شركة التوصية بالأسهم – الشركات المختلطة

الشركات المختلطة

يُقصد بالشركات المختلطة تلك الطائفة من الشركات التي تجمع بين خصائص شركات الأموال وشركات الأشخاص نظرًا لقيامها على الاعتبار المالي والاعتبار الشخصي في آن واحد. وهي تشمل على ما سبق أن رأينا شركات التوصية بالأسهم والشركات ذات المسئولية المحدودة. ومن ثم نقسّم دراستنا في هذا الباب إلى فصلين نخصص الأول لشركة التوصية بالأسهم. والثاني للشركة ذات المسئولية المحدودة.

شركة التوصية بالأسهم

تعرّف المادة 149 من نظام الشركات السعودي شركة التوصية بالأسهم بأنها “الشركة التي تتكوّن من فريقين. فريق يضم على الأقل شريكاً متضامنًا مسئولاً في جميع أمواله عن ديون الشركة. وفريق آخر يضم شركاء مساهمين لا يقل عددهم عن أربعة ولا يُسألون عن ديون الشركة إلا بقدر حصصهم في رأس المال”.

فشركة التوصية بالأسهم تشبه شركة التوصية البسيطة من حيث أنها تضم فريقين من الشركاء مختلفين في مركزهما القانوني: شركاء متضامنين يتوافر بالنسبة لهم الاعتبار الشخصي، ومن ثم تكون حصصهم غير قابلة للتداول ويُسألون مسئولية شخصية وتضامنية عن ديون الشركة ويتولون وحدهم إدارة الشركة ويكتسبون صفة التاجر ولو لم تكن لهم هذه الصفة قبل دخولهم في الشركة، وشركاء مُوصين تتحدد مسئوليتهم عن ديون الشركة بمقدار حصصهم في رأس المال ولا يكتسبون صفة التاجر بسبب انضمامهم للشركة ولا يجوز لهم التدخل في الإدارة، ولا يختلف مركزهم عن الشركاء الموصين في شركة التوصية البسيطة إلا من حيث أن شخصياتهم ليست محل اعتبار في الشركة، ومن ثم فإن حصصهم في رأس مال الشركة بأسهم قابلة للتداول بالطرق التجارية. وعليه فإن شركة التوصية بالأسهم لا تعدو أن تكون شركة تضامن بالنسبة للشركاء المتضامنين وشركة مساهمة بالنسبة للشركاء الموصين.

انتشار شركات التوصية بالأسهم

ولقد انتشرت شركة التوصية بالأسهم على نطاق واسع خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر حيث شهدت بعض الدول خلال هذه الفترة ما يعرف بـ “حمّى شركات التوصية بالأسهم”. وذلك نظرًا لأن تأسيس هذه الشركات على خلاف تأسيس شركات المساهمة لم يكن يقتضي الحصول على ترخيص حكومي.

غير أن شركة التوصية بالأسهم بدأت تفقد مكانتها وأهميتها على أثر إجازة من التشريعات تأسيس شركات مساهمة بغير حاجة إلى ترخيص حكومي. وتكاد شركة التوصية بالأسهم تختفي اليوم تمامًا من واقع الكثير من الدول نتيجة لظهور وشيوع الشركة ذات المسئولية المحدودة.

وضع الشركة في نظام الشركات السعودية

ولما كان نظام الشركات في المملكة لايزال يستلزم لتأسيس شركات المساهمة الحصول على ترخيص حكومي على التفصيل السابق دراسته سواء كان التأسيس فوريًا أو متتابعًا، وشركات التوصية بالأسهم تمتاز بحرية التأسيس، فقد يقال إن هذه المزية كفيلة وحدها بتبرير الإبقاء على شركات التوصية بالأسهم إلى جانب شركات المساهمة، غير أنه لما كنا نطالب بتبسيط إجراءات تأسيس شركات المساهمة خاصة بإعفاء شركات المساهمة التي لا تطرح أسهمها للاكتتاب العام ويقوم فيها المؤسسون بالاكتتاب في جميع الأسهم من قيد الحصول على الترخيص الحكومي، فإن من شأن هذا الاقتراح لو أُخذ به في المستقبل أن يجعل الإبقاء في التشريع السعودي على شكل شركة التوصية بالأسهم غير ذي فائدة.

وسوف نتناول دراسة شركة التوصية بالأسهم في مباحث ثلاثة، نخصص الأول لتأسيسها والثاني لنشاطها والثالث لانقضائها.

تأسيس شركة التوصية بالأسهم

طبقًا لحكم المادة 155 من نظام الشركات السعودي يخضع تأسيس شركة التوصية بالأسهم لجميع أحكام تأسيس شركة المساهمة وشهرها باستثناء الأحكام الواردة في المادة ٥٢ الخاصة بالمرسوم الملكي المرخص بتأسيس شركة المساهمة ولو طرحت جزءًا من أسهمها للاكتتاب العام.

ويبرر البعض عادة إعفاء شركة التوصية بالأسهم من الخضوع لمبدأ الرقابة على التأسيس ولو كانت تطرح أسهمها للجمهور بالمسئولية المطلقة للشريك أو الشركاء المتضامنين في أموالهم الخاصة عن ديون الشركة. فهذه المسئولية تعتبر ضمانًا كافيًا لجديّة الشركة ولحقوق المساهمين والغير. غير أن هذا يعتبر إسرافًا في حسن الظن. إذ قد يتخذ البعض من ذلك وسيلة للاحتيال على صغار المدخرين، وذلك عن طريق تأسيس شركة توصية بالأسهم يكون الشركاء المتضامنون فيها من الأشخاص المعسرين يطرحون أسهمها للاكتتاب العام بغية ابتزاز أموال الناس بالباطل. صحيح أن تطبيق قواعد شركات المساهمة على شركات التوصية بالأسهم خاصة فيما يتعلق بكيفية الاكتتاب وتدخّل البنوك وإيداع المبالغ المحصّلة وقيود تداول أسهم المؤسسين قد قلّل من احتمالات الضرر الذي يلحق بالمكتتبين، إلا أن ذلك لا يعادل الرقابة التي تباشرها الحكومة قبل الترخيص بإنشاء الشركة.

وتتكون شركة التوصية بالأسهم من شريك متضامن على الأقل ومن شركاء موصين مساهمين لا يقل عددهم عن أربعة (مادة 149). ويوقع عقد الشركة ونظامها جميع الشركاء المتضامنين وغيرهم من المؤسسين. ويبيّن نظام الشركة أسماء الشركاء المتضامنين. ويجب أن يكون نظام الشركة مطابقًا لأنموذج شركة التوصية بالأسهم الصادر بقرار من وزير التجارة السعودي (مادة 151).

رأس مال الشركة

ويجب ألا يقل رأس مال الشركة عن مليون ريال سعودي. ولا يقل المدفوع فيه عند التأسيس عن النصف (مادة 1/150). كما يجب أن يقسّم رأس مال الشركة إلى أسهم متساوية القيمة قابلة للتداول وغير قابلة للتجزئة ولا تقل قيمة السهم الإسمية عن خمسين ريالاً سعوديًا. وتسري على هذه الأسهم طبقًا لنص المادة 155 كافة أحكام أسهم شركات المساهمة والحقوق والالتزامات الخاصة بها.

غير أنه يلاحظ أن أنصبة الشركاء المتضامنين ولو أنها تتخذ شكل الأسهم حسبما تقضي به المادة 150 من نظام الشركات – حيث أن هذه المادة لم تفرّق بين أنصبة الشركاء المتضامنين وأنصبة الشركاء الموصين المساهمين – إلا أن هذه الأسهم تخضع لحكم الحصص في شركة التضامن وذلك تطبيقًا لنص المادة 154 من نظام الشركات الذي يقضي صراحة بأن “تسري على الشركاء المتضامنين في شركة التوصية بالأسهم نفس الأحكام التي تسري على الشركاء المتضامنين في شركة التضامن).

والراجح أن شركة التوصية بالأسهم لا تستطيع، في ظل نصوص نظام الشركات السعودي الحالي أن تصدر حصص تأسيس كما هو الحال في شركات المساهمة، حيث أن المادة 155 من نظام الشركات والتي قررت سريان بعض أحكام شركة المساهمة على شركة التوصية بالأسهم لم تتضمّن أية إشارة إليها.

نشاط شركة التوصية بالأسهم

عنوان الشركة

لشركة التوصية بالأسهم عنوان يتألف من اسم واحد أو أكثر من الشركاء المتضامنين وحدهم. وإذا دخل في عنوان الشركة اسم واحد من الشركاء الموصين المساهمين كان مسئولاً بالتضامن قِبل الغير عن ديون الشركة.

إدارة الشركة

خصص نظام الشركات السعودي الشركاء المتضامنين بإدارة شركة التوصية البسيطة. أما الشركاء المساهمون فتقتصر مشاركتهم على أعمال الإدارة الداخلية. وذلك عن طريق مجلس الرقابة والجمعية العامة.

المديرون

تقضي المادة 152 من نظام الشركات بأن “يدير شركة التوصية بالأسهم شريك متضامن أو أكثر. وتسري على سلطتهم ومسئوليتهم وعزلهم أحكام المديرين في شركة التضامن”، ولما كانت المادة 151 تستلزم أن يبيّن في نظام الشركاء من عُيّن من الشركاء المتضامنين مديرين للشركة، فإن المدير أو المديرين في شركة التوصية بالأسهم لا يكونون إلا شركاء متضامنين ومديرين اتفاقيين أو نظاميين. وهذا الحكم يتعلق بالنظام العام. ومن ثم فلا يجوز أن يعهد بإدارة هذه الشركة إلى الشركاء المساهمين أو الغير.

ويترتب على ذلك أن مدير شركة التوصية بالأسهم لا يمكن عزله إلا بتعديل نظام الشركة لأن تعيينه يعتبر عنصرًا من عناصر النظام نفسه، ولما كان تعديل نظام الشركة لا يتم إلا بموافقة جميع الشركاء المتضامنين ما لم ينص نظام الشركة بغير ذلك (مادة 3/155)، فإن المدير يكون غير قابل للعزل إلا بحكم من القضاء متى توفّر المسوغ المشروع. ويترتّب على الحكم بالعزل انقضاء الشركة. وتعتبر عدم قابلية المدير للعزل أكبر ميزة لشركة التوصية بالأسهم على شركة المساهمة حيث يجوز عزل المدير دائمًا.

وفيما عدا ذلك تسري على مديري الشركة التوصية بالأسهم كافة أحكام مجلس إدارة شركة المساهمة سواء من حيث السلطات أو المسئولية. (مادة 4/155).

مجلس الرقابة

يتألف مجلس الرقابة من ثلاثة شركاء مساهمين على الأقل تعيّنهم الجمعية العامة للمساهمين فور التأسيس. ولا يكون للشركاء المتضامنين رأي في هذا التعيين (مادة 153). ويتولى هذا المجلس مهمة الرقابة على أعمال المديرين نيابة عن الشركاء المساهمين. ومن ثم يكون له أن يفحص دفاتر الشركة ووثائقها وأن يقوم بجرد الصندوق والأوراق المالية والوثائق المثبتة لحقوق الشركة والبضائع الموجودة لديها، وأن يبدي الرأي في الأمور التي يعرضها عليه مدير الشركة وفي التصرفات التي يعلق نظام الشركة مباشرتها على إذن سابق منه (مادة 2/153).

ويقدم مجلس الرقابة إلى الجمعية العامة للمساهمين في نهاية كل سنة مالية تقريرًا عن نتائج رقابته على أعمال الشركة، وله أن يدعو الجمعية العامة للانعقاد إذا تبيّن وقوع مخالفة جسيمة في إدارة الشركة، ولا يُسأل أعضاء مجلس الرقابة عن أعمال المديرين أو نتائجها إلا إذا علموا بما وقع من أخطاء وأهملوا إخطار الجمعية العامة بها (مادة 4/153).

الجمعية العامة للمساهمين

لشركة التوصية بالأسهم جمعية عامة تضم جميع الشركاء المساهمين. ويسري على هذه الجمعية الأحكام الخاصة بجمعيات المساهمين في شركات المساهمة. وتنعقد هذه الجمعية مرة على الأقل في السنة وذلك لمناقشة التقارير المقدمة من المديرين ومراقبي الحسابات ومجلس الرقابة وتصادق على الميزانية وحساب الأرباح والخسائر، كما تملك حق عزل أعضاء مجلس الرقابة وكذلك حق تعيين وعزل مراقبي الحسابات طبقًا للأحكام المقررة في شركات المساهمة، غير أن الجمعية العامة في شركة التوصية بالأسهم لا تملك حق عزل المديرين كما لا يجوز لها أن تصادق على تصرفات تتصل بعلاقات الشركة بالغير أو أن تعدل نظام الشركة إلا بموافقة جميع الشركاء المتضامنين (مادة 3/155) إلا إذا قضى نظام الشركة بغير ذلك.

توزيع الأرباح والخسائر

يسري علي توزيع الأرباح والخسائر في شركة التوصية بالأسهم القواعد المقررة في شركة المساهمة. هذا مع ملاحظة المسئولية الشخصية المطلقة لجميع الشركاء المتضامنين عن ديون الشركة وذلك سواء اشتركوا في الإدارة أم لم يشتركوا وسواء دخلت أسماؤهم في عنوان الشركة أو لم تدخل.

انقضاء شركة التوصية بالأسهم

تنقضي شركة التوصية بالأسهم بالأسباب العامة لانقضاء الشركات. كما تنقضي أيضًا بانسحاب أحد الشركاء المتضامنين أو وفاته أو بالحجر عليه أو بشهر إفلاسه ما لم ينص نظام الشركة على غير ذلك. وذلك نظرًا لتوافر الاعتبار الشخصي بالنسبة للشركاء المتضامنين (مادة 1/156). أما خروج الشريك المساهم أو وفاته أو الحجر عليه أو إعساره أو إفلاسه فلا يؤدي إلى انقضاء الشركة لأن شخصيته ليست محل اعتبار في الشركة.

كذلك تنقضي شركة التوصية بالأسهم بأسباب الانقضاء الخاصة بشركة المساهمة مع مراعاة أنه إذا انتقلت جميع الأسهم إلى شريك واحد متضامن فإن هذا الشريك لا يكون مسئولاً فقط في حدود موجودات الشركة، كما هو الحال بالنسبة للشريك المساهم، وإنما يبقى مسئولاً في جميع أمواله عن ديون الشركة (مادة 2/56)، وهذا حكم طبيعي لأن مسئولية الشريك المتضامن عن ديون الشركة لا تقتصر على فترة قيام الشركة وإنما تمتد إلى فترة التصفية.

المصدر