الرئيسية » إصدارات المركز » مقالات ودراسات » نظريات تطوير المناهج التعليمية الحديثة (3) التطوير التفاعلي

نظريات تطوير المناهج التعليمية الحديثة (3) التطوير التفاعلي

آخر تحديث: نوفمبر 10, 2020

نظريات تطوير المناهج التعليمية الحديثة

(3) التطوير التفاعلي

لو قمنا بالتدقيق في كل التطورات التي طالت مختلف جوانب الحياة في هذا العصر في معظم المجتمعات حول العالم، سواء كانت تطورات في أساليب وأنماط الحياة اليومية أو في طريقة التعاطي مع مستجدات العصر وأدواته الحديثة بكافة أشكالها، فسوف نلاحظ أن معظم تلك التطورات كانت أشبه بعملية انتقال من وضعية الإرسال باتجاه واحد إلى وضعية “التفاعل” بين المرسل والمستقبل، لدرجة أننا يمكن أن نصف هذا العصر برمته بأنه عصر “التفاعلية” ليكون معبراً عنه بشكل دقيق ومحدداً لسماته الأساسية أكثر من أي وصف آخر.

ففي مسيرة تطور الإعلام بشكل عام، والتلفزيون بشكل خاص، نجد أنها تدرجت بشكل تصاعدي في توسيع الشق التفاعلي في البرامج ذات الاتجاه الواحد حتى أصبحت مسألة التفاعل سمة أساسية فيها، الأمر الذي جعلها أكثر انتشاراً ومشاهدة من قِبل الجمهور، كما لحقت بها العديد من البرامج الأخرى التي لم تعطِ لمسألة التفاعل أي أهمية من قبل، بحيث تمت إضافة فقرات تفاعلية في أوقات البث الحي والمباشر من خلال استضافة متخصصين في شئون مختلفة وتلقي استفسارات وآراء الجمهور المتنوعة، كما بدأت برامج أخرى، كبرامج المسابقات والمنافسات والمنوعات بكافة أشكالها، من قمة الهرم التفاعلي واستثمرت سمة التفاعلية، الأكثر جذباً للجمهور، من خلال استطلاع آراءه بشكل حي ومباشر لتحتل المراتب الأولى في نسب المشاهدة، ليس لأن فيها أي فائدة تُذكر، ولكن فقط لأنها برامج تفاعلية!

وفي مسيرة عالم الأعمال نجحت الكثير من الشركات وتوسعت حتى أضحت من كبريات الشركات في العالم في حين اختفت وأفلست شركات أخرى، وبالرغم من تنوع الأسباب التي أدت لكلا الحالتين إلاّ أن أهمها على الإطلاق كان يتعلق بمدى استثمار كل منها للسمات “التفاعلية” لهذا العصر والمساحة التي توفرها للمستهلك من أجل التعبير عن رأيه في خدماتها ومنتجاتها بطريقة تجعله يشارك في صنع مسيرة تطورها وتطور خدماتها ومنتجاتها بما يتناسب مع رغباته واحتياجاته وميوله واهتماماته الشخصية، وقد أضحت سمة “التفاعلية” هي المحرك الأساسي لكل الأنشطة في المجتمع، وأصبح استثمارها بالشكل الصحيح والمناسب هو العامل المهم، وربما الأهم، في مسيرة تطور ونجاح أي من تلك الأنشطة وتحقيق أهدافها، سواء كانت تعليمية وثقافية وفنية، ترفيهية ورياضية وصحية، تجارية وزراعية واقتصادية أو حتى سياسية وإعلامية وأمنية.

وإذا صح لنا، بعد هذه المقدمة، تشبيه المؤسسات التعليمية الحكومية بالبرامج التلفزيونية الكلاسيكية، أو بالشركات التجارية الضعيفة تفاعلياً حتى وإن كانت تعكف على تطوير وتجديد خدماتها ومنتجاتها بشتى الوسائل وتخصص الميزانيات الضخمة لهذا الغرض وبنفس الوقت تُهمل الشق “التفاعلي” مع الجمهور، فإننا بالتأكيد سوف نتوقع لها الابتعاد شيئاً فشيئاً عن تحقيق النجاح إلى أن تصل إلى حد الإفلاس والفشل الذريع، حتى ولو بعد فترة من الزمن، وبنفس الطريقة فإنه من المنطقي أن تفشل المؤسسات التعليمية في تحقيق أهدافها الإستراتيجية أيضاً، ولربما يأتي يوماً في المستقبل البعيد نُفاجأ فيه بالمدارس وهي شبه خالية من الطلاب طالما لا يتم تغيير الأساليب الحالية في التعليم وطرق استنباط واستكشاف الأسلوب الأمثل لتطويرها من خلال استثمار سمة “التفاعلية” العصرية التي تساهم بشكل أساسيي في التطوير أصلاً وفي شتى المجالات أكثر من أي شيء آخر.

وفي الوقت الذي تُبذل فيه الكثير من الجهود الهادفة لتطوير المسيرة التعليمية، بخاصة فيما يتعلق باستخدام الأدوات والأجهزة والوسائل التكنولوجية الحديثة، إلاّ أن معظم تلك الجهود تفتقد لإيجاد سمة التفاعلية في البنية التعليمية، السمة التي يمكن أن تساهم في مسيرة التطوير من خلال ما يمكن أن توفره لكل من الطلاب وأولياء الأمور من قدرة على المشاركة في النقد والتطوير والتحديث، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، بحيث استمرت العملية التعليمية بنفس الطابع الكلاسيكي التلقيني ذو الاتجاه الواحد مع فارق بسيط وهو استخدام الأدوات والوسائل التكنولوجية الحديثة، ويُصبح مشهد تطوير العملية التعليمية وكأنه أشبه بتوفير أحدث الأجهزة والمعدات لمصانع لا يوجد فيها خطوط واضحة ومحددة للإنتاج أو حتى صفات محددة للمنتج المطلوب صناعته!.

إن تطوير المسيرة التعليمية بكل أركانها يتطلب البدء، أولاً، بتطوير المناهج التعليمية والأركان الأخرى لمنظومة التعليم من خلال استثمار سمة التفاعلية التي تخلق نوع من التفاعل بين المناهج التعليمية من جهة والمدرسين المتخصصين والطلاب وأولياء الأمور من جهة أخرى، وبأشكال مختلفة تتناسب مع كل نوعية من المناهج، بحيث تُضفي على عملية التعليم والتعلم سمة التفاعلية التي تساهم في تكوين روابط شخصية بين المدرس أو الطالب وبين المناهج التي تُدرّس، وتجعلهم يشعرون بأن لهم دور أساسي في تكوينها وتطويرها وتغيير إعداداتها وخياراتها بما يتناسب مع شخصياتهم الفريدة من جهة وأسلوبهم في تدريسها ودراستها من جهة أخرى، وذلك بدلاً من الشعور بالاغتراب عنها طوال فترة الدراسة حتى وإن توفرت لهم بكل الوسائل التكنولوجية الحديثة.

يبقى أن نأمل ألاّ يؤدي استثمار السمة التفاعلية في تطوير المسيرة التعليمية إلى السير بالاتجاه العكسي لمنحنى التطوير، أي باتجاه الهبوط في المحتوى والأهداف، وذلك مثلما حدث، وما زال يحدث، في مسيرة التطور السلبية للصحف الورقية عندما بدأت بالتحول إلى صحف إليكترونية استثمرت مبدأ التفاعلية لأهداف استهلاكية ربحية بحتة، وذلك من خلال ما وفرته تلك الصحف من إحصاءات إليكترونية مفصّلة تُبين تفضيلات وميول واهتمامات القرّاء والمعدلات المرتفعة لنسب تصفحهم للأخبار التافهة والشائعات والفضائح والترهات الصحفية، بحيث تم استثمار كل تلك الإحصاءات بشكل عكسي وجرى تكثيف نشر مثل تلك الأخبار والتركيز عليها لجذب أكبر عدد من القرّاء من أجل زيادة الانتشار والكسب المادي وتحولت رسالتها إلى نشر الجهل والتخلف بدلاً من التثقيف والتنوير!