القانون الإداري – تعريفه وخصائصه وتمييزه

تعريف القانون الإداري

القانون الإداري هو مصطلح مكون من كلمتين هما “قانون” و”إداري”. وإذا كانت قواعد اللغة، تشير إلى أن مفاد “القانون الإداري”، أنه “القانون” الخاص بالأعمال “الإدارية” أو بأعمال “الإدارة”، فإننا نجد أنفسنا أمام صعوبتين لاستجلاء المفهوم.

تتعلق الأولى بـ “القانون”، وهي تتطلب ضرورة البحث في “القانون” بوجه عام، ثم إلى أي فرع من فروع القانون تنتمي مجموعة القواعد القانونية التي نعنيها بالدراسة، والتي نصفها بأنها “القانون الإداري”. ثم ندلف إلى المسألة الثانية، أنها “الإدارة”، ذلك أن “الإدارة” تتسع لتضم “الإدارة الفردية الخاصة” و”الإدارة العامة” التي تتولاها فروع الدولة والأشخاص العامة. ومن هنا وجب تحديد نوع “الإدارة” التي نعنيها، ومعايير التمييز بينها وبين غيرها من أنماط “الإدارة” الأخرى.

مفهوم القانون

ألمحنا في المقدمة أنه ما أن تقوم جماعة حتى تنقسم إلى فئتين، فئة حاكمة لها حق الأمر والنهي، وفئة محكومة عليها واجب الطاعة والإقرار بالولاء. وقلنا إن ذلك كان في إطار التزام الطبقة الحاكمة بالمحافظة على الأمن الخارجي، والأمن الداخلي، وفض المنازعات. وبديهي أن تكون أداة السلطة في تحقيق هذه الأهداف، أن تصدر أوامر لها قوة الإلزام. وتشكل هذه الأوامر والنواهي مجموعة من القواعد، لها صفات العمومية والتجريد، ويلتزم الجميع باحترامها، ويتعرض من يخرج عليها للعقاب. هذه القواعد العامة المجردة، المقترنة بالجزاء، هي القانون بمعناه الواسع والبسيط. فالقانون هو مجموعة القواعد العامة المجردة الملزمة والمقترنة بالجزاء.

وبديهي أن لا تصدر الطبقة الحاكمة كل الأوامر والنواهي مرة واحدة، ثم تفرض لها الخلود والبقاء الأبدي. وإنما تقطع الشواهد التاريخية، أن العمل يجري – وإلى الآن – على أن يصدر الحاكم، أو الطبقة الحاكمة، لكل مناسبة أوامرها ونواهيها. وأنه ليس لهذه الأوامر والنواهي صفة الدوام الأبدي، وإنما القاعدة أنها خاضعة كلها للتعديل والتغيير والإلغاء حسب الظروف وما تمليه الضرورات الاجتماعية.

من هنا يتضح أن “القانون” ظاهرة اجتماعية، بمعنى أنه لا يظهر إلا في جماعة. وأنه قابل للتغيير والتعديل حسب الضرورات الاجتماعية. بل لقد حتّمت “اجتماعية” القانون، أن توجد في الجماعة الواحدة، في زمن محدد ، مجموعات متعددة من القواعد القانونية، تنظّم كل مجموعة منها نوعًا محددًا من العلاقات يجمع بينها صفات مشتركة أو علة واحدة أو تسعى لتحقيق هدف مشترك.

ولقد كان هذا التنوع في المجموعات القانونية، وراء تقسيم القواعد القانونية إلى مجموعتين رئيسيتين. أُطلق على إحداها اسم “القانون الخاص”، وسميت الأخرى باسم “القانون العام”.

تقسيم القانون إلى خاص وعام

لاحظ المفكرون أنه مهما تعددت المجموعات القانونية، فإنه يمكن تنظيم العلاقات بين الأفراد وعلى قدم المساواة، وأطلقوا عليها “القانون الخاص”. ومجموعة أخرى تنظّم النظام السياسي للجماعة، ويوضح تصنيفها في مجموعتين رئيسيتين. مجموعة تضم القواعد القانونية ومجموعة أخرى تنظّم النظام السياسي للجماعة، ويوضح كيفية قيام السلطات الحاكمة، وتنظيمها والعلاقة بينها، كما تنظّم العلاقة بينها وبين الأفراد لا على أساس من المساواة، وإنما على أساس تمييز السلطات وتمتعها بامتيازات لا يتمتع بها الأفراد. ولقد أطلقوا على هذه المجموعة اسم “القانون العام”.

ويحفظ لنا التاريخ أن أول من سجل هذه التفرقة هو الفقيه الروماني أولبيان (170م- 220م). وعن أولبيان نقلت مجموعة جوستنيان تقسيم القانون إلى قانون خاص وقانون عام. وظل الفكر القانوني يتناقل هذا التقسيم حتى بلغ ذروة الوضوح والشهرة في أفكار الفقيه الفرنسي دومات J. Domat المتوفى عام 1698.

معايير التمييز بين القانون الخاص والقانون العام

ولقد ترتب على تقسيم القانون إلى “قانون خاص” و”قانون عام”، أن ظهرت مشكلة التمييز بين القواعد القانونية حتى يمكن تصنيفها ونسبتها إلى أحد القسمين المشار إليهما. ولم تكن المسألة سهلة. فالقواعد القانونية جميعًا تشترك في الكثير من السمات والصفات الرئيسية. من هنا كان التصنيف صعبًا، وظهرت محاولات وضع معايير للتمييز بين القسمين.

ولقد ظهر في الفكر القانوني ثلاثة معايير، لم يسلم أحدها من النقد.

المعيار العضوي

وأساسه النظر إلى المخاطَبين بالقاعدة القانونية. فإن كانت القاعدة تخاطب الهيئات العامة وفروع الدولة، فهي ضمن قواعد القانون العام. وإن كانت تخاطب الأفراد المحكومين، فهي واحدة من قواعد القانون الخاص. وإذا كان الواضح أن المعيار سهل الإعمال والتطبيق، إلا أنه يختل إذا ما اختارت الإدارة أو السلطة أن تتعامل على أساس القواعد الموضوعة للأفراد، وعلى أساس المساواة بينهما، إعمالاً لقواعد القانون الخاص.

المعيار الموضوعي

لا ينظر هذا المعيار إلى أشخاص المخاطبين بالقاعدة القانونية، وإنما يجعل موضوع الرابطة القانونية مناط التمييز. وقام المعيار على اعتبار القواعد القانونية التي تنظّم “المصالح العامة” قانونًا عامًا. أما القواعد القانونية التي تنظّم المصالح الخاصة، فهي قانون خاص. وواضح أن التمييز بين المصالح العامة، والمصالح الخاصة مسألة لم تتبلور بعد. بل أن الثابت أنهما متداخلان إلى درجة يصعب معها التمييز بينهما.

المعيار الشكلي

يرى أنصار هذا المعيار، أن تقوم التفرقة بين قواعد القانون الخاص وقواعد القانون العام، على أساس ما تسمح به القواعد القانونية من إجراءات ووسائل. فإن كانت تقرر للأطراف جميعًا أو بعضهم على الأقل وسائل وإجراءات تتسم بطابع السلطة العامة، فالقواعد تكون ضمن القانون العام. أما إذا قامت على أساس المساواة بين أطراف العلاقة التي تحكمها، فهي ضمن قواعد القانون الخاص. وينالها من سلامة المعيار ما يقرره القانون في كثير من الحالات، لبعض المؤسسات الخاصة ذات النفع العام، من التيارات وأساليب السلطة العامة.

أفكار التقسيم

إزاء فشل المعايير المشار إليها، في أن يصل أحدها إلى حل حاسم، للتمييز بين “القانون العام” و”القانون الخاص”، ظهر تيار فقهي ينكر تقسيم القانون إلى عام وخاص، وينادي بوحدة النظام القانوني والقواعد القانونية. ولقد تزعّم هذا التيار الفقيه دوجي L. Duguit في فرنسا، والفقيه كلسن في النمسا Hans Kelsen.

وتقوم أفكار دوجي على أساس نظريته في أساس القواعد القانونية، والتي ترى في التضامن الاجتماعي مصدرًا لجميع القواعد القانونية. وترتيبًا على وحدة المصدر هذه، يرى دوجي أن جميع القواعد القانونية تكون من طبيعة متشابهة، وأنه بذلك لا يكون منطقيًا تقسيمها إلى قانون عام وقانون خاص.

وأما الفقيه كلسن فيقيم نظريته على أساس آخر فحواه أن القواعد القانونية تنتظم جميعها في تدرج هرمي. ذلك أن أساس النظام القانوني في الدولة – في نظر كلسن، والمدرسة النمساوية – وضع القواعد القانونية في تدرج هرمي. بحيث تلتزم كل قاعدة بما يعلوها من قواعد. وإذا كان الأمر هكذا، فإن الهرم القانوني سوف ينتظم كل القواعد، وتوضع فيه كل قاعدة في موقعها، دونما تفرقه بين قانون خاص وقانون عام.

انتصار مذهب تقسيم القانون

لم يكتب لأفكار وحدة القانون النجاح، واستمر الفقه والفكر القانوني بوجه عام على فكرة تقسيم القانون إلى قانون خاص وقانون عام. ولقد كان الدافع إلى التمسك بهذا التقسيم ما هو ملاحظ من أن من القواعد القانونية ما هو مقرر أصلاً لتنظيم شكل الدولة وهيئاتها وسلطاتها وفروعها، وهي قواعد لا خلاف على أنها لا تخاطب الأفراد على الإطلاق. ومن ناحية أخرى، فإنه إذا ما تعاملت الدولة مع الأفراد، فإنها تسعى وراء تحقيق الصالح العام، الأمر الذي لا يكون معًا منطقيًا أن نعاملها بمعيار يساوي بينها وبين الأفراد. وهكذا يوجد في النظام القانوني قواعد قانونية لتنظيم هذه الأمور والعلاقات، وهي بحكم هذا الوضع، قواعد مختلفة عن القواعد التي توضع لتنظيم العلاقات بين الأفراد المتكافئين في الحقوق والواجبات. وهو أمر يكفي لتمييزها في مجموعة متجانسة يطلق عليها اسم “القانون العام”.

تقسيمات القانون العام

وينقسم القانون العام بدوره إلى فرعين رئيسيين، فرع يضم القواعد القانونية التي تنظم علاقة الدولة مع غيرها من الدول، في حالتي الحرب والسلم، ويطلق عليه القانون العام الخارجي أو القانون الدولي العام. أما الفرع الثاني فيطلق عليه القانون العام الداخلي وينقسم بدوره إلى قسمين:

  • القانون الدستوري: ويضم مجموعة القواعد التي تبيّن نظام الحكم، وسلطات الدولة، وكيفية إسناد السلطة، والعلاقة بين السلطات، وحقوق الأفراد وحرياتهم وواجباتهم وعلاقاتهم بالسلطة.
  • القانون الإداري: وهو ذلك القانون الذي يضم القواعد التي تبيّن تنظيم الإدارة العامة ويحكم علاقاتها القانونية.

إذن فرع من فروع القانون العام، وهو حسب اسمه قانون الإدارة العامة. وإذا كان القانون قد أصبح مفهومًا على النحو الذي قدمنا، فإن كلمة “الإداري” لا يتضح فحواها وإطارها وجوهرها ومضمونها إلا بتحديد مفهوم الإدارة العامة.

مفهوم الإدارة العامة

يصطدم تحديد مفهوم الإدارة العامة بالكثير من الصعوبات. ومن أهم هذه الصعوبات ما يربط بين الإدارة العامة والإدارة الخاصة من الاشتراك في عملية الإدارة ذاتها. ثم ما يربط بين الإدارة العامة والحكومة منظورًا إليها باعتبارها السلطة التنفيذية من الاشتراك بينهما من خلال العنصر العضوي. ذلك أنه غالبًا ما يقوم أعضاء بالحكومة بأعمال لا شك حول كونها من أعمال الإدارة العامة.

إزاء هذه الصعوبات، اتجهت غالبية الفقه إلى تحديد مفهوم الإدارة العامة بطريق الاستبعاد. بمعنى أنه يعتبر من أعمال الإدارة العامة كل ما لا يعتبر من أعمال الإدارة الخاصة ولا من أعمال الحكومة ويجرنا هذا الاتجاه، إلى ضرورة تحديد الإدارة الخاصة، وتحديد الحكومة، حتى يتسنى لنا استبعاد ما يتعين عملاً من أعمال كل منهما، تمهيدًا لتحديد أعمال الإدارة العامة.

ولعل أبسط تعريف للعمل التنفيذي أنه كل عمل من أعمال السلطة العامة لا يعتبر عملاً تشريعيًا ولا عملاً قضائيًا. والسر في اتجاهنا نحو هذه الوسيلة في التعريف ما ينص عليه الدستور من أن رئيس الدولة هو رئيس الهيئة التنفيذية، ويساعده في عمله هذا رئيس الوزراء ونوابهم والوزراء ونوابهم ووكلاء الوزارات والمحافظون ورؤساء المصالح والهيئات وغيرهم مما اصطلح على تسميته باسم “الإدارة العليا”. ورغم أن رئيس الجمهورية وكبار رجال السلطة التنفيذية هم أعضاء السلطة التنفيذية، لا يمكن اعتباره عملاً تنفيذيًا، من هنا وجب التمييز بين النشاطين.

النشاط الإداري والأنشطة الأخرى

ومن ناحية أخرى فكثيرًا ما يعقد الدستور أو القانون لبعض الهيئات الإدارية ولاية الفصل في بعض المنازعات. ومن ثم وجب لبعض الهيئات الإدارية ولاية الفصل في بعض المنازعات. من ثم وجب التمييز بين نشاط هذه الهيئات الإدارية ونشاطها القضائي في مثل هذه الحالات.

ويمكن القول بوجه عام أن العمل التشريعي هو وضع القواعد العامة المجردة، وإذا كان هذا النشاط من اختصاص الهيئة التشريعية حسب الأصل، إلا أنه إذا ما صدر نشاط بهذه الصفات عن غيرها فهو عمل تشريعي. كذلك يمكن تعريف العمل القضائي بأنه ما يصدر تحقيقًا لمنازعة أو فصلاً فيها وإذا كان الأصل كذلك أن تتولى الهيئة القضائية بمحاكمها المختلفة هذا الاختصاص، إلا أنه كثيرًا ما يعقد المشرع لبعض الهيئات الإدارية اختصاصًا من هذا النوع.

إذا ما تحدد النشاط التنفيذي على الوجه الذي بسطناه، فإنه نجده يضم نوعين من الأعمال هما الأعمال الحكومية والأعمال الإدارية، ونستطيع أن نلمح ذلك حين نطالع نص المادة 153 من الدستور:

مادة 153: الحكومة هي الهيئة التنفيذية والإدارية العليا للدولة، وتتكون الحكومة من رئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء ونوابهم ويشرف رئيس مجلس الوزراء على أعمال الحكومة.

فالنص واضح في أن الحكومة هي القيادة العليا للسلطة التنفيذية وأنها برياسة رئيس مجلس الوزراء. وتعمل الحكومة بحكم موقعها هذا بالاشتراك مع رئيس الجمهورية على رسم السياسة، ثم تتولى الإشراف على تنفيذها.

وإذا ما وضعت الحكومة – بالمعنى الذي سقناه – خطة الدولة ورسمت سياساتها، يأتي دور تنفيذ هذه الخطة، ووضع السياسات موضع التنفيذ. وتتولى الإدارة مهمة التنفيذ حسب ما تقرره الحكومة وتحت مراقبتها وإشرافها.

مفهوم القانون الإداري

كنا قد قلنا من قبل أن القانون الإداري هو قانون الإدارة العامة. ومن هنا فإنه وعلى ضوء ما انتهينا إليه من تحديد لمفهوم الإدارة العامة يكون للقانون الإداري معنيان أو مفهومان.

  1. مفهوم بالمعيار العضوي، أي القانون الإداري باعتباره قانون الإدارة العامة بمفهومها العضوي، أي باعتبارها الهيئات والأعضاء الذين يتولون النشاط الإداري.
  2. مفهوم بالمعيار الموضوعي، أي قانون الإدارة العامة باعتبارها ذات النشاط الإداري.

ويجري العمل على تعريف القانون الإداري بالمعنيين جميعًا. فهو قانون الإدارة العامة بمدلولها الشكلي العضوي، وبمدلولها المادي الموضوعي. ومن ثم فإنه يمكن تعريف القانون الإداري، بأنه ذلك القانون الذي يحكم الإدارة العامة من ناحية الهيئات والأعضاء، وكذلك من زاوية النشاط. وبكلمات أخرى يعرف القانون الإداري بأنه قانون الإدارة العامة الذي يحكم تنظيمها وتشكيلها واختصاصاتها ويحدد نشاطها والقواعد المنظمة لهذا النشاط، وأوجه الرقابة عليها.

القانون الإداري بالمعنى الضيق

يترتب على تعريف القانون الإداري بالمفهوم الذي انتهينا إليه، أنه ما من مجتمع تقوم فيه إدارة عامة، إلا وقام، تبعًا لذلك، قانون إداري. فهو بهذا المفهوم، موجود في كل المجتمعات، وفي كل النظم السياسية والقضائية.

وهكذا يوجد القانون الإداري في البلاد التي تعتنق نظام القضاء الموحد، وكذلك في بلاد النظام القضائي المزدوج. ويوجد القانون الإداري كذلك، سواء أفرد النظام للمنازعات الإدارية والنشاط الإداري قواعد خاصة، أم كانت الإدارة والأفراد يخضعون جميعًا لقواعد قانونية موحدة.

ودون الدخول في تفصيلات تطوّر نظام القضاء الإداري في فرنسا، نستطيع القول إنه ترتّب على قيام مجلس الدولة الفرنسي أن أصبحت الإدارة خاضعة لنوع خاص من القواعد القانونية، ويطبقها عليها نوع خاص من المحاكم. بمعنى أنه قد ترتّب على قيام مجلس الدولة الفرنسي ازدواج في المحاكم، وازدواج في القواعد القانونية.

ولقد أوحت هذه الظاهرة إلى جانب كبير من الفقه الغربي والعربي إلى القول بأن القانون الإداري لا يقوم ولا يوجد إلا إذا توافرت في النظام القانوني شرطان، هما نظام قضائي مزدوج، يحقق وجود محاكم إدارية مستقلة تنعقد لها ولاية الفصل في المنازعات الإدارية. ثم وجود قواعد قانونية خاصة بالإدارة وبالمنازعات الإدارية. تتميز بأنها خارقة للمبادئ العامة السائدة في مجال قواعد القانون الخاص. وتلتزم هذه المحاكم بتطبيقها وألا تلجأ إلى قواعد القانون الخاص إلا إذا افتقدت النص في هذه المجموعة المتميزّة من القواعد القانونية والتي توضع أصالة لحكم علاقات القانون العام وروابطه.

كما أن القاضي الإداري غير ملتزم بتطبيق قواعد القانون الخاص بمجرد افتقاده النص القانوني الإداري. وإنما يكون التجاؤه إلى قواعد القانون الخاص اختياريًا، فله أن يلجأ إليها وله ألا يفعل وإن اختار نصًا من بينها، فإن له أن يطبقه كما هو، وله أن يبلوره بما يتلاءم وروح المنازعة المطروحة عليه. فإذا افتقد النظام الشرطين أو أحدهما فلا يجوز القول بوجود قانون إداري بالمعنى الفني الدقيق.

المفهوم الواسع والدقيق

فحوى هذا الرأي إذن أن للقانون الإداري معنيان، مفهوم واسع هو ما ألمحنا إليه في الفقرة السابقة، والقانون الإداري، بهذا المعنى الواسع موجود في كل نظام توجد فيه إدارة عامة تخضع للقانون، أيًا كانت المحاكم التي تسهر على أعمال الرقابة القضائية، وأيًا كانت القواعد القانونية التي تخضع لها الإدارة. ويستحسن هذا الفريق، أن نسمي القانون الإداري بمعناه الواسع باسم قانون الإدارة droit de l’administration إفصاحًا عن عدم وجود القانون الإداري بمعناه الفني الدقيق.

ولقد أنكر جانب من الفقه هذا الاتجاه، مقررًا أن وجود القانون الإداري ليس رهينًا بوجود نظام القضاء المزدوج. كما أنه ليس من المسلّم أن وجود القانون الإداري نتيجة حتمية لقيام نظام القضاء المزدوج. فقد تتعدد أنواع المحاكم، ومع ذلك لا توجد إلا قواعد قانونية واحدة تطبق على المنازعات الإدارية وعلى المنازعات المدنية كذلك. كما أنه قد يوجد نوع واحد من المحاكم، ومع ذلك يتضمن النظام القانوني نوعين من القواعد القانونية، يخصص أحدهما للمنازعات الإدارية، ويطبق الثاني على المنازعات المدنية. وينتهي هذا الرأي إلى القول بأنه إذا ما تقرر خضوع الإدارة العامة لحكم القانون، ترتّب على ذلك وجود القانون الإداري، أيًا كانت القواعد المطبّقة، وأيًا كانت المحاكم المعقود لها ولاية الفصل في هذه المنازعات.

ورغم أن كل فريق، قد ساق أسانيد قوية ووجيهة، تؤيد رأيه وتساند فكره، فإننا لا نرى خلافًا جوهريًا بين الرأيين. فإذا كان أنصار المفهوم الضيق أو بالمعنى الفني لا يعترفون بوجود هذا القانون بهذا المفهوم، إلا في البلاد التي تعتنق نظامًا قضائيًا مزدوجًا، فإنهم مع ذلك، لا ينكرون وجود قانون إداري بمعناه الواسع في كافة النظم القانونية والقضائية، وهم بذلك يلتقون مع أصحاب الرأي الثاني، الذي يقرر وجود القانون الإداري حيثما خضعت الإدارة العامة للقانون، أيًا كان النظام القانوني أو القضائي موضع التطبيق.

خصائص القانون الإداري

يتمتع القانون الإداري بعدد من السمات القضائية العامة التي تميّزه عن غيره من فروع القانون الأخرى. ويمكن القول بأن لهذا القانون صفة رئيسية يتميز بها عن غيره من فروع القانون، ونعني بها صفة السلطة العامة. بمعنى أن قواعد القانون الإداري مطبوعة كلها بطابع السلطة العامة. وهي صفة لا يشاركه فيها أي فرع آخر من فروع القانون الأخرى.

وإلى جانب هذه السمة الرئيسية، يتميّز القانون الإداري بعدد من الخصائص، التي وإن كانت ظاهرة فيه، فإنه لا مانع من أن يشاركه غيره فيها، إلا أنه رغم احتمال مثل هذه المشاركة، فإنها إن تحققت يبقي للسمة ظهورها الأوضح في القانون الإداري. ويمكن إجمال هذه السمات في أن القانون الإداري: قانون حديث المولد. قضائي الأصل. غير مقنّن في مجموعة واحدة. وتتمتع قواعده بالمرونة والقابلية للتطور. كما يتميّز بالاستقلال عن غيره، وبأصالة قواعده.

ونتعرض لهذه الخصائص والسمات – في إيجاز – لنتبين ماهيتها وطبيعتها. وبديهي أن نبدأ بالسمة الرئيسية، ونعني بها سمة اصطباغ القانون الإداري بالسلطة العامة.

1. القانون الإداري مطبوع بطابع السلطة العامة

على أن أهم ما يميز القانون الإداري، أنه قانون السلطة العامة، فهو القانون الذي ظهر ليحكم نشاط وروابط الإدارة، وقواعده مطبوعة بسمات السلطة العامة. وإذا كان المتفق عليه، أن قواعد القانون الإداري لا تعمل ولا تجد تطبيقًا، إلا إذا كانت الإدارة أحد أطراف العلاقة على الأقل، فإنه يكون واضحًا أن القانون الإداري هو قانون الإدارة، خلق من أجلها، ولا يعمل إلا إذا كانت طرفًا في الرابطة. إلا أن ظهور الإدارة في الرابطة القانونية أو المنازعة القضائية، لا يعتبر كافيًا في حد ذاته لتطبيق قواعد القانون الإداري، ذلك أن الإدارة قد تتخلى – بإرادتها – عن كل ما يميزها باعتبارها إدارة وتتعامل باعتبارها شخصًا قانونيًا عاديًا، تتساوى مع جميع الأفراد. وهنا لا يكون لقواعد القانون الإداري محل للتطبيق، كما أنه لا ينعقد اختصاص للقضاء الإداري.

ولقد دفع هذا الوضع الأخير بالقضاء والفقه إلى البحث عن أساس يكون معيارًا لتطبيق القانون الإداري، ولتحديد اختصاص القضاء الإداري. ولئن كنا سوف نتعرض لهذا الموضوع بالتفصيل، إلا أننا نوجز القول الآن بأن قواعد القانون الإداري، هي قواعد الإدارة المطبوعة بطابع السلطة العامة. بمعنى أنه لا تطبيق لقواعد القانون الإداري ولا فاعلية، إلا إذا كانت الإدارة طرفاً في الرابطة. وبشرط أن تكون الإدارة مرتدية بمظاهر السلطة العامة.

ولئن كان مفهوم السلطة العامة قديمًا قد اقترن في الأذهان بما للإدارة من امتيازات فقط، فقد تبلور المفهوم اليوم، وأصبح اصطلاح السلطة العامة يعني ما تتمتع به الإدارة من امتيازات، وما تتقيّد به من أساليب وقيود وما تلتزم به من التزامات، مما لا مثيل له في مجال العلاقات والروابط في مجال القانون الخاص.

الامتيازات والقيود والالتزامات

ولئن كانت امتيازات الإدارة واضحة ومعروفة، فإننا نسوق لها أمثلة توضحها. ولعل من أهم هذه الامتيازات حق التنفيذ المباشر، والذي يعطي للإدارة حق اقتضاء ما تقرر هي أنه حق لها دون حاجة إلى الالتجاء إلى القضاء. وهناك حق الإدارة في نزع الملكية للمنفعة العامة، وهو ما يعني نزع الملكية من الأفراد دون رضائهم ورغم إرادتهم، ودون أي اعتداد بهذا الرضاء أو اعتبار لهذه الإرادة. وهناك حق الاستيلاء على المنقول، وهو أمر لا مثيل له في دائرة القانون الخاص.

فإذا انتقلنا إلى القيود نجد أنه رغم ما للإدارة من امتيازات من مثل ما سقناه الآن، فإن القانون يضع عليها الكثير من القيود مما لا مثيل له في دائرة روابط القانون الخاص. من أمثلة ذلك أنه في حين يكون الفرد حرًا في تحديد الهدف من نشاطه، غير مقيّد في ذلك بأي قيد فيما عدا قيد النظام العام والآداب العامة، فإن الإدارة مقيّدة بأن يكون الهدف من كل أنشطتها هو تحقيق الصالح العام. فإن هي خالفت هذا الهدف كان تصرفها معيبًا. ومن ذلك أيضًا ما هو مقرر للأفراد من حرية التعامل مع عملائهم، فيتعاملون مع فريق بشروط ميسرة. في حين يتشددون مع آخرين، وقد يرفضون التعامل تمامًا مع فريق ثالث. كل ذلك دون ما مساءلة ولا مسئولية. فإذا كنا بصدد الإدارة فإننا نجد القانون وقد فرض عليها الالتزام بالمساواة بين كل المواطنين، يستوي أن يكون نشاطها ضبطيًا أو مرفقيًا. فإن أخلّت الإدارة بمبدأ المساواة بمفهومه القانوني والفقهي، فتصرفاتها معيبة وغير شرعية.

مما سبق – وهو مجرد أمثلة – يتضح أن مظاهر السلطة العامة، لا تنحصر فيما للإدارة من امتيازات فقط. بل أنها تمتد وتتسع لتشمل ما يفرضه القانون على الإدارة من قيود والتزامات.

الاختلاف عن القانون الخاص

وتتميّز كل هذه المظاهر من امتيازات وقيود والتزامات، بأنها لا مثيل لها في مجال علاقات القانون الخاص. وأنها تعتبر خروجًا على المبادئ والقواعد العامة، المستقرة والمتفق عليها في دائرة القانون الخاص على وجه العموم، والقانون المدني على وجه الخصوص.

وبديهي أن ذلك كله – الالتزامات والامتيازات والقيود – محكوم بقواعد قانونية، تبيّن حدوده وضوابطه، وتحكم علاقاته وروابطه. ومن مجموع هذه القواعد يتكون القانون الإداري. ومن هنا كان وصف القانون الإداري بأنه قانون السلطة العامة، وكانت هذه السمة هي السمة الرئيسية التي تميّز قواعده عن غيرها من قواعد باقي فروع القانون. بيان ذلك أن القاعدة القانونية الإدارية، لا تكون كذلك إلا إذا تضمّنت منح الإدارة امتيازًا، أو فرض عليها قيد على تصرفاتها، أو تحميلها بالتزام معين، وتكون كلها – الامتيازات والقيود والالتزامات – خارقة للأساليب المعتادة في القانون الخاص. ومن ثم كان تميّز قواعد القانون الإداري بأنها قواعد تتضمن هذه القيود والامتيازات والأساليب المقررة للإدارة دون الأفراد. وكانت السمة الرئيسية للقانون الإداري، أنه قانون السلطة العام.

2. القانون الإداري قانون حديث المولد

الذي نعنيه هنا هو القانون الإداري بالمعنى الفني الضيق والدقيق. ولقد عرفنا أن القانون الإداري بهذا المعنى، لا يوجد ولا يكون إلا حيث يقوم نظام قضائي مزدوج، يستقل أحد فرعيه بولاية الفصل في المنازعات الإدارية. ويطبق عليها قواعد قانونية متميزة عن القانون الخاص وخارقة لها. والقانون الإداري بهذا المعنى وبهذه الشروط والمواصفات، قانون حديث المولد، جديد النشأة.

ويكفي أن نعود فنذكر ما سبق ورأينا من أن القانون الإداري بهذا المعنى، ولد أول ما ولد في فرنسا مع نهاية عام 1799 حين تقرر إنشاء مجلس الدولة الفرنسي، ليكون قضاءًا إداريًا، يفصل في المنازعات الإدارية. بل وتشدد البعض ليعتبر النصف الثاني من القرن التاسع عشر تاريخًا لميلاد القانون الإداري. ذلك أن نظريات القانون الإداري وقواعده ومبادئه، لم تظهر فور قيام مجلس الدولة الفرنسي في ديسمبر عام 1799، وإنما استلزم الأمر جهدًا وتطوّرًا، وبلورة للأوضاع، ومراجعة للأفكار والمواقف، أدت في مجموعها إلى تأخر ظهور القانون الإداري، كمجموعة من القواعد القانونية، متميّزة عن قواعد القانون المدني وخارقة لأسسها وأصولها، إلا مع النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

وفي مصر، فإننا حتى لو سلّمنا مع الرأي القائل بوجود قانون إداري بالاستناد إلى الأحكام المتناثرة الصادرة عن المحاكم المختلطة والمحاكم الوطنية، فإن ذلك لا يمكن أن يكون إلا اعتبارًا من نشأتها في عامي 1883، 1885على التوالي. بل أننا لا نقابل مثل هذه الإشارات في أحكام هذه المحاكم إلا بعد عام 1910. أي بعد أن انقضى العقد الأول من القرن العشرين. أما القانون الإداري بالمعنى الفني والدقيق، فإنه لا يمكن القول بوجوده في مصر، إلا بعد أن قام مجلس الدولة المصري بالقانون رقم 112 لسنة 1946.

3. القانون الإداري قانون قضائي

تجري القاعدة العامة على أنه إذا ما طرحت على القاضي – أي قاضِ – منازعة، فإنه يلتزم بالفصل فيها. ووصولاً إلى الحكم في المنازعة يبحث القاضي، أصالة وبداءة وبصفة أولية، عن نص تشريعي يحكم المنازعة المطروحة. فإن لم يجد نصًا، اتجه بالبحث صوب المصادر الأخرى للقاعدة القانونية، وحسب الترتيب الذي يرسمه له المشرع. فإن لم يجد في أي مصدر من هذه المصادر، قاعدة تحكم الدعوى محل البحث، فإنه لا يستطيع الامتناع عن إصدار الحكم بمقولة عدم وجود قاعدة قانونية، وإنما على القاضي أن يصدر حكمه في الدعوى باجتهاده وبقاعدة من ابتكاره وابتداعه، وإلا كان مرتكبًا لجريمة إنكار العدالة.

نقول أن هذه القاعدة عامة، بمعنى أنها ملزمة للقاضي بالقضاء العادي، وكذلك القاضي بالقضاء الإداري. فكلاهما ملتزم بالفصل فيما يطرح عليه من منازعات، حتى ولو لم تتوفر القاعدة القانونية الصالحة للتطبيق في أي مصدر من مصادر القانون.

إلا أن الفارق يظهر واضحًا إذا ذكرنا أن القاضي بالقضاء العادي يطبق قواعد ونصوص القانون المدني. والقانون المدني – على ما هو معروف – قانون قديم يمتد بجذوره إلى عهد القانون الروماني إن لم يكن قبل ذلك. ثم أنه قانون أُتيحت لنصوصه فرصة التجميع بين دفتي مجموعة واحدة، وكان ذلك منذ وقت بعيد، ثم تبلور في مجموعة نابليون. ولقد منح القدم والتجميع قواعد القانون المدني اتساعًا ونصوصًا تحكم جلّ الواقعات وتحت معظم الظروف. وإذا كان من غير المتصور وجود القانون المسيطر على جميع ما يقع من علاقات وروابط، إعمالاً لقاعدة أن النصوص متناهية. في حين أن الواقعات غير متناهية، فإننا رغم ذلك نستطيع القول أن ما يستجد من الحادثات مما لا يندرج تحت نصوص القانون المدني سوف يكون من الندرة إلى درجة لا نتحرج معها حين نقرر أنها حالات غير موجودة، أو غير مؤثرة في كيان القانون وجوهره.

تأثير حداثة القانون الإداري

فإذا كنا بصدد القانون الإداري، وجدناه قانونًا حديث النشأة والمولد على ما شرحنا من قبل. أنه قانون لم يولد إلا على النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ولم تتبلور مبادئه وأسسه ونظرياته إلا مع بدايات القرن العشرين. ومن هنا لم يجد هذا القانون فرصة لتجميع قواعده، ذلك أنه في العصر الذهبي للتجميع، ونعني به عصر نابليون (أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر)، لم يكن للقانون الإداري وجود. ثم أن قواعده الوليدة، بدأت قليلة، ثم بدأت في النمو والتعدد، الأمر الذي حال بينها وبين التجميع. وذلك على النحو الذي سوف نتعرض له بعد قليل.

يضاف إلى ذلك أن قواعد ونصوص القانون الإداري قد ظهرت لتعالج التنظيم الإداري والنشاط الإداري والمنازعات الإدارية، وكلها من الأمور سريعة التطور، وإلى درجة لا يستطيع المشرع ملاحقة تطورها. من هنا فإن القاضي الإداري سوف يجد نفسه أمام سيل من المنازعات، يلتزم بإيجاد الحل لها، ولا يجد في نصوص التشريع ولا في أي من مصادر القاعدة القانونية، القواعد التي تصلح للتطبيق عليها ولا يجد أمامه إلا أن يخلق القاعدة القانونية، يبتكرها ويبتدعها، ثم يطبقها ويحكم على مقتضاها.

وهكذا يتمثل الفارق بين القاضي المدني والقاضي الإداري، في أنه في حين لا يضطر الأول إلى ابتكار قاعدة قانونية إلا نادرًا، فإننا نجد الثاني يقوم باستمرار بخلق القواعد القانونية وابتكارها. ومن هنا أطلق الفقه الفرنسي على هذه السمة وبحق Caractère prétorien.

وإذا يضطر القاضي الإداري إلى ابتكار القاعدة القانونية التي يطبقها على المنازعة المطروحة عليه، فإن حكم القاضي يكون وحده مصدر هذه القاعدة. ومن هنا جاءت خاصية القانون الإداري بأنه قانون قضائي. بمعنى أن القاضي في الكثير من الحالات هو الذي يخلق القاعدة القانونية التي يطبقها على المنازعة.

الاختلاف عن نظام السوابق الإدارية

ونشير هنا إلى أن المقصود بأن القانون الإداري قانون قضائي، يختلف تمامًا عن نظام السوابق القضائية، والذي تعتنقه كثير من النظم وأشهرها النظام الإنجليزي. ذلك أن نظام السوابق القضائية يعني التزام كل محكمة بما تصدره كافة المحاكم التي تعلوها في الدرجة من أحكام، وما تقرره من قواعد ومبادئ. بمعنى أن ما تقرره محكمة ما من قاعدة أو مبدأ، يعتبر قانونًا ملزمًا، على كافة المحاكم التي تليها أن تلتزم به في أحكامها. أما قولنا بأن القانون الإداري قانون قضائي، فلا يعني سوى أن للقاضي الإداري قدرة خلق القاعدة القانونية التي يحكم في المنازعة على مقتضاها. وأنه حين يخلق هذه القاعدة ويطبقها تنتهي كامل قوتها فلا هي ملزمة لغيره من المحاكم أو القضاة. بل أنها غير ملزمة له نفسه عند نظر منازعة أخر.

ويتأكد دور القاضي الابتكاري والخلّاق، من خلال قاعدة عدم التزامه بما تصدره المحاكم من أحكام، أيًا كانت درجة هذه المحاكم، وحتى لو كانت محكمته هو نفسه. فالقاضي الإداري غير ملتزم باتباع القواعد التي ابتكرتها غيره من المحاكم أيًا كانت درجة هذه المحاكم. كما أنه لا يلتزم بما ابتكره هو نفسه من قواعد قانونية في قضايا ومنازعات سابقة. ذلك أن حرية القاضي الإداري واسعة ومطلقة، وتعطيه فرصة معالجة كل حالة معالجة موضوعية وعملية، دون أن يكون أسير فكر مجرد سابق قد لا يتفق والحالة المطروحة.

وإذا اتضح الآن أن الحكم الذي يصدره القاضي الإداري، لا يقيّده عند نظر منازعة أخرى. كما أنه لا يقيّد غيره من المحاكم والقضاة، فإنه يكون واضحًا مدى التمايز بين القاعدة القانونية التي يخلقها القاضي، وبين القاعدة القانونية التي يصدرها المشرّع. ذلك أنه بينما يلتزم جميع القضاة وجميع المحاكم بتطبيق القاعدة القانونية التشريعية، فإنها ليست كذلك بالنسبة للقاعدة القانونية القضائية.

الطابع العملي للقواعد القانونية

ولقد كان من نتائج اصطباغ القانون الإداري بالصبغة القضائية بالمعنى الذي أوضحناه أن تلوّنت قواعده بالطابع العملي. إنها قواعد ظهرت بمناسبة وقائع مطروحة بالفعل، ومن ثم جاءت القواعد لحل ومعالجة ما هو كائن في الواقع. وذلك على عكس القواعد القانونية التشريعية، والتي توضع على شكل من العمومية والتجريد، مما يباعد بينها وبين الواقع بدرجة أو بأخرى.

ومن هنا كان للنشأة القضائية للقانون الإداري، ووصفه بأنه قانون قضائي، أثر دافع للفقهاء والقضاة والمهتمين بدراسات القانون الإداري، إلى دراسة أحكام القضاء الإداري، وخاصة تلك التي تقرر مبادئ جديدة، أو تعرض نظريات حديثة في مجال القانون الإداري. وبلغت أهمية مثل هذه الدراسات إلى الحد الذي دفع بالأستاذ ريفيري إلى القول بأنها دراسة لا تقل أهمية عن دراسة مواد ونظريات القانون المدني.

4. القانون الإداري قانون غير مقنن

المقصود بأن القانون الإداري قانون غير مقنن، أن نصوصه وأحكامه غير مجموعة بين دفتي مجموعة، على نحو ما هو واقع ومعروف بالنسبة للقانون المدني والقانون التجاري وغيرهما. فقولنا إن القانون الإداري قانون غير مقنن يعني أنه ليست هناك مجموعة اسمها القانون الإداري، تتجمّع فيها كافة مواده ونصوصه.

ويرجع عدم تقنين القانون الإداري بالمعنى الذي أوضحناه، أنه في فترة تجميع القوانين وتقنينها في عهد نابليون، في السنوات الأولى من العقد الأول من القرن التاسع عشر، لم يكن القانون الإداري قد تبلورت صورته. بل لا نبالغ إذا قلنا أنه لم يكن قد ظهر إلى الوجود ما يمكن تسميته بالقانون الإداري. من هنا لم يكن من بين المجموعات التي تم تقنينها مجموعة للقانون الإداري. ولو أنه كان قد تم تقنين القانون الإداري الوليد في هذه الفترة، لجاء التقنين – كما يرى أستاذنا الدكتور عثمان خليل وبحق – ثوبًا فضفاضًا عليه. ولغدت بعد ذلك فلا يقيّد نموه ويعرقل نضوجه ويعوق تطوره.

ولقد قلنا أنه قبل إنشاء مجلس الدولة الفرنسي في ديسمبر 1799، لم يكن للقانون الإداري بمعناه الفني الضيق والدقيق، أي وجود لا في فرنسا ولا في غيرها. فلما أنشأ نابليون مجلس الدولة عام 1799، وبدأ هذا المجلس يباشر مهامه، وبدأ مهمته الصعبة في إرساء أسس وأصول ومبادئ قانون جديد هو القانون الإداري، لم يكن أمام هذا المجلس – ليتقي شر السلطة من أن تطيح به – إلا أن يقوم بمهمته هذه على مهل وعلى استحياء. وترتب على ذلك أن كانت نشأة القانون الإداري نشأة متدرّجة وبطيئة. ونتيجة ذلك أنه لم يكن من الميسور تقنين هذا القانون.

يضاف إلى ذلك ما سبق وقلناه من أن القانون الإداري قانون قضائي. بمعنى أن القاضي هو الذي يصنع القاعدة القانونية ويخلقها خلقًا في الكثير من الحالات. وإذا كان الأمر هكذا فإن مثل هذه القواعد لا تكون ملزمة لباقي المحاكم، بل وأنها غير ملزمة للقاضي ذاته في قضية أخرى تعرض عليه. وهذه القواعد لا يكون ميسورًا جمعها وتقنينها في مجموعة موحدة.

العلاقة بين عدم التقنين وقابلية التطور

وإذا كانت سمة قضائية للقانون الإداري قد أخرت تقنينه، فإن عدم تقنين القانون الإداري يسرت على القاضي أن يواجه تطور الظروف، فيخلق لكل واقعة قاعدة قانونية تتفق معها في ظروفها التي وقعت فيها. وهكذا تتساند خاصيتا القضائية وعدم التقنين. فتقدم كل منهما السند والتبرير للأخرى. ذلك أن قدرة القاضي الإداري على خلق القاعدة القانونية، تجعل من غير المناسب تقنين القانون الإداري. ومن زاوية أخرى فإن تقنين القانون الإداري سوف يضيّق من مجال التقدير بالنسبة للقاضي، فلا يستطيع أن يواجه التطور ولا أن يساير العوامل. وهو أمر إن كان محتملاً في مجال العلاقات الخاصة لاستقرار أنماطها من زمن بعيد، فإنه أمر غير محتمل في مجال العلاقات الإدارية، تلك العلاقات التي توصف بالحداثة، وأنها في دور التطور، وأنها بطبيعتها شديدة الحساسية لكافة الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

وهكذا تظهر من زاوية أخرى علاقة بين عدم تقنين القانون الإداري وبين قابلية هذا القانون للتطور. ذلك أن قابلية القانون الإداري للتطور تجعل للتقنين أمر غير مستحب إن لم يكن غير مستطاع. ومن ناحية أخرى فإن عدم التقنين يفتح الطريق أمام التطور الذي يقف التقنين دائمًا عقبة في طريقه يقيد ويعرقل نضوجه ويعوق نموه وتقدمه.

ولقد شهدت السنوات الثلاثون الأخيرة محاولات لتقنين القانون الإداري، على أساس من القول بأنه أن كان عدم التقنين مستحبًا أو مطلوبًا عندما كان القانون الإداري وليدًا لم يشب عن الطوق، فإنه وقد تبلورت الآن معظم نظرياته، وتحددت بكثير من الوضوح جل مبادئه، فإنه يكون من المفيد أن يجري تقنينه، ولو على مستوى المبادئ العامة والنصوص الرئيسية. ورغم ما بُذل من جهد في هذا الاتجاه، فإنها جميعًا لم تحقق هدف التقنين لا في مصر ولا في فرنسا، وإلى الآن.

5. القانون الإداري قانون مرن وسريع التطور

رأينا في الفقرات السابقة أن عدم تقنين القانون الإداري، كان سببًا لتوفّر المرونة لهذا القانون. كما أن المرونة كانت عاملاً من عوامل عدم تقنين القانون الإداري. فالعلاقة بين خاصيتي عدم التقنين والمرونة علاقة تبادلية، كل منهما عملت على تحقق الأخرى.

وكنا قد شرحنا قبل ذلك خاصية “القانون الإداري قانون قضائي”. وقلنا في حينه أن المقصود بذلك ما يتمتع به القاضي الإداري من القدرة على خلق وابتكار القاعدة القانونية الصالحة للتطبيق على المنازعة المطروحة عليه. ورأينا أن ذلك يفترق عن نظام السوابق القضائية. ذلك أنه في حين يلتزم القاضي في ظل نظام السوابق القضائية بكل ما تصدره المحاكم الأخرى الأعلى من محكمته درجة، فإن القاضي الإداري لا يلتزم بأحكام أية محاكم أيًا كانت درجتها. بل أنه لا يلتزم بما يصنعه هو نفسه من قواعد عند نظر منازعات أخرى.

وتساعد خاصية قدرة القاضي الإداري على خلق القواعد القانونية، على منح القانون الإداري خاصية المرونة. وتجعل القاضي قادرًا على تطوير قواعده بما يتفق مع تطور الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ومن هنا كان تمتع قواعد القانون الإداري بالمرونة والقابلية للتطور السريع، نتيجة طبيعية ومنطقية لكون القانون الإداري قانونًا قضائيًا بالمعنى الذي ألمحنا إليه. ويضفي ذلك على القانون الإداري حيوية، يفتقدها غيره من فروع القانون، وتجعله دائم التجدد والتطور.

مزايا وعيوب خاصية المرونة

على أنه إذا كان من الأمور المستحبة أن يكون القانون مرنًا، وأن يستجيب للتطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. ذلك أن عدم استجابة القانون لهذه العوامل يصيبه بالجمود من ناحية، ويفصل بين القانون وبين المجتمع من ناحية أخرى، إلا أنه إذا بلغ الأمر بالمرونة وسرعة التطور حدًا كبيرًا بحيث لا تجد القاعدة القانونية مجالاً زمنيًا تستقر فيه، فإن ذلك قد يؤدي إلى أن تفقد هذه القاعدة هيبتها. ذلك أن ثبات القاعدة القانونية، وتطبيقها زمنًا معقولاً، يؤدي في الغالب إلى تمتعها بالهيبة والاحترام.

يضاف إلى ما سبق أن ترك الأمور على إطلاقها للقاضي، يخلق ما يشاء من القواعد القانونية، ليطبقها على المنازعات المطروحة، يؤدي إلى نتائج غريبة. منها أن تصبح هذه القواعد في ضمير القاضي، إلى أن يطبقها بالفعل. وهو أمر لا يتفق والتعريف الصحيح للقاعدة القانونية. كما أن من نتائج ذلك ألا يستطيع الأفراد معرفة هذه القواعد. الأمر الذي يجعل من المستحيل عليهم تقدير موقفهم القانوني، قبل الالتجاء إلى القضاء. ومن هنا كان قول الفقيه فيدل أن القانون الإداري قانون سرّي أو شبه سرّي، قولاً يصادف كثيرًا من الحقيقة.

وفي ذلك يقول الأستاذ شارل ديباش:

“… en droit administrative, il est difficile de savoir quell est le principe juridique applicable. Il ne sufft pas de connaitre les lois et règlements en vigueur”.

شارل ديباش

وهكذا يتضح أنه إذا كان لخاصية المرونة وسرعة التطور مزايا، فإنه لهذه الخاصية عيوبًا ومثاليًا، قد تفوق في حجمها وعددها مزايا هذه الخاصية.

6. استقلال القانون الإداري وأصالته

حينما أتيحت للقضاء الإداري فرصة الظهور إلى الوجود، لم يكن في الساحة القانونية قواعد صالحة للأعمال في مجال المنازعات والروابط سوى قواعد القانون المدني. ووجد القاضي الإداري نفسه في ظروف فحواها أنه ليس أمامه إلا قواعد القانون المدني، وأنها قواعد لا تتفق وطبيعة المنازعات الإدارية. ثم أن طبيعة القضاء الإداري تتيح له أن يخلق القاعدة القانونية التي تتفق وطبيعة المنازعة المطروحة عليه.

من هذين المنطلقين لم يتردد القضاء الإداري في أن يخلق قواعد قانونية خاصة بالمجال الإداري. وهكذا يكون واضحًا أن قواعد القانون الإداري قد نشأت مستقلة عن القانون المدني.

ولم يكن ذلك ليعني أن القاضي الإداري كان ممنوعًا من الالتجاء إلى القانون المدني. أو أنه كان دائمًا وبصفة مطلقة لا يلجأ إليه. وإنما للقاضي الإداري، منذ فجر نشأة القضاء الإداري وإلى الآن، أن يلجأ إلى القانون المدني، بحثًا عن قاعدة أو استلهامًا لحل.

موقف القاضي تجاه قواعد القانون المدني

فإذا ما اتجه القاضي الإداري صوب قواعد القانون المدني، فإننا نستطيع أن نتصور موقفه إزاءها على أربعة فروض:

  1. أن لا يجد في المجموعة النص الصالح للتطبيق على المنازعة المطروحة عليه. وهنا فلا مفر من أن يبتدع القاضي القاعدة القانونية الصالحة للحكم في المنازعة محل البحث.
  2. أن يعثر القاضي الإداري على نص في المجموعة المدنية، يصلح أساسًا للحكم في المنازعة. هنا لا يتردد القاضي في نقل هذا الحكم لتطبيقه على المنازعة الإدارية المنوط به الحكم فيها. ولكن هذا النص المدني، حين ينقله القاضي الإداري من دائرة القانون المدني، ليجد تطبيقًا في المجال الإداري، فإنه إنما يفقد صفته الأصلية، ليصبح بمثابة نص إداري، ويظهر ذلك أكثر وضوحًا في الفرض الثالث التالي.
  3. هنا يجد القاضي الإداري نصًا في القانون المدني، يري فيه القاضي الصلاحية لحكم المنازعة الإدارية، ولكن بعد إدخال على مفهومه ومضمونه وفحواه. هنا لا يتردد القاضي الإداري في إعمال هذه التعديلات. وهكذا فإن النص الذي تم تطبيقه بعد إجراء تعديله، يصبح نصًا في القانون الإداري.
  4. وأخيرًا قد يجد القاضي الإداري نصًا في القانون المدني، ولكنه يرى أن المنازعة الإدارية لا يصلح لها أو يتلاءم معها، إلا قاعدة تناقض حكم النص المدني بالكامل. ولا يتردد القاضي الإداري في خلق قاعدة تتناقض تمامًا مع حكم ومضمون النص المدني.

أصالة القواعد القانونية في جميع المواقف

في كل هذه الفروض يتضح أن القانون الإداري قانون مستقل عن القانون المدني تمام الاستقلال. وأنه حتى لو لجأ القاضي الإداري إلى القانون المدني، واستعار بعض أحكامه ونصوصه، فإن هذه الأحكام والنصوص المدنية الأصل، تصير من قواعد القانون الإداري، لأن القاضي الإداري لا يطبقها إلا بعد أن يلائم بين أحكامها وبين طبيعة المنازعات الإدارية.

وتؤكد المحكمة الإدارية العليا هذا المعنى في قضاء مستقر، ومن ذلك قولها في باكورة أحكامها: “… فلا يلتزم القضاء الإداري بتطبيق القواعد المدنية حتمًا وكما هي، وإنما تكون له حريته واستقلاله في ابتداع الحلول المناسبة للروابط القانونية التي تنشأ في مجال القانون العام بين الإدارة في قيامها على المرافق العامة وبين الأفراد. فله أن يطبق من القواعد المدنية ما يتلاءم معها. وله أن يطرحها إن كانت غير متلائمة معها. كما له أن يطوّرها بما يحقق هذا التلاؤم”.

وتوصف القواعد القانونية التي يخلقها القاضي الإداري بأنها قواعد أصلية. ونعني بالأصالة هنا أنها نشأت وظهرت بداءة بمناسبة الحكم في المنازعات وروابط إدارية. ولمواجهة الحالات التي لا وجود لنص في المجموعة المدنية يناسبها. فهي بذلك قواعد قانونية لم تكن موجودة من قبل، كما أن القاضي الإداري لم يستعيرها من قانون آخر. ولما كان هذا النوع من القواعد القانونية الإدارية، هو النوع الغالب في القانون الإداري، فقد جرى القول على وصف القانون الإداري بالأصالة. وهذا من باب التغليب أو إعمالاً للغالب الأعم فيه.

التمييز بين القانون الإداري وغيره

رأينا أن القانون الإداري يشكل فرعًا من فروع القانون العام الداخلي. وأنه بذلك قد يختلط مفهومه بمفهوم غيره من فروع القانون الأخرى. ومن ناحية أخرى فلقد انتهينا إلى أن القانون الإداري، بمعناه الواسع هو قانون الإدارة. وللإدارة علوم تهتم بها، كما أنها تقوم الآن على أسس فنية، يهتم بدراستها المفكرون، وتقام لدراستها المعاهد، ويتخصص فيها علماء. ولهذا السبب يكون من المفيد التمييز بين القانون الإداري ومختلف العلوم الإدارية، تحديدًا لمفهوم كل منهما وتمييزه عن غيره

ومن هنا رأينا أن نخصص هذا المبحث للتمييز بين القانون الإداري، وبين ما

قد نختلط به من القوانين والنظم، بغية إبراز تحديد للقانون الإداري، يكون أكثر وضوحًا، وأوضح ملامحًا.

1. تمييز القانون الإداري عن القانون الدستوري

يضم القانون العام الداخلي الكثير من الفروع، مثل قانون العقوبات، وقانون الإجراءات الجنائية، والقانون المالي. وذلك إلى جانب القانون الدستوري والقانون الإداري. ويكاد يكون التمايز واضحًا تمام الوضوح بين القانون الإداري وكل فرع من هذه الفروع عدا القانون الدستوري. فإذا كان القانون الإداري هو ذلك القانون الذي ينظم تنظيم الإدارة ونشاطها، فإنه لا سبب لاختلاطه بقواعد قانون العقوبات، التي لا تضم سوى تعدادًا بأعمال يعتبرها المجتمع مجرمة، وأركان انعقاد كل جريمة في حق المتهم، والعقوبات المقررة لها. ومن هنا فلا تشابه ولا تقارب ولا اختلاط. ويسري ذات القول بالنسبة لقانون الإجراءات الجنائية. أنه القانون الذي يضم القواعد التي ترسم كيفية تحقيق أدلة الجرائم، وطرق المحاكمة، وكيفية صدور الأحكام الجنائية، وطرق الطعن فيها، وغير ذلك مما يتصل بهذا الموضوع، مما لا رابطة بينه وبين التنظيم الإداري أو النشاط الإداري.

والأمر على خلاف ذلك بالنسبة للعلاقة أو للمقارنة بين القانون الإداري والقانون الدستوري:

يتضمن الدستور نصوصًا تنظم النشاط الإداري

يتضمن الدستور النصوص المنظمة للسلطات القائمة على وظائف الدولة من حيث إسناد السلطة فيها واختصاصاتها وتكوينها وغير ذلك من أمهات الموضوعات المتعلقة بذلك. وينظم الدستور الوظيفة التنفيذية باعتبارها إحدى وظائف الدولة. والعمل الإداري، وجه من أوجه الوظيفة التنفيذية. ومن هنا تضمن الدستور بالضرورة نصوصًا تنظم النشاط الإداري.

من هنا يكون الاتصال وثيقًا بين القانون الدستوري والقانون الإداري. ولقد بلغ هذا الأمر من الوضوح إلى حد دفع بالبعض إلى القول بتعذر وضع الفواصل بين القانون الدستوري والقانون الإداري.

يضع القانون الدستوري أسس النشاط الإداري ويضم القانون الإداري التفاصيل

ويؤكد الترابط بين القانون الدستوري والقانون الإداري ما يجري عليه العمل من أن تتضمن وثيقة الدستور نصوصًا إدارية تحمل الأسس العامة التي تقوم عليها فلسفة النظام السياسي والاقتصادي. ثم يكون دور القانون الإداري في وضع التنظيم التفصيلي وبما يكفل وضع النص الدستوري موضع التنفيذ. فتضمن الدستور مثلاً النص على حق المواطنين في المساواة في الحصول على الوظائف العامة. ثم يأتي القانون الإداري ليضع القواعد المنظمة للتفاصيل والجزئيات المتعلقة بالوظيفة العامة، والموظفين العموميين. وهكذا نجد النصوص الإدارية في الدستور، تمثل الأسس العامة، والتي يتولى القانون الإداري وضع تفصيلها ودقائق أحكامها. وهكذا يتأكد التداخل بين القانون الدستوري والقانون الإداري.

استقلال القانون الإداري عن القانون الدستوري

ورغم عوامل التداخل التي أشرنا إليها، فإن بين القانون الإداري والقانون الدستوري من عوامل التمييز ما يكفي لاعتبار كل منهما قانوناً مستقلاً. وأول هذه الفوارق المميزة أنه إذا كان القانون الدستوري هو القانون المنظم لكافة وظائف الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية، فإن القانون الإداري لا يهتم ولا ينظم إلا وجهًا واحدًا من أوجه النشاط التنفيذي هو النشاط الإداري.

فإن قيل أن تنظيم النشاط الإداري – والأمر هكذا – يعتبر موضوعًا مشتركاً بين القانون الدستوري والقانون الإداري. الأمر الذي يختفي معه استقلال كل منهما عن الآخر، كان الرد ما سبق ورأيناه، من أن القانون الدستوري لا يضع سوى المبادئ العامة والأساسية، ثم يأتي دور القانون الإداري ليضع التفاصيل ويحدد الجزئيات الكافية والكفيلة بوضع هذه المبادئ موضع التنفيذ والتطبيق. وهكذا يتضح مدى التباين بين دور كل من القانونين في المجال الإداري.

من ذلك كله، نستطيع القول بأن العلاقة بين القانون الإداري والقانون الدستوري، علاقة ذات وجهين. فهي من ناحية علاقة ترابط وتداخل، وهي من زاوية أخرى علاقة تحمل عناصر تكفي لاستقلال كل منهما عن الآخر.

ولا نخال أننا نغالي إذا قلنا أن نمط العلاقة بين القانون الدستوري والقانون الإداري على النحو الذي حددناه، لا يخرج عن طبيعة علاقة القانون الدستوري بكافة فروع القانون الأخرى وبقسميه الخاص والعام على السواء. وما ذلك إلا لأن القانون الدستوري يحتل القمة في الهرم القانوني، وأنه بإعمال قواعد التدرج التي تضمن أن ترسي قواعد المشروعية، فإنه يجب على كل قاعدة قانونية أن تلتزم بأحكام ما يعلوها من قواعد قانونية، وأنه بذلك يكون للقواعد الدستورية – بحكم موقعها في القمة – صفة السيادة على كل القواعد القانونية في كل فروع القانون. ومن هنا أيضًا كانت الوثيقة الدستورية لا تحوي سوى المبادئ والأسس العامة، ثم تتولى باقي فروع القانون – كل فيما يخصه أو يهتم به – تنظيم الفروع والجزئيات، وبما لا يخرج على هذه المبادئ والأسس.

2. تمييز القانون الإداري عن علم الإدارة العامة

يمثل النشاط الإداري مجالاً مشتركاً لعمل كل من القانون الإداري وعلم الإدارة العامة. الأمر الذي يكون معه طبيعيًا، أن يكون بين القانون الإداري وعلم الإدارة العامة، تعاون وتداخل إلى درجة كبيرة. ورغم هذه الحقيقة فإن لكل من القانون الإداري، وعلم الإدارة العامة اهتماماته الخاصة به، وبما يكفل تمايز مجال كل منهما، ويؤكد الاستقلال بينهما. ولبيان هذه الأمور نرى تتعرف – في إيجاز – على علم الإدارة واهتماماته وموضوعاته الرئيسية.

نشأة علم الإدارة العامة

يمكن القول بأن علم الإدارة قد نشأ في أحضان المشروعات الخاصة، ثم انتقل إلى مجال المشروعات العامة. وكان الهدف وراء ظهور هذا العلم، الوصول بالمشروعات (الخاصة ثم العامة) إلى درجة عالية من الكفاءة. وصولاً إلى تحقيق الهدف، بأقل جهد وبأقل تكاليف وفي أقل وقت.

ولقد كانت أمريكا المهد الأول لعلم الإدارة، ومنها انتقل إلى فرنسا، ثم إلى بقية دول العالم.

وبسبب نشأة علم الإدارة في أحضان المشروعات الخاصة أولاً، ثم انتقاله إلى مجال المشروعات العامة، فقد وجدت أصول ومبادئ يطلق عليها علم الإدارة العامة إشارة إلى أن مجال دراستها وتطبيقها الإدارات العامة وفقط. كما وجدت أخرى سميت “علم الإدارة” فقط لتشمل الإدارة في مجال المشروعات الخاصة  والمشروعات العامة على حد سواء. ولقد شكلت هذه الجزئية صعوبة في تعريف “علم الإدارة” وهل هو علم واحد، أم علوم متعددة.

ثم تصادفنا في الفقه العربي صعوبة أخرى، مبعثها أن كلمة إدارة العربية، تستحيل ترجمة للفظتين أو ربيتين، هما كلمة management وكلمة administration. وبدت الصعوبة فيما يسوقه البعض من فوارق بين management وadministration. إذ لو صحت الفروق لوجب البحث عن مرادف عربي لكل منهما، وهو أمر غير محقق.

يضاف إلى ما سبق الاختلاف بين المفكرين في تكييف المبادئ والقواعد التي تنظم وتسير العملية الإدارية على ما أوضحنا، هل تشكل هذه المبادئ والقواعد علمًا، بمعنى أنها تخضع للقياس والتجربة والمشاهدة والاستنتاج، ويكون في المقدور تحصيلها واكتسابها. أم أنها فن مما يكون في العادة موهبة لا تكتسب، ولا تخضع للقياس ولا التجربة.

وبصرف النظر عن هذه الصعوبات والخلافات، والتي لا نرى التعرض لها، ذلك أن مجالها في دراسات الإدارة، فإن الذي لا خلاف عليه أن قواعد ومبادئ الإدارة، والمطبقة على المشروعات العامة، والمصطلح على تسميتها علم الإدارة العامة تجد مجالها في العملية الإدارية managerial process ذاتها، أنها المبادئ والقواعد التي تعمل على توجيه الجهود البشرية المشتركة، لتحقق الإدارة أهدافها بأقل جهد، وفي أقل وقت، وبأقل تكاليف وعلى أحسن وجه.

تقسيمات الإدارة

ورغم ما هو معروف من أن العملية الإدارية واقع لا يقبل التجزئة، فإنه تسهيلاً للدراسة، يجري العلماء على تقسيم هذه العملية إلى عمليات جزئية. ولم يتم الاتفاق بينهم على تقسيم معين. فمنهم من يرى أنها تضم عمليات خمس هي: التخطيط والتنظيم وإعداد الأفراد وتنميتهم والتوجيه ثم الرقابة. بينما يعتنق الكثيرون تقسيم العلامة لوثر جوليك، الذي قسم العملية الإدارية إلى عمليات سبع هي:

  1. Organizing التنظيم.
  2.  Planning التخطيط.
  3. Directing التوجيه.
  4.  Staffing التوظيف.
  5. Reporting التقرير.
  6.  Co-ordinating التنسيق.
  7. Budgeting التمويل.

ويرمزون إلى العمليات السبع  بكلمة Posdcorb. وهي كلمة تجمع الحروف الأولى من تسميات العمليات السبع المشار إليها.

وأيًا كان التقسيم، فإنها جميعًا تشير إلى أن علم الإدارة العامة، هو العلم الذي يهتم بالعملية الإدارية في الجهاز الإداري في الدولة، ولقد أفصح، الدكتور أحمد رشيد عن هذا المفهوم، حين جعل عنوان مؤلفه في علم الإدارة العامة نظرية الإدارة العامة – العملية الإدارية في الجهاز الإداري. وعلى هذا المفهوم تسير كل دراسات علم الإدارة العامة.

ومن زاوية أخرى تشير هذه التقسيمات إلى المجالات التي يهتم بها علم الإدارة العامة في النشاط الإداري. أنه علم يهتم بكيفية سير العملية الإدارية، وكيفية أدائها لنشاطها على وجه يحقق هدفها، بأقل جهد وبأقل تكاليف، وفي أقل زمن وعلى أفضل وجه. ويعبر عن ذلك كله بالعمليات التي يشير إليها العلماء، من مثل التخطيط والتنظيم والتوظيف والتوجيه والتنسيق.. وغير ذلك من العمليات الإدارية.

القانون الإداري والعملية الإدارية

مفهوم أن القانون الإداري – حسب الأصل – هو قانون الإدارة، بمعنى أنه القانون الذي ينظم النشاط الإداري في الدولة. ومن هنا فإن مجال أعمال القانون الإداري، هو النشاط الإداري. وهو بذاته مجال أعمال علم الإدارة العامة، على ما أوضحنا في الفقرة السابقة.

ورغم وحدة المجال الذي تعمل فيه كل من قواعد وأحكام ومبادئ القانون الإداري، وقواعد وأحكام ومبادئ علم الإدارة العامة، فإن نشاط كل منها يختلف عن الآخر جد الاختلاف، لقد رأينا قواعد مبادئ علم الإدارة تهتم بالعملية الإدارية في ذاتها، من حيث كيفية تنظيم وبقاء وتشكيل الجهاز الإداري، وكيفية سير العمل بهذا الجهاز على نسق يضمن تحقيق أهداف الجهاز الإداري في الدولة في حين نجد قواعد وأحكام ومبادئ القانون الإداري تعمل في ميدان مختلف تماما عن هذا الميدان، ذلك أن اهتمام القانون الإداري ينصب أصالة على القواعد القانونية والمبادئ العامة، التي تحكم أعمال الأجهزة الإدارية، وتحدد حقوق وواجبات السلطات الإدارية في مواجهة الجماعات والأفراد.

وتوضيحًا لما نرمي إليه، نسوق أمثلة توضح اختلاف مجال مبادئ وأحكام الإدارة العامة، عن مجال مبادئ وأحكام القانون الإداري، رغم أن المجالين يقعان جميعًا في نطاق النشاط الإداري للدولة. ففي مجال الوظيفة العامة، نجد علم الإدارة يهتم بتنظيم الموظفين وتوزيعهم على أقسام وإدارات ويحدد لكل إدارة عملها، وتنظيم وسائل وقنوات الاتصال بينها، بما يحقق التعاون المحقق في النهاية إلى تحقيق هدف المنظمة. كما يهتم علم الإدارة بتدريب الموظفين، وكيفية رفع كفاءتهم الشخصية، تمهيدًا أو تحقيقًا لرفع كفاءة أداء الجهاز الإداري في ذاته. في الجانب الآخر نداء للقانون الإداري ينظم موضوع الموظفين والوظيفة العامة، ولكن في مجال آخر. إنه يضع الشروط الواجب توافرها في الموظف، وكيفية تعيينه، وترقياته وعلاواته، ومستحقاته ومكافآته. ثم يتضمن نظام تأديبيًا معينًا، وقواعد تنظم إجازاته، وإنهاء علاقته الوظيفية وغير ذلك من الأمور الشبيهة.

الموظف العام والوظيفة العامة

وواضح تمامًا، أنه رغم أن موضوع الموظف العام والوظيفة العامة، هو محل اهتمام علم الإدارة العامة والقانون الإداري، فإن كل منهما قد اهتم بمجال يختلف عن المجال الذي اهتم به الآخر تمامًا وإلى حد قد يبدو معه، أن كل منهما يعمل في نطاق بعيد عن نطاق الآخر كل البعد وأوسعه.

وزيادة في الإيضاح نتعرض لموضوع القرار الإداري، وكيف يعالجه كل من القانون الإداري وعلم الإدارة العامة. أن للقرار الإداري في كل منها مفهوم مختلف عن الآخر. فالقانون الإداري ينظر إلى القرار الإداري، على أنه إفصاح الإدارة عن إرادتها الملزمة بما لها من سلطة بمقتضى القوانين واللوائح، وذلك بقصد إحداث مركز قانوني معيّن متى كان ممكنًا وجائزًا قانونًا، وكان الباعث عليه ابتغاء مصلحة عامة، ومن هنا يكون اهتمام القانون الإداري ببيان لأركان القرار الإداري، من شكل واختصاص وسبب ومحل وغاية، وكيف يكون القرار الإداري مشروعًا في جميع أركانه. فإذا انتقلنا إلى مجال الإدارة العامة نجدها لا تهتم بهذه الجوانب. وإنما القرار الإداري في نظرها هو اختيار حل أمثل من بين عدد من الحلول كلها مشروعة. وهو مجال مختلف تمامًا عن المجال الذي يهتم به القانون الإداري.

وهكذا نستطيع القول، بأن العلاقة بين القانون الإداري وعلم الإدارة العامة هي علاقة الارتباط، المتمثل في وحدة النطاق، الذي وجد فيه كل منهما مجال نشاط قواعده، وإعمال أحكامه ومبادئه، وهو نطاق النشاط الإداري في الدولة. ومن زاوية أخرى، فإنه رغم وحدة النطاق، فإن لكل منهما – داخل هذا النطاق – مجال مستقل، يعلن عن تميز قواعد كلا منهما، واستقلالها عن قواعد ومبادئ الآخر.

3. تمييز القانون الإداري عن القانون الخاص

يوجد القانون عادة لتنظيم روابط معينة، ومن هنا فإن للقانون الإداري روابط ينظمها، وللقانون الخاص روابط ينظمها. وتمثل هذه الجزئية الأولية مميزًا بين القانونين ويترتب على اختلاف الروابط نتيجة حتمية ومنطقية، تتمثل في اختلاف مماثل بين القواعد القانونية التي تنظمها. ومن زاوية أخرى، فإن من النظم القضائية، نظام القضاء المزدوج، والذي يخص روابط القانون الإداري، أو منازعات القانون الإداري لقضاء مستقل عن القضاء العادي. وتثير هذه الحالة مسألة مدى استعانة أو التزام القضاء الإداري بقواعد القانون الخاص. ثم مسألة التميز بين القضاء الإداري والقضاء المدني. وذلك باعتبار أن الأول هو المختص بتطبيق قواعد القانون الإداري، في حين يلتزم الأخير بتطبيق قواعد القانون الخاص. ونرى أن نستجلي هذه النقاط والمسائل في الفقرات التالية.

اختلاف روابط القانون الإداري في طبيعتها عن روابط القانون الخاص ونتائج ذلك

تهدف روابط القانون العام، والقانون الإداري أحد فروعه، إلى تحقيق المصلحة العامة. ومن هنا كانت للقواعد التي تنظم هذه الروابط سمات خاصة. إنها قواعد لا تسمح بالتوازن أو التعادل بين المصلحة العامة والمصلحة الفردية، وإنما تعلي المصلحة العامة، وتجعل لها الصدارة في الاعتبار. وعلى هذا الأساس، تتجه قواعد القانون الإداري أساسًا إلى تنظيم مراكز تنظيمية عامة، لا توازن ولا مساواة بين أطرافها. فإذا اتجهنا صوب روابط القانون الخاص، وجدناها تنتظم مصالح فردية خاصة، تقوم على قاعدة المساواة بين أطرافها. ومن هنا كان لإدارات هؤلاء الأطراف كامل السيادة، في ترتيب مراكزهم القانونية حسب ما تنعقد عليه إرادتهم في اتفاقيات أو تعاقدات.

وترتيبًا على هذا الاختلاف بين طبيعة الروابط، كانت كل قواعد القانون العام ومن بينها قواعد القانون الإداري، قواعد آمرة، إذ لا يجوز الاتفاق على تنظيم أو تعديل المراكز التنظيمية العامة باتفاق الإرادات. وفي الجانب الآخر كانت جل قواعد القانون الخاص قواعد تكميلية غير آمرة. الأمر الذي يجعل للأفراد حق تنظيم مراكزهم وروابطها على حسب إرادتهم، ولو لم يكن ذلك وفق أحكام هذه المبادئ.

وفي هذا المعنى تقرر المحكمة الإدارية العليا أن من المسلّم أن روابط القانون الخاص تختلف في طبيعتها عن روابط القانون العام، وأن قواعد القانون المدني قد وضعت لتحكم روابط القانون الخاص، وهو قول يفسره حكمها الذي جاء فيه أن قواعد القانون الخاص تهدف أساسًا إلى معالجة مصالح فردية خاصة على أساس التعادل بين أطرافها، ولذا كان لمشيئتهم واتفاقاتهم أثرها الحاسم في ترتيب المراكز القانونية وتعديلها، وكانت قواعد القانون الخاص – إلا ما يتعلق منها بالنظام العام – غير آمرة يجوز الاتفاق على ما يخالفها على حين أن قواعد القانون الإداري تهدف أساسًا إلى معالجة مراكز تنظيمية عامة لا تعادل في المصلحة بين أطرافها، المصلحة العامة فيها لا تتوازى مع المصلحة الفردية الخاصة، بل يجب أن تعلو عليها، ومن ثم تميز القانون الإداري بأن قواعده أساسًا قواعد آمرة.

القضاء الإداري وقواعد القانون الخاص

عندما تأخذ دولة ما بنظام القضاء المزدوج، فإن ذلك يعني أنها تقيم محاكم خاصة تنعقد لها ولاية الفصل في المنازعات الإدارية، يطلق عليها القضاء الإداري. وبديهي أن تطبق محاكم القضاء الإداري قواعد القانون الإداري. ولكن كيف يتصرف القاضي الإداري، إذا لم يجد نصًا في القانون الإداري يحكم المنازعة المطروحة عليه.

قد يتبادر إلى الذهن، أن الحل الأمثل أن يتجه القاضي الإداري صوب القانون الخاص ليبحث عن نص يحكم المنازعة. وقد يتصور الباحث أن هذا الاتجاه، اتجاه إجباري يلتزم القاضي الإداري به. ويتبلور التصور إذن في أنه على القاضي الإداري أن يبحث عن الحل في القانون الإداري، فإن لم يجد، فعليه من يتجه إلى القانون الخاص ليبحث فيه عن النص الذي يطبق على المنازعة.

ولكن هذا الحل غير سليم وغير صحيح. ذلك أن لروابط القانون العام سمات وطبيعة تمايز بينها وبين روابط القانون الخاص، على ما أوضحنا من قبل. ومن هنا فإن الانتقال صوب قواعد القانون الخاص لنطبق نصوصها في مجال روابط ومنازعات القانون العام، قول لا يجوز على إطلاقه، لأن قواعد القانون الخاص وضعت لتحكم روابط على أساس التعادل بين أطرافها. وهو الأمر غير المقبول، وغير الموجود أيضًا، في مجال روابط القانون العام.

ولقد كان حكم محكمة التنازع الفرنسية الصادر في 8 فبراير سنة 1873، في قضية السيد بلانكو Blanco من أوائل الأحكام التي أشارت إلى مثل هذا التمايز، إذ جاء فيه أن مسئولية الدولة عن أعمالها التي تنزل بالأفراد أضرارًا، لا يمكن أن تحكمها قواعد القانون المدني، والتي وضعت أصلاً لحكم الروابط التي تقوم بين الأفراد وعلى أساس التعادل والمساواة بينهم، وبالكلمات الفرنسية:

“considérant que la responsabilité, qui peut incomber à l’Etat pour les dommages causes sux particuliers par le fait des personnes qu’il emploie dans le service public, ne peut être régie par les principes qui sont établis dans le code civil, pour les rapports de particulier à particulier”.

حرية القاضي الإداري

على أنه لا ينبغي أن يكون مفهوم ذلك، أنه من المحظور على القاضي الإداري، أن يبحث في القانون الخاص عن قاعدة تحكم المطروح عليه من منازعات، لا يوجد في نصوص القانون الإداري قواعد تحكمها. ذلك أنه إذا افتقد القاضي الإداري النص في القانون الإداري، فإن له أن يبحث عن حل للمنازعة المطروحة عليه في أي مصدر من مصادر القاعدة القانونية، ومن بينها قواعد القانون الخاص. ومن هنا فإن مفهوم ما أوجزناه، أنه وإن كان للقاضي الإداري أن يلجأ للقانون الخاص يستلهم قواعده وأحكامه، فإنه غير ملتزم بذلك. ثم أنه إذا اتجه صوب قواعد القانون الخاص – بإرادته ودون التزام عليه بذلك – ورأى أن يستند إلى بعض نصوصه وأحكامه، فإنه لا يلتزم بتطبيقها على ما هي عليه، ولا بذات قواعد تطبيقها في مجال روابط القانون الخاص، وإنما له أن يعطيها مفهومًا يتفق وطبيعة الرابطة التي يطبقها عليها.

وهكذا نستطيع بلورة هذا المسلك في أن القاضي الإداري غير ملتزم أصلاً بتطبيق قواعد القانون الخاص. فإن اختار تطبيقها فإن له أن يطبقها على طبيعتها. وله أن يحور في مفهومها وأن يطورها بما يتلاءم وطبيعة المنازعة التي يطبقها بشأنها.

ولقد بلورت المحكمة الإدارية العليا هذا الاتجاه بقولها أن القضاء الإداري لا يلتزم بتطبيق القواعد المدنية، حتما، وكما هي وإنما تكون له حريته واستقلاله في ابتداع الحلول المناسبة للروابط القانونية التي تنشأ في مجال القانون العام بين الإدارة في قيامها على المرافق العامة، وبين الأفراد، فله أن يطبق من القواعد المدنية ما يتلاءم معها، وله أن يطرحها إن كانت غير ملائمة معها، وله أن يطورها بما يحقق هذا التلاؤم. وهو ذات الاتجاه الذي عبر عنه حكمها الذي قررت فيه أنه لا يلتزم القضاء الإداري بتطبيق القواعد المدنية حتمًا وكما هي. وإن كان له أن يقتبس من تلك القواعد ما يتلاءم مع طبيعة روابط القانون العام. كما له أن ينسقها ويطورها وفقًا لاحتياجات سير المرافق، والتوفيق بين ذلك وبين حقوق الأفراد.

التطبيق على القواعد الموضوعية والإجرائية

ولا يقف تطبيق هذه المبادئ والقواعد عند حد أحكام القانون الخاص الموضوعية، بل تمتد كذلك إلى القواعد الإجرائية. بمعنى أن القضاء الإداري لا يلتزم باتباع أحكام وقواعد المرافعات المدنية والتجارية إلا إذا خلى القانون الإداري من نص يحكم الإجراء المعروض، وأنه إذ تحقق خلو القانون الإداري من مثل هذا النص فإن للقاضي الإداري أن يطبق نصوص قانون المرافعات المدنية والتجارية، وله أن لا يطبقها. فإن اختار التطبيق فإن له أن يطبقها كما هي وله كذلك أن يطورها ليتلاءم وطبيعة المنازعة الإدارية. وفي تأجيل هذه القواعد تقرر المحكمة الإدارية العليا في قضاء مستتر “… فإن ذلك يقتضي كأصل عام عدم الأخذ بإجراءات قانون المرافعات المدنية والتجارية أو أحكامه أمام القضاء الإداري إلا فيما لم يرد فيه نص خاص في قانون مجلس الدولة وبالقدر الذي لا يتعارض نصًا وروحًا مع نظام مجلس الدولة وأوضاعه الخاصة به.

فإذا ما استعان القاضي الإداري ببعض نصوص أو قواعد القانون الخاص، فإن النص، وقد ألبسه القاضي الإداري المعنى الذي يتلاءم وعلاقات القانون العام، يصبح في حكم نصوص القانون الإداري. ذلك أنه ولن كان في الأصل ضمن مجموعة نصوص القانون الخاص، فإنه بتطبيقه في مجال علاقات القانون العام، يصحب وكأنه نص في القانون الإداري، وتطبق عليه نظريات وقواعد إعمال وتفسير وتطبيق كافة قواعد القانون الإداري.

ويترتب على ذلك أن يصبح لفقه القضاء الإداري استقلاله الذاتي ونظرياته التي تميّز بها عن فقه القانون المدني. وهو أمر مسلم به في البلاد التي تعتنق نظام القضاء المزدوج.

تميز القضاء الإداري عن القضاء المدني

ويعلل موقف القضاء الإداري من قواعد القانون الخاص، على ما شرحنا في الفقرة السابقة، يتميز القضاء الإداري عن القضاء المدني. فالقضاء المدني قضاء تطبيقي بصفة أساسية. بمعنى أنه قضاء يقوم على تطبيق القواعد القانونية الموضوعة من قبل. ويرسم له المشرع مصادر القاعدة القانونية ويرتبها. ويلتزم القاضي المدني بذلك، ولا يحيد عنه.

فإذا كنا في مجال القضاء الإداري، فإننا لا نستطيع أن نصفه بأنه قضاء تطبيقي. فللقاضي الإداري حرية واستقلال في ابتداع الحلول المناسبة للروابط القانونية التي تنشأ في مجال القانون الإداري. وللقاضي الإداري – طبقاً لهذه القاعدة – أن يطبق من قواعد القانون الخاص ما يتلاءم مع طبيعة هذه الروابط. كما أن له أن يحورها ويطورها بما يحقق هذا التلاؤم. فضلاً عن أن له أن يطرحها تمامًا وأن يبحث عن الحل في أي نظام قانوني، أو أن يبتدعه ابتداعًا. ومن هنا كان وصف القضاء الإداري بأنه قضائي “إنشائي” بمعنى أنه قضاء له مكنات خلق القاعدة القانونية وابتداعها.

ومن هذا المنطلق فإنه إذا ما طبق القضاء الإداري قاعدة من قواعد القانون الخاص، فإنه – حتى لو طبقها كما هي – يكون بمثابة من ابتدع حلاً للمنازعة المطروحة الأمر الذي يصبغ القاعدة المطبقة بصبغة القانون العام وسماته.

وفي ذلك تقول المحكمة الإدارية العليا ويتميز القضاء الإداري عن القضاء المدني في أنه ليس مجرد قضاء تطبيقي، مهمته تطبيق نصوص مقننة مقدما، بل هو على الأغلب قضاء إنشائي، لا مندوحة له من خلق الحل المناسب، وبهذا أرسى القواعد لنظام قانون قائم بذاته، ينبثق من طبيعة روابط القانون العام، واحتياجات المرافق ومقتضيات حسن سيرها، وإيجاد مركز التوازن والمواءمة بين ذلك وبين المصالح الفردية.

الخلاصة

تعريف القانون الإداري

القانون الإدارى هو أحد فروع القانون العام الداخلي. وهو يتضمن مجموعة القواعد التي تتصل بالإدارة العامة من حيث تنظيمها وأنشطتها المختلفة والمنازعات الناجمة عن ممارسة هذه الأنشطة.

فهو قانون الإدارة العامة، ومن ثم يخرج من مجاله القواعد التي تنظم كيفية إدارة الأعمال والمشروعات الخاصة. غير أن القانون الإداري بالمعنى الضيق لا يحكم كل أنشطة الإدارة العامة.

فحيث يكون النشاط الإداري مشابهًا في طبيعته ومضمونه لنشاط الأفراد – كما هو الحال بالنسبة لإدارة الدولة لأموالها الخاصة – لا تظهر الحاجة إلى تطبيق القانون الإداري وإنما يخضع مثل هذا النشاط لقواعد القانون الخاص، ومعنى ذلك أن القانون الإداري لا يطبق سوى على الأنشطة التي تباشرها الإدارة بوصفها سلطة عامة مستخدمة في ذلك أساليب القانون العام.

ويهتم القانون الإدارى بدراسة الإدارة العامة بوصفها: تنظيم ونشاط. أي أنه يغطي الإدارة بمعنييها العضوي والوظيفي.

ويُقصد بالإدارة في معناها العضوي أو الشكلي مجموعة الأجهزة أو المنظمات الإدارية التي تضطلع بالقيام بأعمال الدولة بصرف النظر عن النشاط الذي تباشره تلك الأجهزة.

ويندرج تحت هذا المعنى:

  1. السلطات المركزية المرفقية
  2. السلطات اللامركزية المرفقية

أما الإدارة بالمعنى الوظيفي أو المادي فيُقصد بها مجموعة الأنشطة التي تباشرها الأجهزة الإدارية.

خصائص القانون الإداري

القانون الإدارى له خصائصه التي تميزه عن غيره من فروع القانون الأخرى.

ومن أهم خصائص القانون الإداري أنه:

  1. قانون مطبوع بطابع السلطة العامة
  2. قانون حديث المولد
  3. قانون قضائي
  4. قانون غير مقنن
  5. قانون مرن وسريع التطور
  6. استقلالية وأصالة القانون

1. قانون غير مقنن

القانون الإدارى لم يُقنن حتى الآن. بمعنى أنه لا يوجد مجموعة تشريعية واحدة تحتوي على كافة النظريات والمبادئ والقواعد الرئيسية لهذا القانون. ولا يغير من ذلك وجود بعض التقنينات الجزئية مثل قانون الوظيفة العامة وقانون الإدارة المحلية وقانون الهيئات العامة.. إلخ.

والواقع أن عدم تقنين القانون الإدارى هو أمر فرضته الطبيعة المرنة والمتطورة لنشاط الإدارة الذي يتأثر بمختلف الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتنوعها من وقت لآخر، ومن هنا فإن التقينين الكامل بما يتميز به من ثبات نسبي قد يقف عائقًا نحو التطور المستمر والمطلوب لقواعد وأحكام القانون الإداري.

2. قانون قضائي

يتميز القانون الإدارى أيضًا بأنه قانون قضائي. فمعظم النظريات والمبادئ الرئيسية التي يتضمنها هذا القانون هي في الواقع من صنع واكتشاف القضاء.

ومعنى ذلك أن دور القاضي الإداري لا يقف عند حد تفسير النصوص وتحديد ضوابطها، كما هو الحال في مختلف فروع القانون الأخرى، وإنما يذهب إلى ابعد من ذلك عن طريق ابتكار وخلق المبادئ التي يجدها أكثر ملائمة للمنازعة المعروضة أمامه حتى ولو كانت هذه المبادئ لا تستند إلى نص تشريعي، لذلك يتحلى القضاء في مجال القانون الإداري بمكانة أكثر أهمية من تلك التي يحظى بها المشرع حيث يقتصر دور الأخير في الغالب على تسجيل النظريات والمبادئ القضائية وصياغتها في نصوص تشريعية.

واجتهاد القاضي الإداري في صياغة المبادئ القانونية التي تتلائم مع مقتضيات النشاط الإداري وحسن سير المرافق العامة لا يقتصر في الواقع على الحالات التي لا يوجد فيها نصوص قانونية. إذ من المعروف أن هذه النصوص تتسم بالعمومية والتجريد ولا تضع حلولا لكافة المسائل والمشكلات التي تثور في الحياة الإدارية. فلذلك فإن القاضي الإداري يتمتع بمناسبة تفسير النصوص بقسط كبير من الحرية في سبيل التوصل إلى المبادئ المناسبة لطبيعة المنازعات الإدارية على نحو يكفل تحقيق التوازن بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة.

موضوعات القانون الإداري

يمكن رد الموضوعات التي يتناولها القانون الإداري إلى ثلاث موضوعات رئيسية هي:

  1. التنظيم الإداري (بالفرنسية: Organization Administrative)
  2. النشاط الإداري (بالفرنسية: Activate Administrative)
  3. المنازعات الإدارية أو القضاء الإداري (بالفرنسية: Contentieux Adminisratif)

والموضوع الأخير يخرج عن مجال دراستنا في هذا الكتاب حيث تتناوله مؤلفات القضاء الإداري. وإذا كان شُراح القانون الإداري يعطون أهمية متزايدة لتنظيم الإدارة فإن ذلك يرجع إلى أن هذا التنظيم هو الذي يمثل الأساس أو الأرض التي يعمل بها الجانب الموضوعي المتعلق بالنشاط الإداري. ولا شك في أن تطورًا هامًا قد طرأ منذ أوائل هذا القرن علی النشاط الذي تقوم به الإدارة.

فقديمًا كانت وظيفة الدولة تنحصر في حفظ الأمن الداخلي وتوفير مرافق الدفاع والقضاء. أما إشباع رغبات وحاجات الأفراد فكان متروكا للنشاط الفردي ولم تكن الدولة تتدخل إلا في أضيق الحدود وبالقدر اللازم لتنظيم هذا النشاط ورقابته بما يضمن تمتع الأفراد بحقوقهم وحرياتهم المشروعة. غير أن هذه الفلسفة قد تغيرت نتيجة التطور الحياة وتعاقب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الأمر الذي يدفع الدولة إلى التدخل للإشراف على المشروعات ذات النفع العام ومد يد المساعدة لها بقصد تحقيق المصلحة العامة كما قلت بنفسها بمباشرة الأنشطة التي عجزت المشروعات الخدمة عن الوفاء بها، وهكذا وجدت الدولة الحديثة نفسها مطالبة بالتدخل في الكثير من الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية التي كانت متروكة فيما مضي للمبادرة الفردية وبذلك تجاوز القانون الإداري نطاقه التقليدي، المتمثل في المرافق الإدارية، ليشمل المرافق الاقتصادية بل والنقابات المهنية.

العنصر البشري والإمكانيات

ولكي تتمكن الإدارة من مباشرة أنشتطها المتعددة فإنها تحتاج في المقام الأول إلى العنصر البشري، ذلك العنصر الذي يتوقف عليه نجاح الإدارة في تحقيق أهدافها، إذا كلما توافرت الكفاءة والنزاهة في الموظف العام كلما استطاعت المرافق والهيئات العامة أن تسير سيرا منتظما وتؤدي خدماتها على النحر اللائق، كما يجب أن يتوافر للإدارة القدر الكافي من الامكانيات المادية وعلى راسها الأموال العامة المخصصة للنفع العام، والتي يمكن ايضا استغلالها بما لا يتعارض مع هذا التخصيص.

وإلى جانب العناصر البشرية والمادية فإنه من اللازم أن يتوافر للإدارة الوسائل والأساليب القانونية اللازمة لمباشرة أنشطتها المختلفة ومن هنا كان الترخيص للإدارة أن تصدر، بإرادتها المنفردة، القرارات الإدارية الملزمة وان تبرم مع الغير ما قد يقتضيه القيام بنشاطها من عقود تنطوي على شروط استثنائية غير مألوفة.

والإدارة، وهي المنوط بها تحقيق الصالح العام وتسيير المرافق العامة، لا يمكن أن تعامل معاملة الأفراد أو تقف معهم على قدم المساواة لذلك جاءت قواعد القانون الإداري في شق كبير منها، خارقة لقواعد الشريعة العامة، حيث تتمتع الإدارة بقدر كبير من الامتيازات والسلطات لا مثيل لها في القانون الخاص، الأمر الذي يجعلها تظهر غالبا کطرف قوي في علاقتها القانونية.

ومن أهم هذه الامتيازات والسلطات وما تتمتع به الإدارة، في كثير من الحالات، من حرية تقدير الوقائع والظروف التي تبرر قيامها بالتصرف وحرية تحديد الوقت التي تعمل فيه، كذلك للإدارة حتى ملكية العقارات للمنفعة العامة أو الاستيلاء عليها مؤقتا وهو ما لا يمكن الاعتراف به لفرد في مواجهة فرد آخر في نطاق القانون الخاص.

وللإدارة ايضًا امتياز التنفيذ المباشر أي حقها في تنفيذ قراراتها جبرًا في مواجهة الأفراد دون الالتجاء المسبق إلى القضاء، في حين أن الأفراد مهما كانت حقوقهم ثابته ومؤكدة لا يستطيعون الحصول عليها بالقوة إذا ما نازعهم فيها آخرون وإنما عليهم الاحتكام إلى القضاء ليفصل في النزاع بحكم واجب النفاذ.

وسوف نقتصر في هذا المؤلف على دراسة التنظيم الإداري.

التنظيم الإداري

يشكل تنظيم الإدارة العامة موضوعًا رئيسيًا من موضوعات القانون الإداري، بل نستطيع أن نقول، دون مغالاة، أنه أهم هذه الموضوعات على الإطلاق، إذ لا يتصور منطقًا إمكانية مباشرة الإدارة لنشاط ما إلا إذا سبق ذلك وضع أو بناء هيكلها التنظيمي، كما أن نجاح الإدارة في تحقيق أهدافها المتعلقة بالصالح العام واداء الخدمات المرفقية يتوقف، إلى درجة كبيرة، على حسن تنظيم الأجهزة الإدارية التي تعتمد عليها في إنجاز هذه الأهداف، فلا يكفي أن تمتلك الدولة قدرا هائلا من الطاقات المادية والبشرية لكي تصل إلى درجة عالية من التقدم والرقي وإنما الأهم هو معرفة كيفية تنظيم هذه الطاقات بما يتلائم مع الأوضاع السادة ويفي باحتياجات الوزارات والمصالح المختلفة.

والتنظيم الإداري لا يمكن أن يتصف بالثبات والاستقرار فهو بطبيعته يحتاج إلى مراجعة مستمرة لكي يستجيب لتطورات الحياة، ومن ثم لا تقف عمليات التنظيم عند مرحلة الإنشاء فقط بل تجاوزها إلى مرحلة التجديد المستمر كلما دعت الحاجة إليها في ضوء جميع العوامل المؤثرة سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، ويستتبع ذلك أنه إذا ثبت عملا أن سبب عجز الجهاز الإداري عن القيام بوظائفه يرجع إلى خطأ في التنظيم او نتيجة لظهور عوامل جديدة لم تكن متوقعة، وجب إعادة النظر في عملية التنظيم في ضوء هذه العوامل.

من هنا ظهرت أهمية العناية بتنظيم الجهاز الإداري للدولة ضمانًا لأدائه لوظائفه على الوجه الأمثل. وأصبحت الدراسات المتعلقة بهذا التنظيم تمثل محور اهتمام الباحثين سواء في مجال الإدارة العامة أو في مجال علم القانون الإداري.

القانون الإداري والإدارة العامة

ففي مجال علم الإدارة العامة، كفرع من العلوم الإدارية، ينصب البحث على دراسة الجوانب الفنية والعملية المتصلة بتنظيم الجهاز الإداري بقصد قياس مدى كفاءة العناصر البشرية والمادية لإنجاز الأعمال الإدارية المطلوبة والعمل على التنسيق بين أنشطة الوحدات المختلفة التي يتألف منها هذا الجهاز. أما في مجال القانون الإداري، فيدور البحث أساسًا حول النواحي القانونية للتنظيم الإداري، من حيث الأساليب المتعلقة بهذا التنظيم (المركزية واللامركزية) وتركيبه الهيكلي والقوات الخاصة بسير وتنظيم المرافق والوحدات الإقليمية وعلاقتها بالحكومة المركزية وأسلوب وكيفية ممارسة كل منها لاختصاصاتها.

ولا شك أن الدراسة التأصيلية المتكاملة لتنظيم الإدارة العامة تقضي الجمع بين الجانبين الفني والقانوني وذلك حتى يمكن رسم صورة حقيقية للأنظمة الإدارية بما يساعد على معرفة أوجه الخلل وتحديد رسائل الإصلاح ولكن مع إيماننا العميق بجدوى وضرورة المزج بين المسائل القانونية والفنية عند دراسة التنظيم الإداري إلا أننا سوف نولي اهتمامًا أكبر للجوانب القانونية لهذا التنظيم وذلك باعتبار أن دراستنا تتم في إطار القانون الإداري وهو، رغم صلته الوثيقة بعلم الإدارة العامة، لا يزال له ذاتيته الخاصة ومنهجه المتميز.

الشخصية المعنوية

وبيان الأصول أو الأسس التي تحكم التنظيم الإداري لدولة ما يفرض علينا أن نحدد في البداية طبيعة الأشخاص الإدارية التي يقوم عليه هذا التنظيم. وهو ما يدفعنا إلى دراسة نظرية الشخصية المعنوية.

فإذا انتهينا من دراسة الأشخاص المعنوية العامة، بوصفها الركيزة الأساسية التي يقوم عليها التنظيم الإداري، فإن بحثنا سوف ينصب بعد ذلك على تحديد القواعد والمبادئ المتصلة بأساليب التنظيم الإداري والتي تتمثل، بصورة إجمالية، في أسلوبين أو نظامين متقابلين:

  1. الأسلوب المركزي
  2. الأسلوب اللامركزي

حيث يستلزم الأخد بأولهما حصر كافة مظاهرة الوظيفة الإدارية في أيدي السلطات المركزية. في حين يتطلب اعتناق ثانيهما توزيع المظاهر المختلفة لممارسة الوظيفة الإدارية فيما بين السلطات المركزية ووحدات إقليمية مرفقية مستقلة.

ولكي تكتمل الفائدة من دراستنا للتنظيم الإداري فإنه من الضروري أن نتعرض في النهاية للجانب التطبيقي لهذا التنظيم وذلك من خلال استعراض ملامح التنظيم الإداري في جمهورية مصر العربية.

وفي ضوء ما تقدم نقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول على النحو التالي:

  • الفصل الأول: نظرية الشخصية المعنوية
  • الفصل الثاني: أساليب التنظيم الإداري
  • والفصل الثالث: التنظيم الإداري في جمهورية مصر العربية

المراجع

  • كتاب القانون الإداري، الأستاذ الدكتور محمد الشافعي أبو راس، أستاذ القانون العام، أول عميد لكلية الحقوق، جامعة بنها.
  • كتاب القانون الإداري، التنظيم الإداري – الموظف العام. الأستاذ الدكتور محمد أبو السعود حبيب. رئيس قسم القانون العام سابقًا. كلية الحقوق، جامعة عين شمس.