الرئيسية » إصدارات المركز » مقالات ودراسات » الأسرار الفنية لإعادة هيكلة وتنظيم المؤسسات

الأسرار الفنية لإعادة هيكلة وتنظيم المؤسسات

آخر تحديث: نوفمبر 10, 2020

الأسرار الفنية لإعادة هيكلة وتنظيم المؤسسات

(1) الهيكلية المعلوماتية

إن أكثر ما يمكن أن يكون ضرورياً وملحاً في الوقت الحالي لمعظم المؤسسات الفلسطينية، وأية مؤسسات يُراد لها النجاح، هو إعادة تنظيمها، وتعتبر عملية إعادة هيكلة وتنظيم المؤسسات من أكثر الأمور تعقيداً في علم الإدارة حتى وإن كان يتعلق بمؤسسة بسيطة تحتوي على عدد صغير من المنتسبين، فهو يعتبر، وإلى حد كبير، أهم من التنظيم بحد ذاته. لكن من المهم والضروري عند الحديث عن إعادة تنظيم مؤسسة ما أن يؤخذ بالاعتبار طبيعة الفكر الإداري الجديد ومقوماته وكيف ستتتم عملية البناء والأهداف التي ستحققها تلك العملية، بالإضافة للعديد من الاعتبارات الفنية والاستراتيجية الأخرى التي لا يمكن إهمالها مهما كانت الأهداف نبيلة وصادقة وتسعى بالفعل للبناء والتنظيم الجيد.

ومن أهم الاعتبارات الفنية، في عصرنا هذا، هي تلك التي تتعلق بأسلوب هيكيلية وتدفق المعلومات ودورة حياتها بشكل عام في المؤسسة، ومما لا شك فيه أن التطور الكبير الذي حدث في عصر المعلوماتية أثر بشكل واضح على نظم الإدارة بشكل عام وجعلها تبدو أكثر مرونة من ذي قبل بالقدر الذي يسمح بإعادة تنظيمها من حين لآخر لتتماشى مع عصر المعلوماتية المستمر بالتطور بشكل لم يسبق له مثيل، حتى أنه أصبح متلازماً مع المصطلحات الإدارية الاعتيادية مصطلحات حديثة لمتغيرات متعلقة بالزمن والإنجازات وحتى التخصصات أكثر من تعلقها بالموقع الجغرافي مثلاً الذي يعتبر أمراً ثابتاً.

وتعتبر الأساليب الحديثة في حفظ وتدفق المعلومات هي العامل المحرك لكل تلك التغيرات التي طرأت على العملية الإدارية بشكل عام، والمتخصصون في علم الحاسوب يمكنهم تصور الفرق الشاسع بين أسلوب حفظ وأرشفة وتدفق المعلومات باستخدام نظم الملفات الاعتيادية في العقود الماضية وبين كل تلك الأمور في الوقت الحالي الذي تستخدم فيه نظم قواعد البيانات العلائقية والشبكية كعمود فقري لدورة حياة المعلومات بدءاً من عمليات جمعها وطرق حفظها وتخليق العلاقات البينية فيما بينها، مروراً بطرق معالجتها وتحليلها وتطبيق الخوارزميات المتنوعة عليها والاستفادة منها.

إن دورة حياة المعلومات هي المحور الأساسي لكافة العمليات الإدارية والتنظيمية الحديثة، وهي العامل الأهم في تحديد الكثير من الأمور الإدارية الصحيحة، والمثلى إن أمكن. فإعادة تنظيم أية مؤسسة، حتى وإن كانت مؤسسة حكومية أو حزبية أو حتى أمنية، يتوجب أن يأخذ بعين الاعتبار تلك النقلة النوعية في العصر المعلوماتي الحديث والذي يفترض أن يتم الاستفادة منه بهدف استكشاف التركيبة الهيكلية التنظيمية الجديدة والمثلى حتى تأخذ شكلها الجديد الذي يتوافق مع تركيبة هيكلية المعلومات الحديثة التي وفرتها تلك التكنولوجيا بما يتماشى مع تطلعات التطوير والتجديد المرجوة بالإضافة للاستعداد للتطور المنتظر في المستقبل والذي من المؤكد أنه سيستمر.

إن المطلوب في هذه المرحلة إعداد الدراسات اللازمة والضرورية لأخذ هذه التكنولوجيا الحديثة بالاعتبار وضمان انسجامها وتماشيها مع كافة الجوانب التنظيمية للمؤسسات الفلسطينية التي يُراد إعادة بنائها وهيكلتها وتنظيمها من أجل بلورة رؤية لهيكلية تنظيمية جديدة وبناء التقسيمات والعلاقات البينية المناسبة والتي من شأنها خلق البيئة التي تضمن توحيد الجهود وحتى خلق الإنسجام والتكامل بين كافة أذرع وأقسام المؤسسة والتنسيق بين أهدافها وتعزيز المقومات اللازمة لتحقيق تلك الأهداف، كما ينبغي وضع الآلية المثلى التي تنسجم مع الهيكلية الجديدة وتساعد في زيادة الفاعلية والجاهزية لتحقيق أفضل النتائج.

(2) تغليب المسئوليات على الصلاحيات

لاحقاً لمقال سابق حول بعض الأسرار الفنية التي يتوجب أخذها بالاعتبار عند إعادة الهيكلة والتنظيم للمؤسسات الفلسطينية، والتي ذُكر فيها اعتبارات الهيكلية المعلوماتية كأحد أهم الاعتبارات في هذا العصر، سيخصص هذا الجزء للحديث عن الشق الخاص بالوصف الوظيفي بشكل عام، وبشكل دقيق في عملية تغليب دراسة وتوزيع المسئوليات على الصلاحيات في ذلك الوصف.

وتعتبر أكثر السلبيات التي عززت من الضعف الإداري واستشراء التخبط في بعض مؤسسات السلطة الفلسطينية بشكل عام هي تلك التي تمحورت حول هذا المفهوم، والذي رغم بساطته ووضوحه الجلي إلاّ أنه كان شديد الخطورة بما يحمله من مكنونات معنوية عميقة، بالطبع هذا إضافة لنشوء حالة من التخبط التي تمثلت بشكل تلقائي بوضعية تضارب “الصلاحيات” بكل أسف كنوع من نزعة الاستحواذ، وبالمقابل، نشأت الحالة الأشد خطراً والمتمثلة في حالة تراشق “المسئوليات” كنوع من نزعة الهروب منها، بالطبع كل ذلك حدث بسبب إهمال الشق الخاص بالمسئوليات مقابل تعزيز وتاسيس الإهتمام بالصلاحيات حتى وإن كان بشكل غير مقصود.

والغريب أن الناس يميلون للحصول على مزيد من الصلاحيات وبنفس الوقت يميلون أكثر للتهرب من تحمل المسئولية، وهذه هي معضلة الشأن الإداري في فلسطين خاصة والوطن العربي برمته بشكل عام، باستثناء بعض الدول والمؤسسات التي أصبحت تتفهم بشكل واضح الفرق العميق بين هذين الشقين في الوصف الوظيفي لمنصب ما، وبالطبع ساعد الفكر الإداري الحديث في تعزيز هذه المسألة التي كانت حتى وقت قريب مهملة ولا تؤخذ في الاعتبار، ويتضح ذلك عند التدقيق في هيكليات الكثير من المؤسسات الحديثة ووصفها الوظيفي للمناصب التي أصبحت تركز فيها على الشق الخاص بالمسئوليات الملقاة على عاتق كل منصب أكثر من تركيزها على الصلاحيات الممنوحة له، إلى درجة قد تصل لتغييبها نهائياً من الوصف بشكل قد يثير الشكوك أحياناً، وكأن في ذلك رسالة ضمنية لصاحب المنصب بأن المطلوب منه تنفيذ تلك المسئوليات حتى وإن كان لا يملك أية صلاحية تُذكر.

وبالمقابل، يعتبر البدء بالتركيز على الصلاحيات وتوزيعها بين المناصب في ظل تغييب الشق المتعلق بالمسئوليات أحد أهم عوامل تراجع القدرة الإدارية في المؤسسة التي تتبع هذا الأسلوب، ويمكن تشبيه تلك المسألة بعملية تركيز مجموعة من المستثمرين، المشاركين في مشروع ما، على كيفية توزيع حصصهم من الأرباح في الوقت الذي يهملون فيه وصفهم الدقيق لمشاركة كل منهم في رأس المال المستثمر، والذي من شأنه المساهمة في توضيح حصتهم من الأرباح بشكل منصف ودقيق ولا غبار عليه.

ومما لا شك فيه، أن عملية البدء بتفصيل وتدقيق وتوزيع الأمور بين المناصب المختلفة من زاوية المسئوليات ستجعل الأمر أكثر يسراً وموضوعية مما لو تم البدء من زاوية الصلاحيات، وباعتقادي أن هناك الكثير مما يمكن أن يقال بشكل متخصص في هذا الشأن، فهي مسألة خفية لا يمكن سرد كل تفاصيلها هنا، تلك التفاصيل التي ستعزز من قدرة المؤسسة على ضبط أمورها الإدارية بالشكل الأقرب للمثالية وتجعل الأمور أكثر وضوحاً وتفصيلاً من زاوية تحمل المسئوليات والتي تعتبر هي أساس وسبب وجود تلك المؤسسة.

إن المطلوب في هذا المرحلة، وعند القيام بإعادة تنظيم أية مؤسسة، المحاولة بقدر الإمكان البدء بالتركيز على مسئوليات كل منصب بقدر أكبر وأشمل من التركيز على الصلاحيات الممنوحة له، ومقارنة مسئوليات المناصب قبل، وأكثر، من مقارنة الصلاحيات، وتحليل ودراسة طرق توزيع تلك المسئوليات وكيفية تقاطعها وتكاملها معاً ومن ثم بحث امتداد وآفاق ما يلزم توفيره من صلاحيات تساعد في تنفيذ تلك المسئوليات، الأمر الذي سيسمح ويعزز من القناعة بأن المنصب هو “مسئولية” من منطلق معنوي من جهة، إضافة لما يمكن أن يحققه هذا الأسلوب من مزايا تنظيمية أكثر جودة وتطوير للفكر الإداري بشكل عام من جهة أخرى، وبطبيعة الحال سيؤدي كل ذلك إلى تمكين المؤسسة من تحقيق أهدافها بشكل سلس وبعيد عن التخبط كلما أمكن ذلك.

استكشاف المُبدعين

لا أذكر ما هي آخر الإختراعات التي غيرت مجرى التاريخ، أو بمعنى آخر معالم الحاضر الذي نعيشه اليوم، ولكنني بالتأكيد أعرف أن معظمها كان على أيدي أشخاصاً مبدعين ومتميزين في مجال تخصصهم، أو حتى في مجال آخر، وقد كان أكثر ما يميز أولئك الأشخاص، وباعتقادي أهم المميزات على الإطلاق، هو عشوائيتهم وعدم انضباطهم أو ارتباطهم بروتين معين، حتى أنه في كثير من الأحيان كانت تصل بهم عشوائيتهم تلك إلى حد الغرابة والاتهام بالخروج عن المألوف أحياناً، الأمر الذي كان عادة ما يؤدي لنشوء صراعات ما بين مؤيد ومعارض لاكتشافاتهم التي كانت غالباً ما تسبق عصرها وصعبة التصديق.

وقد تلاشت تدريجياً العقبات التي كانت تعترض المبدعين في الأزمنة الغابرة والتي كانت غالباً تتمثل بالعادات والتقاليد العقيمة والعقول المتحجرة التي كانت تسيطر على المجتمعات بحيث أنها لا تستطيع، أو حتى لا تريد، تفهّم ما يقدمه المبدعون من أفكار أو اختراعات تساهم في تقدم وتطور البشرية أو حل المشكلات المستعصية، وقد أصبحت مثل تلك العقبات شيئاً من الماضي في ظل التطور الكبير الذي يشهده العالم الآن والحاجة الملحة للمزيد من الأفكار التي يقدمها المبدع في كل المجالات والتي أصبحت مثل طوق النجاة في هذا العصر المليء بالتغيرات.

لكن ما يجري اليوم على أرض الواقع في بعض المجتمعات العربية وفي ظل التغيرات الكبيرة التي طرأت عليها ما هو إلاّ شكل جديد من أشكال القيود المجتمعية “الخفية” للمبدعين، فهي شبيهة بالقيود التي سادت في الأزمنة القديمة، مع الاختلاف البسيط بين ما كانت تريده المجتمعات السابقة من تقيد بعاداتها وتقاليدها الرجعية وما تريده المجتمعات العربية الحالية من تقيد بتحقيق الوضع المادي أو ما يسمى بـ “البريستيج” الأكاديمي أو المهني، حتى وإن كان زائفاً.

فمن جهة، أدى هذا الأمر إلى حصر العمل الإبداعي ليكون مجرد عمل روتيني إجتهادي وإلزامي أحياناً ويهدف للحصول على الترقيات أو أكاديمي بحت لنيل الدرجات العلمية أو حتى استعراضي في أحد المؤتمرات، والذي غالباً ما يهدف لنيل رضى المجتمع عن طريق تحسين الوضع الذاتي مادياً ومعنوياً أكثر من استهدافه لتحسين المجتمع والنهوض بمؤسساته والتطوير والتجديد وحل المشكلات، ومن جهة أخرى، فقد تم تغييب، بل وطمس، العمل الإبداعي الحقيقي والذي قد يهتم صاحبه بحفظ حقوقه الفكرية الإبداعية فقط باعتبارها إنجازات سعى لتحقيقها فعلاً، وليس لشيء آخر، وتدفعه للمزيد منها باستمرار وبدون توقف.

وبعيداً عن سلبيات المجتمع ككل، التي يُفترض بحثها وتحليلها أيضاً، وتصحيحها، وبالتدقيق في المسألة الإدارية بالتحديد، فإنه من الواجب الآن في هذه المرحلة، وفي سياق ما يجري من عمليات إعادة البناء والتنظيم للمؤسسات وكأحد ضرورات هذا الأمر، استكشاف كل ما من شأنه المساهمة في بناء المؤسسة بشكل حقيقي، والتركيز على استكشاف المبدعين الحقيقيين بكل السبل الممكنة وكل ما يمكن أن يقدموه ليساهم في تحقيق أهداف المؤسسة التي تعني بخدمة المجتمع ككل أكثر من مساهمته في إعلان الشأن الذاتي أو تحقيق أهدافاً شخصية محدودة.