الرئيسية » المراجع العلمية » العلوم القانونية » القانون العام » أشخاص القانون الدولي – معيار الشخصية الدولية

أشخاص القانون الدولي – معيار الشخصية الدولية

العلوم القانونية - أشخاص القانون الدولي - معيار الشخصية الدولية

آخر تحديث: يونيو 4, 2022

أشخاص القانون الدولي

أشخاص القانون الدولي، معيار الشخصية الدولية وملاحظات على أشخاص القانون الدولي، أمثلة وتطبيقات أشخاص القانون الدولي حسب معيار الشخصية الدولية: الأمم، القبائل وما في حكمها، الكنيسة الكاثوليكية، الدولة البابوية.

معيار الشخصية الدولية

سبق أن ذكرنا أن وظيفة القواعد القانونية هي فرض التزامات أو ترتيب حقوق في الحالات التي تحدث فيها وقائع معينة، أو التي تنشأ فيها روابط يعني بها فرع معين من فروع القانون. فالمشرع عندما يضع قاعدة قانونية ما، يفترض أن وقائع أو روابط معينة قد تنشأ أو تحدث في المستقبل، فيرتب على نشوئها أو حدوثها في المستقبل آثارًا قانونية محددة، وذلك بواسطة القاعدة القانونية التي يقوم بوضعها في هذا الخصوص. والآثار القانونية التي ترتبها القاعدة القانونية التي يضعها المشرع، هي إما تخويل حق، وإما فرض التزام. ومن تسند القاعدة القانونية إليه حقًا أو تفرض عليه التزامًا، أو بمعنى آخر، المخاطب بحكم القاعدة القانونية، أو محل التكليف فيها، يسمى في الاصطلاح: الشخص القانوني، ومن طبيعة كل نظام قانوني أن يكون له أشخاص تخاطبهم قواعده، فترتب لهم الحقوق أو تفرض عليهم الالتزامات، وهؤلاء هم أعضاء الهيئة التي ينظمها ويحكمها هذا النظام القانوني.

فالشخصية القانونية هي التعبير عن العلاقة التي تقوم بين وحدة معينة ونظام قانوني محدد. ويترتب على ذلك نتيجة مهمة: هي أنه لا توجد في النظم القانونية أشخاص بطبيعتها، وإنما توجد الأشخاص في هذه النظم بالقدر وفي الحدود التي يقررها كل نظام من هذه الأنظمة، عن طريق تعيين من له الاستمتاع بالحقوق فيها ومن عليه أداء الالتزامات في نطاقها، أو بتعبير آخر عن طريق تعيين من له الأهلية القانونية. فالأشخاص إذن لا توجد في نظام قانوني معين بطبيعتها، وإنما توجد بفعل هذا النظام، وفي الدائرة التي يقوم هو برسمها.

وقد تكون الوحدة المعينة شخصًا في نظام قانوني ما، ولكن هذا لا يستتبع – بحكم الضرورة – أن تكون شخصًا قانونيًا في نظام قانوني آخر، لأن كل نظام قانوني يستقل بتعيين أشخاصه. وقد تكون الوحدة المعينـة شخصًا قانونيًا في أكثر من نظام قانوني، نتيجة لاكتسابها هذا الوصف في هذه النظم عن طريق ترتيب الأهلية القانونية لها. وعندئذٍ تكون هذه الوحدة المعينة محلا للتكليف بالقدر، وبالأوصاف، وفي الحدود التي يقوم بتعيينها كل نظام من هذه الأنظمة القانونية.

فالفرد مثلا يُعد شخصًا في الأنظمة القانونية الداخلية، ذلك لأنه من المُخاطبين بأحكام هذه القوانين، إذ هي ترتب له حقوقًا وتفرض عليه التزامات متى تحققت وقائع معينة، أو نشأت بينه وبين غيره روابط معينة. ولا يمكن القول بأنه شخص بطبيعته، لأنه ليس لطبيعته الإنسانية دخل في إطلاق وصف الشخصية القانونية عليه، إذ أن هذه يتكفل بتعيينها النظام القانون الداخلي. ويكفي للتدليل على ذلك أن نذكر أن الرقيق لم يكن يستمتع قديمًا بوصف الشخصية القانونية، لأن أحكام النظم القانونية الداخلية لم تكن تخاطبه وقتذاك، ولم تكن تخوله حقوقًا أو تفرض عليه التزامات، على الرغم من توافر صفات الإنسان فيه. وكذلك الأمر أيضًا بالنسبة لنظام الموت المدني الذي كان يسود بعض النظم القانونية.

فالفرد إذن يتمتع بالحقوق، وتُفرض عليه الالتزامات بالقدر، والأوصاف، وفي الحدود التي تعينها النظم القانونية الداخلية، وهذا الفرد نفسه لا يُعد شخص في النظام القانوني الدولي، لأن هذا النظام لا يكسبه حقًا، ولا يفرض عليه التزامًا، ولا تخاطبه قواعده خطابًا مباشرًا. فليس لكونه من أشخاص القانون الداخلي أي أثر في اكتسابه هذا الوصف في النظام القانوني الدولي. والقول بأن أحكام القانون الدولي تخاطب الفرد لأنها تقضي مثلا بأنه يجوز لكل دولة أن تعاقب كل من يحترف مهنـة القرصنة (1)، أو لأن المادة 227 من معاهدة فرساي ألزمت ألمانيا بأن تسلم للحلفاء كل شخص اتهم بأنه قام بأعمال تُعد خرقًا لقوانين الحرب، أو لأن إبادة الأجناس صـارت جريمة دولية، قول يعوزه الأساس السليم: لأن المخاطب في هذه الحالة ليس الأفراد وإنما الدول، إذ هي التي تستمتع أو تلتزم مباشرة في هذه الحالات بحقوق والتزامات معينة، لم تكن لتستمتع أو تلتزم بها ما لم توجد هـذه القواعد.

والدولة مثلا تُعد شخصًا من أشخاص القانون الداخلي، وتعُد أيضًا شخصًا من أشخاص القانون الدولي. وليس معنى هذا أن مركزها في النظامين واحد، لأن كل نظام منهما يحدد مركزها بما يتفق مع طبيعته. فالدولة في القانون الداخلي هي السلطة العليا في غالبية الأحوال، ما لم تزاول نشاطها بوصفها شخصًا عاديًا لا بوصفها السلطة السيدة، في حين أنها في ميدان القانون الدولي شخص يتساوى مع سائر المخاطبين بأحكام هذا القانون.

ولما كان معنى الشخصية القانونية في نظام قانوني ما هو أن يكون الشخص مخاطبًا بأحكام هذا القانون، فإنه يترتب على ذلك أن يكون كل نظام قانوني صاحب الحق في تعيين من يصدق عليه هذا الوصف. ومن ثم يكون القانون الدولي صاحب الاختصاص في تعيين أشخاص القانون الدولي (2).

ولقد سبق أن ذكرنا أن النظام القانوني الدولي مجموعة من القواعد القانونية التي تقوم على التراضي بين الجموع الإنسانية المستقلة الكاملة السيادة والسلطان، وأن أساس الإلزام في هـذه القواعد هو مبدأ وجوب الوفاء للعهد. كما ذكرنا أن الجموع الإنسانية – التي سبق الكلام عنها، والتي استقر كل جمع منها في جزء معين محدود من المعمورة، وظهر أمام غيره من الجموع المماثلة بمظهر الاستقلال وعدم الخضوع لسلطة تسمو على سلطته الذاتية – هي الجموع التي يعوّل على رضاها في نشوء القواعد القانونية الدولية.

وعلى ذلك فهي الوحدات التي تنشئ أحكام القانون الدولي، وهي أيضًا، وفي الوقت عينه، الوحدات التي تخاطبها أحكام هذا القانون. ويترتب على ذلك منطقيًا أن الشخصية القانونية الدولية تتحدد باجتماع وصفين: الأول: أن تكون الوحدة قادرة على إنشاء قواعد قانونية دولية بواسطة التراضي مع غيرها من الوحدات المماثلة على إنشاء هذه القواعد. والثاني: أن تكون الوحدة من المخاطبين بأحكام القواعد القانونية أن تكون لها أهلية الوجوب وأهلية الأداء، أي أهلية التمتع بالحقوق، وأهلية الالتزام بالواجبات.

والقدرة على إنشاء القواعد القانونية الدولية كانت تثبت في الأصل لكل وحدة اجتماعية وسياسية تدين بالمسيحية، وتستقر على إقليم محدود في أوروبا، وتحكم نفسها حكمًا ذاتيًا، ولا تخضع قانونًا في علاقاتها مع غيرها من الوحدات المماثلة لسلطة تسمو على سلطتها، بل تقوم معاملاتها مع تلك الوحدات على أساس من الحرية والاستقلال والمساواة. وكان يصدق على هذه الوحدات وصف العضوية في الأسرة الدولية، ثم تعدل الوصف بعد ذلك، فصار وصف “الدولة” بالمعنى المصطلح عليه في النظام القانوني الدولي، لا بالمعنى الذي قد يصطلح عليه في غيره من النظم.

وقد سبق أن ذكرنا أن هذه الحال قد تطورت مع مرور الزمان، فزال عن النظام القانوني الدولي ذلك الطابع الطائفي الإقليمي الذي طبع به عند نشأته، وتقبلت الأسرة الدولية في عضويتها وحدات يدين أفرادها بغير الدين المسيحي أو يقيمون في أقاليم غير أوروبية. وطبيعي أن يقوم هذا القبول على الرضا المتبادل بين الأعضاء القدامى في الأسرة الدولية والأعضاء الذين قبلوا فيها حديثًا، ويأتي هذا الرضا عن طريق الاعتراف لهذه الدول غير المسيحية أو غير الأوروبية أو غير المسيحية وغير الأوربية معًا بالقدرة على إنشاء القواعد القانونية الدولية بالتراضي مع غيرها من الوحدات المماثلة. وقد أحدث هذا التطور بعض البلبلة في آراء بعض المؤلفين، وفي تفسيراتهم، وعلى الأخص على أثر قبـول بعض الوحدات الآسيوية والأفريقية في أسرة الدول، والاعتراف لها بالقدرة على إنشاء القواعد القانونية الدولية بالتراضي مع غيرها من أعضاء هذه الأسرة.

وتفصيل ذلك أنه عقب الحرب العالمية الأولى مثلا اشـترك أعضـاء الدومنيون البريطاني والهند في التوقيع على معاهدات الصلح، كما اشتركوا في عضوية عصبة الأمم على قدم المساواة مع سائر دول الحلفاء. ولم يكن وصف الدولة – بالمعنى المتعارف عليه في القانون العام الداخلي – يصدق وقتئذ على أي عضو من أعضاء الدومينون، أو على الهند. لذلك اتجه فريق من رجال الفقه إلى وضع الأبحاث المختلفة لتسويغ هذا الاشتراك ولتفسيره، ولتحديد المركز القانوني الذي يشغله أعضاء الدومنيون البريطاني. غير أن أبحاثهم اتسمت بكثير من الغموض والبعد عن الصـواب. ولعل السبب الحقيقي لمجانبتهم شاكلة الصواب في أبحاثهم هو أنهم اتخذوا التعريف الذي وضعه للدولة القانون الداخلي بداية لبحثهم، وتجاهلوا أن كل نظام قانوني يستقل بأوضاعه وتعاريفه ومعانيه، وأن معنى الدولة قد يختلف في القانون الدولي عنه في القانون العـام الداخلي، وأنه قد زال عن النظام القانوني الدولي طابعه الطائفي الإقليمي.

ومن جهة أخرى، فإن هذا الفريق من العلماء بدلا من أن يقرر أن الدول وحدها هي التي تنشئ القواعد القانونية بالتراضي على إنشائها، ادعى أن الدول هي وحدها التي يمكن أن يصدق عليها وصف الشخصية الدولية. وبذلك خلط أصحاب هذا القول الشخصية الدولية بالدولة، فخلطوا بين الوصف وبين الموصـوف، وتجاهلوا تطور الأوضاع والحاجات في الدائرة الدولية، وما يستلزمه هذا التطور من مواجهة حقائق المجتمع الدولي.

وقد أشار إلى تطور الأوضاع والحاجات، في نطاق تاريخ المجتمع الدولي، الرأي الإفتائي الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في 11 من إبريل 1949 في مسألة تعويض الأضرار التي تصيب أعضاء الأمانة العامة للأمم المتحدة في أثناء تأدية وظائفهم. وقد قالت المحكمة في رأيها: “أن أشخاص القانون في أي نظام قانوني ليسوا – بحكم الضرورة – متطابقين في الطبيعة أو في مدى الحقوق. فطبيعتهم القانونية متوقفة على حاجات الجماعة. وتطور القانون الدولي – خلال تاريخه كله – كان متأثرًا بمطالب الحياة الدولية. وكان النمو الإطرادي للنشاط الجماعي للدول قد أدى إلى نشوء حالات من العمل على المستوى الدولي تصدر من هيئات لا يصدق عليها وصف الدول بالمعنى المفهوم” (3).

والوضع الصحيح للمسألة الآن – كما سبق القول – هو أن كل وحدة اجتماعية مستقرة على إقليم محدود وتحكم نفسها حكمًا ذاتيًا، وتقوم معاملاتها مع غيرها من الوحدات على أساس من الحرية والاستقلال، تثبت لها القدرة على إنشاء القواعد القانونية الدولية. وظاهر أن مرجع الأمر في ثبوت هذه القدرة لها هو رضاء سائر الوحدات المماثلة لها بالتعامل معها على هذا الأساس. ولقد ثبت هذا الوصف لأعضاء الدومنيون البريطاني، وللهند، بموافقة سائر الأشخاص الدولية التي وضعت أحكام معاهدة صلح فرساي، بأن سمحت لها بالاشتراك معها على قدم المساواة في إنشاء القواعد القانونية التي تضمنتها هذه المعاهدة، كما سمحت لها بالاشتراك في تأسيس عصبة الأمم.

ومما يزيد في التدليل على صحة هذا الرأي أن المادة الأولى من عهد عصبة الأمم – وهي التي نظمت مسألة العضوية في العصبة – بعد أن ذكرت الأعضاء الأصليون فيها، استطردت فقالت انه “يجوز لكل دولة أو دومنيون أو مستعمرة متمتعة بالحكم الذاتي الكامل أن تنتخب عضوًا في العصبة، إذا وافق على دخولها ثلثا أعضاء الجمعية العامة، بشرط أن تقدم الضمان الكافي على نيتها الخالصة في احترام التزاماتها الدولية، وأن تقبل كل ما تضعه العصبة من النظم خاصًا بالتسليح وبالقوى البرية والبحرية”. وظاهر أن النص الإنجليزي لهذه المادة يشترط في كل من الدولة والدومنيون والمستعمرات أن تحكم نفسها بنفسها any fully self – governing state dominion or colon مما يجعل المعيار الحقيقي في هذا الخصوص التمتع بالحكم الذاتي الكامل (4).

ومن الواجب أن نلاحظ أخيرًا أنه إذا أريد استعمال لفظ الدولة في نطاق القانون الدولي، لما ينطوي عليه هذا اللفظ من يسر وتبسيط، فإنه يجب أن يكون مفهومًا أن المقصود به هو المدلول الذي يحدده القانون الدولي وحده، لا المدلول الذي يحدده علم الاجتماع، أو التاريخ، أو القانون العام الداخلي. ولذلك يجب أن يقتصر استعمال لفظ الدولة في النطاق الدولي للدلالة على الوحدات الاجتماعية التي تحكم نفسها حكمًا ذاتيًا كاملا، ومن ثم تكون لها القدرة على إنشاء القواعد القانونية الدولية على أساس التراضي القائم بينها. وقد التزم واضعو ميثاق الأمم المتحدة هـذا النهج، فقرروا في المادة الرابعة منه أن “العضوية في الأمم المتحدة مباحة لجميع الدول الأخرى المحبة للسلام، والتي تتحمل الالتزامات التي يتضمنها هذا الميثاق، والتي ترى الهيئة أنها قادرة على تنفيذ هذه الالتزامات، راغبة فيه”.

ويُستخلص من مختلف التصريحات التي أدلى بها مندوبو الدول (5) أن لفظ الدولة يعني، في هذه الحالة، الوحدة الاجتماعية الإقليمية التي تستمتع بالحكم الذاتي الكامل. وهذا المعيار هو الذي اتخذ أساسًا للتمييز بين الدول وبين غيرها من الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، كما هو ظاهر من أحكام الفصل الحادي عشر من الميثاق الذي يتعلق بالتصريح الخاص بهذه الأقاليم، ومن أحكام الفصل الثاني عشر من الميثاق، وهو الفصل المتعلق بنظام الوصاية الدولي (6).

ومن الأمور الظاهرة الآن أن كل وحدة اجتماعية، تثبت لها القدرة على إنشاء القواعد القانونية بالتراضي مع غيرها من الوحدات المماثلة لها، يصدق عليها في الوقت عينه وصف المخاطب بأحكام القواعد القانونية الدولية التي اشتركت في إنشائها، أو التي ارتضتها صراحة أو ضمنًا. ذلك لأن أحكام القانون الدولي قائمة على التراضي كما سبق القول، ولأن الوضع القائم في النطاق الدولي يحتم أن يكون واضعو القاعدة هم المخاطبين بحكمها. وبعبارة أخرى فإن أهلية التمتع بالحقوق والالتزام بالواجبات التي ترتبها القاعدة القانونية الدولية تثبت – أول ما تثبت – للوحدات التي تراضت على وضع هذه القاعدة، والتي كانت لها القدرة على إنشائها.

غير أنه إذا كان التمتع بوصف القدرة على إنشاء القواعد القانونية الدولية يترتب عليه حتمًا اكتساب الأهلية القانونية الدولية، إلا أن العكس غير صحيح دائمًا. ذلك لأنه من الممكن في القانون الدولي تصور وجود وحدة تتمتع بحقوق رتبتها لها قواعد قانونية دولية، من غير أن يكون لهذه الوحدة القدرة على إنشاء القواعد القانونية بالتراضي. فمن الجائز مثلا أن تتراضي أشخاص القانون الدولي على ترتيب حقوق دولية للفرد، كما حدث مثلا في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي تراضي على إصداره أعضاء الأمم المتحدة في 10 من ديسمبر سنة 1948 (7). وهذه الحقوق يمارسها الفرد في مواجهة أشخاص القانون الدولي التي اتفقت فيما بينها على ترتيبها له.

غير أنه من الثابت أن الفرد حتى الآن لا يستطيع أن ينشئ قواعد قانونية دولية بالاتفاق مع غيره من الأفراد، أو باتفاقه مع شخص من أشخاص القانون الدولي. فوصف التمتع بالحق الدولي في النطاق الدولي لا ينبني عليه في هذه الحالة وصف القدرة على إنشاء القواعد القانونية الدولية. وكذلك قد تتراضي أشخاص القانون الدولي على ترتيب التزام دولي في ذمة الفرد، كما هي الحالة في الاتفاقيـة الخاصـة بجريمة إبادة الأجناس Genocide، التي عقدها أعضاء الأمم المتحدة في 9 من ديسمبر سنة 1948. فقد فرضت هذه الاتفاقية على الأفراد الامتناع عن القيام بأعمال معينة، واعتبرت أن مخالفة هذا الالتزام تُعد جريمة دولية (8). ومع ذلك فإن تحمل هذا الالتزام لا يكسب الأفراد القدرة على إنشاء القواعد القانونية الدولية.

ملاحظات على أشخاص القانون الدولي

ويلاحظ في هذا الشأن أيضًا أن شخصًا من أشخاص القانون الدولي قد يعترف لهيئـة ثورية قامت في أرجاء إقليمه بوصف المحاربين، فيترتب على اعترافه أن تصبح لهذه الهيئة الثورية أهلية التمتع بالحقوق والالتزام بالواجبات في الحدود التي ترسمها قوانين الحرب فقط. غير أن هذه الهيئة الثورية لا تكتسب القدرة على إنشاء القواعد القانونية الدولية، إلا إذا اعترفت لها أشخاص دولية أخرى بهذه القدرة، وتعاملت معها على هذا الأساس (9).

ويلاحظ أيضًا أن الدول قد تتراضي فيما بينها على إنشاء هيئات أو منظمات تخولها الحق في مزاولة نوع من النشاط الدولي. وحتى تستطيع هذه الهيئات أو المنظمات أن تمارس اختصاصها الدولي وترتب الآثار القانونية على الأعمال التي تقوم بها في نطاق الحياة الدولية يجب أن تكون لها الشخصية الدولية، وهذه الشخصية الدولية تكتسبها الهيئة أو المنظمة بمقتضى رضا الدول التي أنشأتها بالاتفاق فيما بينها، وتكون هذه الشخصية القانونية بالوصف، وبالقدر، وبالحدود التي ذكرها الاتفاق الدولي الذي أنشأها. بمعنى أن الحقوق والواجبات والأعمال التي تزاولها لا يثبت لها الحق القانوني في ممارستها إلا في نطاق الاتفاق الذي تم بين الدول التي تراضت على إنشاء هذه الهيئة أو المنظمة الدولية.

وقد ذكر القاضي “عبد الحميد بدوي” في الرأي المخالف الذي ألحقه بالرأي الإفتائي الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في قضية “تعويض الأضرار” التي سبق أن أشرنا إليها، ذكر ما یلي: “… ليس هناك قانون مشترك للأشخاص الدولية، فهناك – في جانب – الدول بما لها من خصائص وحقوق وواجبات مشتركة يعترف بهـا القانون الدولي، وهناك – في جانب آخر – مجموعة من الأشخاص لها خصائص ومراكز مختلفة، ومن بينها الاتحادات واللجان والتجمعات الدولية، وهي كلها تحمل أسماء مختلفة، ومن بينها أيضًا الوكالات المتخصصة كهيئة العمل الدولية، وهيئة الصحة العالمية، وهيئة الأطعمة والزراعة، والبنك الدولي، واليونسكو، وأخيرًا الأمم المتحدة.

ومع وجود بعض أوجه الشبه بين الهيئات إلا أن كلا منها يتوقف – فيما يتعلق بأغراضه، ومبادئه، وتنظيمه، واختصاصه، وحقوقه وواجباته – على الاتفاق المنشئ لها، ولا يفترض قيامها إلا لصالح الدول التي وقعته وصادقت عليه أو التي أنضمت إليه” (10).

ويلاحظ أيضًا أن معيار التمتع بالأهلية القانونية الدولية هو أن يكون الخطاب الصادر من القاعدة القانونية الدولية موجهًا مباشرة إلى الوحدة التي تستمتع بالحق أو تلتزم بالواجب. أما إن كان التخاطب بين القاعدة القانونية والوحدة تخاطبًا غير مباشر، فلا تثبت الأهلية القانونية الدولية للوحدة في هذه الحالة. ومثال ذلك أن توجه القاعدة القانونية الدولية الخطاب مباشرة إلى دولة معينة، فتخولها حقًا أو تفرض عليها التزامًا، فيستمتع رعايا الدولة بما لدولتهم من حق، ويلتزمون بما فرض عليهـا من واجب. فالخطاب هنا موجه من القاعدة القانونية للدولة مباشرة، ثم لرعاياها عن طريق غير مباشر هو طريق دولتهم. ومن ثم فإن الأهلية القانونية الدولية تثبت في هذه الحالة للدولة، ولا تثبت لرعاياها، لفقدان الصلة المباشرة التي تجعلهم محلا للتكليف.

ولا محل للقول هنا بأن الحقوق التي تستمتع بها الدولة أو الواجبات التي تلتزم بها إنما يستمتع ويلتزم بها آخر الأمر رعاياها، ومن ثم فهم أصحاب الأهلية القانونية الحقيقية. ذلك أن هذا القول في الواقع يتجاهل الوضع القائم في القانون الدولي، الذي ينظر إلى الجمع الذي يكون شعب الدولة، ولا ينظر لأفراده، فيجعل من الجمع ذاته وحدة إسناد قانونية تخولها قواعده الحقوق الدولية وتفرض عليها الالتزامات الدولية.

أمثلة وتطبيقات أشخاص القانون الدولي

والآن وقد بينا أن المعيار الحقيقي لثبوت وصف الشخصية الدولية في وحدة معينة، هو أن يجتمع فيها وصـفا القدرة على إنشاء القواعد القانونية الدولية والتمتع بالأهلية القانونية الدولية، فإننا نذكر هنا في إيجاز وعلى سبيل المثال بعض التطبيقات لهذا المعيار.

أولا: الأمم Les Nations

ادعي فريق من العلماء الإيطاليين – بزعامة منشيني – أن الأمم هي وحدها التي يصـدق عليهـا وصف الشخصية الدولية. ذلك لأن الأمم من عمل الله، في حين أن الدول قد خلقت عن طريق الصناعة والتحكم، وكثيرًا ما تقوم على أساس من الإكراه والغش. والأمة – في رأي منشيني وأنصاره – جمع من الناس، تربطهم فيما بينهم روابط مشتركة من وحدة الدم والدين واللغة والعادات والأماني العامة. وكل جمع هذا شأنه له الحق في أن يحيا على إقليم معين محدود، وفي أن يحكم نفسه حكمًا ذاتيًا. وبعبارة أخرى لكل أمة – في رأي منشيني وأنصاره – الحق في أن تتحول إلى دولة. وكل دولة لا تقوم على هذا الأساس تكون معتدية ظالمة (11).

ولا اعتراض على هذا الرأي إن كان يكتفى بتقرير مبدأ للعدالة المثالية. أما إن كان يدعي أن له من القانون الدولي أساسًا مكينًا، فلا غنى عن التصدي له بالبحث، على أساس المعيار الذي سبق وضعه. وظاهر أن تطبيق هذا المعيار يؤدي إلى التقرير بأن الأمم ليس لها الشخصية الدولية. فوصف القدرة على إنشاء القواعد القانونية الدولية بالتراضي لم يثبت لها. صحيح أن دول الحلفاء قد اعترفت إبان الحرب العالمية الأولى ببعض الأمم التي كانت تكوّن شعب الإمبراطورية النمساوية، إلا أن هـذا الاعتراف كان يرمي إلى إنشاء هيئات وطنية داخل دول الأعداء، تعمل بمختلف الوسائل على عرقلة المجهود الحربي لهذه الدول. فالغرض من هذا الاعتراف كان سياسيًا وحربيًا فقط، ولم يكن له أي أثر قانوني. ولم تكتسب هذه الأمم القدرة على إنشاء القواعد الدولية بالتراضي، إلا بعد أن رفعتها معاهدة فرساي إلى مرتبة الدول (12).

وكذلك ليس للأمم حتى الآن الأهلية القانونية الدولية، لأن أحكام القانون الدولي لا تخاطبها مباشرة، وإنما تخاطبها عن طريق دولها. فمعاهدات صلح سان جرمان، وتريانون، ولوزان – التي أعقبت الحرب العالمية الأولى – تلزم بعض أطرافها بحماية ما لديها من الأقليات الجنسية والدينية واللغوية. وهذا الالتزام تتحمله الدولة في مواجهة الدول الأخرى المتعاقدة معها على ذلك. فالخطاب هنا موجه للدول، وليس موجها للأقليات.

وعلى أساس عدم اجتماع وصفي القدرة على إنشاء القواعد القانونية الدولية والأهلية القانونية في الأمم، يجب أن نقرر أن وصف الشخصية الدولية ليس ثابتًا لها.

ثانيًا: القبائل وما في حكمها

ليس للقبائل، أو لما في حكمها من الجموع غير المنظمة، التي تعوزها الحضارة، أو التي تنقصها القدرة على تفهّم الأحكام القانونية الدولية، أو الرضا بها… ليس لمثل هذه الجموع – في الوقت الحاضر على الأقل – القدرة على إنشاء القواعد القانونية والدولية لسبب ظاهر: هو إما عدم توافر الرضا لديها بهذه الأحكام، وإما لأن رضاها بها لا يمكن التعويل عليه لفقدان الإدراك القانوني ومن ثم الإرادة السليمة الصحيحة. ويترتب على ذلك أن ما تعقده مثل هذه الجموع فيما بينها من اتفاقات، أو ما يبرمه جمع منها مع شخص من أشخاص القانون الدولي، لا تحكمه قواعد القانون الدولي، لا من حيث الشكل ولا من حيث الموضوع، وليس له سوى القيمـة الأدبيـة.

ويترتب على ذلك التقرير بأن ليس لمثل هذه الجموع الأهلية القانونية الدولية أيضًا، ومن ثم فإن وصف الشخصية الدولية لا يصدق عليها (13). غير أن بعض العلماء حاولوا تسويغ الاعتراف بالشخصية الدولية لهذه الجموع في نطاق وضعوا له حدودًا معينة، وذلك لأسباب سياسية استعمارية واستغلالية واضحة. وتفصيل ذلك أن بعض الدول الاستعمارية لجأت في القرن التاسع عشر إلى عقد اتفاقات مع بعض القبائل والإمارات الأفريقية، بمقتضاها فرضت الدولة حمايتها على القبيلة أو الإمارة، ووضعتها تحت سيادتها، وهذا ما يسمى باتفاق الحماية الاستعمارية. وقد تنافست الدول الأوربية الاستعمارية على عقد مثل هذه الاتفاقات، واحتج بها بعضها إزاء بعض، إلى أن عقدت الدول معاهدة برلين في 16 من فبراير سنة 1885، ومعاهدة بروكسل في 2 من يوليو سنة 1890، لوضع حد لهذا التنافس، ولتنظيم وسائل الاستعمار فيما بينها.

ولقد ثار النقاش في الفقه فيما يتعلق بالقيمة الحقيقية لاتفاقات الحماية الاستعمارية وهل لها الطبيعة القانونية أم أنها لا تتعدى النطاق الأدبي. فادعى فريق من العلماء – بزعامة أنزيلوتي (14) – أن اتفاق الحماية الاستعمارية اتفاق دولي بمعنى الكلمة، وأن مثل هذا الاتفاق يرتب كل الآثار القانونية التي تترتب عادة على الاتفاقات التي تتم بين أشخاص القانون الدولي، وأن أساس قوته الإلزامية مبدأ وجوب الوفاء للعهد. أما غير ذلك من الاتفاقات التي تعقدها القبيلة فليس لها قيمة قانونية، بل تدخل في النطاق الأدبي فقط. وزعم غيره (15) أن الدولة الاستعمارية المتعاقدة، عندما تتفق مع القبيلة، تقرر في الوقت الذي تتعاقد فيـه أن للقبيلة شخصية قانونية افتراضية، تكتسبها عند التعاقد ثم تفقدها بعد إبرامه مباشرة.

وظاهر أن التدليل الأول والتدليل الثاني قائمان على التحيز السياسي الاستعماري الاستغلالي لا على مبادئ القانون، وذلك بقصـد إضفاء الطبيعة القانونية على اتفاق ليس له هذا الوصف. فليس من المنطق في شيء أن تكون لوحـدة معينة القدرة على إنشاء قواعـد قانونية دولية بالاتفاق مع شخص واحد من أشخاص القانون الدولي، وأن تفقد هذه القدرة إذا ما أرادت الاتفاق مع غيره من أشخاص القانون الدولي أو مع الوحدات المماثلة لها. وليس من المنطق في شيء أن تفترض لهـذه الوحدة شخصية قانونية لمناسبة عقد اتفاق بعينه، ثم تزول عنها هذه الشخصية بزوال المناسبة التي قام في شأنها الافتراض.

وليس من المقبول أن تعتبر الدول الاستعمارية الأوروبية مثل هذه القبائل من غير أعضـاء الأسرة الدولية، وفي الوقت نفسه تفرض عليها أحكام قانون الأسرة الدولية في مناسبة اتفاق واحد بعينه، وهو الاتفاق الذي يكون من شأنه أن يضع هذه القبائل في الوضع الذي لا يستقيم مع السيادة أو الاستقلال. وإذا فرض واتخذ مبدأ وجوب الوفاء للعهد أساسًا لصحة اتفاق الحماية الاستعمارية، فإنه يجب أن تقرر أن لهذه الوحدة إرادة سليمة صحيحة يحترمها القانون الدولي، ويترتب عليها جميع الآثار القانونية التي تترتب عادة على الرضا الصحيح. ومن ثم يجب أن نقرر صحة جميع الاتفاقات التي تعقدها هذه الوحدة مع الوحـدات المماثلة لها ومع سائر أشخاص القانون الدولي، وهذا ما لم يقل به أحد من الذين ادعوا بصحة الحماية الاستعمارية.

ويلاحظ أخيرًا أن عهد عصبة الأمم وميثاق الأمم المتحدة قد قضيا على هذا المذهب بصفة حاسمة. وذلك لأن أحكام هذين الاتفاقين الجماعيين لم تسمح بأن تكون الوحدة المشمولة بالانتداب أو الوصاية طرفًا في الاتفاق الذي يكسبها هذا الوصف، بل قررت أحكام العهد ومن بعدها أحكام الميثاق أن اتفاق الانتداب أو اتفاق الوصاية تباشره عصبة الأمم أو هيئة الأمم المتحدة مع الدولة المنتدبة أو مع الدولة الوصية، نيابة عن الأسرة الدولية. وعلى ذلك فإنه يجب أن نقرر أن اتفاق الحماية الاستعمارية اتفاق باطل لا يقوم على أي أساس من القانون.

ثالثًا: الكنيسة الكاثوليكية

من المبادئ المُجمع عليها أن المركز القانوني للجماعة الدينية يخضع من حيث تنظيمه للقانون الداخلي في كل دولة، ولا صلة له بالنظام القانوني الدولي. غير أن الرأي قد تفرق في الفقه في شأن تحديد المركز القانوني للكنيسة الكاثوليكية، لما تتميز به هذه الهيئة الدينية من صفة عالمية، ونظام خاص دام عشرين قرنًا ولا يزال للآن قائمًا (16). وقديمًا شاركت مبادئ الدين المسيحي بقدر موفور في تطور القانون الدولي، حتى أنه في وقت ما كانت دائرة تطبيق هذا القانون مقصورة على الدول الأوربية المسيحية الكاثوليكية لا تتعداها إلى غيرها. وكان من الأمور الطبيعية – والأمر كذلك – أن يقرر بعض رجال الفقه الدولي أن الكنيسة الكاثوليكية تستمتع بوصف الشخصية الدولية، على أساس ما تتميز به من خصائص ذاتية تتيح لها ممارسة نشاطها في جل الدول المسيحية وغيرها، مهما تختلف النظم القانونية التي تسودها.

وليس من شك في أن هذا الرأي يقوم على تدليل لا صلة له بالقانون، ويستوحي اعتبارات خارجة عن نطاقه. والرأي الصواب يدعو إلى بحث مركز الكنيسة الكاثوليكية في الدائرة الدولية، على ضوء المعيار الذي سبق بيانه. فإن اجتمع فيها وصف القدرة على إنشاء القواعد القانونية الدولية ووصـف التمتع بالأهلية القانونية الدولية، ثبت للكنيسة الكاثوليكية وصف الشخصية الدولية. وإن لم تجتمع فيها هاتان الخصيصتان، كانت من غير أشخاص القانون الدولي.

فمن المعلوم أن الكنيسة الكاثوليكية لا تزاول الآن سـوى النشاط الديني. وفي سبيل تنظيم المسائل المتعلقة بالعقائد وما قد يتفرع عليها، كثيرًا ما تعقد الكنيسة مع الدول المسيحية الكاثوليكية اتفاقات يطلق عليها في الاصطلاح اسم Concordats، وذلك لتمييزها من المعاهدات الدوليـة بالمعنى المصطلح عليه. وليس للكنيسة أن تعقد اتفاقات مع الدول في غير نطاق الشئون الدينية، إذ ليس لها قط أن تتعاقد دولة معينة على شئون دنيوية، قانونية كانت أو سياسية أو تجارية. ولتحديد طبيعة هذا التعاقد الخاص يجب أن تتفحصه على أساس سليم.

فالدولة المسيحية عندما تتعاقد مع الكنيسة على تنظيم الشئون الدينية في داخل إقليمها، تنظر إلى هذا الاتفاق على اعتبار أنها صاحبة الاختصاص الأصلي في تنظيم شئون العقائد وما قد يتفرع عليها من آثار مدنية داخل إقليمها، وذلك وفقًا لقانونها العام الداخلي، وأنها بتعاقدها هذا إنما تتنازل للكنيسة عن بعض اختصاصها بمنحها امتيازات معينة. أما الكنيسة فتنظر إلى هذا التعاقد نظرة مغايرة، إذ هي لا تزال تعتقد أنها صاحبة الاختصاص الأول في تنظيم شئون الدين لمعتنقي الكاثوليكية، وفقًا لأحكام القانون الكنسي الذي قامت هي بوضعه، وأنها بتعاقدها مع دولة معينة تتنازل عن بعض اختصاصها لها بمنحها امتيازات معينة. فالتعاقد يقوم في نظر الدولة على أساس القانون العام الداخلي، شأنه في ذلك شأن التعاقد الذي يقوم بين الدولة من جهة وفرد من الأفراد أو شركة من الشركات من جهة أخرى (17). أما التعاقد عند الكنيسة فيقوم على أساس كنسي.

وظاهر أن القانون الدولي لا شأن له بهذا التعاقد، إذ أن الطرفين لا يعولان عليه في هذه الحالة. وعلى ضوء ما سبق بيانه يكون وضع الكنيسة في هذه الحالة مماثلا لوضع أية هيئة أخرى تتعاقد مع الدولة في ظل نظام قانوني ما. غير أنه من المقطوع به أن هذا النظام ليس النظام القانوني الدولي في هذه الحالة، ومن ثم فإن التعاقد لا ينتج قواعد قانونية دولية. وعليه فلا تثبت للكنيسة القدرة على إنشاء قواعد قانونية دولية بالتراضي. ولا يكفي أن يُقال أن أحد أطراف هذا التعاقد شخص دولي وأن هذا يستتبع أن يكون الطرف الآخر شخصًا دوليًا أيضًا، وذلك لأن الشخص الدولي – وهو الدولة المتعاقدة في هذه الحالة – هو أيضًا من أشخاص النظام القانوني الداخلي، وقد يتعاقد مع الغير على أساس هذا الوصف.

والعبرة في ذلك بطبيعة التعاقد وموضوعه وآثاره، ولا يمكن أن نقرر جزافًا أن كل تعاقد يكون أحد أطرافه من أشخاص القانون الدولي هو تعاقد دولي، وإلا لكانت نتيجة ذلك أن تصبح كل العقود التي تكون الدولة طرفًا فيها معاهدات دولية. ومن جهة أخرى لو أنه ثبت للكنيسة الكاثوليكية القدرة على إنشاء القواعد القانونية الدولية، لكان لها الحق في التعاقد مع أي شخص من أشخاص القانون الدولي على أية مسألة، مهما يكن موضوعها، كالمسائل السياسية والقانونية والتجارية وغيرها، وأن تشترك في عصبة الأمم، وهيئة الأمم المتحدة، وهذا ما لم يدعِه أحد قط (18).

وظاهر أيضًا أن الكنيسة الكاثوليكية لا تستمتع بالأهلية القانونية الدولية، ذلك لأن قواعد العرف الدولي لا تخاطبها، وهي لا تستطيع أن تكون من المخاطبين بأحكام المعاهدات لأنها لا تستطيع أن تكون طرفًا في إنشائها. وينبني على هذا كله أن الكنيسة الكاثوليكية لا تعد شخصًا من أشخاص القانون الدولي (19).

رابعًا: الدولة البابوية

كانت الدولة البابوية حتى سنة 1870 دولة مستقلة لها إقليم وشعب وسيادة، وكان يرأسها البابا، وكانت تستمتع – بوصفها دولة تحكم نفسها حكمًا ذاتيًا – بالقدرة على إنشاء القواعد القانونية بالتراضي مع غيرها من الوحدات المماثلة، وبالأهلية القانونية الدولية، ومن ثم كان يصدق عليها وصف الشخصية الدولية. ويلاحظ أن رئيس هذه الدولة كان في الوقت عينه رئيسًا للكنيسة الكاثوليكية. وقد سبق أن بينا أن هذه الكنيسة لا تعد من أشخاص القانون الدولي، ولذلك فإنه يجب التفريق بينها وبين الدولة البابوية.

كما يجب التفريق بين الروابط التي يرتبط بها البابا بوصفه رئيسًا للكنيسة، والروابط التي كان يرتبط بها بوصفه رئيسًا للدولة البابوية، وذلك لاختلاف هذين النوعين من الروابط، من حيث الطبيعة ومن حيث الموضوع، وإن كان لأحدهما تأثير على الآخر من حيث الدافع أو من حيث السبب. ولا مراء في أن البابا – بوصفه رئيسًا للدولة البابوية – كان يدخل طرفًا في كثير من الروابط الدنيوية: فكان طرفًا في معاهدات سياسية وقانونية وغيرها، وكان يحارِب ويحارَب، وكان يستعمل نفوذه الديني في سبيل دعم نفوذه السياسي، وكان يعتمد على نفوذه السياسي في سبيل نشر نفوذه الديني، كما كان يخلط حقوقه بوصفه رئيسًا للدولة بحقوقه بوصفه رئيسًا للكنيسة.

غير أنه يجب على الباحث أن يفرق بين المركزين، وأن يتفحص كل مركز على حدة، وأن يقرر – في ضوء المعيار الذي سبق بيانه – أنه ليس للكنيسة وصف الشخصية الدولية، في حين أن الدولة البابوية كانت تستمتع بهذا الوصف.

ولقد حـدث أن الجيوش الإيطالية غزت إقليم الدولة البابوية سنة ۱۸۷۰، واحتلت روما عاصمتها، ثم ضمت إقليمها بعد فتحه. وبذلك زالت الدولة البابوية من الوجود، وزال تبعًا لذلك وصف الشخصية الدولية عنها. غير أن فريقًا من رجال الفقه ادعى أن البابا لا يزال – رغمًا عن زوال الدولة التي كان يرأسها – مستمتعًا بوصف الشخصية الدولية، مستندًا في ذلك إلى الحقوق التي خولتها للبابا القوانين الإيطالية التي صدرت على أثر فتح الإقليم البابوي. وتفصيل ذلك أنه حدث أن أرسل وزير خارجية إيطاليا “الفيكونت فينوستا Venosta” منشورًا إلى الدول الأجنبية، على أثر انهيار الدولة البابوية، جاء فيه أن إيطاليا تتعهد بكفالة حرية الاتصال بين البابا بوصفه رئيسًا للكنيسة الكاثوليكية وبين الدول التي تريد الاتصال به، وأنه سوف تتخذ الإجراءات التي تصون المركز الديني للبابا.

وبالفعل أصدرت إيطاليا في 31 من مايو سنة 1871 قانونًا يسمى قانون الضمان، وهو يفي بهذا التعهد. وقد كفلت أحكام هذا القانون استقلال البابا إزاء السلطة الإيطالية، كما كفلت حريته في الاتصال بالدول الأجنبية: فالمادتان الثامنة والعاشرة من هذا القانون تكفلان استقلال البابا استقلالا مطلقًا فيما يتعلق بممارسته لسلطانه الديني، وتمتعه في هذا الشأن بمركز مماثل لمركز الملوك من حيث التمتع ببعض الحصـانات والامتيازات: كالإعفاء من الخضـوع للقضاء، والاحتفاظ بحرس خاص.. إلخ. كما كفلت المادة الثانية عشرة حرية الاتصال بين البابا وبين الدول الأجنبية التي تريد الاتصال به، فمنحت ممثليه وممثليها في أثناء المرور بالإقليم الإيطالي الحصانات والامتيازات التي يتمتع بها عادة الممثلون الدبلوماسيون.

ولقد استند بعض رجال الفقه على أحكام قانون الضمان للادعاء بأن للبابا الشخصية الدولية على الرغم من زوال الدولة البابوية ذاتها، وبذلك خلطوا الدولة البابوية بالكنيسة الكاثوليكية، كما خلطوا بين رئيس الدولة من جهة وبين الدولة ذاتها من جهة أخرى، وتناسوا أن القانون الدولي لا يعني برئيس الدولة إلا بوصفه عضوًا ينوب عن وحدة معينة لها الشخصية الدولية، فإن زال وصـف الشخصية الدولية عن تلك الوحدة زال وصـف العضوية والنيابة عنها. ويضاف إلى ذلك أن الحقوق التي يتمتع بها البابا مصدرها قانون إيطالي داخلي، وأن لإيطاليـا الحق في إلغاء أحكامه أو تعديلها بتشريع داخلي آخر، وأنه إن كان لهـذه الحقوق أثر ما في النطاق الدولي فأساس ذلك المجاملات الدولية لا القانون الدولي. وعلى أساس ما سبق يمكن القول بأن ما ذهب إليه هذا الفريق من رجال الفقه لا سند له من القانون الدولي.

وفي 11 من فبراير سنة 1929 عقدت إيطاليا مع البابا معاهدة اللاتران، وهي معاهدة أعادت للبابا دولته البابوية على أسس جديدة، وأطلقت عليها اسم دولة الفاتيكان. وهي دولة لها إقليم وشعب وسيادة. وتحكم نفسها حكمًا ذاتيًا (20) ولو أن إقليمها صغير من حيث المساحة، وشعبها يتكون من الموظفين، وهي في حالة حياد دائم (21). غير أن هذه المظاهر لا تأثير لها على قدرة الفاتيكان على إنشاء القواعد القانونية الدولية بالتراضي، أو على أهليتها القانونية الدولية. وعلى ذلك فهي تتمتع بوصـف الشخصية الدولية (22).

الهوامش

  • (۱) هذه قاعدة قانونية قررها العرف الدولي.
  • (2) انظر مؤلف Alf Ross السابق الإشارة إليه، ص 96 وما بعدها. راجع كذلك مؤلف Dickinson وعنوانه The Equality of States in Int. Law.
  • (3) جاء بهذا الرأي ما يلي: The subjects of law in any legal system are not necessarily identical in their nature or in the extent of their rights, and their nature depends upon the need of the community. Throughout its history, the development of international law has been influenced by the requirements of international life, and the progressive increase in the collective activities of States has already given rise to instances of action upon the international plane by certain entities which are not States.”. راجع هذا الرأي في موسوعة أحكام المحكمة ص 32.
  • (4) انظر في تفسير هذه المادة: M.O. Hudion: Membership in the League of Nations, American Journal of International Law, Volume 18.. وGiraud: L’Admission des Etats dans la Société des Nations, Revue Générale de droit international public, Vol. 43.. انظر أيضا مؤلف “جودريتش وهامبرو”، وعنوانه Caied Nations، بوسطون، سنة 1949، ص 125 وما بعدها.
  • (5) انظر أيضا تصريحات السيناتور “کوناللي” عضو الوفد الأمريكي في الجمعية العامة في القسم الأول من دور انعقادها الأول، محاضر الجمعية العامة، السنة الأولى، نمرة 12 ص 280. وراجع كذلك تصريحات مندوبي الدول في مجلس الأمن بمناسبة قبول الأعضاء الجدد، محاضر مجلس الأمن، السنة الثانية، الملحق الخاص رقم 3.
  • (6) انظر بحثًا لـ Ralph J. Benche في مجلة وزارة الخارجية الأمريكية، ديسمبر سنة 1946 وعنوانه Trusteeship and Non – Self – Governing Territories in the Charter of the United Nations.، انظر أيضًا: A. Mathiot: Le Statut des territoires dépendants d’après la Charte des Nations Unies, Revue Générale de Droit International Public, 1946.
  • (7) انظر أحكام هذا الإعلان الذي يتضمن ثلاثين نصًا تقرر حقوقًا مختلفة للأفراد في المحاضر الرسمية للدورة الثالثة للجمعية العامة للأمم المتحدة، ص 71 وما بعدها. هذا ويجب التنبيه إلى أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان – الذي وافقت عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر سنة 1948 – لا يزال حتى الوقت الحاضر (1965) مجرد توصية من الجمعية العامة إلى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. هذا ولا تزال لجنة حقوق الإنسان التابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي منشغلة بإعداد ميثاق تفصيلي بهذه الحقوق، كما يجب التنبيه إلى أن أحكام الإعلان والميثاق، بعد الفراغ من إعداداه، إنما تصبح ملزمة عندما تعقد الدول اتفاقيات تثبت فيها تلك الأحكام، فبعد التصديق على هذه الاتفاقيات الدولية تصبح الأحكام الخاصة بحقوق الإنسان قواعد وضعية ملزمة للدول الموقعة على تلك الاتفاقيات.
  • (8) راجع أحكام هذه الاتفاقية في المحاضر الرسمية للدورة الثالثة للجمعية العامة للأمم المتحدة، ص ١٧٤ وما بعدها. وتتضمن هذه الاتفاقية 19 مادة.
  • (9) انظر مؤلف Alf Ross، السابق الإشارة إليه، ص 102 وما بعدها.
  • (10) جاء في رأي القاضي “عبد الحميد بدوي” ما يلي: “… Mais comme la Cour elle-même le constate, un système juridique peut fort bien ne pas admettre que toutes les personnes auxquelles il reconnaît des droits soient identiques en leur nature et quint à l’étendue de leurs droits….. . En effet, il n’y a pas de droit commun pour les personnes internationales. Il y a, d’une part, les Etats qui ont des caractéristiques, droits et obligations communs reconnus par le droit international et, d’autre part, un ensemble de personnes de caractère et de hiérarchie différents comprenant entre autres des unions, des commissions, des groupements internationaux, sous diverses dénominations, des institutions spécialisées telles que O.I.T., OMS, FAO, IRO, ITO, Fonds monétaire, Banque internationale, UNESCO et enfin ONU. Malgré une certaine similarité entre elles, chacune de ces dernières personnes relève, e. ce qui con cerne ses buts, principes, organisation, compétence, droits et obligations, de son acte constitutif et n’est censée exister qu’au profit des Etats qui ont signé et ratifié ledit acte ou qui y ont adhere”، راجع موسوعة أحكام قضاء محكمة العدل الدولية التي أصدرها معهد “ماكس بلانك” سنة 1961، ص 33.
  • (11) عرف منشيني الأمة بقوله: “Une societe naturelle d’hommes predisposee a une communauté de vie et de conscience sociale par l’unité de territoire, d’origine, de coutumes et de langage”.، انظر المحاضرة التي ألقاها منشيني في مدينة تورينو سنة 1851 وعنوانها: Della nazionalità come fondamento del diritto delle genti. انظر كذلك S. Palma في مؤلفه: Del principio di nazionalita nella madran società europea.. وكذلك أنزيلوتي، المؤلف السابق ذكره، ص ۱۲۷-128. انظر أيضًا المحاضرة التي ألقاها في السوربون الفيلسوف الفرنسي “أرنست رونان” في 11 من مارس سنة 1882، في مجموعة مؤلفاته طبعة سنة 1947، ص 887 وما بعدها.
  • (12) وقد حدت الأمة الإسرائيلية هذا الحدو، ونجحت في تكوين دولة إسرائيل.
  • (13) انظر الحكم الذي أصدره كبير القضاة الأمريكيين Marshall في سنة 1821، وقد وصف الهنود الأمريكيين بقوله: “They may, more correctly, perhaps, be denominated domestic dependent nations… Meanwhile they are in a state of pupilage”.
  • (14) انظر “أنزيلوتي”، المؤلف السابق الإشارة إليه، ص 128 وما بعدها.
  • (15) انظر بحث Borsi المنشور في Studi senesi الجزء الثاني والثلاثون، وعنوان البحث: Studi diritto coloniale، ص 285 وما بعدها. وقد أشار إليه أنزيلوتي في مؤلفه ص 130.
  • (16) انظر مؤلف Louis le Fur وعنوانه: Le Saint-Sième et le droit des gent, 1930. انظر كذلك Panquale Fiore في مؤلفه Le droit int. codifid، الجزء الأول، المواد من 437 إلى 469. وكذلك Piller في مجلة Sirey عدد سنة 1895، ص 57.
  • (17) انظر مؤلف Paul Fauchille وعنوانه: Traite de droit int. public، الطبعة الثامنة، باريس 1922، ص 207 فقره 155. انظر كذلك V. Franceve في مؤلفه Personalità giuridica della Chiesa Cattolica سنة 1904.
  • (18) يلاحظ في المدة الأخيرة أن بعض الجهود تُبذل من جانب بعض رجال القانون – مدفوعين من جانب الشركات الكبرى التي تزاول نشاطًا اقتصاديًا في بعض الدول المتخلفة – يُلاحظ أنهم يحاولون إخضاع المعاملات التي تقوم بين هذه الشركات وبين الدول المتخلفة اقتصاديًا لقواعد القانون الدولي. انظر في ذلك مقال اللورد “أرنولد ماكنير” في المجلة الإنجليزية للقانون الدولي، عدد سنة 1957. وهذه نزعة استعمارية لا شك فيها.
  • (19) انظر مع ذلك الرأي المخالف الذي يدعو إليه “أنزیلوتي”، في مؤلفه السابق الإشارة إليه، ص 139 وما بعدها. وكذلك باسكال فيوري في مؤلفه القانون الدولي المدون، الجزء الأول، المواد من 437 إلى 469. وكذلك رأي بيليه في مجموعة سيري سنة 1895. وانظر أيضًا فيما يتعلق بالرأي الذي ذهبنا إليه التدليل الذي قدمه كل من فوشي في مؤلفة عن القانون الدولي العام، الجزء الأول ص 208 وما بعدها، وتدليل جيدل في بحثه عن المركز القانوني للباباوية في مجلة القانون الدولي العام، الجزء السابع عشر ص 602. وكذلك رأى سيداروس باشا، الذي يذهب إلى أنه مادام أنه ليس للكنيسة الكاثوليكية الشخصية الدولية فإن ذلك يستتبع ألا تكون الكنائس البروتستانتية واليونانية والروسية والأرمنية هذا الوصف أيضًا. انظر مؤلف سيداروس باشا عن البطرخانات في الإمبراطورية العثمانية ، وفي مصر خاصة سنة 1907.
  • (20) انظر ديباجة مساعدة اللاتران وحكم المادة الثالثة منها. وظاهر من أحكامها أن الفاتيكان دولة مستقلة استقلالا تامًا، وأن لها كامل السلطان داخل إقليمها.
  • (21) تنص المادة 24 من المعاهدة على أنه “استبقاء من البابا لرسالته المعنوية العليا، وابتعادًا منه عن المنازعات الدنيوية بين الدول، يتنحى البابا عن الاشتراك في المنافسـات السياسية والزمنية التي يمكن أن تقوم بين الدول، ومن الدخول في محالفات، والاشتراك في المؤتمرات والاجتماعات التي تعقدها الدول في مسائل سياسية أو زمنية”.
  • (22) راجع فيما يتعلق بمركز الفاتيكان مؤلف الدكتور محمود سامي جنينة ص 84 وما بعدها. ومؤلف الدكتور على صادق أبو هيف، الطبعة الخامسة، سنة 1961، ص 245 وما بعدها. ومؤلف “تشيني هاید”، طبعة سنة 1947، ص 28. ومرسيل برازولا، في مؤلفه: La Cité du Vatican est – elle un Etat. انظر أيضًا: Y. de la Britre: La condition juridiyar de la Cit du Varicam Académie de Droit International, Recueil des Cours, tome 33, pp. 115-165; R. Jarrige: La condition internationale du Saint – Siige avant et après les Accords du Lateran”, 1930.

المراجع

  • كتاب القانون الدولي العام، تأليف الدكتور حامد سلطان، أستاذ ورئيبس قسم القانون الدولي العام، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، الطبعة الثانية، يناير 1965.
العلوم القانونية - أشخاص القانون الدولي - معيار الشخصية الدولية
العلوم القانونية – أشخاص القانون الدولي – معيار الشخصية الدولية