الرئيسية » إصدارات المركز » مقالات ودراسات » نظريات الإدارة الأمنية الإستراتيجية (3) استقلالية وحياد تحليل المعلومات

نظريات الإدارة الأمنية الإستراتيجية (3) استقلالية وحياد تحليل المعلومات

آخر تحديث: نوفمبر 10, 2020

نحو التطوير الإستراتيجي لمنظومة الأمننظريات الإدارة الأمنية الإستراتيجية

(3) استقلالية وحياد تحليل المعلومات

احتلت ألعاب الأحاجي المخصصة للأطفال مكانة متميزة في أوساط التربية والتعليم باعتبارها تؤسس لتنمية المهارات الفكرية لهم بطرق تجمع ما بين التدريب والترفيه، بخاصة تلك التي تعتمد على مهارة تجميع أجزاء من قطع الصور الصغيرة التي ينتج عن تركيبها معاً صورة كبيرة ذات معنى ربما يكون محدد لهم مسبقاً أو في مستويات أكثر صعوبة قد لا يكون محدداً. وبالرغم من أن تجميع كل أحجية من هذا النوع ربما لا يتطلب أكثر من دقائق معدودة من متوسطي المهارة من الأطفال إلاّ أنه إذا قمنا بخلط مجموعة من القطع الخاصة بخمسة أحاجي، مثلاً، وطلبنا من خمسة أطفال تجميعها على أن يقوم كل منهم بتجميع أحجية سوف يستغرقون في ذلك وقتاً أطول نسبياً أو ربما لاستعصى عليهم الحل بشكل نهائي، حتى وإن قاموا بحلها بشكل منفرد في وقت سابق.

والفرق الخفي بين الحالتين هو ما تفرضه الحالة الأولى من حدود في المعطيات للأحجية الواحدة وما تفرزه الحالة الثانية من اختلاط بين قطع الأحاجي المختلفة عند وضع جميع الأجزاء معاً وما يتسببه ذلك من تضاربات وشكوك في اختيارات المتسابقين قد ترتقي لتصبح تجاذبات فكرية وصراعات حول الأجزاء وفق تصور كل منهم ورؤيته للقطعة بأنها قد تنتمي لأحجيته وليس للأحاجي الأخرى التي لا يعرف مضمونها، وهو ما قد يؤثر على نتائجهم جميعا ويجعلهم يستغرقون المزيد من الوقت أو ربما يؤدي لاستعصاء الحل عليهم جميعاً. والغريب في هذه المعضلة، التربوية في ظاهرها وتنتمي لعلم الاحتمالات في جوهرها، أنه لو طُلب من طفل واحد فقط تجميع الخمسة أحاجي وحده فإنه سوف يستغرق وقتاً أقل بكثير مما قد يستغرقه الخمسة أطفال معاً، ويعزى هذا الأمر لسمتين أساسيتين تم توفيرهما في تلك الحالة لهذا الطفل لم تكنا متوفرتين للأطفال الخمسة معاً أثناء محاولتهم حل الخمسة أحاجي وهما الاستقلالية والحياد، بحيث أدتا معاً لتوفر الرؤية الشاملة والقدرة على التحليل الجيد واتخاذ القرار واختصار الوقت والجهد والتوصل للحل الصحيح في وقت أقل نسبياً.

وبالنظر لمعظم المشكلات الحالية في العصر الحديث، وبخاصة الأمنية منها، سنجد أنها تعاظمت وتشابكت بشكل أكثر بكثير مما كانت عليه في العقود السابقة، وذلك وفق ما وفره العصر الحديث من تشابكات وتقاطعات بين مختلف الأنشطة في الحياة اليومية في المجتمع والنمو السكاني المضطرد فيه، بحيث أصبحت أشبه ما تكون بمجموعة هائلة من ألعاب الأحاجي المفككة والمنثورة بشكل عشوائي ويُنتظر حلها وتركيبها للحصول على الصورة الكاملة لكل منها، تماماً مثلما تعمل أجهزة الأمن المختلفة على تجميع أجزاء كل مشكلة من أجل إيجاد حلاً لها بهدف الوصول إلى حالة الأمن العام ومنع وقوع المشكلات الأمنية بكافة أنواعها، بدءاً من الحوادث العرضية، كحوادث المرور والحريق، ومروراً بأفعال العمد الخارجة على القانون بكل أنواعها، ووصولاً للمشكلات الأمنية الأكثر تعقيداً والمتمثلة بالجريمة المنظمة بكافة أشكالها، والتي تتطلب جميعها الارتقاء بقدرات التحليل من أجل الحد منها ومنع وقوعها، سواء كان تحليل من منظور إحصائي رياضي للحوادث العرضية أو من منظور بحثي جنائي للجرائم المتعمدة والمنظمة، أو حتى من منظور تكاملي يجمعهما معاً!

إن التغلب على الصعوبات في حل المشكلات الأمنية المتشابكة في هذا العصر يكمن بشكل أساسي في تنمية وتعزيز قدرات التحليل أكثر من أي شيء آخر، ولا يتأتى ذلك إلاّ من خلال العمل على فصل كافة عمليات وإجراءات تحليل المعطيات عن سائر العمليات والإجراءات الأخرى لتصبح “مستقلة” وتوكل إليها مهمات بحث وتحليل كل “الأحاجي” التي تمثل المشكلات الأمنية بكافة أشكالها وأنواعها وارتباطاتها وتقاطعاتها من منظور “محايد” ومنفصل عن أية رؤى مسبقة، منظور يُمكّن من التوصل إلى التقديرات والتنبؤات، الرياضية والجنائية، الصحيحة، وما يمكن أن ينتج عن تكاملهما معاً، من أجل وضع الحلول الجذرية والإستراتيجية لكل المشكلات الأمنية والعمل على منع وقوعها مستقبلاً، أو الحد منها على أقل تقدير، حلولاً تتناسب مع كل متغيرات هذا العصر وتشابكاته وتقاطعاته المختلفة وما تسببت به من اضمحلال في القدرات المعرفية للإدارات المتخصصة، تماماً مثلما يحدث في معضلة الأحاجي الترفيهية المشتركة، وذلك حتى يتسنى الحصول على أفضل النتائج وفي وقت قياسي ربما يستحيل الحصول عليه بأي طرق أخرى.