على ظهور إبداعات جديدة وتحطيم أرقام قياسية وبما يعود بالفائدة على المجتمع العالمي ككل ويساهم بشكل حقيقي في حل مشكلاته المختلفة بشكل تكاملي، فزيادة الدافع وسموه يؤدي عادة للتوصل إلى نتائج أكبر وأشمل يستفيد منها العالم أجمع ويستطيع من خلالها حل كل المعضلات التي يواجهها الآن أو سيواجهها في المستقبل.