الرئيسية » إصدارات المركز » مقالات ودراسات » فلسفة التطوير والتجديد في الفكر الإداري المُعاصر، الغطاء الذهبي المعرفي

فلسفة التطوير والتجديد في الفكر الإداري المُعاصر، الغطاء الذهبي المعرفي

آخر تحديث: نوفمبر 10, 2020

فلسفة التطوير والتجديد في الفكر الإداري المُعاصر

نحو التطوير الإستراتيجي لنظم القيادة والإدارة العليا

(2) الغطاء الذهبي المعرفي

ارتبطت مسألة التجديد والتطوير في الفكر الإداري واستحداث النظم الإدارية على مر العصور بالتطور الحضاري، الزراعي والصناعي والتجاري الذي يحدث في المجتمع، بحيث كان يعكس التطور الحضاري الحادث في كل عصر وينشأ ويتراكم بالشكل الذي يتوافق مع معطياته وأدواته الخاصة، بدءا من عصر النهضة الزراعية ومروراً بالثورة الصناعية الكبرى ثم عصر التكنولوجيا وصولاً إلى عصر المعرفة السائد حالياً في معظم دول العالم.

وقد ساهمت الاختلافات الجذرية في طبيعة التطور الحضاري بين تلك العصور في إضفاء سمة الصعوبة على آلية التجديد والتطوير الإداري واستحداث النظم الإدارية الحديثة المناسبة لكل عصر، كما أنها فرضت الحاجة إلى بذل الجهود البحثية المتخصصة الهادفة لاستكشاف أفضل الأساليب والنظم الإدارية وأنجعها والتي يمكن أن تتوافق مع التغيرات والمعطيات والأدوات والمستجدات غير المسبوقة التي يفرزها كل عصر وتحقق أهداف الإدارة الإستراتيجية، الأمر الذي أدى إلى ظهور نظم الإدارة الحديثة في الدول المتقدمة التي تعتمد منهجية البحث العلمي في التطوير الإداري قبل غيرها من الدول النامية، والتي قامت بدورها باستنساخها وتطبيقها بدون مرجعية بحثية وأدت إلى ما أدت إليه في الدول النامية والمجتمع العربي من تبعية جوفاء وفشل ذريع أو حتى نجاح مرحلي يخلو من آفاق الإدارة الإستراتيجية!.

وبالرغم من غياب فلسفة التجديد والتطوير المستندة إلى منهجية البحث العلمي وما أدى إليه من تراجع وتهلهل في منظومة الإدارة واضمحلال القدرة على التجديد والتطوير الإداري بشكل عام في الدول النامية والمجتمع العربي، إلاّ أن القطاع الخاص فيها ظل محافظاً على الحد الأدنى من مقومات التجديد والتطوير الإداري المستمر الذي يلزم للسير في مسيرة النجاح بشكل استراتيجي بعيد المدى وذلك من خلال ما توفر له من قدرة على اتخاذ القرارات وتوظيف الجهود البحثية والإمكانات العلمية والمخاطرة المالية اللازمة لاستنساخ النظم والأدوات الحديثة بشكل أكثر سرعة، وجرأة، من القطاع العام، بحيث ساهم كل ذلك في تحقيق النجاح بأقل التكاليف، ويعزى هذا الأمر إلى التشابه الكبير في كل من الفكر الإداري وآلية العمل والأهداف الربحية للقطاع الخاص في كل الدول، بالإضافة لتزايد معدلات انتقال الخبرات الإدارية والتعاملات البينية لمؤسسات القطاع الخاص في معظم الدول حول العالم.

وإذا كان القطاع الخاص قد ظل متفوقاً على القطاع العام في قدرته على التطوير والتجديد في الفكر الإداري وتذليل العقبات الناتجة عن التطور والتقدم الحضاري والتدرج بين مختلف العصور السابقة، إلا أن هذا الأمر سيبدو معكوساً الآن عند الانتقال إلى عصر المعرفة والثروة المعلوماتية الذي وفّر ما يمكن أن نطلق عليه “الغطاء الذهبي المعرفي” الذي ساهم في توفير وتيسير القدرة على إجراء البحوث والدراسات التحليلية اللازمة لاستكشاف أفضل النظم الإدارية وتبسيط أساليب الإدارة الإستراتيجية والتخطيط الفعّال أكثر من مساهمته في تعقديها، باعتبار أن الانتقال إلى عصر المعرفة أوجد المشكلة والحل معاً، مشكلة الانتقال إلى عصر جديد مع حلها المتمثل في الغطاء الذهبي المعرفي الذي يساعد في التغلب على صعوبات هذا الانتقال.

وبالنظر إلى اتساع وعمق وشمولية وتكامل كميات المعرفة التي تتوفر لدى القطاع العام وما تضيفه تلك الخصائص والسمات من مزايا في التحليل والاستنباط والاستقراء المؤدي لمزيد من المعرفة الأكثر دقة وتفصيلاً وفائدة مقارنة مع ما يتوفر من المعرفة المحدودة لدى القطاع الخاص فإن الفرصة تكون سانحة له الآن لاستعادة الريادة والتفوق في القدرة على تطوير وتجديد الفكر الإداري برمته، بل والقدرة على التخطيط الفعّال والإدارة الإستراتيجية واتخاذ القرارات وسن التشريعات ورسم السياسات التي من شأنها أن تساهم في التطوير والتجديد ليس فقط في القطاع العام بل حتى في القطاع الخاص نفسه، وبما يتناسب مع احتياجات المجتمع وتحقيق التنمية الإستراتيجية المستدامة فيه.

The philosophy of development and renewal in contemporary administrative thought

Towards the strategic development of leadership and top management systems

The knowledge golden cover

The issue of renewal and development in administrative thought and the establishment of administrative systems throughout the ages was associated with civilization, agricultural, industrial and commercial development that takes place in society, so that it was always reflect the civilized development that occurs in every age and arises and accumulates in a form that corresponds to its own data and tools, starting with the agricultural renaissance and through the major industrial revolution and then the age of technology, up to the era of knowledge, which currently prevails in most countries of the world.

Radical differences in the nature of civilization development between those eras contributed to the difficulty of the mechanism of renewal and administrative development and the introduction of modern administrative systems appropriate for each era, and it imposed the need to make specialized research efforts that aimed to explore the best and most effective administrative methods and systems that can be compatible with the changes, data, tools and unprecedented developments produced in each era that may achieve the goals of strategic management, which led to the emergence of modern management systems in developed countries that adopt the methodology of scientific research in administrative development before other developing countries, which, in turn, copied and applied them without research reference and led to what it led to in developing countries and the Arab community of hollow dependency and catastrophic failure or even a phased success without the prospects of strategic management !

In spite of the absence of the philosophy of renewal and development based on the methodology of scientific research and the resulting decline and flaccidity in the management system and the erosion of the capacity for renewal and administrative development in general in developing countries and the Arab community, but the private sector in it remained at the minimum level of renewal and continuous administrative development that is necessary to walk in the path of success in a strategic long-term through its ability to make decisions and employ research efforts, scientific capabilities and financial risk necessary to reproduce modern systems and tools more quickly, and boldly, from the public sector, so that all of this contributed to achieving success at the lowest costs, and this is due to the great similarity in both the administrative thought, the work mechanism, and the profit goals of the private sector in all countries, in addition to the increasing rates of transfer of administrative experiences and inter-transactions to the private sector institutions in most countries around the world.

And if the private sector has remained superior to the public sector in its ability to develop and renew in administrative thought and overcome obstacles resulting from the development and civilization progression between the various previous eras, this matter will look reversed now when moving to the era of knowledge and information wealth that provided what could we call it the “Knowledge Golden Cover” that contributed to providing and facilitating the ability to conduct the necessary research and analytical studies to explore the best administrative systems and simplify the methods of strategic management and effective planning more than its contribution to its complexity, given that the transition to the era of knowledge created the problem and the solution together, the problem of the transition to a new era with its solution represented in the knowledge golden cover that helps in overcoming the difficulties of this transition.

Given the breadth, depth, comprehensiveness, and complementary of the quantities of knowledge that the public sector has, and what these characteristics and features add to it in the analysis, deduction, and extrapolation leading to more accurate, detailed, and useful knowledge compared to what is available from the limited knowledge of the private sector, an opportunity now exists for it to regain leadership and excellence in the ability to develop and renew administrative thought in its entirety, and also the ability of effective planning, strategic management and decision-making, enactment of legislation and policy-making that would contribute to the development and renewal not only in the public sector but even in the private sector, and commensurate with the needs of the community and the achievement of strategic sustainable development in it.