الرئيسية » المراجع العلمية » العلوم القانونية » القانون العام » مدخل إلى القانون الدولي العام

مدخل إلى القانون الدولي العام

مدخل إلى القانون الدولي العام

آخر تحديث: مايو 31, 2022

ملخص المحتوى

مدخل إلى القانون الدولي العام، التعريف بالقانون الدولي، الجماعة الدولية، النظام القانوني الدولي، أساس القوة الإلزامية للقانون الدولي والمذاهب المختلفة وانتقاداتها، تمييز القانون الدولي العام من غيره، القانون الدولي والقانون الداخلي، نطاق القانون الدولي العام.

الجماعة الدولية

من الأمور التاريخية الثابتة أن التجمع الإنساني بدأ في التكوين والظهور منـذ أن تعرفت حضـاراته الأولى على فنون الزراعة وأساليبها. ذلك أن الزراعة تقتضي الإقامة الطويلة في مكان ثابت لا يتغير. كما أنها ترتب فكرة التملك الجماعي أو الفردي، وتدعو أصحاب الملكيات إلى إقامة الحدود والتخوم بين ملكياتهم المختلفة. وتستلزم تشكيل نوع السلطة العالية للفصل في الخلافات التي قد تقوم بين المالكين. كما أن الزراعة عادة تبث الإيمان بالقوة السامية الخفية التي يناجيها المزارعون لتأمين الزيادة في محاصيلهم ولتأمين دفع الأضرار والآفات عنها (1).

وقد ترتب على ظهور الجماعات الإنسانية وتطورها ونموها الطبيعيين أن تكونت في المرحلة المعاصرة لهذا التطور والنمو جموع متعددة من الناس، استقر منها على إقليم معين محدود النطاق، وأخضع كل منها نفسه لسلطته الذاتية الموحدة، وظهر أمام غيره من الجموع المماثلة بمظهر الهيئة الكاملة الاستقلال التي تتساوى مع غيرها من هيئات الجموع الأخرى بحيث لا تنظم هذه الهيئات جميعًا سلطة مشتركة تسمو عليها أو يخضع لسلطانها الجميع.

ومن الأمور الطبيعية أن هذه الجموع المتعددة، المستقلة في السلطة، والتي يُطلق عليها القانون الدولي وصف الدولة (2). لا يمكن أن تحيا طويلا، أو أن تظل حياتها مستمرة وهي في عزلة بعضها عن بعض، لأن الطبيعة الإنسانية والتضامن في المصـالح والاشتراك في النهوض بالحضارة يدعوها جميعًا، بل يدفعها، إلى إنشاء الكثير من العلاقات المتنوعة وإلى إنشاء روابط التكافل الإنساني التي تربط بينها. كما يدفعها إلى تكوين رابطة جماعية تضمها جميعًا. ويطلق عليها في الاصطلاح: الجماعة الدولية أو جماعة الدول (3) Communauté internationale ou des Etats.

الرابطة الجماعية بين الدول

ولا شك في أن الرابطة الجماعية بين الدول لا يمكن أن تقوم، أو أن تستمر قائمة، إلا إذا امتنع كل عضو من أعضاء هذه الجماعة الدولية عن أن يلجأ في أعماله وتصرفاته إلى التحكم، والتزم في شأنها حدودًا معينة، وأخضع للقيود حريته المطلقة في الأصل، وباشر علاقاته مع غيره من الأعضاء وفقًا لنظم معلومة، وتدل وقائع الحياة الدولية دلالة قاطعة على أن أعضاء الجماعة الدولية يلتزمون نهجًا معينًا فيما يقوم بينهم من روابط التعامل وعلاقات الحياة. بحيث يستطيع الباحث أن يقرر أن ثمة ضوابط موضوعية تنظم حياتهم المشتركة وتصرفاتهم المتبادلة. وأن هذه الضوابط مترتبة على وجود قواعد تعين لكل منهم الحدود. وتبين الأشكال التي يجب أن تلتزمها كل دولة فيما يقوم بينها وبين غيرها الدول من علاقات التعايش.

ويلاحظ على هذه القواعد أن مصـدرها هو التراضي الصريح أو الضمني بين الدول ذاتها. وأنها تعبير عن ضرورات الحياة المشتركة للجموع الإنسانية التي تراضت صراحة أو ضمنًا على الخضوع لحكمها. وتأكيد للنظام الذي يجب أن يسود كل جماعة إذا ما أراد أعضاؤها الحياة معًا في استقرار وسلام.

النظام القانوني الدولي

لقد قرر بعض الفقهاء (4) أن قواعد القانون الدولي ليس لها من خصائص القانون شيء. إذ هي لا تصدر عن مشرّع، ولا يترتب على مخالفة أحكامها تطبيق الجزاء. كما أن عدد المخاطَبين بأحكامها محدود. وليس من شك في أن قواعد القانون الدولي التي ينشئها التراضي الصريح الضمني للدول، تختلف اختلافًا ظاهرًا عن القواعد القانونية التي تسري داخل كل دولة من الدول. كما أن طبائع الجماعة الدولية تختلف أيضًا عن طبائع الجموع الإنسانية التي تعيش معًا داخل حدود دولة معينة في ظل السلطة الموحدة التي تسودها.

فعلاقات السيادة والخضوع التي تميز الحاكم من المحكوم داخل كل دولة تؤدى بالضرورة إلى أن يكون القانون عمل السلطة التي تسود المحكومين، فيبدو في الظاهر وكأنه صادر عن إرادة عليا تفوق من حيث قوتها إرادة المخاطَبين بأحكامه. أما في الجماعة الدولية فلا يوجد بين أعضائها حاكم ومحكوم، إذ يتساوى أعضاء هذه الجماعة بعضهم مع بعض، ولا تهيمن عليهم سلطة مشتركة، ولذلك فإن القواعد التي تحكم روابطهم وعلاقاتهم لا يمكن أن تصدر عن سلطة آمرة بل هي تأتى نتيجة للتراضي الصريح أو الضمني بين أعضاء الجماعة الدولية.

الهيئة القضائية

ومن وجهة أخرى لا توجد في الجماعة الدوليـة، للسبب عينه، تلك الهيئة التي توجد داخل نطاق الدولة للعمل على تطبيق القانون، وتنفيذ الجزاء على من يخالف أحكامه، وهي الهيئة القضائية. غير أن أعضاء الجماعة الدولية تراضوا حديثًا على إنشاء مثل هذه الهيئة (محكمة العدل الدولية). إلا أنها لم تكتسب بعد خصائص الهيئة القضائية الداخلية. إذ لا يزال اختصاصها غير مُلزم. ولا توجد السلطة التنفيذية التي تعمل على تنفيذ ما تصدره من أحكام بواسطة القوة الجبرية عند الاقتضاء.

ولذلك لا يزال تطبيق حكم القواعد القانونية الدولية وتنفيذها بالقوة متروكا – في أكثر الأحوال – لعضو الجماعة الدولية ذي المصلحة أو لسائر أعضاء الجماعة الدولية، بواسطة عمل يشترك في القيام به كلهم أو بعضهم على حسب الأحوال، كما كانت الحال وفقًا لحكم المادة السادسة عشرة من عهد عصبة الأمم. وكما هي الحال الآن وفقًا لأحكام الفصل السابع من ميثـاق الأمم المتحدة. وهذا كله يدل على أن فكرة العدل بين أعضـاء الجماعة الدولية لما تزل على صورة بدائية (5).

وأخيرًا فإن قواعد القانون الداخلي تخاطب عددًا غير معين من المحكومين، وبذلك يغلب عليها وصف العمومية. أما عدد أعضاء الجماعة الدولية فقليل ومحدود. ولما كانت أحوالهم الخاصة وحاجاتهم المختلفة تغلب عندهم على مستلزمات العوامل المشتركة، فإنه كثيرًا ما تتسم قواعد القانون الدولي بسمة الخصوصية، فلا تخاطب إلا عددًا قليلاً من الدول قد لا يزيد على اثنتين منها. أما القواعد التي تخاطب الدول جميعـًا فقليلة نادرة، وذلك نتيجة للأوضاع التي تسود الجماعة الدولية.

وجود القانون ووجود المُشرّع

ولا مراء أن القانون الدولي – إذا ما قورن بالقانون الداخلي – يبدو نظامًا ناقصًا يعوزه الضبط والكمال. ولكن الإنصـاف في الحكم يدعو إلى عدم إغفـال الفوارق الخطيرة التي توجد بين الأحوال والأوضاع التي تسود المخاطَبين بأحكام كل من النظامين. ومن جهة أخرى يُلاحظ أن وجود القانون أمر مستقل عن وجود المشرّع، وهو غير مرتبط به. فوجود الأول قد يسبق وجود الثاني، كما الحـال في القواعد القانونية المستمدة من العُرف، فهي أحكام قانونية لم تصدر عن المشرع الداخلي، ومع ذلك فإن لها قوة إلزامية. ثم إن عمل السلطة التشريعية في إصدار القوانين داخل الدولة يقوم في النهاية على رضا المخاطَبين بأحكام هذه القوانين. ذلك الرضا الذي يتمثل في اشتراط موافقة البرلمان على إصدار هذه القوانين.

وإذ كانت الجماعة الدولية تختلف في تكوينها وعدد أعضائها عن الجماعة الداخلية فلا ضير أن تتغير تبعًا لذلك ملابسات نشوء القواعد القانونية الدولية التي تحكم تصرفات أعضائها، فتقوم مباشرة على الرضا الصريح أو الضمني للدول، وهي الأشخاص التي يخاطبها القانون الدولي (6).

ويلاحظ أيضًا أن فقدان الجزاء، أو عدم كفايته، لا تأثير لهما على القانون في وجوده وكيانه، بل يقتصر تأثيرهما على التنظيم الاجتماعي. ولا أدل من ذلك من أنه فيما يتعلق بالقانون الدستوري لا يترتب الجزاء المادي المباشر على مخالفة غالبية أحكامه، ومع ذلك فلا ينكر أحد أنه القانون الأساسي للدولة. والجزاء في القانون الدولي موجود وقائم، وقد يصل في حِدته إلى درجة الحروب. غير أن تطبيقه متروك لعضو الجماعة الدولية ذي المصلحة، أو للعمل المشترك الذي يقوم به أعضاء الجماعة الدوليـة كلهم أو بعضهم.

كمال القانون القانون

ويُلاحظ أخيرًا أنه إذا استكمل القانون الدولي خصائص القانون الداخلي، وتحقق له بذلك وصف الكمال القانوني الذي نفاه عنه المتشككون من الفقهاء، لكان معنى ذلك زوال القانون الدولي، وظهور الدولة العالمية ذات السلطة المشتركة، التي تخضع الدول جميعًا لسلطانها، وتأتمر بما تصدره من قوانين، وتتعرض لتطبيق الجزاء عليها إذا ما خالفتها. أما إذا تراضت الدول على إنشاء مؤسسات ومنظمات دوليـة، يشترك فيها أعضاء الجماعة الدولية على أساس المساواة في السيادة وفي الحقوق والواجبات – كما هي الحال بالنسبة لعصبة الأمم التي أنشأتها معاهدة “فرساي” المنعقدة في 28 من يونيو سنة 1919، وهيئة الأمم المتحدة التي أنشأها ميثاق الأمم المتحدة المنعقد في 26 من يونيو سنة 1945 – فإن ذلك لا يؤدى إلى زوال القانون الدولي، بل أن ذلك يعد عملا يدخل في نطاقه ويوسع من دائرته، لأنه يؤدى إلى إنماء أحكامه وإلى استقرار العلاقات بين الدول على أسس مكينة.

لذلك كله يمكن القول بأن الرأي الذي ينكر وجود القانون الدولي لفقدانه خصائص القانون الداخلي رأى يعوزه الأساس السليم. فالمسألة في واقع الأمر لا تخرج عن أن تكون متعلقة بإدراك معنى القانون. فمن يتخذ من خصائص القانون الداخلي معيارًا ثابتًا لإطلاق هذا الوصف على القواعد والأحكام، سوف يرتب على هذا الأساس الخـاطئ نتيجة خاطئة: هي أن الأحكام التي تتراضى الدول فيما بينها عليها ليس لها وصف القانون، ومن ثم ليس لها وصف الإلزام. ومن يرى عكس ذلك، ويعتبر أن القانون مظهر خارجي معين لإرادة معينة تسود مجتمعًا معينًا، وأن مظهر هذه الإرادة قد يتغير نتيجة لتغير الأوضاع – وهذا الأساس الصحيح – سيعترف لا شك بأن تراضي الدول على أحكام معينة يكسب هذه الأحكام وصف القانون. ولما كان هذا التراضي موجودًا بالفعل، فلا سبيل إلى إنكار وجود القانون الدولي أو التهوين من شأنه (7).

أساس القوة الإلزامية للقانون الدولي

تعبر قواعد القانون الدولي في العادة عما تقضى به ضرورات المعاملة المتبادلة بين الدول، وتؤكد ما يجب أن يسود علاقاتها من ضوابط موضوعية. ولا شك في أن لقواعد هذا القانون قوة إلزامية تستمدها من أساس معين. غير أن الفقهاء قد تفرقوا مذهبين رئيسيين فيما يتعلق بتعيين ذلك الأسـاس: المذهب الإرادي، والمذهب الموضوعي. ونوجز البحث فيهما فيما يلي:

أولاً: المذهب الإرادي Volontarisme

يرى أنصـار هذا المذهب أن القواعد القانونيـة أحـكام أوجدتها الإرادة الإنسانية، وذلك لتنتظم هذه الإرادة . فالإرادة الإنسانية – وفقًا لهذا المذهب – هي التي تخلق القانون، وهي التي تخضع له. ولما كان القانون – وفقًا لهذا الرأي – مجموعة من القواعد الاجتماعية التي وضعتها الإرادة. فقد ذهب أنصار هذا المذهب إلى أن القانون الدولي إنما يقوم على رضا الدول بأحكامه، شأنه في ذلك شأن القانون الداخلي في قيامه على رضا مواطني الدولة به (8).

وقد انقسم أنصار المذهب في العصر الحديث قسمين: أخذ أولهمـا بنظرية التحديد الذاتي، وأخذ الثاني بنظرية الإرادة المتحدة.

نظرية التحديد الذاتي للإرادة

أما نظرية التحديد الذاتي Autolimitation فتقرر أن القانون مرتبط بالإرادة ارتباطًا فعليًا وضروريًا، إذ هو يدين لها بالوجود، ويستمد من وصفها ومن سلطانها قوته الإلزامية. فالقانون الوطني أو الداخلي منبعه إرادة رعايا الدولة. والقانون الدولي مصدره إرادة الدولة، إذ لا يوجد فوق إرادة الدولة إرادة تفوقها سلطانًا. وتبعا لذلك يجد القانون الدولي في إرادة الدولة المستقلة الأساس الذي يقوم عليه، وهذا أمر طبيعي، إذ أن فقدان السلطة التي تفوق سلطة الدولة يؤدي الى نتيجة حتمية: هي أن الدولة لا يمكن أن تخضـع إلا بإرادتها الذاتية. فالدولة – كما يقول يللينك (9) – تخلق القانون الداخلي بإرادتها، ولا تلتزم في دائرة القانون الدولي إلا بإرادتها. والأصل في إرادة الدولة الإطلاق. فإن وضعت الدولة حدودًا لإرادتها، فإن هذا التحديد يكون أمرًا ذاتيًا. ويتفرع على هذا أن الدولة تتحول – في ميدان القانون – من قوة مادية إلى قوة قانونيـة. كما تتحول إرادتها من سلطة مطلقة في الأصل إلى سلطة محدودة قانونًا.

نظرية الإرادة المتحدة

أما نظرية الإرادة المتحدة Wereinbarung فيمكن إجمالها في أن من خصائص القانون أن يصدر عن سلطة عليا تفوق سلطة المخاطَبين بأحكامه. وإذ كانت مثل هذه السلطة مفقودة في الدائرة الدولية فإنه يجب البحث عن الأساس الذي يقوم عليه القانون الدولي في غير دائرة الإرادة الفردية للدولة، وذلك لأن إرادة الدولة منفردة لا تصل تصلح أساسًا لأحكام دولية ملزمة. وهذا الأساس – في رأى أنصـار هذه النظرية (10) – لا يمكن إلا أن يكون الإرادة المتحدة للدول، لأنها وحدها هي التي تفوق في السلطة الإرادة المنفردة للدولة. والإرادة المتحدة هذه تختلف عن العقد، لأن مصالح المتعاقدين عادة متنافرة، وموضوعات إراداتهم مختلفة. في حين أن الإرادة المتحدة مجموعة ممتزجة من الإرادات المتعددة ذات الموضوع المشترك.

ثانيًا: المذهب الموضوعي Objectivisme

يميل أنصار هذا المذهب إلى البحث عن أساس للقانون خارج دائرة الإرادة الإنسانية، إذ أن أساس القانون وفقًـا لهـذا المذهب تعينـه عوامل خارجة عن الإرادة. وهذه العوامل هي التي تحدد موضوع القانون وتُكسب قواعده وصف الإلزام.

وقد أجمع أنصار النظرية على هذا المبدأ، وتفرقوا فريقين في شـأن تحديد العوامل الخارجية المنتجة للقواعد القانونية: فريق المدرسة النمساوية، وفريق المدرسة الفرنسية.

نظرية المدرسة النمساوية

يذهب الأستاذان “كلسن” Kelsen (11) و”فردروس” Verdross (12) إلى أن القانون مجموعة من القواعد فحسب، وأن كل نظام قانوني يقوم بتعيينه وتحديد صحته المصدر الذي يستمد منه أحكامه. وكل نظام قانوني لا يعد كذلك إلا إذا اعترفنا بوجود مصدر أساسي واحد له، يطلق عليه في الاصطلاح وصف القاعدة الأساسية، وهي التي تنتظم كل أحكامه. ويستمد القانون قوته الإلزامية من هـذه القاعدة الأساسية، التي يفترض الفقه وجودها، تيسيرًا لإقامة المبنى الفني للقانون. وتفسيرًا لذلك يقرر “كلسن” أن القواعد القانونيـة لا يمكن تفسيرها إلا بالالتجاء إلى قواعد قانونيـة أخرى. وهذه بدورها لا يمكن تفسيرها أو تسويغها إلا بقواعد ثالثة وهكذا.. إلخ، مما يصور القانون هرمًا معكوسًا تتدرج قواعده عكسيًا من الفصول إلى الأصول، إلى أن نصل للحكم الذي يسود جميع الأحكام القانونية الأخرى، وهذا الأصل القانوني الذي يسود جميع القواعد القانونية الأخرى هو القاعدة الأساسية.

وقد قرر “فردروس” أنها القاعدة التي تقرر قدسية الاتفاق والوفاء للعهد Pacia sunt servanda.

نظرية المدرسة الفرنسية

يذهب الأستاذ جورج سل (13) إلى أن كل جماعة يحتم تكوينها نفسه أن يكون لها قواعد خاصـة بها. تحملها على تأمين التكافل بين أعضائها والعمل على إنمائه. فأسـاس كل قانون، وأساس القانون الدولي تبعًا لذلك، هو في الحدث الاجتماعي Fait social أي في تلك القيود التي تفرض نفسها فحكمها على أفراد كل جماعة. وهذه القيود تتحول الى قواعد قانونية متى ذاع الشعور بوجودها. وهي تكسب وصف الإلزام من ضرورة خضوع أعضاء الجماعة لها للمحافظة على حياة الجماعة وعلى بقائها، إذ أن مصير الجماعة – بدونها – إلى زوال. فالقانون على ذلك أساسه الحياة الاجتماعية. وهو – كما يقول “نيقولا بوليتيس” – ليس صادرًا عن نظام، وليس تعبيرًا عن إرادة، بل هو نتاج اجتماعي، وواقعة مجردة ذاع الشعور بوجودها (14).

انتقادات نظريات إلزام القانون الدولي

هذه هي النظريات المختلفة في شأن الأساس الذي يقوم عليه القانون الدولي. وهي على ما يبدو للمتفحص لا تعلو على النقد. هذا ويمكن إجمال ما أبدى على هذه النظريات من اعتراضات فيما يلي:

انتقادات نظرية التحديد الذاتي للإرادة

يذهب فريق من العلماء إلى أن هذه النظرية غير مقبولة لتناقضها مع منطق الأشياء. ذلك لأنه إذا كانت الوظيفة الأساسية للقانون هي وضع الحدود على إرادة المخاطَبين بأحكامه فإن قوة القانون الإلزامية لا يمكن أن تقوم على الإرادة، وهي التي يضع عليها الحدود، والتحديد الذاتي لا يمكن أن يكون تحديدًا بالمعنى الصحيح لأن القانون إن كان من إنشاء الإرادة فهو يظل تابعًا لها: إن شاءت منحته القوة الإلزامية، وإن شاءت أفقدته إياها. وما تعمله إرادة معينة تستطيع نقضه إرادة عكسية. وعلى ذلك فلا يمكن اعتماد الإرادة أساسًا للقانون الدولي، إلا إذا اعترفنا بفقدان القوة الإلزامية الصحيحة لأحكام هذا الفرع من القانون.

انتقادات نظرية الإرادة المتحدة

أما نظرية الإرادة المتحدة فتقوم على التحايل لإيجاد سلطة أسمى من إرادة الدولة لإقامة القانون عليها، وهي اتحاد الإرادات. غير أن هذا الأساس الجديد لا يفوق أساس الإرادة المنفردة قوة. إذ يكفي لهدمه أن تتنافر إرادات الدول بعد اتفاق، أو أن تتفرق بعد اتحاد. وليس هذا التنافر والتفرق بالأمر البعيد الاحتمال، بل هو الأصل واتحاد إرادات الدول هو العارض. ولا يمكن إقامة القانون على أساس عارض مهدد بالزوال (15). فضلا عن أن هذه الإرادة – إذا اعتمدت – لا تؤدي إلا إلى إنشاء حقوق دولية مجزأة غير متجانسة، ولا تصلح أساسًا لإقامة نظام قانوني دولي كامل.

انتقادات نظرية المذهب الموضوعي

وأخيرًا فإن نظرية الموضـوع تقوم عند المدرسة النمساوية على الخيال والافتراض، وتعتبر أن أساس القانون قاعدة قانونية أساسية تبنى عليها كل الأحكام القانونية الأخرى. غير أن هذه القاعدة الأساسية تقوم على الافتراض، ولا تفصح المدرسة النمساوية عن مصدرها، ولا عن قوتها الإلزامية، ولا عن سبب وجودها. وكذلك الأمر عند الأستاذ جورج سل، إذ لا يمكن أن يكون أساس القانون في الحدث الاجتماعي وضرورة المحافظة على حياة الجماعة وبقائها، لأن الجماعة الإنسانية سبقت القانون في الوجود. ونظرية الأستاذ جورج سل تصلح فقط لتسويغ وجود القانون، ولكنهـا لا تصلح أساسًا لقيامه.

هذا وإن الخلاف في الفقه حول تعيين الأساس الذي يقوم عليه القانون الدولي لا يزال مستمرًا، مما يجعل بعض العلماء يذهبون إلى أن البحث عن الأسس التي يقوم عليها القانون أمر خارج عن نطاق القانون. غير أنه يمكن القول إن الأسـاس الحالي للقانون الدولي، في رأي غالبية علمائه، إنما هو رضا الدول عامة بالخضوع لأحكامه Consensus Opium سواء أكان الرضا صريحًا أم ضمنيًا أم مفروضًا. وقد جاء في حكم أصدرته المحكمة الدائمة للعدل الدولي في 7 سبتمبر سنة 1927 (في قضية اللوتس Lotus) أن: “القانون الدولي ينظم العلاقات بين الدول المستقلة، وأن قواعد القانون التي تربط الدول أساسها إرادة هذه الدول، تلك الإرادة الحرة المثبتة في الاتفاقات الدولية أو في العرف المجمع عليه الذي يقرر مبادئ قانونيـة، الغرض منها حكم علاقات الجماعات المستقلة المتعايشة، بقصد التوصل إلى تحقيق غايات مشتركة” (16).

وظاهر الأمر يدعو إلى الاعتقاد بأن إقامة القوة الإلزامية للقانون الدولي على رضا الدول يُضعف الأساس الذي يقوم عليه هذا القانون حاليًا. والآن وقد أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة “لجنة القانون الدولي” International law Commission للعمل على إنماء القانون الدولي وتدوين أحكامه، فإن الأمل معقود على توصل اللجنة في المستقبل إلى إقامة القانون الدولي على أساس أكثر قوة وأقل تعرضًا للهدم من الأساس الحالي (17).

تمييز القانون الدولي من غيره

يخلص مما سبق أن القانون الدولي العام مجموعة من القواعد القانونية، وأن أحكامه تستمد قوتها من الاتفاق والعرف، وأنها تخاطب الدول فتبين ما لها من حقوق، وما عليها من التزامات، وتحكم ما يقوم بينها من علاقات. وهي تختلف اختلافًا أصليًا عن قواعد المجاملات الدولية، وقواعد الأخلاق الدولية، كما تختلف عن قواعد القانون الطبيعي.

قواعد المجاملات الدولية

فقواعد المجاملات الدوليـة Courtoisie internationale comitas gentium لا يصدق عليها وصف القانون، ومن ثم فهي غير ملزمة. وهي قواعد أنشأها العرف لتيسير علاقات الدول بعضها ببعض، وتُعد ظاهرة من ظواهر الصداقة والمجاملة المتبادلة الدولية: كمراسم استقبال رؤساء الدول والسفراء، وتحية السفن الحربية عند زيارتها لموانئ إحدى الدول.. إلخ. والفارق الذي يميز بينها وبين قواعد القانون الدولي هو أنه لا يترتب على مخالفتها أو تجاهلها تحمـل المسئولية الدولية، بل يدعو ذلك إلى معاملة المثل. ويُلاحظ أنه كثيرًا ما تتحول قواعد المجاملة إلى قواعد قانونية عندما تكتسب من الاتفاق أو العرف وصف الإلزام، كما هي الحال مثلا في امتيازات وحصانات رجال التمثيل السياسي. والعكس أيضًا صحيح: فقد تتحول القاعدة القانونية الدولية إلى قاعدة من قواعد المجاملة عندما تفقد وصف الإلزام القانوني، كما هي الحال مثلا بالنسبة لمراسم استقبال السفن الحربية، وبالنسبة لتحية السفن الحربية بعضها البعض في عرض البحار (18).

قواعد الأخلاق الدولية

أما قـواعد الأخلاق الدولية La morale internationale فهي مجموعة من المبادئ السامية التي تحمل الآداب العامة الدول على مراعاتها فيما بينها. وهي تنطوي عادة على مبادئ شائعة لا ضابط لها من الزمان أو المكان، إذ هي في تطور مستمر، شأنها في ذلك شأن مصدرها: الأخلاق. وقد قيل فيها أنها من قواعد الحياة الاجتماعية (19). كما قيل فيها أيضًا أنها لا تعني إلا بالمقاصد، ولا تخاطب إلا الضمائر. ومخالفة هذه القواعد لا تعد مخالفة دولية. ومن ثم فهي لا ترتب تطبيق الجزاء أو تحمل المسئولية الدولية. ومثال هذه القواعد بذل المساعدة لدولة يعاني شعبها محنة وباء أو زلزال.. إلخ. وقد تتحول قواعد الأخلاق الدولية إلى قواعد قانونية بحكم التطور. وأظهر مثل لذلك القواعد الخاصة بمعاملة مرضى الحروب وجرحاها وأسراها.

القانون الطبيعي

أما القانون الطبيعي فقد عرفه “لوفور” Le Fur بأنه مجموعة من القواعد الموضوعية التي يكشـفها العقل، وهي تسبق إرادة الإنسان لتفرض حكمها عليها (20) “règles objectives, antérieures à la volonté de l’homme et s’imposant à elle, constatées et non créées par la raison”. والفارق بينه وبين القانون الدولي هو أن القانون الطبيعي تصوير قانوني نظري يعبر عن المُثل العليا. في حين أن القانون الدولي قانون وضعي له قوة يستمدها من التطبيق.

ويمكن القول أن القضاء الدولي – على وجه العموم – امتنع حتى الآن عن تطبيق قواعد القانون الطبيعي بوصفها القواعد التي يمليها العدل المطلق، إلا عند اتفاق الطرفين المتقاضيين على تطبيقها. وقد نصت الفقرة الثانية من المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية الملحق بميثاق الأمم المتحدة على ما يلي: “لا يترتب على النص المتقـدم ذكره أي إخلال بسلطة المحكمة في أن تفصل في القضية وفقًا لمبادئ العدل والإنصاف متى وافق الأطراف على ذلك” (21).

القانون الدولي والقانون الداخلي

سبق القول بأن قواعد القانون الدولي تختلف اختلافًا جوهريًا عن قواعد القانون الداخلي. كما سبق أن بينا أن الأوضاع في كل النظامين القانونيين متباينة. ولكن هل ثمة علاقة تربط بينهما؟ وما هي من الآثار التي ترتبها مثل هذه العلاقة إن كانت موجودة؟

يسود الفقـه في شأن تحـديد العلاقة بين القانون الدولي والقانون الداخلي وتعيين المكان الذي يشغله كل منهما، نظريتان مختلفتان: تعرف أولاهما بنظرية ثنائية القانون. وتعرف الثانية باسم نظرية وحـدة القانون. والنظرية الأولى هي في واقع الأمر استطراد لنظرية الإرادة، أما الثانية فمتفرعة على نظرية الموضوع.

نظرية ثنائية القانون

ويذهب أنصار نظرية ثنائية القانون (22) La théorie dualiste الى أن القانون الدولي والقانون الداخلي نظامان قانونيـان متساويان، مستقل أحدهما عن الآخر، غير متداخل فيه، وذلك:

أولاً: لأن مصادر كل منهما مختلفة: إذ يصدر القانون الداخلي عن الإرادة المنفردة للدولة، في حين أن القانون الدولي يصـدر عن الاتفاق بين دولتين أو أكثر. فالقانون الداخلي يصدر عن سلطة عليا تفوق سلطة المخاطَبين بأحكامه. وهو بهذا الوصف قانون تفرضه الدولة بما لها من سيادة على إقليمها وعلى رعاياها، وعلى المخاطَبين به الإذعان لأحكامه. أما القانون الدولي فلا يصدر عن سلطة عليا، وإنما يقوم بين الدول برضاها، لحـكم ما يقوم بينها من علاقات.

ثانيًا: لأن موضوع كل من القانونين متباين: فالقانون الداخلي ينظم علاقات الأفراد داخل الدولة بعضهم ببعض. أما القانون الدولي فلا شأن له بما يقوم بين الأفراد من علاقات، إذ هو ينظم علاقات الدول المستقلة بعضها ببعض وقت السلم أو وقت العدوان.

ثالثًا: لأن المخاطَب في كل من القانونين مختلف: فالمخاطبون بأحكام القانون الداخلي هم الأفراد أو السلطات المختلفة القائمة داخل الدولة. في حين أن المخاطبين بأحكام القانون الدولي هم الدول المستقلة فقط، سواء أكانت بسيطة أم مركبة.

رابعًا: لاختلاف البناء القانوني في كل منهما: إذ يشتمل البنـاء القانوني الداخلي على هيئات قضائية تطبق أحكام القانون وتفسرها وتفرض الجزاء على المخالفين لها، وسلطة تنفيذية تكفل التنفيذ لأحكام القضاء بالقوة الجبرية عند الاقتضاء. وهذه السلطة التنفيذية مفقودة في دائرة القانون الدولي، أما السلطة القضائية فلا تزال في المهد.

النتائج المترتبة على الأخذ بنظرية ثنائية القانون

ويترتب على الأخذ بنظرية ثنائية القانون النتائج التالية:

من حيث الموضوع

أولاً: أن كلا من القانونين يستقل بقواعده من حيث الموضوع ومن حيث الشكل. فالدولة تنشئ القانون الدولي باتفاقها مع غيرها الدول، وتنشئ القانون الداخلي بإرادتها المنفردة. وعلى كل دولة – عند ممارستها – لعملية إنشاء القانون الداخلي – أن تحترم ما التزمت به دوليًا (23)، وإن لم تفعل فلا يترتب على مخالفتها الالتزام الدولي بطلان أحكام القانون الداخلي المتعارضة مع الالتزام الدولي، بل تظل هذه الأحكام صحيحـة نافذة في الدائرة الداخلية. وتتحمل الدولة – في دائرة القانون الدولي – تبعـة المسئولية الدولية المترتبة على مخالفة ما التزمت به إزاء الدول الأخرى.

من حيث الشكل

هذا من حيث الموضوع، أما من حيث الشكل، فإن القواعد القانونية الدولية لا يمكن أن تكتسب وصف الإلزام في دائرة القانون الداخلي إلا إذا تحولت إلى قواعد قانونية داخلية، وفقًا للإجراءات الشكلية المتبعة في إصدار القوانين الداخلية. وكذلك لا يمكن أن تكتسب القوانين الداخلية قوة الإلزام الدولي إلا إذا تحولت الى قواعد دوليـة، وفقًا للإجراءات الشكلية المتبعة في إصدار القواعد القانونية الدولية.

ثانيًا: أن المحاكم الوطنية لا تطبق ولا تفسر إلا القانون الداخلي وليس لها تطبيق القوانين الدولية أو تفسيرها، إلا إذا تحولت إلى قوانين داخلية. فالقضاء الوطني لا يملك سلطة تطبيق المعاهدات، أو سلطة تفسيرها إلا إذا تضمنت أحكامها قوانين داخلية. وكذلك لا يستطيع القضاء الدولي تطبيق القوانين الداخلية أو تفسيرها (24)، إلا إذا اكتسبت وصف القواعد القانونية الدولية.

ثالثًا: أنه لا يمكن أن ينشأ التنازع أو التعارض بين أحـكام القانونين، وذلك لاختلاف دائرة تطبيق كل منهما. فليس للقانون الداخلي – بوصفه قانونًا داخليًا – أي سلطان أو أثر في دائرة القانون الدولي. وليس للقانون الدولي أي أثر في دائرة القانون الداخلي. ويتفرع على ذلك استحالة نشوء التنازع، أو التعارض بين أحكام القانونين، لاختلاف دائرة كل منهما. غير أن هذا لا يعني فقدان كل علاقة بين القانونين، بل أن العلاقة قد تنشأ بينهما بالإحالة renvoi. أو بالاستقبال réception. فقد يحيل القانون الدولي أمر الفصل في مسألة معينة على القانون الداخلي، كما إذا حددت قواعد القانون الدولي حقوق الأجانب والتزاماتهم، وأحالت على القانون الداخلي مسألة تعيين من يصدق عليه وصف الأجنبي داخل حدود الدولة.

الإحالة

وقد يحيل القانون الداخلي على القانون الدولي، كما إذا أعفى القانون الداخلي الممثلين السياسيين من الضرائب أو من الخضوع للقوانين الداخلية، وترك للقانون الدولي تعيين من يصدق عليه وصف الممثل السياسي. وقد تستقبل قواعد القانون الداخلي قواعد القانون الدولي وتدمجها بينها بنص صريح، فتكون عندئذ جزءًا منها، كنص المادة 4 من دستور “وایمار” الذي يقرر أن “قواعد القانون الدولي المعترف بها تعتبر جزءًا متممًا لقوانين الدولة الألمانية”. وكذلك نص المادة 6 من دستور الولايات المتحدة الأمريكية الذي يقضي بأن: “الدستور وجميع المعاهدات التي أبرمتها أو تبرمها الولايات المتحدة تعـد القانون الأعلى للدولة” (25). وفي الرأي المخالف الذي ألحقه القاضي الهندي “شاجلا” بحكم محكمة العدل الدولية الصادر في 6 من يوليو 1957 في شأن حق المرور، أوضح القاضي الهندي أن القانون الدولي قد يدمج قواعد القانون الداخلي في مبادئه فتصير عندئذ من قواعد القانون الدولي.

نظرية وحدة القانون

أما نظرية وحدة القانون la théorie moniste فتتفرع على نظرية الموضوع، كما صورتها المدرسة النمساوية. وهي تذهب إلى أن النظام القانوني بجميع فروعه يكون وحدة لا تقبل التجزئة، إذ هو يقوم على علاقة تبعية القواعد القانونيـة بعضها لبعض في كل فرع من فروع القانون، وعلاقة تبعية الفروع بعضها لبعض. وتفسير ذلك أنه اذا تفحصنا فرعًا معينًا من فروع القانون وجدنا أن قواعده يرتبط بعضها ببعض برباط التبعية. لأنه لا يمكن تفسير قاعدة من قواعده إلا بالرجوع إلى القواعد الأخرى. وهكذا، إلى أن نصل في النهاية إلى القاعدة القانونية التي تعـد المبدأ الأساسي في هذا الفرع كله، وهذه القاعدة الأساسية بدورها لا يمكن تفسيرها إلا بالرجوع الى قاعدة مثبتة في فرع آخر من فروع القانون، وهكذا دواليك إلى أن نصل إلى القاعدة الأساسية العامة التي تعد أساس القانون كله، مما يؤيد أن الوحدة قائمة بين الفروع القانونية جميعًا، إذ لا يمكن تفسير القانون بغيرها.

ولما كانت القاعدة العامة هذه مما يفترض الفقه وجودها تيسيرًا لإقامة البناء القانوني، فقد تفرق الرأي في شأن تعيينها وتحديد مكانها ومعـرفة الفرع القانوني الذي يتضمنها، وذلك توطئـة للاعتراف لهذا الفرع بالصدارة على سائر الفروع:

الفريق الأول

لقد ذهب فريق من العلماء، وعلى رأسه “کونز” و”کلسن” و”فردروس” و”دیجي” و”بولیتیس”، أنها مثبتة في القانون الدولي العام (26)، مستندين في ذلك إلى أنه القانون الذي يعني ببيان الجماعات الدولية التي يصدق عليها وصف الدول المستقلة المتحضرة، وتعيين ما لكل دولة منها من اختصاصات. والدولة عندما تمارس عملية إصدار القوانين الداخلية إنما تقوم بهذه الوظيفة بتفويض من القانون الدولي. وغني عن الذكر أن نظرية هذا الفريق تؤدي إلى الاحتفاظ للقانون الدولي بمكان الصدارة بين النظم القانونية، واعتبار ما عداه تابعًا له، مترتبًا عليه. وعلى ذلك إن تعارض حكم دولي مع حكم داخلي كانت الأولوية للحكم القانوني الدولي.

الفريق الثاني

ويذهب فريق آخر (27) يتزعمه “كوفمان” وبعض علماء السوفييت مثل Kotliarevsky إلى أن القاعدة الأساسية العامة التي تعتبر أساسًا للقانون مثبتة في القانون الداخلي، بل هي مثبتـة في دستور الدولة على وجه التحديد. ذلك أن الدولة هي السلطة العليا التي لا توجد سلطـة فوقها، ودستورها هو المختص ببيان ما لها من حقوق في ممارسة عملية إصـدار القوانين الداخلية، وهو أيضًا القانون المختص ببيان الشروط والواجبات التي يجب على الدولة استيفاؤها عند عقد الاتفاقات الدولية، المصدر الأول للقانون الدولي. وعلى ذلك فالصدارة للقانون الدستوري، أي القانون الداخلي، وترتبط به سائر فروع القانون – ومنها القانون الدولي العـام – برباط التبعية. وعلى ذلك إن تعـارض حكم داخلي مع حكم دولي كانت الأولوية للحكم القانوني الداخلي.

هذا، وأن ما جرى عليه العمل في علاقات الدول لا يؤدي إلى اعتماد نظرية وحدة القانون أو نظرية ثنائية القانون (28). غير أنه من استقراء الفتاوى التي أصدرتها المحكمة الدائمة للعدل الدولي في 31 من فبراير سنة 1925و30 من يوليو سنة 1930 (29)، يمكن أن نقرر أن الدولة ملزمة باحترام التزاماتها الدولية فيما تصدره من قوانين داخلية، فإن تعارض حكم قانوني داخلي مع حكم قانوني التزمت به دوليًا، فعلى الدولة أن تلغى الحكم القانوني الداخلي أو تعدله بحيث يكون متفقًا مع الحكم القانوني الدولي، وإلا تحملت تبعة المسئولية الدولية. وقد قررت محكمة العدل صراحة في الحكم الذي أصدرته في 7 من يونيو سنة 1933 “أنه لا يمكن للدولة أن تحتج بتشريعها الداخلي لتحد من مدى التزاماتها الدولية” (30).

وليس في هذا ما يدعو إلى تغليب احدى النظريتين على الأخرى، وان كان العرف قد تواتر الآن على تفضيل تطبيق أحكام القانون الدولي وتغليبها على أحكام القانون الداخلي عند التعارض (31). كما أن غالبية الدساتير في الدول تتضمن من القواعد ما يقضى بوجوب تطبيق الأحكام التي تنطوي عليها المعاهدات التي عقدتها الدولة والتزمت بها وفقا لأحكام دستورها (32).

تطور القانون الدولي العام

لا ريب أن القانون الدولي العام بوصفه القانون الذي ينتظم العلاقات القائمة بين الدول المتساوية والمستقلة على أساس رضاها المشترك بالخضوع لأحكامه هو إلى حد كبير نتاج الحضارة المسيحية الغربية. وهو لم يبد بمظهر القانون إلا منذ أربعة قرون على الأكثر. إلا أن الجماعات المتحضرة قد ساهمت كلها في خلال عصور التاريخ الإنساني في تكوين بعض قواعده بما كانت تتبعه في علاقاتها مع غيرها من الجماعات من مبادئ وأحكام تتناسب مع ملابسات العصر، وعقائده، وظروف أحواله. وبذلك تطـور القانون الدولي تطورًا مستمرًا، وصاحب الجماعات السياسية في نموها واكتمال نظمها.

مراحل تطور القانون الدولي العام

يمكن تقسيم مراحل تطور القانون الدولي العام إلى العصور التالية:

المصريون القدماء والفرس والفينيقيون

وما من شك في أن المصريين القدماء، والفرس، والفينيقيين كانوا يخضعون علاقاتهم مع غيرهم من الشعوب لبعض الأحكام، كالأحكام المتعلقة بقواعد الحرب، ومعاهدات السلم، وحماية ممثلي الشعوب الأخرى. وقواعد الضيافة … الخ (33). أما اليهود فقد كانوا يتبعون في علاقاتهم مع غيرهم من الشعوب مبدأ التمييز بين الشعوب الصديقة وبين غيرها، وكانوا – بوصفهم شغبًا يؤمن بالتوحيد – يحتقرون غيرهم من الشعوب المشركة ويستحلون وقت الحرب قتل النساء والأطفال والعجزة، وتدمير منازلهم وممتلكاتهم (34). إلا أنهم كانوا يحترمون المعاهدات التي يعقدونها مع الشعوب الصديقة لهم، ويعترفون بحماية سفرائهم.

اليونانييون

وساهم اليونانيون مساهمة ذات أثر في تكوين قواعد القانون الدولي، ذلك أن المجتمع اليوناني – قبل الزحف المقدوني – كان مكونًا من مدن متعددة، مستقلة كل منها عن الأخرى استقلالا كاملا، مما أنشأ مع مرور الزمن نوعا من قواعد القانون الدولي التي تنتظم العلاقات التي كانت هذه المدن تتبادلها بحكم الضرورة وقت السلم ووقت الحرب. فعرف اليونانيون التحكيم لحسم الخلافات التي تقوم بين مختلف المدن اليونانية المستقلة، كما عرفوا بعض القواعد التنظيمية في حالة الحرب. فمن القواعد التي كانت لديهم واجبة الاحترام قاعدة إعلان الحرب قبل الدخول فيها، وقاعدة إمكان تبادل الأسرى، ووجوب احترام حياة اللاجئين إلى المعابد .. إلخ.

الرومان

وكان لدى الرومان نظام آخر لحكم العلاقات التي كانت تقوم بينهم وبين غيرهم من الأمم. وكان يقوم على وضـع النظام والإشراف على تنفيذه هيئة مكونة من عشرين من رجال الدين يطلق عليهم اسم Fetiales وكان هؤلاء الرهبان ينهضون بمهمتهم بتطبيق القانون الإلهي المقدس Jus sacrum على علاقات روما بغيرها من الشعوب، ويطلقون على هذا القانون اسم Jus Fetiales. كما كان الرهبان يقومون بوظيفتهم عند إعلان الحرب وعند عقد السلم، وعند إبرام المعاهدات والمحالفات.

ووفقًا لعادات الرومان كانت علاقات روما مع الشعوب الأخرى تتوقف على ما إذا كانت تربط بين روما والشعب الآخر معاهدة صداقة. فإن كانت مثل هذه المعاهدة قائمة – سواء أكانت معاهدة صـداقة Nicitia أم معاهدة ضيافة Hospitium، أم معاهدة تحالف Foedus – فإن أفراد الشعب الآخر يستمتعون بالحماية في حالة انتقالهم أو وجودهم بروما. وكانت العلاقات بينهم وبين أفراد الشعب الروماني تحكمها مجموعة من القواعد هي قواعد “قانون الشعوب” Jus Gentium ويطبقها قاضِ خاص هو Praetor Peregrines. أما الشعوب الأخرى التي لا تربطها بروما أية معاهدة فإن أفرادها وممتلكاتها لا تتمتع بمثل هذه الحماية، بل يحل قتلهم أو استعبادهم، كما يحل الاستيلاء على ممتلكاتهم.

الأديان السماوية

غير أن هذه الأحكام القليلة التي ساهمت مختلف الشعوب في تكوينها كان يعوزها الأساس الذي يكسبها وصف الإلزام عند واضعيها. فلما نشأت الأديان السماوية ارتكزت بعض هذه الأحكام، مضافًا إليها أحكام جديدة، على أساس مكين: هو أساس الدين. فاكتسبت من العقائد الدينية قدسيتها، ومن العقاب الإلهي الجزاء المترتب على مخالفتهـا (35) ودامت هذه الحال إلى أن زالت الإمبراطورية الرومانية الغربية سنة 476م باستيلاء الجرمان عليها. وشاعت بعـد ذلك الفوضى، وساد عصر من الغموض والظلام لم ينفسح فيه المجال للقانون الدولي.

وفي سنة 800م أقام شرلمان إمبراطوريته الجرمانية الرومانية المقدسة التي شملت البلاد الأوروبية جلها. وتوّجه البابا – ليون الثالث – حاكمًا زمنيًا عليها، وتولى هو الحكم الديني فيها. وساد هذه الإمبراطورية قانونان: القانون الزمنى والقانون الكنسي. فأما الأول فكان ينتظم ما يقوم بين رعايا الإمبراطورية من علاقات مدنية وتجارية. وأما الثاني فكان ينتظم كل العلاقات المتفرعة على العقائد. ولم تكن ثمة حاجة تدعو إلى وجود القانون الدولي مع قيام مثل هذا التنظيم.

عصر النهضة

وهكذا ظلت الحال إلى أن طرأت عوامل الضعف والانحلال على الإمبراطورية الجرمانية المقدسة، وزالت بوفاة آخر أباطرتها “فردريك الثالث” سنة 1493. وتفرقت أوروبا دولاً كثيرة مستقلاً بعضها عن بعض، ودعت الحال عندئذ إلى إيجاد قانون دولي ينتظم ما يقوم بين هذه الدول من علاقات، ويضع الحدود على إرادات الدول، وعلى الأخص عند الحروب. فاتجه العلماء نحو القانون الروماني يستوحونه، ونشأت حركة علمية – شجعتها ملابسات عصر النهضة وحركة الإصلاح الديني (القرنان الخامس عشر والسادس عشر) – غرضها بيان ما يجب على الدول وعلى رؤسائها اتباعه من أحكام في شأن قيام العلاقات بينهم، مستوحية مبادئ الدين المسيحي. وتزعم هذه الحركة الرعيل الأول من علماء القانون الدولي أمثال: “لنيانو” الإيطالي الأستاذ بجامعة بولونيا. و”فيتوريا” الإسباني الأستاذ بجامعة سلامنـكا. و “سواريس” العالم اليسوعي الإسباني. و”جنتيليس” الإيطالي الأستاذ بجامعة أكسفورد (36).

غير أنه إذا جاز لنشأة علم من العلوم أن ترتبط باسم إنسان معين، لارتبطت نشأة القانون الدولي العـام باسم العالم الهولندي “جروسيوس”. فقد التحق وهو في سن الحادية عشرة بجامعة “ليدن” وتوفر على دراسة الرياضيات والفلسفة والقانون. وفى سنة 1635 أخرج مؤلفه الذائع المسمى “في قانون الحرب والسلم” (37) De Jure belli ac Pacis. ولقد كان لظهور هذا المؤلف – الذي تضمن تنظيمًا يكاد يكون كاملاً لما يحتمل أن ينشأ بين الدول من روابط وعلاقات – تأثير بالغ في النفوس، لا يفوقه إلا ما أحدثه ظهور الكتب المقدسة من تأثير. فقد التزمته الدول دستورًا لعلاقاتها الخارجيـة مدى قرنين من الزمان. وغني عن الذكر أن حركة التأليف قد نشطت على أثر ذلك، وكان من نتائج نشاطها أن انفسح أمام القانون الدولي المجال، فذاعت مبادئه، وتأكدت ضرورة وجـوده، ورسخت في حكم علاقات الدول قواعده.

العوامل التي ساهمت في تطور القانون الدولي العام

وثمة عوامل أخرى ساهمت بقدر موفور في إقامة أحـكام القانون الدولي وإنمائها، أهمها:

مبادرة الدول إلى تضمين معاهدات الصلح بعض القواعد القانونية الدولية. ومثال ذلك ما حدث في معاهدة صلح “وستفاليا” التي وضعت في سنة 1648 حدًا للحرب الثلاثينية التي قامت بين الدول الكاثوليكيـة والدول البروتستانتية. فقد تضمنت مبدأ المساواة بين الدول المسيحية، بغض النظر عن عقائدها الدينية من بروتستانتية وكاثوليكية وعن أشكال حكوماتها (ملكية أو جمهورية). ومعاهدة صلح “أوترخت” Utrecht المنعقدة سنة 1713 التي تضمنت أحكامًا خاصة بحقوق المحايدين. وكذلك الشأن في معاهدة الحياد المسلح المنعقدة سنة 1780 بين الدانمرك والسويد وروسيا. ومعاهدة باريس المنعقدة سنة 1856 التي نظمت حقوق المحايدين وواجباتهم.

ظهور عدة دول جديدة بعد الثورة الفرنسية (سنة 1789) وبعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، لانتشار الحركات القومية، واستقلال كثير من الشعوب في خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين. وقد ترتب على ذلك أن أصبحت العائلة الدولية تنتظم عددًا كبيرًا من الدول المستقلة المتساوية، لكل منها سيادتها وجيوشـها وأساطيلها، مما دعا إلى ازدياد الشعور بالحاجة إلى إيجاد قواعد خاصة لتنظيم علاقاتها بعضها ببعض وقت السلم ووقت الحرب.

المؤتمرات الدولية التي عقدت لوضع قواعد القانون الدولي وتدوينها في اتفاقات دولية. كما حدث في مؤتمر جنيف سنة 1864 (قواعد الحرب البرية). ومؤتمري لاهاي المنعقدين سنة 1899 وسنة 1907 (38) وما تلا ذلك من مؤتمرات.

إنشاء عصبة الأمم وهيئة الأمم المتحدة

الاتفاقات الدولية التي وضعت للجماعة الدولية تنظيمًا جـديدًا، وأهمها معاهدة “فرسايل” المنعقدة سنة 1919 التي أنشأت عصبة الأمم. واتفاقية سان فرنسيسكو المنعقدة سنة 1945 التي أنشـأت هيئة الأمم المتحدة.

هذا وأن القانون الدولي في تطور مستمر، شأنه في ذلك شأن الجماعة الدولية التي ينتظم علاقاتها. وقد اتجه الرأي منذ إنشاء عصـبة الأمم إلى العمل على تدوين أحكامه (39). وبالفعل عملت الجمعية العمومية لعصبة الأمم على إنشاء لجنة من الخبراء للإعداد لهذا التـدوين عن طريق إعداد قائمة بالمسائل التي تصلح للتدوين، كما شملت العصبة برعايتهـا بعض المؤتمرات الدولية التي انعقدت لتحقيق هذا الهدف كمؤتمر لاهاي سنة 1930.

ولما أنشئت هيئة الأمم المتحدة تجدد سعي الدول في سبيل العمل على تدوين أحكام القانون الدولي، إذ نصت المادة 13 فقرة أولى (1) من ميثاق الأمم المتحدة على ما يأتي: “تنشئ الجمعية العامة دراسات وتشير بتوصيات بقصد إنماء التعاون الدولي في الميدان السياسي وتشجيع التقدم المطرد للقانون الدولي وتدوينه”.

تأسيس لجنة القانون الدولي

وتنفيذًا لهذا النص شكلت الجمعية العامة في دور انعقادها الأول في سنة 1946 لجنة للنظر في أمر هذا التدوين، وقد قدمت هذه اللجنة تقريرها للجمعية العامة في دور انعقادها الثاني سنة 1947. فقررت الجمعية العامة إقامة لجنة القانون الدولي لتدوين أحكام هذا الفرع من القانون. على أن تشكل هذه اللجنة تشكيلاً يكفل تمثيل المدنيات الكبرى والنظم القانونية الرئيسية في العالم.

وتقوم لجنة القانون الدولي الآن بعملها في إعداد مشروعات مختلفة لتدوين فروع القانون الدولي. وقد وضعت في سنة 1956 مشروعًا يتضمن القواعد القانونية المتعلقة بالبحر الإقليمي وبالبحار العالية. ودعت الأمم المتحدة الدول الأعضاء لمؤتمر عقد في جنيف في مارس 1958 للنظر في مشروع اللجنة ووضعه في شكل معاهدات دولية. وفى دورة انعقادها في سنة 1957 وضعت لجنة القانون الدولي مشروعًا خاصًا بأعضاء السلك الدبلوماسي. وفي سنة 1958 وضعت مشروعًا عن التحكيم وإجراءاته، وهي تواصل للآن عملها بنشاط ملحوظ.

نطاق القانون الدولي العام

من الأمور التاريخية المعلومة أن العضوية الأصلية في الأسرة الدولية كانت مقصورة على الدول المسيحية القديمة في غرب أوروبا، وأن نطاق تطبيق أحكام القانون الدولي كان محدودًا بها، لا يتعداها إلى غيرها. وكلما كانت تنشأ دولة مسيحية جديدة في أوروبا كانت تعتبر إثر نشوئها من الأعضاء الجدد في الأسرة الدولية. وكانت قواعد القانون الدولي تمتد فتحكم علاقاتها بالدول الأوروبية المسيحية الأخرى وقت الحرب ووقت السلم على السواء. لذلك انطبع القانون الدولي منذ ظهوره بطابع إقليمي طائفي. وهو لم يزل إلى الآن يعتبر نتاج الحضارة الأوروبية المسيحية.

ولا شك أن الأسباب التي يسرت طبع القانون الدولي بهذا الطابع الإقليمي الطائفي أن العلاقات بين دول أوروبا المسيحية والدول الإسلامية كانت علاقات عداء متبادل، واستمرت كذلك فترة طويلة من الزمان. كما أن العلاقات بين كتلة الدول الأوروبية المسيحية وكتلة الدول التي تدين بالبوذية كانت مفقـودة تمامًا، مما ساعد كثيرًا على أن يظل المجتمع الأوروبي المسيحي مجتمعًا مغلقًا، نطاقه أن تنضم لعضوية الأسرة التي أنشأها، لا يسمح لأية دولة خارجة عن نطاقه أن تنضم لعضوية الأسرة التي أنشأها وبالتالي لا يسمح بأن تحكم علاقاته معها قواعد القانون الدولي الأوروبي المسيحي.

بداية توسع نطاق القانون الدولي

ولما ازدادت المواصلات، وتيسر استعمال أدواتها، بات حتميًا أن يتم الاتصال بين دول العالم الأوروبي المسيحي من جهة وغيرها من الدول من جهة أخرى. إلا أن العلاقات الناشئة عن هذا الاتصال كان يتحكم فيها اتجاهان مختلفان:

الاتجاه الديني

فأما الاتجاه الأول فهو الاتجاه الديني الذي دفع الدول الأوروبية المسيحية إلى أن تفتح أبواب مجتمع أسرتها للدول المسيحية التي نشأت وترعرعت خارج أوروبا أو التي تحررت من ربقة الاستعمار الأوروبي كالولايات المتحدة الأمريكية، وليبيريا وهايتي – وهما جمهوريتـان رعاياهما من السود المسيحيين – كما دفعت بها إلى إخضاع علاقاتها معها لأحكام القانون الدولي.

الاتجاه الاستعماري

أما الاتجاه الثاني فهو الاتجاه الاستغلالي الاستعماري الذي دفع الدول الأوروبية المسيحية إلى اعتبار الدول غير المسيحية خارجة عن نطاق الأسرة الدولية وعن نطاق القانون الدولي معًا. ولذلك فإنها أخضعت علاقاتها معها لحكم الاستغلال أو الاستعمار. فعملت على توسيع نظام الامتيازات الأجنبية في الدول الإسلامية، وتمكنت بهذه الوسيلة من الاحتفاظ لنفسها ولرعاياها بأوضاع ممتازة، والاستمتاع بحقوق لم يكن يستمتع بها مواطنو الدول الإسلامية أنفسهم، واكتسبت لنفسها ولرعاياها إعفاءات واسـعة المدى، كالإعفاءات من الخضوع للقوانين المحلية، ولجهات القضاء المحلية، وللسلطات الإدارية المحلية في الدول الإسلامية. وتبعًا لذلك صار لقناصلها في الدول الإسلامية سلطات القضـاء والتشريع والإدارة. وقد عم نظـام الامتيازات الأجنبية الدول الآسيوية البوذية أيضًا. كما أن الدول الأوروبية المسيحية أنشأت بعض الشركات الاستغلالية – كشركة الهند الهولندية والشركة الإنجليزية لشرقي الهند – لتمهد لها استعمار بعض الدول الآسيوية، ومنحت هذه الشركات سلطات مطلقة فيما يتعلق بالمعاملة التي فرضتها على هذه الدول المغلوبة على أمرها.

وظلت الحال على هـذه الوتيرة إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر. وفي بداية النصف الثاني من هذا القرن حدث تطور له شأنه. إذ قررت الدول الأوربية المسيحية الخمس العظمى وقتذاك (فرنسا والنمسا وبريطانيا العظمى وبروسيا وروسيا) أن تُقبل تركيا الإسلامية في عضوية الأسرة الدولية. وقد تم ذلك بمقتضى المادة السابعة من معاهدة صلح باريس المنعقدة في سنة 1856 (40). غير أن عضوية هذه الدولة الإسلامية في الأسرة الدولية ظلت عضوية ضعيفة بالنظر إلى استمرار بقاء نظام الامتيازات الأجنبية فيها حتى سنة 1933. ثم قُبلت اليابان بعد ذلك عضوًا في الأسرة الدولية، وهي أيضًا دولة غير مسيحية. وبدخول تركيا واليابان في الأسرة الدولية تحرر نطاق القانون الدولي من رابطتي الدين والإقليم الأوروبي.

استكمال توسع نطاق القانون الدولي

وبعد الحرب العالمية الأولى انفسح المجال أمام كثير من الدول للدخول في عضوية الأسرة الدولية بعد أن كانت محرومة من هذه العضوية بحجة أن مستوى حضارتها لا يرقى إلى مستوى الحضارة الأوروبية. ومن هذه الدول الصين وإيران وسيام والحبشة .. إلخ. ثم تمكنت دول أخرى من التخلص من نظام الامتيازات الأجنبية ومن ربقة الاستعمار الأوربي كمصر، فصارت أيضًا من أعضاء الأسرة الدولية. ولما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها شاركت في وضع ميثاق الأمم المتحدة جميع الدول الإسلامية والعربية والإفريقية والآسيوية التي كانت في حالة حرب مع دول المحور. وبذلك ثبتت عضويتها في الأسرة الدولية، ودخلت علاقاتها الدولية مع غيرها في نطاق القانون الدولي.

وعلى أثر أزمة السويس في نهاية أكتوبر 1956 وهزيمة العدوان الثلاثي على مصر دخل نظام الاستعمار في دور التصفية النهائية. وكان لهذا أثره الحاسم في استقلال شعوب أفريقيا شعبًا بعد آخر، وفى ارتقائها إلى مرتبة الدول المستقلة الأعضاء في الأسرة الدولية. ويمكن القول إنه لم يتبق الآن إلا القليل من الشعوب الخاضعة – في شكل أو في آخر – لنظام الاستعمار في كل من أفريقيا وآسيا، وأن الأمل منعقد على حصولها على استقلالها الكامل في المستقبل القريب.

وليس من شك أن القانون الدولي – بصورته الراهنة – تحرر من كثير من عيوب الإقليمية والطائفية. إلا أن طابعه الأول لما يزل غالبًا. فكثير من أحكامه لا يتواءم مع الروح التحررية، ولا يستجيب لمبادئ المساواة بين مختلف الدول من غير تمييز بين أديانهـا وأجناسها وألوانها، ولا يلبي مطالب روح العصر، ولا يطابق ظروف أحواله. ويلاحظ أيضًا أن انقسام العالم انقسامًا سياسيًا خطيرًا بين المذاهب الشيوعية والرأسمالية والحيادية قد ساعد من جديد على ظهور الطائفية في نطاق القانون الدولي. وبدأت ظواهر هذه الطائفية في التكتلات الدولية الحديثة، مثل مجموعة الدول الأعضاء في حلف شمالي الأطلسي. ومجموعة دول حلف وارسو، والسوق الأوربية المشتركة .. إلخ. وهذا كله يدعو الباحث إلى أن يشارك الأستاذ “شوارزنبرج” الرأي، ويحدد الوظائف التي يقوم بها القانون الدولي – في مرحلته الحالية بما يلي:

أولاً: قانون السلطة The Law of Power

فالقانون الدولي يقوم بوظيفة طبع المواقف التي خلفها انتصار القوة المادية والقوة المسلحة بالطابع القانوني المشروع. وهذا ما تقوم به معاهدات الصلح عادة. كما أن بعض أحكامه يستعمل ذريعة قانونية تخفي السياسات العدوانية التوسعية أو الاستعمارية.

ثانيًا: قانون التبادل The Law of Reciprocity

فالقانون الدولي الآن يقوم بفرض القيود على استعمال القوة على أساس التبادل، كما أنه يفرض امتيازات أو إعفاءات خاصة، أو يفرض التزام نهج معين في التصرف على أساس تبادلي بحت. فإن زال الأساس التبادلي زال الحكم القانوني تبعًا له.

ثالثًا: قانون التناسق The Law of Coordination

فأحكام القانون الدولي تقوم في بعض الأحيان بدور إيجاد التناسق بين تصرفات مختلف الدول. كما هي الحال مثلاً في خصوص الأحكام المتعلقة بتحريم تجارة الرقيق الأسود والأبيض، والمتعلقة بإيواء اللاجئين.. إلخ. إلا أن هذه الوظيفة الرئيسية لما تزل في مرحلتها البدائية. وظاهر أن مستقبل أحكام القانون الدولي يتوقف على تطورها ونموها إذ هي وحدها الكفيلة بأن تطبع القانون الدولي بطابع العالمية، وبأن تخلع عنه طابع الطائفية أو الإقليمية، وبأن تقيم أحكامه وقواعده على معيار واحد ينطبق في جميع الأحوال بغير تمييز بين اللون أو الدين أو اللغة، ولا تفريق بسبب الطائفية أو الإقليمية (41).

الهوامش

  1. وصف “بلوتارك” تعرف المصريين على فنون الزراعة بقوله: “عندما جاء أوزيريس إلى مملكته وجد المصريين يعيشون حياة الحيوانات. فعلمهم فنون الزراعة، ومنحهم القوانين، وأدخل على نفوسهم عبادة الآلهة”. انظر مؤلف “إلبوت سميت” وآخرين، طبعة لندن 1931، وعنوانه:Early Man: his origins development and culture .
  2. ومع ذلك فقد عرف الشرق في العصور القديمة الجموع الإنسانية المشكلة تشكيلا سياسيًا يقارب في مظهره الشكل الحديث للدولة، كما كانت الحال في مصر الفرعونية، ودولة الحنيين ودولة الفرس، ودول الهند القديمة. وكانت كل دولة من هذه الدول تظهر أمام الدول المماثلة بمظهر الهيئة الكاملة السيادة والسلطان، وتتعامل معها على هذا الأساس. أنظر مؤلف فلاديمير بوتيمكن وزملائه وعنوانه: “تاريخ الدبلوماسية”، النسخة الفرنسية، الجزء الأول ص 8 وما بعدها. وراجع نص المعاهدة المنعقدة بين “رمسيس الثاني” فرعون مصر و”حانوسیل الثالث” ملك الحنييين في سنة 1278 قبل الميلاد في المؤلف نفسه. ص 13 – 15. راجع أيضًا في تكوين الدولة الفرعونية James Henry Breasted في مؤلفه A History of Egypt طبعة لندن سنة 1948. الكتاب الثاني. ص 74 وما بعدها. وكذلك ص 597 وما بعدها.
  3. جاء في الرأي الشخصي الذي ألحقه القاضي “ألفاريز” Alvarez بالرأي الإفتائي الذي صدر عن محكمة العدل الدولية في 28 مايو 1948 في شأن قبول الأعضاء الجدد في الأمم المتحدة ما يلي: “Par suite du rapprochement croissant des Etats, qui a produit leur interdé pendance de plus en plus grande, l’ancienne Communauté des Nations s’est trans formée en une véritable société internationale, bien que ne possédant ni pouvoir exécutif, ni pouvoir législatif, ni pouvoir judiciaire, lesquels sont des caractéris tiques de la société civile mais pas de la société internationale. Cette société comprend tous les Etats du monde, sans que soit nécessaire un consentement de leur part ou de celle des autres Etats; elle a des buts et des intérêts propres, les Etats n’y sont plus souverains absolus mais interdépendants; ils ont non seulement des droits mais aussi des devoirs entre eux ainsi qu’anuaro ladita poništi.
  4. راجع مؤلف “أوستن” طبعة 1887. وعنوانه: Lectures on jurisprudence or the philosophy of positive date. وكذلك مؤلف “سترانج إدموندز”. وعنوانه: The loweless law of nations. وقد طُبع سنة 1925. أنظر كذلك “بوفندورف” Pufendorf في مؤلفه: De jure naturae et Gentaim. أنظر أيضًا مؤلف “أوبنهایم” إخراج “لوترباخت”. وعنوانه: القانون الدولي، الجزء الأول. الطبعة الثامنة. سنة 1958. ص 7 وما بعدها.
  5. أنظر Higgins: The Binding Force of International Law, 1910. Mitrany: The Problem of International Sanctions, 1925. R. Quadri: Diritto Internazionale Publico. 1949. Georg Schwarzenberger: A Manual of Int. Law. 1947. Alf Ross: A textbook of International Law. 1947.
  6. أنظر مؤلف “أوبنهايم”، إخراج “لوتر باخت”: القانون الدولي، الطبعة الثامنة، الجزء الأول. الفقرة 3 وما بعدها. ص 7 وما بعدها. أنظر كذلك Charles Cheney Hyde في مؤلفه International Law. الطبعة الثانية. بوستون سنة 1949. الجزء الأول، ص 14 وما بعدها.
  7. انظر: Delos: La Société internationale et les principes du droit public, 1929. Corbo: Essai sur la notion de règle en droit international. 1935. انظر أيضًا: “لوتر باخت” The function of Law ص 406. ومع ذلك أنظر الرأي المعارض في مقال “فينوجرادوف” المنشور في Michigan Law Review سنة 1924. ص 138 إلى 153.
  8. راجع “مونتسكيو” في “روح القوانين”. و”تشاید” في “نظرية الإرادة”. و”سبينوزا” في Tractatus Politicus. الفصل الثالث، الفقرات 13 إلى 16.
  9. أنظر Jellirek في Allgemeine Staatslehre سنة 1900.
  10. راجع رأي Triepel في مجموعة لاهاي للقانون الدولي. سنة 1923، ص 77– 121. وكذلك Anzilotti في المجلة العامة للقانون الدولي. سنة 1906، من 16 – 17. وكذلك Cavaglieri في مجموعة لاهاي سنة 1939. الجزء الأول ص 321– 327. أنظر كذلك مؤلف “رولندو کوادري” Diritio Internazionale Publico، طبعة 1949. ص 21 وما بعدها.
  11. انظر Rousseau في مجموعة لاهاي سنة 1932. الجزء الرابع ص 121 – 137. انظر أيضًاMan: L’école de Vienne et le développement du droit des gens, 1938.
  12. وانظر Verdross في مجموعة لاهاي سنة 1929. الجزء الأول من 251 – 323. وفي مجموعة لاهاي سنه 1929. الجزء الخامس ص 385 وما بعدها.
  13. انظر George Scelle في مجموعة لاهاي سنة 1937. الجزء الرابع ص 331 وما بعدها. انظر كذلك Charles Rousseau في مؤلفه Les Principes généraux du droit international طبعة 1944. ص 44 وما بعدها. “Le droit n’est ni l’émanation d’un ordre, ni la manifestation d’une volonté: c’est tout simplement un produit social, un pur fait devenu conscient”. Nicolas Politis: Les nouvelles tendances du droit international, 1927, pp. 48. et suiv.
  14. راجع مؤلف Triepel وعنوانه Volkerrecht und Landesrecht. ص 77- 81. وكذلك P. Chailley في مؤلفه La nature juridique des traits internationaux. ص 102- 104.
  15. راجع مقال “بوليتيس” في مجلة باريس عدد مارس سنة 1926. ص 13 – 14. وكذلك Hostie في مجموعة لاهاي سنة 1922،. الجزء الثاني، ص 478 وما بعدها.
  16. “International Law governs relations between independent States. The rules of law binding upon States therefore emanate from their own free will as expressed in conventions or by usages generally accepted as expressing principles of law and established order to regulate the relations between these co – existing independent communities or with a view to the achievement of common aims”. راجع الحكم رقم 9. مطبوعات المحكمة الدائمة للعدل الدولي رقم (1) نمرة 10 ص 18.
  17. راجع القرار الذي أصدره معهد القانون الدولي في 12 من أغسطس سنة 1947 في دور انعقاده بمدينة لوزان.، وقد جاء به ما يلي: “L’ Institut de droit international souligne les dangers que présente actuellement toute codification officielle suivant la méthode de la Conférence de Codification de La Haye, de 1930 , dans la mesure où elle fondait la force obligatoire des règles codifiées sur l’acceptation expresse des Etats. Une telle méthode aboutit a fournir à chaque gouvernement l’occasion de remettre en question, par son refus d’ac ceptation, des règles de droit que la doctrine et la jurisprudence considéraient, d’une manière générale, comme établies; il existe de ce fait un risque d’affaiblir et d’ébranler le droit que la codification avait pour objet de préciser et de consolider”. انظر أيضا مؤلف “اوبنهايم”. إخراج “لوتر باخت”، الطبعة الثامنة سنة 1958. ص 16 وما بعدها، فقرة 11 وما بعدها.
  18. انظر مؤلف “شارل روسو”، السابق الإشارة إليه. ص 1 وما بعدها.
  19. راجع “رنیه کابیتان” في L’impératif juridique. باريس سنة 1927. وانظر كذلك مؤلف “شارل روسو” السابق الإشارة إليه. ص 12 وما بعدها.
  20. انظر مؤلف Le Fur وعنوانه: Précis de Droit International Public, 1931. أنظر أيضا مؤلف “شارل روسو” السابق الإشارة إليه، ص 15 وما بعدها. راجع أيضًا “رولندو کوادري” في مؤلفه السابق الإشارة إليه. ص 26 وما بعدها.
  21. راجع في شأن أحكام القضاء الدولي بالنسبة لتطبيق القانون الطبيعي مؤلف “بیبر شیلي”.
  22. راجع “انزيلوتي” في مؤلفه “أحكام القانون الدولي”، ومؤلف “تربيل”: العلاقة بين القانون الداخلي والقانون الدولي. مجموعة القانون الدولي في لاهاي. سنه 1923، ص 77 وما بعدها. انظر أيضًا المجلة الأمريكية للقانون الدولي. المجلد السادس والعشرون لسنة 1932، ب 239. أنظر أيضا مؤلف Ross السابق الإشارة إليه. ص 50 وما بعدها. أنظر كذلك Rolando Quadri. المؤلف السابق الإشارة إليه. ص 33 وما بعدها. انظر كذلك مؤلف “شارل روسو”. السابق الإشارة إليه، ص 55 وما بعدها. وكذلك مؤلف “اوبنهايم” السابق الإشارة إليه. الجزء الأول، ص 35 وما بعدها.
  23. جاء في الرأي المخالف الذي ألحقه القاضي “ماكثير” بالحكم الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في قضية مصائد الأسماك في 18 من ديسمبر 1951 ما يلي:”It is a well-established rule that a State can never plead a provision of, or lack of a provision in its internal law or an act or omission of its executive power as a defence to a charge that it has violated international law”. وقد جاء أيضًا في الرأي الشخصي الذي ألحقه القاضي “لوترباخت” بالحكم الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في قضية القروض الترويجية في 6 من يوليو 1957 ما يلي: “The notion that if a matter is governed by national law it is for that reason at the same time outside the sphere of international law is both novel and, if accepted, subversive of international law”.
  24. وقد جاء في الرأي الشخصي الذي ألحقه القاضي “عبد الحميد بدوي” بالحكم الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في قضية القروض الترويجية في 6 من يوليو 1957 ما يلي: “La Cour permanente avait déjà établi dans son arrêt No. 7 qu’au regard du droit international et de la Cour qui en est l’organe, les lois nationales sont de simples faits, manifestation de la volonté et de l’activité des Etats”. وجاء أيضًا في الرأي المخالف الذي ألحقه القاضي “جوجنهايم” بحكم محكمة العدل في قضية “نوتيبوم” في 6 من أبريل 1955 ما يلي:”La Cour ne peut pas examiner librement l’application et l’interprétation du droit interne, mais seulement vérifier l’application du droit interne au titre des faits allégués ou contestés par les parties … afin de déterminer si ceux – ci sont exacts ou inexacts”.
  25. انظر Pitman B. Potter: Relative Authority of International Law and National Law in the United States، المجلة الأمريكية للقانون الدولي. المجلد التاسع عشر، لسنة 1925. ص 315. كذلك انظر: Quincy Wright: Enforcement of International Law and National Law in the United States, 1916. وانظر أيضًا Alf Ross في مؤلفه السابق الإشارة إليه، ص 59 وما بعدها. وكذلك Georg Schwarzenberger، المؤلف السابق الإشارة إليه ص 11 وما بعدها. راجع أيضًا مؤلف “شارل روسو” السابق الإشارة إليه، ص 62 وما بعدها. انظر رأى القاضي Chagla في موسوعة أحكام القضاء الدولي، طبعة 1961، ص 8.
  26. أنظر مؤلف “شارل روسو”، السابق الإشارة إليه،. ص 65 وما بعدها.
  27. انظر مؤلف “شارل روسو”، السابق الإشارة إليه. ص 64 – 65.
  28. انظر مؤلف “شارل روسو” السابق الإشارة إليه. ص 68 وما بعدها.
  29. انظر مطبوعات المحكمة الدائمة للعدل الدولي Series B, No. 10 No. II.
  30. المرجع السابق Series A / B, No 46.
  31. انظر مؤلف “شارل روسو” السابق الإشارة إليه. ص 71 وما بعدها.
  32. تنص المادة 56 من الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة (5 مارس 1958) على أن: “رئيس الجمهورية يبرم المعاهدات، ويبلغها مجلس الأمة. وتكون لها قوة القانون بعد إبرامها والتصديق عليها ونشرها وفقًا للأوضاع المقررة … إلخ”. وتنص المادة 175 من دستور الجمهورية العربية المتحدة، الصادر في 25 من مارس سنة 1964 على ما يلي: رئيس الجمهورية يبرم المعاهدات، ويبلغها مجلس الأمة، مشفوعة بما يناسب من البيان، وتكون لها قوة القانون بعد إلزامها والتصديق عليها ونشرها وفقًا للأوضاع المقررة”. “على أن معاهدات الصلح والتحالف والتجارة والملاحة وجميع المعاهدات التي يترتب عليها تعديل في أراضي الدولة، أو التي تتعلق بحقوق السيادة، أو التي تحمل خزانة الدولة شيئًا من النفقات غير الواردة في الميزانية، لا تكون نافذة إلا إذا وافق عليها مجلس الأمة”.
  33. انظر “هولتز رندورف” Holtzerndorff في الكتاب الثالث من مؤلفه “مقدمة القانون الدولي”. انظر أيضًا مؤلف “المطول في القانون الدولي العام” الجزء الأول ص 8 وما بعدها. و”دي مارتنز” De Martens “المطول في القانون الدولي العام”. وانظر فيما يتعلق بمصر القديمة بحث Rey في المجلة العامة .R.C العدد الخاص بالسنين من 1941 – 1945.
  34. يلاحظ أن اليهود منذ أقاموا دولتهم إسرائيل وهم يتبعون في اعتداءاتهم المتكررة علي العرب نفس ما كانوا يتبعونه قديمًا من العادات الهمجية القاسية.
  35. كانت المعاهدات في العصور القديمة ثم بعد ظهور الأديان تتصدرها مقدمات تناجي الآلهة وتستعديها على من يخالف أحكام المعاهدة ولنصرة الدولة التي تقوم بتنفيذ هذه الأحكام. وكذلك كانت تعقد المعاهدات أيضًا باسم الآلهة حتى القرن الثامن عشر.
  36. انظر مؤلف “بيليه” عن مؤسسي  القانون الدوليLes fondateurs du droit international, par Pillet, 1904.
  37. انظر الترجمة الإنجليزية لهذا المؤلف ضمن الترجمات التي أشرفت عليها مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، التي عهدت إلى فريق من أساتذة القانون الدولي والمتعمقين في دراسته بإعداد ترجمات إنجليزية وفرنسية لمؤلفات علماء القانون الدولي القدامى الذين يطلق عليهم “آباء القانون الدولي”. وتعرف هذه الترجمات باسم Classics of International Law.
  38. وضع هذا المؤتمر 16 اتفاقية دولية في مختلف الشئون.
  39. راجع في مشكلة تدوين أحكام القانون الدولي مؤلف “اوپنهایم”. إخراج “لوتر باخت”، السابق الإشارة إليه. الطبعة الثامنة سنة 1958. ص 57 وما بعدها.
  40. وقد نصت هذه المادة على أن الدول الأوربية الخمس – مضافة إليها سردينيا – على أنها: …declarent la Sublime Porte admise à participer aux avantages du droit public et du concert européens.
  41. انظر مؤلف جورج Georg Schwarzenberger وعنوانه: A Manual of International Law، لندن، سنة 1949، ص 7 وما بعدها.

المراجع

  1. كتاب القانون الدولي العام، تأليف الدكتور حامد سلطان، أستاذ ورئيبس قسم القانون الدولي العام، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، الطبعة الثانية، يناير 1965.