شركة التضامن – شركات الأشخاص

شركات الأشخاص

يُقصد بشركات الأشخاص Societes de personnes أو شركات الحصص Societes parinterets تلك الشركات التي تقوم أساسًا على الاعتبار الشخصي والثقة المتبادلة بين الشركاء. ومن ثم فهي تتكون في العادة من عدد قليل من الشركاء يعرف بعضهم البعض ويثق فيه بغية النهوض بالمشروعات الصغيرة ومتوسطة الحجم. وشركات الأشخاص سابقة في الظهور تاريخيًا على بعض أنواع الشركات الأخرى. إذ ترجع أصولها إلى القانون الروماني. كما أنها قد عُرفت بأشكالها الحالية منذ القرون الوسطى. ولشركة الأشخاص في النظام السعودي أشكال ثلاثة هي شركة التضامن وشركة التوصية البسيطة وشركة المحاصة. وعليه فإننا سنقسم دراستنا في هذا الباب إلى ثلاثة فصول نخصص الأول منها لشركة التضامن والثاني لشركة التوصية البسيطة والثالث لشركة المحاصة.

شركة التضامن

تُعرّف المادة 16 من نظام الشركات السعودي شركة التضامن ‏La Société en nom collectif بأنها الشركة التي تتكون من شريكين أو أكثر مسئولين بالتضامن في جميع أموالهم عن ديون الشركة. وهذا النص كما هو واضح يبرز أهم خصائص شركة التضامن وهي المسئولية التضامنية والمطلقة للشركاء عن ديون الشركة.

ويُلاحظ أن شركة التضامن ليست ذاتها شركة المفاوضة المعترف بها في الشريعة الإسلامية كما يرى البعض. إذ هي تقوم في الواقع على الجمع بين أحكام شركة المفاوضة وأحكام شركة العنان.

وندرس في هذا الفصل وفي ثلاثة مباحث متتالية خصائص شركة التضامن، وإجراءات تكوينها وكيفية إدارتها، وقواعد توزيع الأرباح والخسائر المترتبة على نشاطها.

خصائص شركة التضامن

تتميّز شركة التضامن فضلاً عن المسئولية التضامنية والمطلقة للشركاء بدخول اسم شريك أو أكثر في عنوان الشركة، وبعدم قابلية حصة الشريك للتداول، وباكتساب جميع الشركاء لصفة التاجر متى كان موضوع الشركة القيام بأعمال تجارية.

1. المسئولية المطلقة والتضامنية عن ديون الشركة

يُسأل الشريك في شركة التضامن مسئولية شخصية ومطلقة عن ديون الشركة كما لو كانت هذه الديون ديونًا خاصة به. أي أنه يُسأل في ذمته وبصرف النظر عن مقدار حصته في رأس المال عن ديون الشركة. فمسئولية الشريك المتضامن لا تُحدد إذن بمقدار حصته في رأس مال الشركة وإنما تتجاوز ذلك إلى جميع أمواله الخاصة.

ويفسر بعض الفقه المسئولية الشخصية للشريك المتضامن بأن تعهدات الشركة يتم التوقيع عليها بعنوان الشركة الذي يحتوي على اسم الشريك المتضامن صراحة أو ضمنًا. ومن ثم يعتبر كل شريك كأنه قد وقع بنفسه على هذه التعهدات فيُسأل شخصيًا عن الديون الناشئة عنها. بينما يرى البعض الآخر أن أساس هذه المسئولية هو أن شركة التضامن تتركّب من عدد من التجار يعملون معًا فلا يمكن أن ينشأ من ذلك شخص معنوي تقوم حواجز بين ذمته وذمم الشركاء.

والواقع أن المسئولية الشخصية للشريك المتضامن قد تقررت في المملكة بنص قانوني، هو المادة (16) من نظام الشركات السابق الإشارة. وهي تتعلق بالنظام العام. ومن ثم يقع باطلاً في مواجهة الغير النص في عقد الشركة على تحديد مسئولية أحد الشركاء المتضامنين بمقدار حصته في رأس المال. وإن كان مثل هذا النص يصل صحيحًا في العلاقة فيما بين الشركاء.

كما يُسأل الشريك في شركة التضامن مسئولية تضامنية عن ديون الشركة. ويوحي ظاهر نص المادة (١٦) السابقة بأن التضامن لا يقوم إلا بين الشركاء بعضهم وبعض ولا يشمل الشركاء والشركة. ومن شأن هذا التفسير لو صح اعتبار الشركاء مجرّد كفلاء للشركة فيكون لهم إذا طُولبوا بالوفاء بديون الشركة الدفع بتجريد الشركة أولاً. ولكن هذا التفسير ليس راجحًا. والرأي مستقر في الفقه والقضاء على أن التضامن يقوم بين الشركاء كما يقوم بين الشركاء والشركة. إنما لا يعتبر الشركاء مدينين أصليين مع الشركة لأن التعاقد لحساب الشركة وحدها دون أن يكون الشركاء طرفًا فيه، بل مجرد كفلاء متضامنين لها.

النتائج المترتبة على اعتبار الشريك كفيل

ويترتب في الأصل على اعتبار الشريك كفيلاً متضامنًا للشركة حرمانه من الدفع في مواجهة الدائن من ناحية تجريد الشركة. أي البدء بمطالبة الشركة والتنفيذ على أموالها قبل الرجوع عليه. ومن ناحية أخرى بتقسيم الدين بينه وبين بقية الشركاء. وإنما عليه أن يقوم بأداء الدين بكامله ولو كانت قيمته تزيد على حصته. وله أن يرجع بعد ذلك على بقية الشركاء ليطالب كلاً منهم بنصيبه في الدين.

غير أنه حماية للشريك المتضامن من تعسّف بعض دائني الشركة الذين يعمدون بقصد الكيد والتشهير إلى التنفيذ على أموال هذا الشريك رغم كفاية أموال الشركة وعدم ممانعتها في الدفع، فقد استقر الرأي في الفقه والقضاء على تقييد حق الدائن في الرجوع على الشريك المتضامن بقيدين: الأول هو ثبوت الدين في الشركة بموجب سند رسمي أو حكم قضائي، والثاني مطالبة الشركة بالسداد وامتناعها عن الدفع في مدى زمني معقول.

شروط الرجوع على أحد الشركاء

وقد تبنى نظام الشركات السعودي هذا الرأي في المادة 20 منه التي تنص على أنه: “لا تجوز مطالبة الشريك بأن يؤدي من ماله دينًا على الشركة إلا بعد ثبوت هذا الدين في ذمتها، بإقرار المسئولين عن إدارتها أو بقرار من هيئة حسم منازعات الشركات التجارية، وبعد إعذار الشركة بالوفاء”.

وعليه فلا يجوز لدائن شركة التضامن في المملكة الرجوع على أحد الشركاء المتضامنين إلا بعد توافر الشرطين التاليين:

  • الأول: ثبوت الدين في ذمة الشركة سواء بإقرار من مدير الشركة أو بقرار من ديوان المظالم.
  • الثاني: إنذار الشركة بالوفاء، أي مطالبتها بالسداد وامتناعها عن ذلك في ميعاد معقول يحدده الدائن.

فمتى استوف الدائن هذين الشرطين جاز له أن ينفذ على الأموال الخاصة لأي شريك من الشركاء المتضامنين.

والأصل أن تقوم مسئولية الشريك المتضامن عن ديون الشركة التي نشأت عن الأعمال التي قامت بها حال كونه شريكاً فيها. ومقتضى ذلك ألا يكون الشريك المتضامن مسئولاً عن ديون الشركة السابقة على انضمامه للشركة. ومع ذلك تنص المادة (19) من نظام الشركات على أنه: “إذا انضم شريك إلى الشركة كان مسئولاً بالتضامن مع باقي الشركاء في جميع أمواله عن ديون الشركة السابقة واللاحقة لانضمامه، وكل اتفاق على غير ذلك بين الشركاء لا ينفّذ في مواجهة الغير”. ويقال عادة في تبرير مثل هذا الحكم أن الشريك الجديد بقبوله المشاركة انضم إلى الشركة بحالتها القائمة وقتئذٍ أي بما لها من حقوق وما عليها من التزامات.

رأي المؤلف

ونعتقد مع البعض أن حكم المادة (19) ينطوي على تشدّد وقسوة لا مبرر لها. وكان الأفضل الأخذ بما استقر عليه العمل في الدول الأخرى، وهو جواز الاحتجاج بالاتفاق على الإعفاء من المسئولية عن الديون السابقة متى كان هذا الاتفاق قد تم شهره بالطرق القانونية، خاصة وأن المادة (19) المذكورة قد أخذت بهذا الحكم الأخير في حالة الانسحاب، إذ هي تقرر صراحة أنه: “وإذا انسحب شريك من الشركة فلا يكون مسئولاً عن الديون التي تنشأ في ذمتها بعد شهر انسحابه”. فالتفرقة في المسئولية بين حالتي الانسحاب والانضمام لا مبرر لها في هذا المقام.

غير أنه يلاحظ أنه إذا كان عقد الشركة يجيز تنازل الشركاء عن حصصهم ويقرر حلول المتنازَل إليه محل المتنازِل في المسئولية عن ديون الشركة السابقة على تاريخ التنازل، فإن هذا الاتفاق لا يسري في مواجهة الدائنين ولو تم إشهار التنازل بالطرق القانونية. ولا يبرأ المتنازِل من ديون الشركة قِبل دائنيها إلا إذا أقروا هذا التنازل (المادة 2/19) إذ أن القاعدة أن حوالة الدين لا يُحتج بها على الدائن إلا إذا أقرها.

2. دخول اسم الشريك في عنوان الشركة

تنص المادة 17 من نظام الشركات على أن: “يتكون اسم شركة التضامن من اسم شريك واحد أو أكثر مقرونًا بما ينبئ عن وجود الشركة”.

والمقصود من هذا الحكم هو إعلام الغير بالأشخاص الذين تتألف منهم الشركة والذين يعتمد عليهم في تعامله مع الشركة نظرًا لمسئوليتهم الشخصية والتضامنية عن ديون الشركة. غير أنه إذا كان عدد الشركاء كبيرًا، فإنه يجوز الاقتصار على ذكر واحد منهم أو أكثر مع إضافة عبارة “وشركاه” أو “وشركاؤهما”. وذلك لكي يعرف الغير أن هناك شركاء آخرين غير الذين وردت أسماؤهم في عنوان الشركة. والغالب أن يتضمن عنوان الشركة اسم أو أسماء من يتمتع من الشركاء بأكبر قدر من الشهرة أو الثقة التجارية. وإذا تكونت الشركة بين أفراد من أسرة واحدة، فقد جرى العمل على الاكتفاء بذكر اسم العائلة. مع إضافة ما يبين درجة القرابة بينهم مثل “إخوان”، أو “أبناء عم” أو “أبناء خال”.

وعنوان الشركة هو الذي يميّزها عن غيرها من الشركات وتعرف به في الوسط التجاري. كما توقَّع به جميع التعهدات التي تتم لحساب الشركة. ومن ثم فلا تلتزم الشركة بالتعهّدات التي يوقعها أحد الشركاء إذا لم يكن التوقيع بعنوان الشركة.

ويجب أن يكون عنوان الشركة مطابقًا للحقيقة. فإذا اشتمل على اسم شخص أجنبي عن الشركة، أي غير شريك فيها، مع علمه بذلك كان هذا الشخص مسئولاً بالتضامن أمام الغير عن ديون الشركة.

حالة تغيّر أشخاص الشركاء

وإذا تغيّرت أشخاص الشركاء وجب تعديل عنوان الشركة. فإذا انسحب أو توفي أحد الشركاء واستمرت الشركة، تحتّم حذف اسم هذا الشريك من عنوان الشركة. غير أنه يجوز حفاظًا على الشهرة التجارية ولكي لا يعتقد الغير بقيام شركة جديدة الإبقاء على اسم الشريك المنسحب أو المتوفى في عنوان الشركة إذا قبل ذلك الشريك المنسحب أو ورثة الشريك المتوفي (المادة 2/17). وفي هذه الحالة لا يُسأل الشريك أو ورثته عن ديون الشركة متى تم شهر الانسحاب أو الوفاة بالطرق المقررة قانونًا.

وقد رأينا عند الحديث عن السجل التجاري أن اسم الشركة ونوعها من أهم البيانات التي يجب قيدها في السجل التجاري. وأنه يجب على مدير الشركة إخطار مكتب السجل التجاري بأي تغيير أو تعديل في هذا الصدد.

3. عدم قابلية حصة الشريك للانتقال

تقوم شركة التضامن كما قدمنا على الاعتبار الشخصي والثقة بين الشركاء. ومن ثم فلا يجوز للشريك كقاعدة عامة التنازل عن حصته بعوض أو بغير عوض إلى الغير دون موافقة باقي الشركاء. ولهذا فلا يجوز طبقًا لما تقضي به المادة 18 من نظام الشركات أن تكون حصص الشركاء ممثلة في صكوك قابلة للتداول، ذلك أن الشركاء قد وثقوا بشخص معين فلا يجوز إجبارهم على قبول شخص آخر قد لا يعرفونه أو يثقون به كشريك في الشركة. ولنفس الحكمة فقد رأينا أنه يترتب في الأصل على وفاة أحد الشركاء في شركات الأشخاص انقضاء الشركة.

على أن قاعدة قابلية حصة الشريك للانتقال في شركة التضامن وفي شركات الأشخاص عمومًا لا تتعلق بالنظام العام. لذا يجوز للشركاء الاتفاق على أن الشركة لا تنقضي بوفاة أحد الشركاء. كما يجوز النص في عقد الشركة على حق كل شريك في التنازل عن حصته للغير بشروط معينة، كموافقة أغلبية معينة من الشركاء على شخص المتنازَل إليه، أو إعطائهم حق استرداد الحصة من المتنازل إليه مقابل دفع قيمتها، أو تقرير حقهم في الاعتراض على المتنازل إليه خلال فترة معينة.

ولكن لا يجوز النص في عقد الشركة على إمكان التنازل عن الحصة دون قيد أو شرط. نظرًا لما في ذلك من إهدار للاعتبار الشخصي الذي تقوم عليه شركة التضامن. وفي ذلك تقول المادة (١٨) في فقرتها الثانية: “وكل اتفاق على جواز التنازل عن الحصص دون قيد يعتبر باطلاً”.

ومتى كان التنازل عن الحصة جائزًا، فإنه لا يسري في حق الغير ودائني الشركة إلا بعد استيفاء إجراءات الشهر اللازمة لتعديل عقد الشركة (مادة 1/18).

اتفاق الرديف

وإذا كان التنازل عن الحصة للغير محظورًا، فإنه يجوز مع ذلك للشريك دون حاجة لموافقة باقي الشركاء أن يبرم مع الشخص الذي يود التنازل له ما يعرف في العمل باسم “اتفاق الرديف” Croupier والذي بموجبه يحل هذا الأخير محلّه في كل الحقوق والالتزامات الناشئة عن حصته في الشركة أو في جزء منها فقط.

غير أنه يُلاحظ أن هذا الاتفاق يقتصر أثره على العلاقة بين الشريك والرديف. فلا يحتج به في مواجهة الشركة أو الشركاء أو الغير. إذ يظل الشريك بالنسبة لجميع هؤلاء شريكاً في الشركة ملزمًا بتقديم الباقي من حصته إذا كان لايزال مستحقًا وبالمشاركة في الخسائر. ويكون له وحده حق التدخل في الإدارة والمطالبة بالأرباح. والواقع أن الاتفاق بين الشريك والرديف قد ينطوي على بيع لحصة الشريك. وقد يقتصر على إنشاء شركة من الباطن بينهما موضوعها استغلال حصة الشريك الأصلي في الشركة. إنما ليس من شأن هذا الاتفاق في كلتا الحالتين إقامة علاقة مباشرة بين الرديف والشركة الأصلية. وقد نصت على ذلك صراحة المادة 18/2 من نظام الشركة بقولها: “ومع ذلك يجوز للشريك أن يتنازل إلى الغير عن الحقوق المتصلة بحصته ولا يكون لهذا التنازل أثر إلا بين طرفيه”.

كما يجوز للشريك دائمًا أن يرهن حقه المترتب على تقديم حصته في الشركة. وللدائن المرتهن ولغيره من الدائنين أن يحجزوا على هذا الحق طبقًا لقواعد حجز ما للمدين لدى الغير. وتؤدى في هذه الحالة الأرباح المستحقة للشريك إلى الدائن الحاجز كما يؤدى إليه نصيب الشريك من القسمة بعد انتهاء الشركة. كما يجوز لهؤلاء الدائنين أن ينفّذوا على حق الشريك في الشركة وبيعه بيعًا جبريًا. غير أن الراسي عليه المزاد لا يكتسب صفة الشريك إلا بموافقة جميع الشركاء باستثناء الشريك المحجوز عليه، أو بموافقة الأغلبية التي يعيّنها عقد الشركة لصحة التنازل. وإذا لم يُقبل الراسي عليه المزاد كشريك اُعتبر رديفًا للشريك المحجوز عليه الذي يظل شريكاً في الشركة.

4. اكتساب الشريك صفة التاجر

متى كان الغرض الذي تقوم عليه شركة التضامن تجاريًا، كانت الشركة تاجرًا وجميع الشركاء تجارًا. والسبب في ذلك أن الشريك المتضامن يُسأل مسئولية شخصية وتضامنية عن ديون الشركة. الأمر الذي يجعله في مركز يماثل مركز من يمارس التجارة باسمه الخاص.

ويلاحظ أن الشريك المتضامن يكتسب صفة التاجر بمجرد دخوله الشركة، ولو لم تكن له هذه الصفة من قبل. وعليه فإنه يجب أن تتوافر في الشريك المتضامن الأهلية اللازمة لاحتراف التجارة. كما يمتنع على الأشخاص المحظور عليهم مباشرة التجارة الدخول كشركاء في شركات التضامن.

والأصل أن يترتب على اكتساب الشريك المتضامن صفة التاجر خضوعه لالتزامات التجار، كمسك الدفاتر التجارية والقيد في السجل التجاري، ومع ذلك فقد رأينا أن العرف قد جرى على عدم إلزام الشركاء المتضامنين بمسك دفاتر تجارية مستقلة عن دفاتر الشركة إلا أن نظام السجل التجاري الحالي في المملكة قد أوجب إدراج أسماء الشركاء المتضامنين ضمن بيانات الشركة الواجبة القيد في السجل التجاري.

حالة التوقف عن الدفع

وإذا توقفت الشركة عن دفع ديونها التجارية وحُكم بشهر إفلاسها استتبع ذلك حتمًا إشهار إفلاس جميع الشركاء فيها. إذ أن توقّف الشركة عن الدفع يعتبر توقفًا عن الدفع من جانب الشركاء كذلك. أما العكس فغير صحيح، إذ أن إفلاس أحد الشركاء المتضامنين لا يستتبع إفلاس الشركة. لأن الشركة غير مسئولة عن ديون الشركاء، ولأن الشركاء الآخرين قد يتمكنون من الوفاء بديونها. ولكن إفلاس أحد الشركاء يترتب عليه كقاعدة عامة انقضاء الشركة.

ويلاحظ في النهاية أنه ليس هناك ما يمنع من أن يكون الشريك المتضامن شخصًا معنويًا. أو أن يكون الشخص الطبيعي أو المعنوي شريكاً في أكثر من شركة تضامنية. فالشخص الواحد يجوز أن يكون مسئولاً مسئولية شخصية وتضامنية في شركات متعددة. حيث أن كل ما يمتنع على الشريك المتضامن، طبقًا لما تقضي به المادة 23 من نظام الشركات، هو أن يمارس لحسابه أو لحساب غيره نشاطًا من نوع نشاط الشركة أو أن يكون شريكاً في شركة تنافسها دون موافقة باقي لشركاء. ويستوي في هذه الحالة أن تكون الشركة الأخرى شركة تضامن أو شركة توصية أو شركة ذات مسئولية محدودة.

تكوين شركة التضامن

تخضع شركة التضامن من حيث تكوينها للأحكام العامة في الشركات السابقة الدراسة. ومن ثم يجب أن يتوافر فيها الأركان الموضوعية العامة والأركان الموضوعية الخاصة فضلاً كتابة عقد الشركة.

كما تخضع شركة التضامن كغيرها من الشركات لواجب الشهر. وقد عنى نظام الشركات عناية خاصة ببيان إجراءات شهر الشركة وبتحديد الجزاء الذي يترتب على عدم مراعاة هذه الإجراءات.

1. إجراءات شهر الشركة وميعاده

يتضح من المادتين 21 و22 من نظام الشركات السعودي أن شهر شركة التضامن ينحصر في الإجراءات الثلاثة التالية:

الأول: نشر ملخص عقد الشركة في جريدة يومية توزع في المركز الرئيسي للشركة. ويشتمل ملخص عقد الشركة بصفة خاصة على البيانات الآتية:

  1. اسم الشركة وغرضها ومركزها الرئيسي وفروعها إن وجدت.
  2. أسماء الشركاء ومحال إقامتهم ومهنتهم وجنسياتهم.
  3. رأس مال الشركة وتعريف كافِ بالحصة التي تعهّد كل شريك بتقديمها وميعاد استحقاقها.
  4. أسماء المديرين ومن لهم حق التوقيع نيابة عن الشركة.
  5. تاريخ تأسيس الشركة ومدتها.
  6. بدء السنة المالية وانتهائها.

ويلاحظ أن هذه البيانات قد وردت على سبيل التمثيل لا الحصر. ودليل ذلك عبارة “بصفة خاصة” الواردة في نص المادة 22. ومن ثم يجوز أن يشتمل ملخص عقد الشركة على جميع البيانات التي يقدّر الشركاء أهميتها بالنسبة للغير. ومن أمثلتها التصرفات المحظورة على المدير. وشروط انتقال الحصص أو التنازل عنها.

الثاني: قيد الشركة في سجل الشركات بالإدارة العامة للشركات.

الثالث: قيد الشركة في السجل التجاري وفقًا لأحكام نظام السجل التجاري.

ويجب أن يتم شهر الشركة خلال ثلاثين يومًا من تاريخ التأسيس.  ويقع هذا الالتزام على مديري الشركة (مادة 21).

كذلك يجب أن يشهر بنفس الطرق السابقة وخلال نفس الميعاد كل تعديل يطرأ على البيانات الواردة في ملخص عقد الشركة.

2. الجزاء المترتب على عدم شهر الشركة

طبقًا لما تقضي به المادة 11 من نظام الشركات، يترتب على عدم القيام بإجراءات الشهر وفقًا للأحكام السابقة عدم نفاذ الشركة في مواجهة الغير. فضلاً عن مسئولية مديري الشركة عن تعويض الضرر الناشئ عن ذلك.

ويُقصد بعدم نفاذ الشركة في مواجهة الغير عدم جواز الاحتجاج بوجود الشركة في مواجهة الغير. ويُلاحظ أن هذا الجزاء يترتب على تخلّف أي أحد من إجراءات الشهر الثلاثة السابقة. وهي نشر الملخص في جريدة يومية وقيد الشركة في سجل الشركات وقيدها في السجل التجاري. أما إذا اقتصر عدم الشهر على بعض البيانات الواجبة الشهر، فإن الجزاء يكون هو عدم جواز الاحتجاج على الغير بالبيانات غير المشهرة فقط.

ويصدق وصف الغير هنا على مدين الشركة الذي قد تكون له مصلحة في التمسك بعدم سريان الشركة أو البيان غير المشهر في حقه. كما لو أصبح دائناً لأحد الشركاء وأراد إجراء المقاصّة بين المدينين. ويصدق وصف الغير أيضًا على دائن الشركة وإن كان الغالب أن تكون مصلحة دائن الشركة في التمسك بوجودها لكي يضمن عدم مزاحمة الدائنين الشخصيين للشركاء له، كما يصدق هذا الوصف أخيرًا على الدائن الشخصي للشريك الذي قد تكون له مصلحة في التمسك بعدم وجود الشركة لكي يتوصّل إلى التنفيذ على المال الذي قدمه مدينه كحصة في الشركة.

جزاء مقرر لمصلحة الغير

وعدم نفاذ الشركة هو جزاء مقرر لمصلحة الغير. ومن ثم يجوز للغير أن يتنازل عنه وأن يتمسك بوجود الشركة غير المشهرة أو البيان غير المشهر متى كانت له مصلحة في ذلك، ولكن إذا تمسّك البعض من الغير بوجود الشركة غير المشهرة وتمسّك البعض الآخر بعدم نفاذها، فلا مناص من ترجيح كفة من يتمسّك بعدم النفاذ لأنه هو الأصل.

غير أنه لا يجوز للشركاء أن يتمسّكوا فيما بينهم أو في مواجهة الغير بعدم وجود الشركة أو البيان لعدم الشهر. ذلك أن الشهر قد تقرر لمصلحة الغير، ومن ثم فليس من المعقول أن يُضار الغير بسبب تقصير الشركاء في عدم الشهر وأن يستفيد الشركاء من تقصيرهم وإهمالهم.

ويترتب من ناحية أخرى على عدم مراعاة إجراءات شهر الشركة التزام مديري الشركة بالتضامن عن تعويض الضرر الذي يصيب الشركة أو الشركاء أو الغير بسبب عدم الشهر (المادة 34/11).

نشاط شركة التضامن

سنتكلم في الفرع الأول من هذا المبحث عن مدير شركة التضامن وفي الفرع الثاني عن كيفية توزيع الأرباح والخسائر.

مدير شركة التضامن

عني نظام الشركات عناية خاصة بتحديد القواعد التي تحكم إدارة شركة التضامن من حيث طريقة تعيين المدير وعزله وسلطاته ومسئوليته كما يتضح من التفصيل التالي:

1. تعيين المدير

قد يعين لإدارة شركة التضامن مدير أو أكثر من بين الشركاء أو من الغير. ومن النادر في الواقع أن يكون مدير شركة التضامن من الغير. وجرت العادة على أن يكون المدير هو أهم الشركاء وأكثرهم خبرة بالشؤون التجارية.

وقد يُعيّن المدير – سواء كان شريكاً أم غير شريك – بنص خاص في عقد الشركة، فيسمى عندئذٍ بالمدير النظامي أو الاتفاقي. وقد يُعيّن في عقد مستقل عن عقد الشركة، فيسمى عندئذٍ بالمدير غير الاتفاقي. غير أنه لا يلزم أن يعين المدير الاتفاقي عند تكوين الشركة، بل يجوز أن يُعيّن بمقتضى تعديل لاحق للعقد التأسيسي.

ويترتب على تعيين مدير أو أكثر للشركة أثر قانوني هام، هو استئثاره وحده بسلطة إدارة الشركة وتسيير دفة الأمور فيها دون تدخل من جانب بقية الشركاء في هذه الإدارة، وبعبارة أخرى يترتب على تعيين مدير أو أكثر للشركة سقوط حق باقي الشركاء في الإدارة، واقتصار حقهم فقط على رقابة هذه الإدارة. فيكون لكل شريك أن يطّلع بنفسه في مركز الشركة على سير أعمالها. وأن يفحص دفاترها ومستنداتها، وأن يستخرج بنفسه بيانًا موجزًا عن حالة الشركة المالية من واقع دفاترها ومستنداتها. وأن يوجه النصح لمديرها. وحق الشريك في هذه الرقابة يتعلق بالنظام العام، ومن ثم يقع باطلاً كل اتفاق يقضي بحرمانه من هذا الحق (مادة 24).

حق الرقابة

ويعتبر حق الرقابة من الحقوق الشخصية للشريك. فلا يكون له أن ينيب عنه غيره في ممارسته والقيام بالاطلاع على دفاتر الشركة ومستنداتها. وذلك نظرًا للاعتبارات الشخصية التي تسود شركات الأشخاص والتي تقوم على ثقة الشركاء بعضهم ببعض.

وإذا لم يعيّن الشركاء مديرًا للشركة، كان لكل شريك أن ينفرد بإدارة الشركة ويباشر جميع الأعمال التي يقتضيها تحقيق غرض الشركة دون رجوع إلى غيره من الشركاء. ولكن يكون لأغلبية الشركاء في هذه الحالة حق الاعتراض على أي عمل قبل إتمامه. وإذا حدث الاعتراض على العمل من جانب واحد أو أكثر من الشركاء، وجب عرض الأمر على جميع الشركاء. ويكون لأغلبيتهم حق رفض الاعتراض أو تأييده، أي إقرار العمل أو عدم إقراره (مادة 28).

2. عزل المدير

تختلف القواعد الخاصة بعزل مدير شركة التضامن بحسب صفته وطريقة تعيينه. فإذا كان المدير شريكاً واتفاقيًا، أي معينًا بنص في عقد الشركة، فإنه يعتبر غير قابل للعزل إلا بإجماع الشركاء بما فيهم المدير نفسه. ذلك لأن الاتفاق على تعيينه جزء من العقد، والعقد لا يجوز تعديله – كقاعدة عامة – إلا برضاء جميع الأطراف فيه.

بيد أنه يجوز لأغلبية الشركاء طبقًا لما تقضي به المادة 33 من نظام الشركات، أن يطلبوا إلى ديوان المظالم عزل المدير الاتفاقي بشرط وجود “مسوغ شرعي”، كإخلاله بالتزاماته نحو الشركة، أو ارتكابه لعمل من أعمال الخيانة، أو عدم المقدرة عل العمل. ولديوان المظالم سلطة تقدير هذا المسوغ وما إذا كان يبرر عزل المدير في هذه الحالة أم لا.

ويرى البعض أنه يجوز أن ينظّم عقد الشركة طريقًا آخر لعزل المدير النظامي كأن يشترط أغلبية معينة لذلك. ومع ذلك يصعب علينا التسليم بهذا الرأي لسببين:

الأول أن عزل المدير الشريك المعيّن في عقد الشركة يعتبر، كما سبق القول، تعديلاً لعقد الشركة، والمادة ٢/٢٥ من نظام الشركات تنص صراحة على أنه لا تُعد “القرارات المتعلقة بتعديل عقد الشركة صحيحة إلا إذا صدرت بالإجماع”.

والثاني أن المادة 1/33 من نفس النظام والتي سبقت الإشارة إليها، بعد أن ذكرت أن العزل لا يكون إلا بقرار من ديوان المظالم بناء على طلب أغلبية الشركاء، نصّت صراحة على أن “كل اتفاق على خلاف ذلك يعتبر كأن لم يكن”.

وعليه فإننا نرى أنه لا يمكن عزل المدير الاتفاقي في فرضنا هذا إلا بإجماع الشركاء بما فيهم المدير، أو بقرار من ديوان المظالم.

الآثار المترتبة على عزل المدير

ويترتب على عزل المدير في هاتين الحالتين انقضاء الشركة. وعلة ذلك أن وجود المدير الشريك الاتفاقي يعتبر عنصرًا جوهريًا في الشركة بحيث يؤدي زواله إلى انقضاء الشركة. غير أنه يجوز الاتفاق في العقد التأسيسي للشركة على استمرار الشركة رغم عزل المدير.

ولا يجوز للمدير الاتفاقي متى كان شريكاً أن يعتزل الإدارة لغير سبب مقبول، وإلا كان مسئولاً عن التعويض. وديوان المظالم هو الجهة المختصّة بتقدير جدّية وكفاية أسباب الاعتزال أو الاستقالة، وذلك عند اختلاف الشركاء في ذلك. ويترتب أيضًا على اعتزال المدير انقضاء الشركة ما لم ينص عقد الشركة على خلاف ذلك (مادة ١/٣٤).

أما إذا كان المدير اتفاقيًا وغير شريك، أو إذا كان المدير غير اتفاقي سواء شريكاً أو غير شريك، فإنه يكون قابلاً للعزل وبقرار من الشركاء ولا يترتب على هذا العزل حل الشركة (مادة 3/33).

الأغلبية اللازمة لقرار العزل

ولكن ما هي الأغلبية اللازمة لصحة قرار العزل؟

تقضي المادة ١/٢٥ من نظام الشركات بأن “تصدر القرارات بالأغلبية العددية لآراء الشركاء ما لم ينص عقد الشركة على خلاف ذلك”، وعليه فمتى كان المدير معينًا بعقد مستقل، أي غير اتفاقي، فلا صعوبة في الأمر، إذ الغالب أن تعيينه بالأغلبية العددية، ومن ثم لا يُشترط لصحة عزله أكثر من هذه الأغلبية، أما إذا نص عقد الشركة على أغلبية معيّنة لتعيين المدير، كما إذا اشترط الإجماع أو أغلبية الثلثين، وجَب لصحة العزل توافر نفس الأغلبية.

ولكن الصعوبة تظهر حينما يتعلق الأمر بمدير اتفاقي من غير الشركاء، أي حينما يكون المدير شخصًا من الغير معيّنًا بنص في عقد الشركة، فهل يكفي عندئذٍ لصحة العزل الأغلبية المنصوص عليها في المادة ١/٢٥ السابقة الإشارة؟ أم أن العزل يعتبر حينئذٍ بمثابة تعديل لعقد الشركة بحيث يشترط الإجماع؟

نعتقد أن تعيين المدير غير الشريك في عقد الشركة لا يشكل عنصرًا جوهريًا في العقد. ودليل ذلك أن عزل مثل هذا المدير لا يترتّب عليه بالنص الصريح حل الشركة. ومن ثم فإنه يجوز عزل المدير الاتفاقي متى كان غير شريك بالأغلبية المنصوص عليها في المادة ١/٢٥.

وإذا عُزل المدير غير الاتفاقي أو المدير الاتفاقي متى كان من غير الشركاء بقرار من الشركاء، فإن من حقه مطالبة الشركة بالتعويض إذا كان العزل قد وقع في وقت غير لائق أو لغير مسوغ شرعي (مادة 4/33)، ويجوز للمدير أن يعتزل الإدارة بشرط أن يكون ذلك في وقت لائق وأن يخطر به الشركاء، وإلا كان مسئولاً عن تعويض الشركة عن الأضرار الناتجة عن ذلك. ولا يترتب على اعتزاله حل الشركة.

3. سلطة المدير أو المديرين

أولاً: المدير الواحد

ينص عادة عقد الشركة على حدود سلطة المدير. فيبين الأعمال والتصرفات التي يجوز له مباشرتها. وعندئذٍ يجب على المدير الالتزام بتلك الحدود وعدم تجاوزها حتى تصبح أعماله صحيحة وملزمة للشركة. أما إذا لم يعيّن عقد الشركة سلطة المدير ولم تُحدّد باتفاق لاحق، كان للمدير أن يباشر جميع أعمال الإدارة العادية التي تدخل في غرض الشركة (مادة ١/٢٩).

وبالرغم من اقتصار النص على ذكر أعمال الإدارة العادية، فإن الرأي مستقر على أن للمدير أن يقوم بكافة الأعمال التي يقتضيها تحقيق غرض الشركة، سواء كانت هذه الأعمال من أعمال الإدارة بمعنى الكلمة أو من أعمال التصرّف. فله أن يستأجر الأماكن اللازمة لممارسة نشاط الشركة. ويستخدم العمال والموظفين. ويؤمن على ممتلكات الشركة وبضائعها. كما له أن يبيع ويشتري البضائع والآلات، ويوقّع الأوراق التجارية، ويقترض لحساب الشركة، ويمثل الشركة أمام القضاء كما له أن يتصالح على حقوق الشركة وأن يطلب التحكيم إذا كان في ذلك مصلحة الشركة (مادة 2/22).

حظر بعض الأعمال بصفة خاصة

غير أنه لا يجوز للمدير أن يباشر الأعمال التي تجاوز الإدارة العادية إلا بموافقة الشركاء أو بنص صريح في العقد. ويسري هذا الحظر، طبقاً لنص المادة 30 من نظام الشركات بصفة خاصة على الأعمال الآتية:

  1. التبرعات ما عدا التبرعات الصغيرة المعتادة.
  2. بيع عقارات الشركة إلا إذا كان هذا البيع مما يدخل في غرض الشركة.
  3. رهن عقارات الشركة ولو كان مصرحًا له في عقد الشركة ببيع العقارات.
  4. بيع متجر الشركة أو رهنه.

كذلك لا يجوز للمدير أن يمارس نشاطًا من نوع النشاط الذي تقوم به الشركة إلا بموافقة الشركاء، نظرًا لما ينطوي عليه ذلك من منافسة للشركة، كما لا يجوز له أن يتعاقد لحسابه الخاص مع الشركة إلا أن يكون بإذن خاص من الشركاء يصدر في كل حالة على حدة (مادة 31). وبالمثل لا يحق للمدير أن يكون شريكاً في شركة أخرى تنافسها إذا كانت هذه الشركة الأخرى شركة تضامن أو شركة توصية أو شركة ذات مسئولية محدودة.

والأصل أنه ليس للمدير بصفته نائبًا عن الشركة أن ينيب عنه غيره، وإلا كان مسئولاً كما لو كان قد قام هو بالعمل.

ثانيًا: تعدد المديرين

قد يعيّن الشركاء أكثر من مدير لإدارة الشركة. وقد تحدّد اختصاصات كل منهم، وقد تترك دون تحديد. وقد يُنص صراحة على أن يعملوا مجتمعين.

  1. إذا حُدّد لكل مدير اختصاصات معينة تعيّن على كل منهم أن يعمل في حدود اختصاصه. وأن يمتنع عن التدخل في اختصاص الآخرين. فإذا جاوز اختصاصه كان عمله غير نافذ في مواجهة الشركة. ومثال هذا الغرض أن يعيّن مدير للمشتريات، وآخر للمبيعات، وثالث لشؤون العمال والموظفين، ورابع للدعاية والإعلان.
  2. إذا تعدد المديرون دون أن يعيّن اختصاص كل منهم ودون أن يُنص على عدم جواز انفراد أي منهم بالإدارة، كان لكل منهم أن يقوم منفردًا بأي عمل من أعمال الإدارة، على أن يكون لكل مدير أن يعترض على العمل قبل إتمامه. ومتى حصل الاعتراض عُرض الأمر على المديرين مجتمعين ليتخذوا فيه قرارًا بأغلبية الآراء. فإذا تساوت الآراء عُرض الأمر على الشركاء (مادة ١/٢٧). ومن المعروف أنه طبقًا للمادة ٢٥ من نظام الشركات تُصدر قرارات الشركاء في شركة التضامن بالأغلبية العددية.
  3. إذا تعدد المديرون واشترط أن تكون قراراتهم بالإجماع وجب احترام هذا الشرط وعدم انفراد أي منهم بالإدارة. بيد أنه يجوز الخروج على هذا الأصل، ومن ثم يكون لأي منهم أن يعمل منفردًا، إذا كان هناك أمر عاجل يترتّب تفويته خسارة جسيمة للشركة (مادة ٢/٢٧). وتطبيقًا لذلك يجوز لأي من المديرين أن يقوم وحده ببيع البضاعة المعرّضة للتلف ويُعتبر التصرف عندئذٍ صحيحًا ونافذًا.

4. المسئولية عن أعمال المدير

في مجال البحث عن المسئولية عن أعمال المدير ينبغي التمييز بين مسئولية الشركة عن أعماله في مواجهة الغير ممن يتعاملون معها، ومسئولية المدير ذاته عن أعماله في مواجهة الشركة.

أولاً: مسئولية الشركة عن أعمال المدير

المدير هو ممثل الشركة قانونًا، ومن ثم تُسأل الشركة عن تصرفات وأعمال مديرها متى توافر الشرطان الآتيان:

  1. أن يتعاقد المدير باسم الشركة ولحسابها. ويعتبر الأمر كذلك متى تم التوقيع على التصرف بعنوان الشركة. وإذا تعاقد المدير بدون عنوان الشركة، كان معنى ذلك قيام قرينة على أن المدير يتعاقد لحسابه الخاص. غير أن هذه القرينة قابلة لإثبات العكس، أي إثبات أنه بالرغم من أن المدير استخدم اسمه الشخصي إلا أن التعاقد قد تم لحساب الشركة، ويجوز إثبات ذلك بكافة طرق الإثبات، وللقاضي سلطة التقدير.
  2. أن يتعاقد المدير في حدود سلطته المُعترف له بها طبقًا لنظام الشركات وعقد الشركة. فإذا جاوزها كانت الشركة غير مسئولة. وليس أمام المتعاقد معه سوى الرجوع على المدير شخصيًا. فلو منع عقد الشركة على المدير الاقتراض مثلاً وقام رغم هذا الحظر بالاقتراض من أحد البنوك، فلا تكون الشركة مسئولة أمام البنك، وليس لهذا الأخير أن يتضرر من هذه النتيجة، لأن المفروض أن القيود الواردة على سلطة المدير قد تم شهرها وأن الغير يعلم بها قبل أن يُقدم على التعامل معه. وبالمثل لا تُسأل الشركة أمام الغير وفقًا لقواعد المسئولية التقصيرية إلا عن الأخطاء التي تقع من المدير أثناء تأدية الوظيفة أو بسببها.

ومتي كان التصرف داخلاً في حدود سلطة المدير وتم التوقيع عليه بعنوان الشركة أُلزمت الشركة ولو تبيّن بعد ذلك أن المدير كان يعمل لحسابه الخاص، طالما أن الغير الذي تعامل معه المدير حسن النية لا يعلم أن المدير يسيء استخدام سلطته (مادة ٣/٢٩).

ثانيًا: مسؤولية المدير في مواجهة الشركة

يعتبر المدير مسئولاً في مواجهة الشركة عن الأخطاء التي تقع منه أثناء قيامه بأعمال الإدارة. كما إذا أساء استخدام عنوان الشركة أو تجاوز حدود سلطته أو قام بعمل منافس أو صدر منه إهمال أو تقصير.

وبالرغم من أن المدير ليس وكيلاً عن الشركة، بل عضو الشركة وممثلها القانوني، فإن مسئوليته عن أخطائه في إدارة الشركة تتحدد وفقًا لقواعد المسئولية التعاقدية، ومن ثم فهو يلتزم متى كان بأجر بأن يبذل عناية الرجل المعتاد، ولذلك فهو يُسأل عن أخطائه ولو كانت يسيرة.

ويُسأل المدير جنائيًا عما ارتكبه من مخالفات أو جرائم. فإذا ما بدّد أموال الشركة اُعتبر مرتكبًا لجريمة خيانة الأمانة.

توزيع الأرباح والخسائر في شركة التضامن

إن اقتسام الأرباح والخسائر هو أحد الشروط الموضوعية الخاصة بعقد الشركة. وقد سبق أن رأينا أن توزيع الأرباح والخسائر يخضع في الأصل للشروط الواردة في عقد الشركة، مع مراعاة بطلان الشروط التي تقضي بحرمان أحد الشركاء من الربح أو إعفائه من الخسارة، أي بطلان شروط الأسد (مادة 7). أما إذا كان عقد الشركة يتضمّن قواعد لتوزيع الأرباح والخسائر وجب تطبيق أحكام المادة التاسعة من نظام الشركة على التفصيل السابق دراسته.

حالة تحقيق الأرباح

وقد جرى العمل على توزيع الأرباح في نهاية كل سنة مالية، والأرباح التي تُوزع على الشركاء ليست هي الأرباح الإجمالية، والتي تنتج من طرح الرصيد المدين من الرصيد الدائن، بل الأرباح الصافية، وهي ما يتبقى من الأرباح الإجمالية بعد خصم المبالغ التي ينص عليها عقد الشركة أو يقضي بها العرف، وأهمها المصاريف العمومية كمرتبات الموظفين وأجور العمال والمصاريف النثرية كقيمة ما تستهلكه الشركة من كهرباء وغاز ومياه، وكذلك الاستهلاكات وهي نسبة من قيمة الآلات والأدوات التي تستخدمها الشركة خلال السنة.

بالمثل قد ينص عقد الشركة على اقتطاع جزء من الأرباح الإجمالية لتكوين احتياطي تستعين به الشركة على مواجهة الخسائر المحتملة أو احتياجاتها في المستقبل أو لتوزيعه على الشركاء كربح في السنوات التي لا تحقق الشركة فيها أرباحًا، وتكوين الاحتياطي إجباري في بعض الشركات كشركة المساهمة وشركة التوصية بالأسهم والشركة ذات المسئولية المحدودة، ولكنه اختياري متروك لتقدير الشركاء في شركات الأشخاص. ومع ذلك يُلاحظ أنه إذا لم ينص عقد الشركة في هذا النوع الأخير من الشركات على تكوين احتياطي، فإنه يلزم لتكوينه إجماع الشركاء، لأن تكوين الاحتياطي معناه حرمانهم من توزيع قدر من الربح عليهم.

ويعتبر كل شريك دائنًا للشركة بنصيبه في الأرباح بمجرد تعيين هذا النصيب (مادة ٢/٢٦) كما أنه لا يلتزم برد الأرباح الحقيقية التي قبضها ولو منيت الشركة بخسائر في السنوات التالية (مادة 8).

حالة عدم تحقيق الأرباح

وإذا لم تحقق الشركة أرباحًا في سنة من السنوات بل مُنيت بخسائر كان من نتيجتها هبوط أصول الشركة عن خصومها، وهو ما يعني النقص في قيمة رأس مال الشركة، فلا يجوز توزيع أية مبالغ بصفتها أرباحًا، وذلك حتى يعود رأس المال إلى أصله أو يقرر الشركاء تخفيض رأس المال بمقدار النقص. وإذا حدث وقامت الشركة رغم ذلك بتوزيع مبالغ على الشركاء، فإن تلك المبالغ تكون أرباحًا صورية، لأنها في الحقيقة اقتطاع لجزء من رأس المال ورد لجزء من حصص الشركاء أثناء حياة الشركة وفي ذلك مساس بمبدأ ثبات رأس المال. ومن ثم يكون للدائنين مطالبة الشركاء برد ما حصلوا عليه من أرباح صورية ولو كان الشركاء حسني النية (مادة 8).

والأصل أن تعوّض الشركة النقص في قيمة رأس مالها بسبب الخسائر من أرباح السنوات التالية. لذا لا يلتزم الشريك بتكملة ما نقص من حصته في رأس المال بسبب الخسائر إلا بموافقته (مادة ٢/٢٦). وإذا لم تحقق الشركة أرباحًا في السنوات التالية واستمرت الخسائر حتى نفذ رأس المال أو معظمه بحيث أصبح يتعذر استثمار الباقي استثمارًا مجديًا وجب حل الشركة وتصفيتها (مادة 15). وتظهر عندئذ مسألة توزيع الخسائر على الشركاء وتُتبع في توزيع الخسائر القواعد الواردة في عقد الشركة. فإذا سكت العقد وجب إعمال أحكام المادة التاسعة من نظام الشركات.

المصدر