شركة المحاصة – شركات الأشخاص

شركة المحاصة وفوائدها

شركة المحاصة هي شركة مستترة وليس لها وجود ظاهر أو ذاتية قانونية أمام الغير. تنعقد بين شخصين أو أكثر للقيام بعمل واحد أو عدة أعمال يباشرها أحد الشركاء باسمه الخاص على أن يقتسم الأرباح والخسائر بينه وبين باقي الشركاء.

وقد أوردت المادة 40 من نظام الشركات السعودي تعريفًا لشركة المحاصة لا يخرج عن هذا المعنى. حيث قررت أن “شركة المحاصة هي الشركة التي تستتر عن الغير ولا تتمتع بشخصية اعتبارية ولا تخضع لإجراءات الشهر”.

ونظرًا لما تمتاز به شركة المحاصة من سهولة في الانعقاد ومن اقتصاد في نفقات التأسيس والإدارة، فضلاً عن ملاءمتها لمختلف المشروعات والكثير من الظروف والملابسات وخاصة تحقيقها لرغبة بعض الشركاء في عدم الظهور أمام الغير، فقد انتشرت في العمل انتشارًا كبيرًا. كما يدل عليه كثرة الأحكام القضائية الصادرة بشأنها.

ولشركة المحاصة تطبيقات عملية كثيرة نذكر منها الاتفاق الذي يقع بين بعض التجار بقصد شراء السلع التجارية أو بعض المحصولات الزراعية وإعادة بيعها واقتسام ما قد ينشأ من هذه العملية من ربح أو خسارة. والاتفاق الذي يقع بين بعض المزارعين بغية تسويق محصولاتهم. والاتفاق الذي يعقد بين تجار الأحجار الكريمة أو بين مقاولي البناء والتشييد.

وكثيراً ما يلجأ في الوقت الحاضر إلى هذا النوع من الشركات بغية تنظيم التنافس واحتكار الأسواق بين التجار.

وتنقسم دراستنا في هذا الفصل إلى أربعة مباحث نتكلم فيها على التوالي عن خصائصها وتكوينها ونشاطها وانقضائها.

خصائص شركة المحاصة

كان الرأي السائد قديمًا أن شركة المحاصة تتميّز عن غيرها بكونها شركة مؤقتة تنشأ للقيام بعمل أو عدة أعمال لا يستغرق تنفيذها وقتًا طويلاً، غير أنه يؤخذ على هذا الرأي أنه ليس هناك ما يمنع قانونًا من أن تقوم شركة المحاصة بنشاط معين على وجه الاستمرار.

ويتجه معظم الفقه والقضاء المقارن في الوقت الحاضر إلى القول بأن أهم ما يميّز شركة المحاصة هو استتارها عن الغير واقتصار وجودها على الشركاء فحسب. غير أن خفاء الشركة على الغير ليس سوى عنصر سلبي لا يكفي لتعريفها وتمييزها عن غيرها من الشركات. حيث تشاركها في ذلك شركات الأشخاص التي لم تشهر. ولذلك فقد أحسن نظام الشركات السعودي حين أضاف في تعريفه للمحاصة إلى هذا العنصر السلبي عنصرًا إيجابيًا يتمثل في انعدام الشخصية المعنوية لشركة المحاصة.

وعليه يمكن القول بأن أهم خاصية تميّز شركة المحاصة عن غيرها من الشركات هو كونها شركة مستترة بالنسبة إلى الغير ولا تتمتع بالشخصية المعنوية.

ويترتب على انعدام الشخصية المعنوية لشركة المحاصة ألا يكون للشركة عنوان ولا ذمة مالية ولا موطن ولا جنسية. وليس لها حق التقاضي ولا تخضع لقواعد تصفية الشركات ولا تلتزم بالقيد في السجل التجاري ولا يجوز شهر إفلاسها.

الاستتار القانوني

ويلاحظ أن استتار الشركة لا يعني بالضرورة بقاء الشركة في طي الكتمان. فالعبرة بالاستتار القانوني وليس الاستتار الواقعي. إذ قد تفقد المحاصة صفتها المستترة من الناحية الواقعية متى علم الغير بوجودها، ومع ذلك تظل محتفظة بطبيعتها كشركة محاصة ما دامت محتفظة بصفتها المستترة من الناحية القانونية. أي مادام لم يصدر من الشركاء تعبير عن إرادتهم صراحة أو ضمنًا ينبئ عن وجود الشركة في مواجهة الغير كشخص اعتيادي. كما لو قاموا بشهرها أو اتخذوا لها عنوانًا وتعاقد أحدهم مع الغير بهذا العنوان.

وتعتبر شركة المحاصة من شركات الأشخاص التي تقوم بشكل ملحوظ على الاعتبار الشخصي والثقة المتبادلة بين الشركاء، ومن ثم لا يجوز للشريك فيها أن يتنازل عن حصته دون موافقة باقي الشركاء أو مراعاة القيود المتفق عليها، كما لا يجوز للشركة أن تصدر صكوكاً قابلة للتداول (كحصص تأسيس أو أسهم أو سندات). وتنقضي الشركة بوفاة أحد الشركاء أو الحجر عليه أو إعساره أو إفلاسه أو انسحابه ما لم يتفق على غير ذلك.

والغالب أن تكون شركة المحاصة تجارية. بل يُفهم من نص المادة 42 من نظام الشركات على “إفلاس الشريك… والاشتراك في التفليسة…” إن شركة المحاصة تكون تجارية دائمًا.

ومع ذلك فليس ثمة ما يمنع من تأليف الشركة بقصد القيام بأعمال مدنية كالمضاربات العقارية أو الاستغلال الزراعي. والعبرة دائمًا بغرض الشركة. غير أنه يلاحظ أن الشريك المحاص في الشركة التجارية لا يكتسب صفة التاجر لمجرد انضمامه إلى الشركة ولا تثبت له هذه الصفة إلا إذا عُيّن مديرًا للمحاصة التجارية أو كانت له هذه الصفة قبل انضمامه للشركة.

تكوين شركة المحاصة

المحاصة شركة فيما بين الشركاء. ومن ثم يجب أن تتوافر في عقدها سائر الأركان الموضوعية العامة (الرضا والأهلية والمحل والسبب) والأركان الموضوعية الخاصة بعقد الشركة (تعدد الشركاء وتقديم الحصص ونية المشاركة واقتسام الأرباح والخسائر).

أما الشروط الشكلية المتعلقة بعقد الشركة فلا يشترط توافرها في عقد شركة المحاصة. ومن ثم فلا يلزم كتابة عقدها. كما أنه لا يجوز شهر هذا العقد وإلا فقدت الشركة صفتها كشركة محاصة.

وقد قرر نظام الشركات السعودي هذه الأحكام صراحة فنصت المادة العاشرة على أنه “باستثناء شركة المحاصة، يثبت عقد الشركة وكذلك ما يطرأ عليه من تعديل بالكتابة …”. كما قضت المادة 11 بأنه “باستثناء شركة المحاصة يشهر المديرون أو أعضاء مجلس الإدارة عقد الشركة وما يطرأ عليه من تعديلات…”.

أما المادة 40 فقد قررت أن “شركة المحاصة لا تخضع لإجراءات الشهر…”. وعلى ذلك تنعقد شركة المحاصة شفاهة أو كتابة، كما يجوز إثباتها طبقًا للمادة 45 بجميع الطرق بما في ذلك البيّنة.

ولما كانت شركة المحاصة لا تتمتع بالشخصية المعنوية وليست لها ذمة مالية مستقلة عن ذمم الشركاء فيها، فإن التساؤل يثور حول ملكية الحصص التي يلتزم الشركاء بتقديمها.

تنظيم الاتفاق بين الشركاء

وينظّم الاتفاق المبرم بين الشركاء عادةً هذه المسألة وذلك على النحو التالي:

1. قد يحتفظ كل شريك بملكية وحيازة الحصة التي تعهّد بتقديمها على أن يقوم من جهته باستثمارها في حدود الغرض الذي تألفت من أجله الشركة. ثم يقتسم مع الشركاء الآخرين الأرباح أو الخسائر الناتجة من استثمار جميع الحصص.

وإذا احتفظ الشريك بملكية حصته ونقل حيازتها إلى غيره من الشركاء ثم أفلس الشريك الذي يحوزها، كان لمالكها حق استردادها من التفليسة بعد أداء نصيبه في خسائر الشركة وذلك متى كانت هذه الحصة عينًا معيّنة بذاتها (2/42).

وإذا هلكت الحصة في هذا الفرض، فإنها تهلك على صاحبها. واستثناء من هذا الأصل، تهلك الحصة على الشركة إذا كان هلاكها راجعًا لمخاطر الاستغلال المشترك كما إذا كانت الحصة جهازًا كهربائيًا احترق أثناء تشغيله في خدمة الشركة مثلاً.

2. وقد يتفق الشركاء على نقل ملكية الحصص إلى أحد الشركاء لاستثمارها في أغراض الشركة على أن تُقسّم الأرباح والخسائر الناتجة عن هذا الاستثمار بين الشركاء. ويجوز للدائنين الذين يتعاملون مع الشريك الذي يزاول الاستثمار أن ينفّذوا على الحصص باعتبارها جزءًا من ذمته. ويتحقق ذلك إذا كانت الحصص من النقود أو المثليات غير المفرزة. وليس أمام الشريك مقدم الحصة في هذا الفرض سوى الاشتراك في التفليسة بوصفه دائنًا بقيمة الحصة مخصومًا منها نصيبه في خسائر الشركة (مادة 3/42).

3. وأخيرًا، قد يتفق الشركاء على أن تكون الحصص شائعة بينهم. وتطبّق عندئذٍ أحكام الشيوع. ويجب أن يُنص على الشيوع صراحة في العقد، لأن المحاصة حتمًا لا تفترض قيامه.

أما إذا لم ينظم الشركاء في الاتفاق المبرم بينهم ملكية الحصص، اعتبر كل شريك مالكاً للحصة التي تعهّد بتقديمها وذلك تطبيقًا لحكم المادة 1/42 من نظام الشركات.

نشاط شركة المحاصة

لما كانت شركة المحاصة لا تتمتع بالشخصية المعنوية، فإنه ليس لها ممثل قانوني، أي مدير يعمل باسمها ولحسابها، وإنما ينظم الشركاء عادة طريقة الإدارة في عقد الشركة. وهي لا تخرج عن الصورة التالية:

  1. قد يتفق الشركاء على اختيار أحدهم لمباشرة أعمال الشركة. وفي هذه الحالة يقوم هذا الشريك الذي يطلق عليه اسم “مدير المحاصة” بكافة الأعمال والتصرفات التي يقتضيها تحقيق غرض الشركة. وهو يتعامل مع الغير باسمه وبصفته الشخصية ويكون وحده المسؤول أمام الغير. ولا تنشأ أية علاقة مباشرة بين هذا الغير وباقي الشركاء. ومن ثم لا يكون له دعوى مباشرة قِبل الشركاء لأنهم ليسوا طرفًا في العقد. وقد أكدت هذا المعنى صراحة المادة 46 من نظام الشركات حين قررت “ليس للغير حق الرجوع إلا على الشريك الذي تعامل معه…”.
  2. قد يتفق الشركاء على توزيع أعمال الشركة فيما بينهم. فيقوم كل شريك باسمه الخاص ببعض الأعمال ثم يتقدم بحساب عن نشاطه ويجري تقسيم الأرباح والخسائر بين الشركاء على أساس أن تلك الأعمال قد تمت لحسابهم جميعًا.
  3. وأخيراً قد يتفق الشركاء على وجوب اشتراكهم في جميع الأعمال التي تتم لحساب الشركة. فتُبرم العقود عندئذٍ باسم جميع الشركاء ويلتزمون جميعًا أمام الغير وعلى وجه التضامن متى كان موضوع الشركة تجاريًا تبعًا لقاعدة افتراض التضامن في المسائل التجارية.

الالتزامات أمام الغير

وكذلك يلتزم الشركاء المحاصون أمام الغير إذا كانوا قد زوّدوا مدير المحاصة بوكالة صريحة للعمل باسمهم. إذ يتقدم عندئذٍ المدير إلى الغير بوصفه أصيلاً  عن نفسه، ووكيلاً عن باقي الشركاء. وطبقًا لقواعد الوكالة فإن أعمال الوكيل تلزم الموكل متى وقعت في حدود سلطته.

وهكذا يتضح أن حق الغير يقتصر في جميع صور شركة المحاصة على الرجوع على الشريك أو الشركاء الذين تعاملوا معه أصالة أو وكالة، ولكن إذا صدر من الشركاء في شركة المحاصة ما ينبئ عن وجود الشركة كشخص مستقل في مواجهة الغير الذي يتعامل مع مدير المحاصة، كما لو قام الشركاء بشهر الشركة أو باتخاذ عنوان يتم التعامل وتوقيع العقود به، فإن الشركة تفقد صفتها كشركة محاصة، وتتحول طبقًا لنص المادة 46 إلى “شركة تضامن واقعية”، ومن ثم فهي تكتسب الشخصية المعنوية ويكون لها ذمة مالية مستقلة تكون الضمان العام لدائني الشركة دون دائني الشركاء الشخصيين. كما يسأل جميع الشركاء فيها أمام الغير مسؤولية شخصية وتضامنية عن جميع التزامات الشركة، ولو كان بعض المحاصين قد اشترطوا تحديد مسؤوليتهم بقيمة حصتهم في الشركة.

نقد التشريع السعودي

والواقع أن حكم المادة 46 الآنفة الذكر القاضي باعتبار شركة المحاصة التي يكشف للغير عن وجودها “شركة تضامن واقعية” حكم غريب في التشريع السعودي، لأنه إذا كان النص على تحوّل شركة المحاصة في مثل هذا الفرض إلى شركة تضامن قد قُصد به حماية الغير وتقوية ضمانه، فإن النص بالمقابل على اعتبار شركة واقعية أو فعلية لا يمكن فهمه في المملكة، لأن الشركة الفعلية هي الشركة التي تتخلّف عن بطلان الشركة وليس في هذا الفرض سبب لبطلانها، كما أن عدم الإشهار ليس سببًا لبطلان الشركة وفقًا لأحكام نظام السعودي. والغالب أن يحدّد عقد الشركة طريقة توزيع الأرباح والخسائر بين الشركاء. أما إذا لم يتضمن العقد قواعد في هذا الشأن، وجب اتباع أحكام التوزيع القانوني المنصوص عليها في المادة التاسعة من نظام الشركات (مادة 43).

انقضاء شركة المحاصة

تنقضي شركة المحاصة كبقية الشركات بالأسباب العامة لانقضاء الشركات كما تنقضي بالأسباب الخاصة لانقضاء شركات الأشخاص.

غير أن المحاصة تتميز عن غيرها من الشركات من حيث أن انقضاءها يستتبع خضوعها لنظام التصفية المنصوص عليه في نظام الشركات، ومرد ذلك إلى أن المحاصة لا تتمتع بشخصية معنوية وليست لها ذمة مالية مستقلة عن ذمم الشركاء. ولذا يقتصر الأمر عند انقضاء الشركة على مجرد تسوية الحساب بين الشركاء لتحديد نصيب كل منهم في الربح والخسارة. ويباشر تسوية الحساب جميع الشركاء أو خبير أو أكثر يختاره الشركاء أو يعينه القضاء عند الاختلاف.

ويجيز القضاء في فرنسا ومصر تعيين مصفِ للشركة بشرط أن تنحصر مهمته في القيام بالأعمال التي تتفق وطبيعة المحاصة. ومن ثم فهو لا يعتبر وكيلاً عن الشركة، وإنما وكيلا عن الشركاء يعمل باسمهم ولحسابهم. فيطالب الغير بحقوق الشركة باسم الشريك الذي تعاقد معه. أما الغير فليس له الرجوع سوى على الشريك الذي تعاقد معه.

ولا يسري التقادم الثلاثي المنصوص عليه في المادة 226 من نظام الشركات على شركات المحاصة. فلا تتقادم دعاوى الدائنين قِبل الشركاء المحاصين بمضي ثلاث سنوات من تاريخ شهر انتهاء التصفية. لأن الدائن لا يعلم بوجود الشركة. كما أنه ليس هناك تصفية بالمعنى الصحيح كما تقدم القول حتى يشهر انتهاءها. لذلك يظل حق الدائن في رفع الدعوى على الشريك قائمًا إلى أن ينقضي وفقًا للقواعد العامة.

المصدر