الرئيسية » المراجع العلمية » العلوم القانونية » القانون العام » الشخصية الدولية – نشوئها وانقضائها

الشخصية الدولية – نشوئها وانقضائها

العلوم القانونية - الشخصية الدولية

آخر تحديث: يونيو 7, 2022

نشوء الشخصية الدولية

سبق أن ذكرنا أن كل نظام قانوني يتكفل بتعيين الأشخاص الذين تخاطبهم قواعده. فإذا ما سلمنا بهذا المبدأ، وجب علينـا أن نسلم بالنتيجة الحتمية التي تترتب عليه، وهي: أن يكون لكل نظام قانوني الاختصاص في بيان متى تبدأ الشخصية القانونية في الوجود. ولما كانت الشخصية القانونية الدولية معناها أن تكون الوحدة التي يصدق عليها هذا الوصف قادرة على إنشاء القواعد القانونية الدولية بالتراضي مع غيرها من الوحدات المماثلة، وأن تتمتع إلى جانب هذه القدرة بالأهلية القانونية الدولية، فإنه يتفرع على ذلك أن تبدأ الشخصية القانونية الدولية في الوجود في الوقت عينه الذي يجتمع فيه هذان الوصفان في الهيئة المعينة.

ولقد سبق أن بينا أن القواعد القانونية الدولية تنشأ بالتراضي بين الوحدات القادرة على إنشائها، وأن أساس قوتها الإلزامية هو مبدأ وجوب الوفاء للعهد، وأنه متى نشأت هذه القواعد اقتصر خطابها على الوحدات التي أنشأتها، وبذلك يصير واضعوها هم المخاطبين بأحكامها.

وظاهر من كل ما سبق أن وصف الشخصية القانونية الدولية مرتبط بحكم الضرورة وبحكم الوضع القائم، بوصف القدرة على إنشاء القواعد القانونية الدولية، وهو متفرع عليه أيضًا. فمتى تثبت القـدرة التشريعية الدولية لوحدة معينة، يثبت لها بالتالي وصف الشخصية الدولية. وتحديد وقت نشوء الشخصية الدولية لوحدة معينة مرتبط بتحديد الوقت الذي تثبت لها فيه القدرة التشريعية الدولية لأول مرة، أي بنشوء الاتفاق الدولي الأول، الذي يتم بين الوحدة المعينة والشخص أو الأشخاص الدولية الأخرى، والذي به تقبل الوحدة في عضوية الأسرة الدولية.

ولما كان لهذا الاتفاق الأول أهميته بالنسبة لهذه الوحدة، على اعتبار أنه هو الذي ينشئ شخصيتها الدولية ويؤكد عضويتها في الأسرة الدولية، فقد أطلق عليه الفقهـاء – وسايرهم في ذلك الجميع – اسم الاعتراف … فالاعتراف Recognition, Reconnaissance ما هو إلا الاتفاق الدولي الأول الذي ينشئ قواعد قانونية تخاطب أطرافه، فيستمتع كل واحد منهم في مواجهة الآخر بوصف الشخصية الدولية، ومن ثم فهو بطبيعته اتفـاق تبادلي ومنشئ (1).

والمبدأ الذي يقضي بأن الشخصية الدولية تنشأ بالاعتراف يتفق مع الأوضاع القائمة في الدائرة الدولية. وهو إلى جانب ذلك يرتب نتيجتين:

  • الأولى: أنه لا توجد علاقات قانونية مع وحدة لم يتم الاعتراف بها.
  • والثانية: أن الاعتراف بوصفه اتفاقًا دوليًا يقوم على التراضي. ومن ثم فإن الشخص الدولي لا يعترف بآخر إلا برضاه. كما أن الوحـدة التي لم يعترف لها بالشخصية الدولية ليس لها أن تطالب الأشخاص الدولية مطالبة قانونية بوجـوب الاعتراف بها، إذ أن مرد ذلك إلى رضـا هذه الأشخاص.

ولقد ذهب فريق من رجال الفقه مذهبًا آخر (2) فقرروا أن الشخصية القانونية الدولية وصف يلحق الدولة عند نشوئها، ويصـدق عليها متى تمت لها عناصر الوجود. فالدولة متى نشأت – تتمتع بمجرد نشوئها بوصف الشخصية الدولية بحكم وجودها. وما الاعتراف إلا عمل انفرادي وكاشف، تقتصر وظيفته على الشهادة بنشوء عضو جديد في الجماعة الدولية، وينطوي على الإقرار بالأمر الواقع، وهو قيام دولة جديدة (3).

وهذا المذهب، كما هو ظاهر، ينتمي للقانون الطبيعي ولفكرة العدل المثالي. وهو مذهب معقول ومشروع في دائرة التفكير المتعلقة به، إذ لا مراء في أن العدل المثالي يقضي بأن كل جمع إنساني له الحق – بمجرد وجوده وتوافر بعض الخصائص فيه – في التمتع ببعض الحقوق، والالتزام ببعض الواجبات في مواجهة الجموع الإنسانية الأخرى، كما أن هذا المذهب يتفق مع الوضع الحاضر الذي يجب أن يكون عليه القانون الدولي بعد تجرده من طابعه الطائفي الإقليمي. غير أن هذا التدليل يفقد كل قوته متى أخرجناه من دائرته، وأقحمناه في دائرة القانون الوضعي التي تسـودها المبادئ التي تراضت عليها أشخاص القانون الدولي، والتي تختلف كل الاختلاف عن مبادئ العدل المثالي.

ويضاف إلى ذلك أنه لا قيمة لهذا الرأي إلا إذا ثبت أن قواعد القانون الدولي تخول الدولة حقوقًا بمجرد نشوئها وبغض النظر عن أي اعتبار آخر، وهذا ما لم يقم الدليل عليـه. صحيح أن هناك اعتبارات إنسانية يصعب تجاهلها فيما يتعلق بمعاملة الدولة التي لم يُعترف بها بعد، غير أن هذه الاعتبارات هي من قواعد الآداب أو الأخلاق الدولية التي يجب تمييزها من قواعد القانون الدولي. ولو فرض أن القانون الدولي يتضمن قاعدة تخول الدولة الشخصية الدولية بمجرد نشوئها وتمام تكوينها، فإن هذه القاعدة لا يمكن أن تقوم إلا على الرضا، وإلا لكان معنى ذلك أن تكون صادرة عن سلطة تعلو على سلطة الدولة، وتفرض عليها الأوامر والنواهي، مما لا يستقيم مع الأوضاع القائمة في الدائرة الدولية، في الوقت المعاصر على الأقل.

وإن قامت مثل هذه القاعدة على التراضي، فإن معنى ذلك أن تتعهد الدول بعضها في مواجهة بعض بالاعتراف لكل دولة جديدة بالشخصية الدولية. وغني عن الذكر أن هذا التعهد لا يتعدى الدول المتراضية، وأن الدول الجديدة ليس لها الحق في التمسك بهذا التعهد أو الاستناد إليه، لأنها لم تكن أطرافًا فيه، وأن اكتسابها للشخصية الدولية يحتاج إلى اتفاق جديد بين الدولة الناشئة والدولة القائمة، أي إلى الاعتراف، ومن ثم فإن هذه القاعدة القانونية تفقد سببها، وليس ثمة داع يدعو إلى وجودها (4).

والرأي الذي ذهبنا إليه – فيما يتعلق بطبيعة الاعتراف وآثاره – من شأنه أن يجيز اكتساب الوحدة المعينة لوصف الشخصية الدولية في مواجهة الأشخاص الدولية الأخرى في أوقات مختلفة متفاوتة نتيجة لاختلاف الأوقات التي يتم فيها الاعتراف. وبعبارة أخرى يجوز أن تكتسب الوحدة المعينة وصف الشخصية الدولية في مواجهة شخص دولي معين في وقت ما، في حين أنها تظل في الوقت ذاته غير متمتعة بهذا الوصف في مواجهة الأشخاص الدولية الأخرى، إلى أن يتم الاتفاق بينها وبين كل منهم على الاعتراف بها.

فإسرائيل مثلا اكتسبت وصف الشخصية الدولية في مواجهـة الولايات المتحدة الأمريكية واتحـاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية والمملكة المتحدة في أوقات متفاوتة مختلفة، وهي للآن (1965) لم تكتسب هذا الوصف في مواجهـة دول الجامعة العربية وأفغانستان وإسبانيا والباكستان. وهذا الوضع يتفق تمامًا مع طبيعة القواعد القانونية الدولية القائمة على التراضي، كما يتفق مع ما يقضى به سير المعاملات بين الدول.

وقد حدث على أثر استقلال الكنغو أن مويس تشومبي رئيس وزراء إقليم كاتنجا وقتذاك أعلن انفصال كاتنجا عن دولة الكنغو، كما أعلن استقلال هذا الإقليم وارتقاءه إلى مرتبة الدولة المستقلة وطالب الدول الأخرى بالاعتراف بالشخصية القانونية الدولية لكاتنجا. ولكن ما من دولة من الدول الأخرى اعترفت باستقلال كاتنجا وامتنعت جميعًا عن التعامل مع كاتنجا على هذا الأساس، مما اضطر تشومبي في النهاية إلى العدول عن مطلبه. ولما تزل کاتنجا – حتى كتابة هذه السطور 1965 – جزءًا من الكنغو (5).

يضاف إلى ذلك أن هذا الرأي هو الذي يفسر كيف أن الدولة العثمانية ظلت خارج الأسرة الدولية إلى أن اعترفت بها الدول الأوروبية المسيحية الرئيسية بعقدها معهـا معاهدة باريس سنة 1856، كما يفسر لنا كيف أن إسبانيا لم تعترف باستقلال البرتغال إلا سنة 1688 على الرغم من انفصال البرتغال عنها منذ سنة 1640، وكيف أن تركيا لم تعترف باليونان إلا سنة 1832 مع أن دول أوروبا اعترفت بها سنة 1827.. إلخ.

وغني عن الذكر أن هذا الرأي هو الذي يتواءم مع المبـدأ العام في القانون الدولي، وهو الذي يقضي بعدم رجعية الأثر القانوني إلا في الحالات الاستثنائية التي ينص على ذلك فيها صراحة.

وثمة ملاحظة هامة في شأن ما ذهب إليه ثقات العلماء في شأن الاعتراف، وهي: أن الرأي الذي يقرر أن الاعتراف اتفاق منشئ للشخصية الدولية يستند أساسًا على الطابع الأوروبي الطائفي للقانون الدولي. ومرده أن الجماعة الدولية كانت أسرة أوروبية مغلقة لا ينفسح السبيل إلى الانخراط في عضويتها إلا بالنسبة للجمع الإنساني الجديد الذي يقبله أعضاء هذه الأسرة صراحة. فإذا امتنعوا عن قبوله عضوًا لم يتيسر له اكتساب وصف الشخصية الدولية. أما الرأي الذي يذهب إلى أن الاعتراف اتفاق يكشف عن الشخصية الدولية فسنده عالمية القانون الدولي. ولا شك أن الاعتراف صار في المدة الأخيرة – بعد استقلال دول أفريقيا وآسيا – عملا يكاد يكون شكليًا ولا يثير أية صعوبة في العمل، ولا شك أنه مع تطور القانون الدولي سيصير الاعتراف اتفاقًا كاشفًا عن الشخصية الدولية لا منشئًا لها.

والاعتراف بوصفه عملا قانونيًا لا يستدعى شروطًا ولا يفترض فروضًا معينة (6). وقد يخضع من حيث السياسة لدوافع وعوامل متعددة. والشواهد على ذلك كثيرة في التاريخ، وهي تدل دلالة قاطعة على أن الاعتراف بالدول الناشئة يتم سريعًا أو متأخرًا، وفق الظروف التي تلابس نشوء عضو الجماعة الدولية الجديد. والاعتراف – من وجهة النظر القانونية – اتفاق دولي يقوم على التراضي. فالركن الجوهري فيه هو تقابل إرادات أطرافه. ومتى تقابلت هذه الإرادات ينشأ الاعتراف، وتترتب عليه جميع آثاره القانونية في لحظة نشوئه ومن غير أثر رجعي. وما دام الأمر كذلك، فلا يوجد في القانون الدولي اعتراف مشروع أو غير مشروع، كما لا يوجد فيه اعتـراف محظور واعتراف مفروض، أو اعتراف مستحسن واعتراف مستهجن، وذلك لأن ركن الاعتراف هو – كما سبق القول – تقابل إرادات أطراف الاتفاق عن حرية واختيار.

والقانون الدولي لا يعني إلا بهذا التقابل، أما ما عداه فلا أثر له في القانون الدولي. ولا سبيل إلى القول أنه يجب تفحص الظروف التي تلابس نشوء الدولة الجديدة، لمعرفة ما إذا كانت قد نشأت عن طريق شرعي أو عن طريق غير شرعي، والتقرير بأن الاعتراف لا يقوم على أساس سليم إلا إذا كان نشوء الدولة عن طريق شرعي. ذلك أنه لا توجد في الدائرة الدولية دول شرعية ودول غير شرعية، لأن شرعية الدول هي في حياتها وقيامها عن طريق السلم أو عن طريق العنف على حد السواء (7).

والدليل على ذلك أن معيار ثبوت الشخصية الدولية لوحدة معينة لا يتغير بتغير الظروف التي تلابس نشوئها وقيامها. كما أن القانون الدولي لا يتضمن من القواعد ما يبين متى يتم تكوين الدولة عن طريق مشروع ومتى يتم عن غير هذا الطريق. أما النظريات المختلفة التي تقوم من حين لآخر في خصوص وجوب قيام الدولة على أسس معينة – كأساس مبدأ الجنسيات، أو مبدأ الاستفتاء، أو مبدأ حقوق الشعوب في تقرير مصائرها – فهي نظريات سياسية لا علاقة لها بالقانون الدولي، ومن الخطأ الاستعانة بها في سبيل التوصل إلى تقرير النتائج القانونية.

ولا يوجد في القانون الدولي قاعدة خاصة بالشكل الذي يتم الاعتراف وفقًا له. وعلى ذلك قد يتم الاتفاق بين ممثل الدولة القائمة لدى الدولة الناشئة ورئيس الدولة الناشئة أو وزير خارجيتها، وذلك بتبادل المذكرات. ومثال ذلك ما فعلته الولايات المتحدة في شأن الاعتراف ببلغاريا سنة 1909، وفي شأن الاعتراف بمصر وألبانيا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا سنة 1922، وبالمملكة العربية السعودية سنة 1931. وقد يتم الاتفاق يتبادل البرقيات بين رئيسي الدولتين أو وزيري خارجيتيهما، كما حدث بين الولايات المتحدة وبولونيا سنة 1919، وقد يتم بتبادل التمثيل السياسي بين الدولتين مباشرة، أو باستقبال بعثة الدولة الناشئة رسميًا، كما حدث بين الولايات المتحدة وأفغانستان سنة 1921. والأمر الهام في هذا الشأن هو أن تتقابل إرادات أطراف الاتفاق، مهما تكن طرق التعبير عن تلك الإرادات (8).

وقد اتبعت الحكومة المصرية طرقًا مختلفة فيما يتعلق باعترافها ببعض الدول الناشئة، ومن ذلك أنه عندما نشأت المملكة العربية السعودية تباطأت مصر في الاعتراف بها، لأسباب تاريخية وأخرى سياسية، من بينها حادث الاعتداء على المحمل سنة 1928. وقد ظلت العلاقات السياسية بين الدولتين مفقودة تمامًا حتى سنة 1936. وفي تلك السنة زار مصر وزير خارجية المملكة العربية وقتئذ “فؤاد حمزة” ودارت بينه وبين رئيس الوزراء ووزير الخارجية المصرية حينذاك “علي ماهر” محادثات في شأن الاعتراف بالمملكة العربية السعودية. وقد أدت هذه المحادثات إلى عقد معاهدة بين الدولتين في 7 من مايو سنة 1936، جاء بالمادة الأولى منها أن (المملكة) المصرية “تعترف بالمملكة العربية السعودية دولة حرة ذات سيادة مستقلة استقلالا تامًا مطلقًا”. فالوسيلة التي اتبعت في هذه الحالة، هي عقد معاهدة بين الدولتين.

وقد اتبعت هـذه الوسيلة أيضًا فيما يتعلق بالاعتراف بإندونيسيا في أول يونيو سنة 1947. وفي سنة 1941 أعلن الجنرال ديجول رئيس هيئة الفرنسيين الأحرار استقلال سوريا، توطئة لزحف القوات المتحالفة عليها للقضـاء عـلى سلطة حكومة فيشي فيها. وعلى الرغم من أن مصر كانت لا تزال محتفظة بعلاقاتها السياسية مع حكومة فيشي، فقد وافق مجلس الوزراء في أول أكتوبر سنة 1941 على استقلال سوريا والاعتراف بها دولة مستقلة، وعهد إلى وزير الخارجية بتبادل المذكرات مع وزير خارجية سوريا في هـذا الشأن. وقد استعملت هذه الوسيلة – وهي تبادل المذكرات – فيما يتعلق بالاعتراف بالهند وباكستان في 12 من أغسطس سنة 1947.

ولم تعترف مصر بالاتحاد السوفيتي إلا سنة 1943، وكانت العلاقات بين الدولتين مفقودة تمامًا قبـل هذا التاريخ. وفي أوائل سنة 1943 رئي لاعتبارات تتعلق بالسياسة الدولية العدول عن هذا الموقف. فزار الرفيق فيشنسكي نائب وزير خارجية الاتحاد السوفييتي وقتذاك رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية المصرية وقتئذ “مصطفى النحاس”، وعـلى أثر هذه الزيارة وافق مجلس الوزراء في 19 من مايو سنة 1943 على الاعتراف بالاتحاد السوفيتي. كما وافق في 14 من سبتمبر سنة 1943 على تبادل التمثيل السياسي بين الدولتين، وقد تم ذلك بمذكرات تبادلها سفير مصر في بلاط سان جيمس “حسن نشأت” والرفيق مايسكي سفير الاتحاد السوفيتي هناك.

كما أصدر رئيس الجمهورية العربية المتحدة قرارات جمهورية في تواريخ مختلفة يعلن فيها اعتراف الجمهورية العربية المتحدة بغينيا، ومالي، والكاميرون، ونيجيريا، وغيرها من الدول الأفريقية التي استقلت في السنوات الأخيرة.

ويلاحظ أن العمل يجرى بين الدول على تقسيم الاعتراف إلى نوعين:

  1. الاعتراف القانوني Reconnaissance de jure
  2. والاعتراف الفعلي Reconnaissance de jacto

وظاهر أن هذا التقسيم لا أساس له من القانون (9)، لأن الاعتراف – بوصفه اتفاقًا قانونيًا يرتب آثارًا قانونية – لا يمكن أن يظل حبيس دائرة الأفعال المادية. ومن العسير، لهذا السبب، تفسير هذا التقسيم، أو تحديد مدلول كل من الاعتراف القانوني والاعتراف الفعلي تحديدًا دقيقًا. وقد قيل أن الأول هو الاعتراف الصريح، وأن الثاني هو الاعتراف الضمني. كما قيل أن الاعتراف القانوني هو الاعتراف الحاسم الذي لا رجعة فيه، ويترتب عليه ابتداء العلاقات السياسية بين أطرافه فور تمامه، وأن الاعتراف الفعلي هو الاعتراف المؤقت الذي يجوز العدول عنه، وأنه يعد عادة خطوة تمهيدية نحو الاعتراف القانوني.

غير أنه يبدو لمن يتفحص الأمر على حقيقته أن تقسيم الاعتراف إلى قانوني وفعلي تقسيم ينطوي على الاعتبارات السياسية، ولا شأن له بالقانون (10). فقد تدعو الظروف التي تلابس نشوء الدولة الجديدة الدول الأخرى إلى مراعاة الحذر في تصرفاتها خشية الزلل، فتقرر أن اعترافها بالدولة الناشئة اعتراف فعلي، وذلك حتى تحتفظ لنفسها بخط الرجعة. أما الوضع القانوني فلا يخرج عن أمرين لا ثالث لهما: الأول أن يتم الاعتراف، والثاني ألا يوجد الاعتراف. فإذا ما وجد الاعتراف ترتب عليه اكتساب الدولة الناشئة وصف الشخصية الدولية. وهذا هو الأثر الثابت للاعتراف. أما غير ذلك من الآثار أو الأوصاف، كالدخول فورًا في العلاقات الدبلوماسية، أو كون الاعتراف مؤقتًا أو نهائيًا، فهي آثار وأوصاف تختلف باختلاف اتفاقات الاعتراف بعضها عن بعض، نتيجة لتغاير إرادات أطرافها. أما إن لم يوجد الاعتراف فلا محل للكلام عن آثاره.

ومن المسائل التي تتصل بهذا الموضوع تحديد مركز الدولة التي تنضم إلى عضوية هيئة الأمم المتحدة على الرغم من عدم اعتراف بعض أعضاء الهيئة بهذه الدولة. وتفصيل ذلك أنه قد يحدث أن تطلب دولة معينة الانضمام إلى المنظمة فتقبل المنظمة هذا الانضمام، فهل يعد هذا القبول اعترافًا من جميع أعضاء المنظمة على الرغم من إصرار البعض منهم على عدم الاعتراف بها؟

من المعلوم أن المبـدأ العام المجمع عليه في القانون الدولي يقضي بأن الدولة لا تتفق ولا تلتزم إلا برضاها، وأنه – استثناء من هذا المبدأ – قررت المادة الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة أن للجمعية العامة – بناء على توصية مجلس الأمن – أن تقبل انضمام عضو جديد في الهيئة بأغلبية ثلثي أعضائها الحاضرين والمصوتين. فإذا توافرت هذه الأغلبية أصبحت الدولة الطالبة عضوًا في الهيئة، واكتسبت جميع الحقوق والتزمت بكل الواجبات المترتبة على الميثاق. ولا شك أن الدول التي أعطت أصواتها للعضو الجديد تعد معترفة به، إما لسبق اعترافها به وإما بتصويتها لصالحه، إذ لا سبيل لتفسير تصويتها على غير هذا الأساس.

أما الدول التي لم تصوت لصالحه فتنقسم قسمين، نتيجة لموقفها الجديد منه بعد قبوله عضوًا في الهيئة: فإن هي قبلت الأمر الواقع وتعاملت معه على هذا الأساس فإنها تكون قد اعترفت به ضمنًا، أما إن كانت قد امتنعت عن ذلك وأصرت على عدم الاعتراف به وعدم التعامل معه، فإنها لا تعد من المعترفين له بوصف الشخصية الدولية، وإن كانت ملزمة بالاعتراف به عضوًا في المنظمة الدولية التي يشتركان في عضويتها، وذلك تطبيقًا للقرار الصادر من الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفقًا للمبـدأ الوارد في المادة الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة.

والاعتراف – ككل اتفاق دولي – يرتب الآثار القانونية التي أرادها أطرافه. وهو لا يتميز عن سائر الاتفاقات الدولية إلا من حيث إنشاء الشخصية الدولية لوحدة معينة. ومن العسير أن يحدد الفقه مقدمًا جميع الآثار القانونية التي يرتبها الاعتراف. وذلك لأن هذا التحديد متوقف على تحديد موضوع إرادات المتعاقدين. غير أن الأثر الثابت للاعتراف هو إنشاء الشخصية الدولية لأطرافه بعضهم إزاء بعض.

وإلى جانب هذا الأثر الثابت يوجد أثر آخر هو التزام كل طرف من أطراف الاتفاق بالتصرف وفقًا لنهج معين في معاملاته مع الأطراف الآخرين. وتعيين هذا النهج متوقف على تفسير أحكام كل اتفاق. وتطبيقًا لذلك يجب الرجوع إلى كل حالة على حدة، لتعيين كل الآثار التي تترتب على الاعتراف، ولمعرفة ما إذا كان اتفاق الاعتراف ينطـوي على قيود أو شروط تبعيـة: كالتزام الشخص الدولي الجديد بحماية الأقليات الجنسية أو الدينية أو اللغوية التي تقيم على إقليمه أو تعهده بإصدار تشريعات داخلية تكفل حرية العقائد الدينية أو السياسية، أو التزامه بغير ذلك من الالتزامات.

انقضاء الشخصية القانونية الدولية

سبق أن ذكرنا أن كل نظام قانوني يتكفل بتعيين أشخاصه، وأنه هو صاحب الاختصاص في بيان متى تبدأ الشخصية القانونية في الوجود، وما يجب أن يتوافر لذلك من شروط. وينبني على ما سبق، بحكم المنطق، أن يكون لكل نظام قانوني أيضًا الاختصاص الكامل في بيان متى تنقضي الشخصية القانونية، ومتى يزول هذا الوصف عن الوحدة التي كانت تتمتع به.

والنظام القانوني الدولي – ككل نظام قانوني آخر – يتكفل بتعيين أشخاصه، وتحديد شروط نشوء الشخصية القانونية الدولية، ويتكفل أيضًا ببيان أسباب انقضاء هذه الشخصية. ويحسن قبل الكلام عن أسباب انقضاء الشخصية القانونية أن تتناول بالتفسير الأمور الثلاثة التالية:

الأول: أن ما يطرأ على الشخص الدولي من تغييرات دستورية – عن طريق العنف أو عن طريق السلم على حد السواء – قد يكون له تأثير من الناحية السياسية الداخلية أو من الناحية السياسية الخارجية، ومع ذلك فلا تأثير له على وصف الشخصية الدولية، وليس له أي مساس بالحقوق والواجبات المترتبة في ذمة الشخص الدولي بمقتضى الاتفاقات الدولية التي يكون طرفًا فيها. ذلك لأن هذه التغييرات الدستورية تخضع للنظم القانونية الداخلية، ولا تحكمها قواعد القانون الدولي. وهذا مبدأ مسلم به مجمع عليه في الفقه، وعليه سار العرف المتواتر بين الدول (11). وهذا المبدأ يقوم كما هو ظاهر على واقعة مادية هي: استمرار قيام الدولة واستمرار حياة شعبها على إقليمها، على الرغم من التغيير الذي يطرأ على نظمها الدستورية.

ويؤكد القانون الدولي، على هذا الأساس المادي الواقعي، استمرار تمتع الدولة بالشخصية القانونية الدولية، واستمرار عضويتها في الأسرة الدولية، ويترك للنظم القانونية الداخلية المختصة أمر العناية بهذه التغيرات الطارئة. فليس للقانون الدولي أن يميز بين الحكومات الملكية والحكومات الجمهـورية، وليس له أن يميز بين الحكومات الشرعية والحكومات غير الشرعيـة، وليس له أن يميز بين الحكومات القانونية والحكومات الفعلية. وهو لا يعني إلا بأمر من بيده فعلا وحقيقة سلطة الأمر والنهي داخل الدولة qui actu regit، بوصفه العضـو الذي ينوب عن الدولة في علاقاتها الخارجية. فمن يفقد هذه السلطة يفقـد في الوقت عينه صفة تمثيل الدولة في هذا النوع من العلاقات.

ومن ثم فإن قواعد القانون الدولي تقضي بأن المعاهدات التي يعقـدها من تولى عن طريق الاغتصاب السلطة الفعلية داخل الدولة تظل صحيحة نافذة في الدائرة الدولية، حتى بالنسبة لمن يسترد السلطة من المغتصب بعد القضاء على الانقلاب. وهي تقضي أيضًا بأنه لا قيمة للمعاهدات التي يعقدها رئيس الدولة بعد عزله، مهما تكن قوة أسانيده في المطالبة بحقه في استرداد وظيفته.

وعلى ضوء ما سبق يجب التمييز بين الاعتراف بالدول والاعتراف بالحكومات. فالنوع الأول يرتب نشوء الشخصية الدولية. أما النوع الثاني فيؤكد التسليم بالتغيير الدستوري الذي حدث فيمن بيده سلطة الأمر والنهي داخل الدولة، وبالتالي فيمن تثبت له صفة تمثيل الدولة في علاقاتها مع سائر أشخاص القانون الدولي. ومتى حدث التغيير الدستوري واكتسب الثبات والاستقرار فلا تستطيع الدول الأخرى عادة الامتناع عن الاعتراف به (12). ذلك أن الامتناع يُعد في هذه الحالة بمثابة حكم على الدولة أو تدخل في أخص شئونها الداخلية، وهذا أمر غير مشروع في القانون الدولي. غير أنه لا مراء في أن لكل دولة الحق في تقدير الظروف التي تلابس التغيير الدستوري الذي طرأ على نظم إحداها، وما ينتظر له من ثبات واستقرار أو تقلقل وزوال، ومن ثم يكون لها الحق في أن تبادر إلى الاعتراف به أو التريث في شأنه، على ضوء الاعتبارات والمصالح السياسية (13).

والامتناع عن الاعتراف بالحكومة الجديدة لا يتعدى أثره انقطاع العلاقات السياسية معها، قانونًا وفعلا، أو قانونًا فقط. ويكون الانقطاع قانونيًا وفعليًا إذا ترتب على عدم الاعتراف بالحكومة الجديدة عدم التعامل معها كلية، سواء عن طريق الممثلين السياسيين أو عن غير هذا الطريق. ويكون الانقطاع قانونيًا فقط إذا ترتب على عدم الاعتراف توقف المعاملة عن طريق الممثلين السياسيين المفوضين لذلك، مع جواز التعامل عن غير هذا الطريق.

وتتعارض مع المبادئ السابق بيانها نظرية أخرى هي نظرية “توبار” Tobar وزير خارجية الإكوادور، الذي قال بهـا لأول مرة في مذكرة له بتاريخ 15 مارس سنة 1907. ومفاد هذه النظرية أنه يجب على دول أمريكا اللاتينية أن تتعهد فيما بينها بالامتناع عن الاعتراف بالحكومات التي تتولى السلطة فيها عن طريق الانقلابات الثورية، وذلك توطئة لوضع حد للثورات المستمرة التي يتكرر وقوعها في هذه الدول من حين لآخر (14). وبالفعل اكتسب هذا التعهد قوة قانونية محدودة بتضمينه في بعض المعاهدات الدولية التي عقدتها بعض دول أمريكا اللاتينية، وعلى الأخص في المادة الأولى من الاتفاقية التي عقدتها فيما بينها دول أمريكا الوسطى في 20 نوفمبر سنة 1907 (15).

كما ضمنت بعض دول أمريكا الجنوبية دساتيرها نصوصًا تقضي ببطلان تصرفات المغتصبين للسلطة العامة، سواء أكانت تصرفات داخلية أم خارجية. وظاهر أن التعهد بالامتناع عن الاعتراف بحكومات الانقلاب المثبت في المعاهدات يعد بمثابة قاعدة قانونية لها وصف الخصوصية، وهي تتغلب بالنسبة لأطرافها على القاعدة القانونية الدولية العامة التي سبق أن بيناها.

أما النصوص الدستورية التي تقضي بإبطال التصرفات الصادرة عن سلطات الانقلاب فإنها تعد من قواعد القانون الداخلي التي لا يجوز الاستناد عليها في دائرة القانون الدولي، للحد من الالتزامات الدولية التي تقع على عاتق الدولة. وليس لنظرية “توبار” الآن أي أثر من ناحية القانون الدولي، إذ فقدت أهميتها في الوقت الحاضر، وليس لها سوى القيمة التاريخية.

وثمة تفصيل آخر في هذا الشأن وهو أن المبادئ السابقة تنطبق على حالات التغييرات الدستورية الشاملة. أما إذا قامت في جزء من إقليم الدولة ثورة مسلحة بقصد قلب نظام الحكم والاستيلاء على السلطة، واتخذ النزاع بين المتخاصمين شكل الحرب (16)، فإن الظروف قد تدعو الى الاعتراف من

جانب الدول الأخرى بالثورة القائمة، وذلك لتطبيق قواعد الحرب والحياد، وللتوصل إلى حماية المصالح الخاصة في الدولة التي تكون الثورة قائمة فيها. كما أن ظروف الحـال قد تدعو الحكومة الشرعية إلى الاعتراف بالثـورة القائمة في جزء من إقليمها، لتدفع عنها المسئولية الدولية عن أعمال الثوار. والاعتراف في هذه الحالات يخول رجال الثورة وصف المحاربين، ويمنحهم حقوق المقاتلين، ويلزمهم بواجباتهم بعضهم نحو بعض، ونحو المحايدين. وتقضي الحكمة السياسية بأن يصدر مثل هذا الاعتراف من الدول في الشكل وفي الموعد اللذين لا يجعلانه منطويًا على عمل عدائي بالنسبة للسلطة الشرعية التي تقاوم الثورة. ولذلك جرى العرف بين الدول على ألا تعترف بالثورة إلا إذا اتخذ القتال صورة الحرب الحقيقية، وأشرفت على أعمال الثوار هيئة منظمة على شكل حكومة تباشر السلطة فعلا على جزء من إقليم الدولة. أما مجرد العصيان فلا يدعو فيه الأمر إلى صدور الاعتراف (17).

الثاني: أن ازدياد مساحة إقليم الدولة أو نقصانها لا تأثير لهما على الشخصية القانونية للدولة. فالدولة تظل محتفظة بشخصيتها القانونية، سواء اتسع إقليمها أو انكمش، وسـواء ازداد نفوذها وقوتها أو ضعفا، وهي تظل مقيدة بأحكام الاتفاقات الدولية التي عقدتها. وغاية الأمر أن ما تكون قد عقدته من معاهدات يمتد – إلا في حالات خاصة – فيسري على الجزء الجديد من الإقليم، أو يقف سريانه بالنسبة للإقليم الذي انسلخ عنها.

الثالث: أن ازدياد عدد أفراد الشعب أو نقصانه نتيجة لازدياد عدد المواليد على عدد الوفيات، أو نتيجة للهجرة منها أو إليها، ليس له أيضًا أي تأثير على الشخصية القانونية للدولة، وإن كان له أثر ما على زيادة نفوذها السياسي أو تقلص هذا النفوذ. ومن المعروف أن دولا فقيرة جدًا في عدد شعبها – كدول أمريكا الوسطى وبعض دول أمريكا الجنوبية التي لا يتجاوز عدد رعاياها نصف مليون نسمة – تستمتع بوصف الشخصية الدولية على قدم المساواة مع دول أخرى كالهند التي يزيد عدد شعبها على 360 مليون نسمة وجمهورية الصين الشعبية التي يبلغ عدد رعاياها ستمائة وثمانين مليون نسمة. ومعلوم أيضًا أن بعض الدول يلجأ إلى فتح أبواب الدولة على مصاريعها للمهاجرين حتى يزداد النفوذ المادي والسياسي للدولة. ومن الأمثلة البارزة على هذا ما تفعله الآن إسرائيل إذ تسعى حثيثًا للعمل على زيادة عدد شعبها عن طريق فتح باب الهجرة فيها والعمل على زيادة عدد المهاجرين إليها ليتضاعف عدد أفراد شعبها.

وعلى ضوء هذه الاعتبارات يجب أن تحـل مسألة انقضاء الشخصية القانونية للدولة، فإذا زال عنصر مادي من عناصر الدولة كعنصر الشعب أو عنصر الإقليم، فلا شك في زوال الدولة وانقضـاء شخصيتها القانونية تبعًا لذلك. ومتى زال عنصرها المعنوي وهو نظامها الحكومي، فإن شخصيتها القانونية تزول أيضًا، وذلك لزوال البناء الذي يكفل لها التعبير عن إرادتها. ويزول البناء القانوني للدولة إذا ضمتها دولة أخرى، أو إذا اقتسمت جميع إقليمها دول أخرى متاخمة أو غير متاخمة، أو إذا تجزأت إلى دول متعددة على أثر ثورة قامت في أرجائها، أو إذا انضمت مع غيرها في وحدة أو اتحاد حقيقي. وسنتناول بالشرح النتائج المختلفة التي تترتب على زوال الشخصية الدولية في موضع آخر، وذلك عند الكلام على التوارث الدولي.

هذا وقد حدث أن تم في القاهرة في أول فبراير 1958 توقيع اتفاق بين ممثلي الجمهورية المصرية والجمهورية السورية، أعلنت به الجمهوريتان تكوين جمهورية واحدة، وذلك عن طريق إدماج الدولتين في جمهورية واحدة، هي الجمهورية العربية المتحدة. وأعقب ذلك أن صدر – في 5 فبراير 1958 – دستور مؤقت دعي به شعب سوريا وشعب مصر إلى إعلان الرأي في الوحدة وفي شخص رئيس الجمهورية الجديدة، وقد جرى استفتاء الشعبين في 21 فبراير من السنة عينها، فوافقا على الأمرين بأغلبية شعبية ساحقة.

وفى 5 مارس 1958 صدر الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة الذي ينظم الوضع الدستوري لنظام الحكم فيها، وفي 24 فبراير 1958 بعث وزير الخارجية للدولة الجديدة – عن طريق الوفد الدائم للدولة لدى الأمم المتحدة – بمذكرة إلى الأمين العام لهذه المنظمة يبلغه فيها بنتيجة الاستفتاء في شأن قيام الوحدة وفي شأن انتخاب رئيس الجمهورية العربية المتحـدة. ثم أبلغه – بمذكرة لاحقة بتاريخ أول مارس 1958 – أن الجمهورية العربية المتحدة تعلن أنها عضو واحد في الأمم المتحدة، وأن هذا العضو مرتبط بأحكام الميثاق، وأن كل الاتفاقات التي سبق أن عقدتها مصر أو سوريا مع دول أخرى ستظل صحيحة نافـذة في الإطار الإقليمي الذي لابس انعقادها وفقًا لأحكام القانون الدولي.

وقام الأمين العام – بناء على طلب الجمهورية العربية المتحدة – بإبلاغ ذلك إلى كافة الفروع الرئيسية وغيرها من فروع الأمم المتحدة، واكتفى بقبول خطاب اعتماد مندوب هذه الجمهورية لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة باعتبار أن هذا القبول يدخل في اختصاصه، إلى أن تتخذ الفروع المختصة إجراء آخر. إلا أن جميع فروع الأمم المتحدة لم تر أن تلزم الدولة الجديدة باتباع الإجراء الذي نصت عليه المادة الرابعة من الميثاق في شأن قبول الأعضاء الجـدد، وذلك لأن الجمهوريتين اللتين اندمجتـا في عضو واحد – له شخصية دولية واحدة – كانتا في الأصل من الأعضـاء الأصليين في الأمم المتحدة.

وفي 27 سبتمبر 1961 قامت في سوريا حركة انفصالية أدت إلى انفصام عرق الوحدة. وما جرى من أحداث في سوريا يعد عملا انفراديًا انفصاليًا من جانب سوريا وحدها secession، ولا يمكن تكييفه قانونًا بأنه حل للوحدة dissolution، وذلك لأن الحل يكون عن طريق الاتفاق. ويترتب على ذلك أن الجمهورية العربية المتحدة، التي نشأت في سنة 1958، لما تزل – قانونًا – باقية على حالها، على الرغم من انفصام جزء من إقليمها وجزء من شعبها. وهذا الجزء المنفصـل قد صار دولة جـديدة تفرعت عن دولة الأصل.

ولا مجال للادعاء بأن انفصال سوريا قد أعاد الحال إلى ما كانت عليه قبل الوحدة Status quo ante، وبأن مصر وسوريا – كلتاهما – رجعت إلى وضعها القانوني السابق، لأن ذلك يجانب شاكلة الصواب  القانوني، ويتجاهل طبيعة الأحداث التي جرت في سوريا، ولا يأخذ في الاعتبار الآثار القانونية التي تترتب عادة في النطاق الدولي على الانفصال، ولا يميز بينها وبين التصفية الاتفاقية لآثار الحياة الدولية التي عاشتها الدولتان معًا في إطار الوضع القانوني إبان قيام الوحدة. ومما يؤكد ذلك أن خطاب رئيس الجمهورية العربية المتحدة بتاريخ 5 أكتوبر 1961 قد تضمن القرار التالي: “لقد بعثت الآن إلى رئيس وفد الجمهورية العربية المتحدة بألا يقف في وجه طلب قبول سوريا عضوًا في الأمم المتحدة”.

وظاهر أن الجمهورية العربية المتحدة لم يطرأ على شخصيتها الدولية أي تأثير قانوني نتيجة هذا الانفصال. فشخصيتها القانونية قائمة باقية. أما سوريا فقد اكتسبت – بالانفصال وبالاعتراف به – شخصية قانونية جديدة، نشأت بالانفصال ومن يوم الاعتراف به، وذلك بلا أثر رجعي يعيدها إلى سابق عهدها قبل يوم إتمام الوحدة (18).

الهوامش

  • (1) انظر مؤلف Alf Ross السابق الإشارة إليه، ص 114 وما بعدها.
  • (2) ومن بين هذا الفريق من رجال الفقه الأساتذة: “فوشي”، و”ليفور”، و”لوریمی”، وغيرهم. وكذلك أصدر مجمع القانون الدولي قرارًا بهذا المعنى في دورة انعقاده ببروكسل سنة 1936. انظر كذلك مؤلف الأستاذ على أبو هيف، الطبعة الخامسة، سنة 1961، ص 161 وما بعدها.
  • (3) راجع “تشيني هايد”، القانون الدولي العام، طبعة سنة 1947، ص 147– 148. وكذلك “فوشي”، الطبعة الثامنة، الفقرات 195 إلى 213. والدكتور جنينة ص 100 وما بعدها، والدكتور علي أبو هيف ص 161 وما بعدها، والدكتور حافظ غانم، في مؤلفه مبادئ القانون الدولي العام، طبعة 1959، ص 268 وما بعدها.
  • (4) راجع في هذا الشأن أيضًا مؤلفات “أنزيلوتي” ص 160 وما بعدها، و”أوبنهايم” ص 121 وما بعدها.
  • (5) راجع في شأن الاعتراف رسالة الدكتوراه التي تقدم بها الدكتور يحيى الجمل وعنوانها: “الاعتراف في القانون الدولي العام”، القاهرة، 1963.
  • (6) انظر مؤلف Alf Ross الساق الإشارة إليه، ص 119 وما بعدها. انظر كذلك رسالة الدكتور يحي الجمل، السابق الإشارة إليها.
  • (7) لعل خير دليل على صحة ما نقول ما حدث في الجلسة التي عقدها مجلس الأمن في 18 من مايو سنة 1948 (وهي الجلسة الرابعة والتسعون بعد المائتين) للنظر في مسألة فلسطين. فقد حمل الأستاذ فارس الخوري مندوب سوريا على مسلك حكومة الولايات المتحدة الأمريكية لاعترافها بإسرائيل بعد دقيقتين من إعلان اليهود لدولتهم، ووجه سؤالا للمستر أوستن مندوب الولايات المتحدة عن الأساس الذي قام عليه اعتراف دولته بإسرائيل، وكان مما قاله مندوب سوريا “أن عمل الولايات المتحدة خاطئ ولا يستند إلى الحق وهو عمل غير قانوني”. وجاء في خطابه ما يلي: “Is that justice? By what reason or common sense can that be accepted? The United States committed a blunder and we ought to inquire about it. I think the Security Council would do well to address a question to the United States and ask it why it has acted in such a manner… We could ask it the following question: How can you justify, under international law and the resolutions of the General Assembly, or considering the position of the U.N.O. towards the status of Palestine, your recognition of the proclaimed state of Israel?. وقد رفض رئيس المجلس توجيه هذا السؤال لمندوب الولايات المتحدة على اعتبار أن الاعتراف عمل يدخل في صميم سيادة كل دولة. وقد رد المستر أوستن مندوب الولايات المتحدة على قول مندوب سوريا بما يلي” “I should regard it as highly improper for me to admit that any country on earth can question the sovereignty of the U.S.A. in the exercise of that high political act of recognition of the de facto status of a state. Moreover, I would not admit here, by implication or by direct answer, that there exists a tribunal of justice or of any other kind, anywhere, that can pass Judgement upon the legality or the validity that act of my country”.، انظر صفحة 439، United Nations Bulletin, Vol. 4, No. XI.
  • (8) انظر في الطرق المختلفة للاعتراف موسوعة القانون الدولي “لهاكوورث”، الجزء الأول فقرة 32. وبحثًا لـ Semna في مجموعة “دروس”، لاهاي سنة 1924. الجزء الثالث ص 359 – 378.
  • (9) راجع في هذا الشأن مؤلف Alf Rous السابق الإشارة إليه،  ص 120 وما بعدها.
  • (10) قارن: H. Lauterpacht: Recognition in International Law, 1947. و Herve: Legal Effects of Recognition in International Law, 1925.
  • (11) هذا المبدأ مقرر في “بروتوكول” لندن المنعقد في 19 من فبراير سنة 1831. وقد جرى العمل بين الدول وفقًا له في مناسبات عديدة في التاريخ، منها الثورة الإنجليزية سنة 1649، والثورة الإنجليزية سنة 1688، والثورات الفرنسية في القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر، والثورة المصرية في يوليو سنة 1952. وقد أصدرت إحدى المحاكم التابعة للمحكمة الدائمة للتحكيم الدولي في لاهاي حكمها في النزاع بين فرنسا وبيرو وفقًا لهذا المبدأ، وذلك في 11 من أكتوبر سنة 1921.
  • (12) مع ذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية قد امتنعت حتى الآن عن الاعتراف بحكومة الجمهورية الشعبية للصين، على الرغم من استقرار الحكم الجديد في أرجاء الصين منذ سنة 1950. وشايعت الولايات المتحدة في ذلك عدة دول، وذلك لأسباب سياسية ظاهرة. وقد ترتب على ذلك أن حكومة الصين الشعبية لم يتسن لها أن تشغل مركزها في هيئة الأمم المتحدة، وظلت حكومة تايوان (فرموزا) – وهي الحكومة التي يرأسها شبانج كاي شيك – هي التي تشغل مركز الصين في هيئة الأمم المتحدة بجميع فروعها، مما أوجد حالة اضطراب سياسي لما تزل آثارها ظاهرة ملموسة حتى الآن. هذا وقد اعترفت جمهورية مصر بحكومة الصين الشعبية سنة 1956.
  • (13) اعترفت حكومة الجمهورية العربية المتحدة بحكومة جمهورية السودان التي تولت الحكم على أثر الانقلاب الذي حدث في السودان في 17 من نوفمبر 1958 بعد ساعات من تمام تشكيل الحكومة الجديدة، أي في 19 من نوفمبر سنة 1958. كما اعترفت حكومة الجمهورية العربية المتحدة بحكومة جمهورية العراق على أثر تغيير نظام الحكم في العراق من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري في 14 من يوليو 1958. وقد تم هذا الاعتراف في 15 يوليو 1958.
  • (14) يقابل هذه النظرية مذهب معارض يعرف باسم The Estrado  Doctrine، نسبة إلى وزير خارجية المكسيك الذي أعلن في سنة 1930 أنه “في حالة قيام حكومة في أية دوله نتيجة لانقلاب فإن المكسيك ستستمر في علاقتها الدبلوماسية مع الحكومة الجديدة دون بحث في شرعيتها”. انظر بحثًا لـ P.C. Jessup في المجلة الأمريكية للقانون الدولي، المجلد الخامس والعشرون ص 719، وعنوان هذا البحث: The Estrado Doctrine.
  • (15) جاء في المادة الأولى من هذه الاتفاقية ما يلي: Les Gouvernements des H.P.C. ne reconnaitraient aucun autre gouvernement qui dans l’une ou l’autre des cinq Républiques assumerait le pouvoir à la suite d’un coup d’Etat ou d’une révolution contre le gouvernement reconnu, jusqu’à ce que le représentants du peuple, librement élus, aient réorganisé constitutionnellement. انظر أيضًا المادة الثانية من معاهدة السلام والصداقة المنعقدة بين دول أمريكا الوسطي في 7 من فبراير سنة 1923.
  • (16) انظر مؤلف Alf Ross السابق الإشارة إليه، ص 122 وما بعدها.
  • (17) من الملاحظ أن ثوار الجزائر قد أقاموا حكومة مؤقتة للجزائر تقيم بالقاهرة، ومنذ أن تألفت هذه الحكومة في سنة 1958 اعترفت بها كل الدول العربية. وقد هددت فرنسا في يونيو 1959 بقطع علاقاتها السياسية مع أية دولة تعترف بحكومة الجزائر.
  • (18) لا يغير من هذا الوضع القانوني – في رأينا – أن عناصر الدولة في سوريا هي هي لم يطرأ عليها التغيير، ومما يؤيد هذا المعنى أنه عندما أحالت اللجنة القانونية للأمم المتحدة تقريرها الخاص بمسألة تقسيم الهند إلى دولتي الهند وباكستان تضمن تقريرها الفقـرتين التاليتين: I. “That as a general rule, it is in conformity with legal principles to pre sume that a State which is a member of the organization of the U.N. does not cease to be a member simply because its constitution or its frontier have been subjected to changes, and that the extinction of the State as legal personality recognized in the international order must be shown before its rights and obli gations can be considered thereby to have ceased to exist”. II. “That when a state is created, whatever may be the territory and the popu lations which it comprises and whether or not they formed part of a State member of the U.N., it cannot under the system of the Charter claim the status of a member of the U.N. unless it has been formally admitted as such in conformity with the provisions of the Charter”.

المراجع

  • كتاب القانون الدولي العام، تأليف الدكتور حامد سلطان، أستاذ ورئيبس قسم القانون الدولي العام، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، الطبعة الثانية، يناير 1965.
العلوم القانونية - الشخصية الدولية
الشخصية الدولية – نشوئها وانقضائها