الرئيسية » إصدارات المركز » مقالات ودراسات » ثنائية العالِم و المثقف العربي في العصر الحديث

ثنائية العالِم و المثقف العربي في العصر الحديث

آخر تحديث: نوفمبر 10, 2020

ثنائية العالِم و المثقف العربي في العصر الحديث

عند التأمل في التاريخ العلمي والثقافي للأمة العربية في العصور السابقة، والذي لا زلنا نفخر به حتى لحظة كتابة هذه السطور، فإننا سنجد الكثير من الأسرار التي ساهمت وأسست للريادة العربية التي سادت في ذلك الزمان، بدءاً من الإبداع الفردي الخالص الذي تتميز به العقلية العربية، وانتهاء بالظروف المحيطة والأوضاع التي كانت تسود المنطقة العربية برمتها وتضيء الطريق للعالم أجمع كأمة رائدة في جميع المجالات، تلك الظروف التي أدت إلى تشجيع العلماء العرب لبذل المزيد من الجهد والعطاء وفقاً لإحساسهم بالمسئولية العلمية والثقافية تجاه مختلف المجتمعات في كل أنحاء العالم.

وبمقارنة بسيطة لما يجري الآن على أرض الواقع وما كان سائداً في تلك الأزمنة فإننا سنجد أن الأمور وكأنها سارت بشكل معكوس لدى العرب حتى وصلنا لما نحن عليه الآن من تخلف، بحيث أننا تراجعنا للخلف وأصبحنا نستورد العلم بعد أن كنّا نصدّره، بنفس الوقت الذي تقدمت فيه الأمم الأخرى للأمام وأصبحت في طليعة الأمم علمياً وحضارياً.

ومهما تكن الظروف والعوامل المتعددة التي ساهمت في هذا التراجع، سواء كانت استعمارية خالصة أو تبعية غير مقصودة أو حتى بسبب الفساد المستشري في المجتمع، إلاّ أن السبب الأهم باعتقادي والسرّ الأكبر الذي يكمن وراء تلك المعضلة وهذا التراجع الذي حدث، ولا زال يحدث، في الوطن العربي، هو ما يمكن وصفه بشكل دقيق على أنه تباعد وفرقة عميقة حدثت بين شخصيتين في المجتمع العربي، الشخصيتين اللتين تمثلان كل من العالِم والمثقف، بحيث أصبح من الصعب أن نجد شخصاً يجمع بين كونه عالماً ومثقفاً في آنٍ معاً.

وبالعودة لتاريخنا السابق، فإننا سنجد أن الشخصية العربية قديماً كانت تتميّز بتلك السمة “السحرية”، والتي ربما تكون أهم سمة على الإطلاق، وهي الجمع بين العلم والثقافة على حدٍ سواء، لدرجة أننا من السهل أن نجد بينهم علماء كبار، بل ومبدعين أيضاً، في مجال العلوم الطبيعية كالفيزياء والكيمياء والأحياء والرياضيات بمختلف فروعها وبنفس الوقت يتمتعون بثقافة عالية ومتنوعة، قد تصل أحياناً إلى حد التمّيز والإبداع أيضاً، في مجالات أخرى كالفلسفة والمنطق وعلم النفس والاجتماع واللغة العربية وحتى الشئون الدينية، العقائدية والفقهية، وسائر العلوم الإنسانية الأخرى، وكانوا غالباً يكتبون ويؤلفون ويقدمون الكثير في كل تلك المجالات بجانب معالجتهم لقضايا الأمة المختلفة. لدرجة قد تؤدي للخلط فيما بينهم أو نسيان تخصصاتهم الأصلية نظراً لتميز الكثير منهم وإبداعهم في عدة مجالات بنفس الوقت.

بالمقابل، وعند التدقيق في المسألة العلمية والثقافية السائدة الآن في الوطن العربي، فإنه من السهل أن نكتشف حقيقة المعضلة التي نعيشها اليوم من خلال ما نستشعره من تباعد كبير حدث بين شخصية كل من العالم والمثقف. فنادراً، أو ربما يستحيل، أن نجد عالماً في أحد مجالات العلوم الطبيعية وبنفس الوقت من يمكن اعتباره مثقفاً بشكل عام بالقدر الذي يمكّنه من الخوض بشكل إبداعي في تخصصات أخرى غير العلم الذي يتقنه، بحيث يقدم للمجتمع ما يمكن أن يكون مُصاغاً بطريقته وأدواته الخاصة التي مكّنته من العلم المتخصص الذي يتقنه ويبدع فيه، كما أننا نادراً ما نجد مثقفاً أو مفكراً على مستوى عالِ من الثقافة ويكون بنفس الوقت ملماً أو متمكناً من أحد أو معظم العلوم الطبيعية والإنسانية ويعلم خفاياها، أو حتى الإلمام بأساسياتها على أقل تقدير.

وتعتبر مسالة الجمع بين العلم والثقافة أمراً ضرورياً لعدة أسباب، فدراسة العلوم بكافة أنواعها هي الوسيلة المثلى لاكتساب كل من “الأدوات” و”الأساليب” التي ستمكِّن من تحليل وتقييم الكثير من الأمور وتقديمها للمجتمع بالطريقة التي تتلاءم معه وتناسب احتياجاته وبالشكل الذي يكون مُقنعاً أيضاً، والعالِم المثقّف سيكون بمقدوره تقديم إبداعه الشخصي في مجال تخصصه بالإضافة للمجالات الأخرى باستخدام أدواته وأسلوبه العلمي الخاص، بحيث يكون أقرب للمجتمع الذي يعيش فيه وتنسجم أفكاره وطروحاته وكل ما يمكن أن يقدمه مع الواقع المحيط به بحيث يمكن تطبيقها والاستفادة منها.

فمن جهة، سيتمكن المثقف من تحسين أدواته عند إلمامه بأسس العلوم الطبيعية التي تهذب وتغذي العقل وسيتمكن من تقديم كل إبداعاته التي يأمل بها بشكل أكثر إقناعاً وبأسلوب فيه الكثير من الاستناد للمنطق العلمي، الذي عادة ما يكون مقنعاً، ومن جهة أخرى فإن العالِم أيضاً مطالب بأن يكون مثقفاً ومُلماً بالكثير من المجالات الأخرى البعيدة عن تخصصه حتى يكون أكثر انفتاحاً على المجتمع الذي يعيش فيه ويتمكن من التواصل مع جميع شرائحه بكافة تخصصاتهم، بالطبع سيكون قادراً كذلك على تقديم إبداعاته العلمية أيضاً بشكل يتناسب مع متطلبات هذا المجتمع واحتياجاته الحقيقية لحل مشكلاته والمساهمة في مسيرته التنموية.

هذا إذن هو أحد أهم أسرار تراجع الأمة العربية، والفُرقة والتباعد الكبير الذي حدث بين العالِم و المثقف وجعلهما شخصيتين تختلف كل منها عن الأخرى هو من أهم الأسباب التي أدت لما نحن عليه الآن. وبهذا يكون من الواجب على طرفي هذه المعادلة الصعبة أن يعملا بجد واجتهاد للوصول للطرف الآخر بحيث نصل بالنهاية إلى تعزيز وجود الشخصية العربية المبدعة، الشاملة والمتكاملة، التي سادت في الأزمنة السابقة وسيكون لدينا عندئذٍ أحد أهم مقومات نجاح وتفوق الأمة العربية والمتمثلة بوجود مثل تلك الشخصيات فيها.