الرئيسية » إصدارات المركز » مقالات ودراسات » نظريات الإدارة الأمنية الإستراتيجية (5) التنسيق و التعاون الأمني متعدد المستويات الإدارية

نظريات الإدارة الأمنية الإستراتيجية (5) التنسيق و التعاون الأمني متعدد المستويات الإدارية

آخر تحديث: نوفمبر 10, 2020

نحو التطوير الإستراتيجي لمنظومة الأمننظريات الإدارة الأمنية الإستراتيجية

(5) التنسيق و التعاون الأمني متعدد المستويات الإدارية

الأسس الفنية للتنسيق و التعاون الأمني (4) التنسيق والتعاون الأمني متعدد المستويات الإدارية

بالرغم من الأهمية الكبرى التي توليها أجهزة الأمن والشرطة لعمليات التنسيق و التعاون الأمني فيما بينها، والتي تهدف عادة لرفع مستوى الأداء وزيادة الفاعلية وتسريع إنجاز المهام الشرطية والأمنية على أكمل وجه وفي التوقيت المناسب، إلاّ أنها، وفي هذا العصر تحديداً، المزدحم والمتشابك، باتت تبدو وكأنها تؤثر بشكل معكوس على الجهات التي تقوم بتلك العمليات، وربما على منظومة الأمن برمتها، بحيث أصبحت تُساهم في التقليل من مستوى وسرعة الأداء والفاعلية بشكل أكبر من أن تساهم في زيادته، في كثير من المواضع.

وحقيقة هذه المعضلة، الإدارية في ظاهرها، والسكانية الجغرافية في جوهرها، أنها نشأت كنتيجة طبيعية للتغير المستمر الذي يحدث في المجتمع إضافة لتنوع وتمايز ذلك التغيير في المناطق السكانية والجغرافية المختلفة، والتي تختلف فيما بينها من حيث المساحة الجغرافية والكثافة السكانية ومعدلات الأنشطة اليومية، أو من حيث احتمالات ومعدلات وقوع الأخطار الأمنية فيها، الأخطار التي يتم التنسيق و التعاون من أجل منع وقوعها أو تطويقها على أقل تقدير، بحيث أدى هذا الأمر إلى نشوء الكثير من المعيقات وجعل من عمليات التنسيق و التعاون تتطلب الكثير من الوقت والجهد الأمر الذي يتسبب في تأخير إتمامها في التوقيت المناسب، بخاصة بين المناطق المختلفة في خصائصها الجغرافية والسكانية وعبر مختلف الإدارات المتخصصة.

فلو افترضنا أن مهاماً شرطية لإحدى الإدارات المتخصصة في مركز شرطة أحد المناطق التي تتميز بالكثافة السكانية المنخفضة، مثلاً، تتطلب تنسيقاً وتعاوناً مع إدارة متخصصة أخرى موازية لها من نفس المستوى الإداري في مركز شرطة آخر، أو حتى جهة أمنية مختلفة، في منطقة تتميز بالكثافة السكانية المرتفعة فإنه من المتوقع أن يتطلب هذا الأمر جهداً ووقتاً أطول مما لو كان مع نفس الجهة في منطقة أخرى ذات كثافة سكانية شبيهة، وذلك بحسب ما تؤدي إليه زيادة الكثافة السكانية من ازدحام للأنشطة الإدارية وربما تراكم وتأخر العديد من مهام التنسيق و التعاون التي تنتظر التنفيذ في مناطق أخرى، في الوقت الذي قد يساهم أي منها في منع وقوع الخطر الأمني أو تطويقه إذا كان قد وقع للتو في تلك المناطق.

إن الحل الأمثل للتغلب على معيقات التنسيق و التعاون الأمني في هذا العصر، والناتج عن تنوع وتمايز الخصائص السكانية والجغرافية للمناطق المختلفة أو حتى بسبب التسلسل الإداري اللازم إتباعه، هو أن يتم إعادة هندسة وبناء قنوات التنسيق و التعاون بين الإدارات المختلفة أو حتى بين الجهات المتعددة بطرق جديدة ومبتكرة تتناسب مع طبيعة كل منطقة وخصائصها الجغرافية والسكانية، سواء من حيث المساحة أو الكثافة السكانية وحجم الأعمال اليومية الذي تعكسه تلك الخصائص، بحيث يتم إيجاد قنوات تواصل أكثر مرونة تربط بين المستويات الإدارية المتعددة، كلما أمكن ذلك، طالما أنها تتشابه في حجم ونوعية الأعمال التي تقوم بها ومستوى المعرفة الذي يتوفر فيها والمطلوب التنسيق و التعاون من أجل الاستفادة منه لمنع وقوع الأخطار الأمنية بالسرعة الممكنة.

من جهة أخرى، قد يتطلب الأمر إنشاء الإدارات والأفرع والأقسام المتخصصة في بعض الجهات المزدحمة إدارياً، بحيث تكون مهامها محصورة فقط في توفير عمليات التنسيق و التعاون مع غيرها من الإدارات أو حتى الجهات المختلفة وتكون عملياتها منفصلة ومستقلة في الهيكل الإداري، وذلك من أجل تعزيز قدرتها على أداء مهام التنسيق و التعاون بالسرعة الممكنة والتوقيت المناسب للجهات الأخرى الأقل ازدحاماً، حتى وإن كانت من مستويات إدارية مختلفة، أعلى أو أقل منها، بحيث يتم دوماً إيجاد حالة جديدة من التوازن بين طرفي عمليات التنسيق و التعاون والتي يتوفر فيها التشابه من حيث كل من كثافة العمل والمستوى المعرفي وحجم ونوعية المعلومات المتبادلة بما يضمن مرونة وسرعة تبادلها خلال تلك العمليات، بدلاً من التشابه في المستوى الإداري الذي يؤدي إلى إبطاء تلك العمليات.