الرئيسية » إصدارات المركز » مقالات ودراسات » نحو تطوير الفنون والثقافة الفنية والتذوق الفني (3) إدارة الوسائل الفنية المساندة

نحو تطوير الفنون والثقافة الفنية والتذوق الفني (3) إدارة الوسائل الفنية المساندة

آخر تحديث: نوفمبر 10, 2020

نحو تطوير الفنون والثقافة الفنية والتذوق الفني

(3) إدارة الوسائل الفنية المساندة

تتسع دائرة الفنون بكافة أشكالها لتشمل الكثير من الأركان المؤثرة في استمرار مسيرة بناءها وتطورها على مر العصور، بدءاً من الفنانين أنفسهم وتطور إبداعاتهم المختلفة وتأثير النقاد المتخصصين في كل أشكال الفن ومروراً بالأدوات والأساليب والبيئات الفنية المتنوعة التي يتم استخدامها في إبراز تلك الفنون، وانتهاءً بالمؤسسات المختصة برعايتها، سواء الرسمية أو غير الرسمية، والتي تعمل جميعها بشكل متكامل على إدارة مسيرة الفنون وربطها بالمسيرة الثقافية والعلمية والتنمية والازدهار في شتى المجالات الحيوية التي تؤثر فيها بشكل مباشر أو غير مباشر من جهة وفي تنمية الثقافة الفنية والإبداعية للأجيال المتعاقبة من جهة أخرى.

ومهما كانت الجهود المبذولة من كل تلك الأركان للحفاظ على المسيرة الفنية فإنه يظل هناك ثغرات يصعب السيطرة عليها والتي قد تكون إحداها سبباً أساسياً خفياً ليس في تراجع مستوى الفنون فحسب بل في الترهل الثقافي لمتابعيها ومن ثم النزول بمستوى كل منهما تدريجياً بشكل يدعوا للاستغراب، وقد تتواجد هذه الثغرات في بعض الوسائل الفنية المساندة التي ليس لها علاقة بالفن بشكل مباشر وقد لا تنتمي لأي من أركانه ولكنها ضرورية لإدارته وإظهاره بشكل ما في هذا العصر، ومن أمثلة هذه الأعمال ما يتعلق بترجمة الأفلام الأجنبية مثلاً، فهي عملية خفية حساسة قد تؤدي إلى نتائج كارثية مذهلة في حال كانت سلبية ويمكن أن تتسبب في اضمحلال مستوى اللغة العربية لدى الجمهور إذا قام بها فرد أو مؤسسة غير متخصصة وبشكل غير صحيح.

وبالمقابل نستطيع أن نذكر شخصاً واحداً ساهم بدور أساسي قد يكون الأهم لعدة عقود سابقة في الحفاظ على اللغة العربية والذي يمكن اعتباره بدون مبالغة “شرطي اللغة العربية” في العصر الحديث وهو المهندس المصري أنيس عبيد رائد الترجمة العصرية، نظراً لما قدمه على مر عقود من الزمن في ترجمة الأفلام الأجنبية بطريقة تجمع بين التخصصية الاحترافية والفنية الإبداعية لا يقدّرها إلاّ خبراء في اللغتين معاً ويتفهمون أسرار وآداب اللغة ودورها في إبراز العمل الفني السينمائي، وهو ما كان باعتقادي من حسن حظ أجيال عربية عديدة ساهم بجهوده الخاصة في حفظ وتنمية لغتها العربية وثقافتها الفنية ربما أكثر من أي شيء آخر!

وهناك العديد من الوسائل الفنية المساندة الشبيهة بمسألة الترجمة والتي لا تقل أهمية عن أركان الفنون المختلفة وقد أضحت في هذا العصر تبتعد شيئاً فشيئاً عن جوهر خدمتها للفنون بل وفي بعض الأحيان قد تؤثر بشكل سلبي على العمل الفني، نذكر هنا مثلاً وظيفة التحكم وانتقاء البرامج والأفلام وتوقيت بثها، فقد تميزت هذه الوظيفة في العقود السابقة بأنها تُسند لشخص لديه حس وتذوق فني يشعر به المشاهدون من خلال حسن الاختيار وتفهم طبيعة ما يتم بثه ومناسبته لكل وقت، في حين أن هذا الأمر تغير على ما يبدو هذه الأيام بسبب التكنولوجيا وربما باتت تُسند هذه المهمة لأشخاص لا يمتلكون الحد الأدنى من الحس أو التذوق الفني وربما تم توظيفهم فقط لقدراتهم التكنولوجية، بحيث أنه يمكن أن يفاجئ الجمهور بعرض نوعية من الأفلام في ساعات محددة أو حتى في مواسم معينة من الصعب أن تكون هي التوقيت المناسب لعرضها.

وتنسحب هذه الظاهرة على العديد من الأنشطة وبيئات إبراز الأعمال الفنية الأخرى، فقد امتدت واستشرت في المجتمع الفني وطالت الفنون بكافة أشكالها وألوانها إلاّ ما رحم ربي، وقد نجدها في المحطات الفضائية والتلفزيون والراديو وحتى في دهاليز تحرير الصحف والمجلات وغيرها من الوسائل، وفي كل بيئة فنية بكل أنواعها هناك دوماً الموظف الذي لا يتقن إلاّ مهنته المتخصصة المساندة وكأنه لا يعرف عن العمل الفني الذي يقوم بتناوله أو عرضه شيئاً لدرجة أنه قد يبدو وكأنه لا يجيد القراءة أو الكتابة ولا يفقه حجم أو مضمون ما بين يديه ويقوم بعمله بشكل آلي بلا أي حس فني يُذكر، في الوقت الذي قد نُفاجأ فيه بأحد الشوارع بثقافة بائع للكتب يفترش الرصيف ليكسب قوت يومه وهو يحدثك عن الكُتّاب والكتب التي يبيعها وتذوقه الفني لها ومفاضلته بينها من حيث المحتوى والمضمون بالرغم من أنه غير جامعي.

إن تطوير المسيرة الفنية بكافة أشكالها يتطلب الكثير من الجهود المشتركة من جميع أركان المجتمع الفني، وبالمقابل ينبغي أن لا يتم إهمال الشق الخاص بالوسائل الفنية والتكنولوجية المساندة والضرورية، التي تعمل على إبراز الفنون بالشكل المناسب، بذريعة أنها لا تنتمي للفنون بشكل مباشر، بحيث يتوجب ضبط كل تلك الأعمال لتكون مرجعيتها ثقافية فنية أكثر من أن تكون إدارية تكنولوجية بحتة أو في أسوأ الأحوال أن يتم إهمالها وتركها للهواة، كما ينبغي اشتراط وجود مؤهلات تخصصات الفنون المناسبة للتوظيف فيها بدلاً من التخصص التكنولوجي البحت والذي قد يحصل عليه بالتدريب أو قد يتم توظيف مساعد لتنفيذ المهمات التكنولوجية، مع التأكيد على أهمية توفر الثقافة الفنية والحس والتذوق الفني والذي يُفترض أنه سيعزز من القدرة على إبراز وتسهيل وصول الرسالة الفنية للجمهور المتلقي.