الرئيسية » إصدارات المركز » مقالات ودراسات » الأسرار الفنية للتوفير في الإنفاق الحكومي (2) استثمار تضخم أعداد الموظفين

الأسرار الفنية للتوفير في الإنفاق الحكومي (2) استثمار تضخم أعداد الموظفين

آخر تحديث: نوفمبر 10, 2020

بالرغم من كل ما قيُل وكُتب عن تضخم أعداد الموظفين الحكوميين والزيادة المترتبة على هذا التضخم من مصروفات والتزامات شهرية تُمثل عبئاً اقتصادياً حقيقياً متزايداً إلاّ أننا لم ننظر يوماً لهذا الأمر أية نظرة إيجابية تُذكر، حتى وإن كانت على صعيد إنجاز العمل، وقد كنا دوماً بعيدين كل البعد عن استثمار هذا التضخم بالطريقة التي تجعله تضخم “إيجابي”، ولو كان في جانب واحد على الأقل، قد تبحث عنه وتتمناه الكثير من المؤسسات والشركات الخاصة لدرجة أن بعضها يصل به الأمر إلى حد التباهي بكثرة أعداد موظفيها وكأنها ترسل رسالة ضمنية للمستهلك بأنها الأكفأ والأفضل له!!

وفي الوقت الذي تتجه فيه معظم الشركات والمؤسسات التجارية وحتى المحلات البسيطة لتقديم العروض والفرص والخصومات عند الشراء بالجملة أو حتى في مواسم معينة أو لأعداد مجتمعة من المستفيدين من شركات أخرى، إضافة للتعاون والتنسيق أفقياً فيما بينها أو رأسياً مع جهات التصنيع والتوريد بهدف تحقيق الأهداف الاستثمارية بشكل تكاملي وتوسيع الانتشار وكسب عدد أكبر من الزبائن وتسريع عمليات البيع والنمو وفق خطط تسويقية إبداعية، إلّا أنه لم يتم استثمار مسألة تضخم أعداد الموظفين الحكوميين مع هذه التوجهات التسويقية الحديثة بحيث يتم الاستفادة منها لصالح الموظف محدود الدخل من جهة والتوفير في الإنفاق الحكومي من جهة أخرى، الأمر الذي جعلنا خارج هذه المنظومة التسويقية التي أثبتت فعاليتها في عصر العولمة المتنامي الأطراف، عصر التواصل وتشابك المصالح التجارية التسويقية والاستثمارية بين الشركات والمؤسسات المختلفة محلياً وعالمياً.

ومن أمثلة ما يمكن تحقيقه في هذا السياق، بهدف “التخفيف” على الموظف محدود الدخل و”التوفير” في الإنفاق الحكومي بنفس الوقت هو ما يمكن الحصول عليه من عروض وفرص من مختلف المحلات والشركات وتسخيرها وتقديمها للفئات المختلفة من الموظفين للاستفادة منها شهرياً، فمثلاً قد يكون الاتفاق مع أحد محلات الأغذية على نسبة تخفيض محددة يقدمها للموظفين الساكنين في محيط المحل هي مفتاح حل الكثير من المشكلات بالنسبة له وقد تعمل عمل زيادة الدخل لراتبه بنسبة معقولة، فالموظف الذي يتلقى راتباً 2000 مثلاً ويصرف منه 800 في الشراء من محل مواد غذائية عندما نقدم له عرضاً بالشراء من أحد المحلات بتخفيض 20% على كل فاتورة بقيمة 800 شهرياً سيكون في هذه الحالة وكأنه حصل على علاوة 8% من إجمالي راتبه الشهري أي بمقدار 160، وبالمثل إذا وفرنا له عروضاً متنوعة من محلات أخرى متخصصة في بيع الملابس والأدوات المدرسية والقرطاسية وغيرها من الاحتياجات الضرورية بما يتناسب مع احتياجات كل موظف وموقعه الجغرافي.

ومن الممكن أن تمتد هذه الآلية لتشمل العديد من التسهيلات الأخرى بمختلف المستويات وبحسب احتياجات الموظف وإمكاناته وحرية اختياراته ضمن حدود سقف أعلى لمجموع ما يحصل عليه من خصومات لكل الخدمات مجتمعة لإتاحة الفرصة للجميع للاستفادة من هذه الآلية، فمثلاً قد لا يرغب موظف بالحصول على عرض يتعلق بخصم للمشتريات الغذائية ويقوم باختيار عرض يتعلق بخصم خاص في أحد المطاعم المفضلة لديه، وقد يقوم آخر باختيار عدة عروض مجتمعة ليستفيد بشكل جزئي من كل منها، بحيث يحصل بالنهاية على نفس إجمالي قيمة الاستفادة التي يحصل عليها كل الموظفين من نفس الشريحة التي ينتمي لها، كأن يحصل على نسبة خصم من محل مواد غذائية ومحل ملابس ومحل أدوات مدرسية بنسب مختلفة وضمن حدود الحد الأعلى لقيمة التخفيض الشهري للشريحة التي ينتمي لها.

إن التفكير بطريقة اقتصادية لاستثمار العروض والفرص يشبه إلى حد كبير عملية الاستثمار في فروقات البيع بالجملة والتجزئة، ومفتاح النجاح لمثل هذه الطرق الهادفة للتوفير في الإنفاق الحكومي سيكون هو نفسه التضخم في عدد الموظفين لديها والذي يُشكل عبئاً متنامياً، ولكنه هنا سيساعد في الحصول على الكثير من الفرص والعروض والتخفيضات والتي من شأنها تحقيق المزيد من التوفير في الإنفاق والتخفيف على الموظف في آنٍ معاً، ويُفترض بالتخفيضات التي سيتم الحصول عليها من الأسواق أن تكون بمثابة العلاوة التي قد يتطلع الموظف للحصول عليها، ولكنها هنا سوف تكون بدون تكلفة لأنه تم الحصول عليها كتخفيض بهدف كسب الأعداد الكبيرة من الزبائن “الموظفين” ودفع عجلة البيع لدى المحل وهي أهداف تسويقية قد يقوم بها المحل بشكل اعتيادي أصلاً.

إن الفوائد المنتظرة من مثل هذه الطرق التي تهدف لزيادة رواتب الموظفين مع الحفاظ على مبدأ التوفير في الإنفاق الحكومي قد تتعدى مسألة التوفير المالي الشهري المستدام، والمبني على أسس تسويقية بسيطة تتعلق باستثمار عروض البيع بالجملة وإعادة توزيعها على الموظفين، فهي سوف تمتد لتصل إلى التأثير الإيجابي على الكثير من أركان السوق الذي يعاني أصلاً من صعوبة الوضع الاقتصادي وضعف القوة الشرائية لدى محدودي الدخل، إضافة لما سيكون لها من تأثير على تشجيع الاستثمارات المتنوعة والجديدة، وبخاصة الفريدة منها، عندما تتوفر لديها الحدود الدنيا من النجاح عن طريق ضمان الاستثمار في مثل تلك العروض وفق الشروط التي تتناسب مع تطلعاتها الاستثمارية على المدى البعيد. 

ويبقى أن نؤكد على أن مثل هذه العملية لا يمكن تطبيقها بشكل عشوائي أو برؤية آنية غير مستقبلية، فهي بحاجة لإنشاء إدارة متخصصة تقوم بكل ما يلزم لإعداد دراسات السوق والتخطيط بشكل ديناميكي حيوي ووضع الأهداف بشكل استراتيجي قابل للتطوير والتحديث السنوي بما يحقق أقصى درجات الدقة والإنصاف لمجموعات الموظفين ضمن كل شريحة من جهة، وأفضل عائد توفير يمكن الحصول عليه من كل العروض والفرص الموجود في الأسواق المحلية والعالمية ومن مختلف الخدمات في كل الأماكن جغرافياً وشمل كل المستويات التجارية من جهة أخرى، بحيث يتم المحافظة على استمرارية الأداء الأمثل على المدى البعيد القابل للتطوير والتحديث وتعزيز المنافسة الصحية في الأسواق الممتدة جغرافياً في كل المدن والقرى التي يتواجد فيها الموظف وبعيداً عن “احتكار الكبار” الذي قد يتحول لوسيلة تبذير بدلاً من التوفير في المستقبل!!

الجدول التالي يُبين توزيع مجموعة من الموظفين (عددهم 20,000 موظف) على شرائح مختلفة حسب الحد الأعلى للراتب وقيمة العلاوة محل الدراسة ومجموع تلك العلاوات لكل شريحة، واستكملنا أعمدة الجدول بعرض افتراضي للشراء من محلات تجارية بقيمة فاتورة شهرية تتناسب مع راتب كل شريحة مع توضيح نسبة التخفيض التي سيحصل عليها مقابل عملية الشراء تلك والقيمة المالية لها بالعملة المتداولة، ويتضح من الجدول أنه عند تقديم هذه العروض للموظف بأسعارها المخفضة بنسب تتراوح بين 12-14% فقط، كما في هذا المثال، يُصبح الأمر وكأننا منحنا الموظف جزء كبير من العلاوة محل الدراسة (حوالي 70% منها) وبدون أية تكلفة عندما قام بالشراء من تلك المحلات التي تم التعاقد معها لتنفيذ اتفاقية التخفيض لكل الموظفين. وفي هذا المثال تحديداً يتم توفير ما مجموعه 4.4 مليون شهرياً كان يُفترض أن تكون مجموع العلاوات لجميع الموظفين وتم استبدالها بما قيمته الإجمالية 3.213 مليون شهرياً يستفيد منها الموظفون على هيئة تخفيضات مشروطة بحد أدنى من فاتورة شراء شهرية لكل شريحة منهم.

الطريقة الأولى
شريحة الأقدمية الأكاديمية عدد الموظفين العلاوة المطلوبة إجمالي علاوات الشريحة
كل الشرائح 20000 200 4,000,000
                                                   الطريقة الثانية
شريحة الأقدمية الأكاديمية عدد الموظفين العلاوة المقترحة إجمالي علاوات الشريحة
حديث التخرج 1000 0 0
من 1 إلى أقل من 3 سنوات 2000 50 100000
من 3 إلى أقل من 7 سنوات 3000 75 225000
من 7 إلى أقل من 12 سنة 4000 100 400000
من 12 إلى أقل من 18 سنة 5000 125 625000
من 18 إلى أقل من 25 سنة 3000 150 600000
25 سنة فأكثر 2000 200 400000
الإجمالي العام لكل الموظفين 20000   2,350,000