الرئيسية » العلوم القانونية » القانون الدولي الخاص – طبيعته ومصادره وموضوعاته

القانون الدولي الخاص – طبيعته ومصادره وموضوعاته

آخر تحديث: نوفمبر 11, 2020

ملخص المحتوى

ما هو القانون الدولي الخاص وتمييزه، موضوعات القانون الدولي الخاص ومصادره، التشريع والعرف والإتفاقيات والمعاهدات الدولية، مبادئ القانون وأحكام القضاء. تعريفه والعلاقة بين موضوعاته المختلفة وطبيعته.

ما هو القانون الدولي الخاص

القانون الدولي الخاص هو أحد أنواع القوانين الدولية، ويهدف إلى تطبيق قانون دولي خاص بالدول أو الأشخاص، ويعد فرع من الفروع القانونية التي تحتوي على مجموعة من المواد والأحكام التشريعية. ويتألف بشكل خاص من مجموعة من النصوص القانونية التي تهدف إلى تنظيم التعامل بين الأفراد المحليين والأجانب، بمعنى تحديد كيفية تطبيق القانون على مواطني الدولة، وعلى الأفراد الذين يأتون إليها من دول أخرى.

ويعود ظهور مصطلح القانون الدولي الخاص لعام 1834م، وتم تطبيقه لأول مرة في هولندا، كوسيلة من الوسائل القانونية التي تعمل على الفصل في النزاع القانوني بين الأفراد بحسب على الدول التي ينتمون لها. وانتشر هذا القانون في فرنسا بعد الثورة الفرنسية؛ بسبب زيادة سفر الأفراد الأجانب إليها بعد ظهور الدولة الفرنسية الجديدة، حتى يساعد في تنظيم كافة مجالات حياتهم من عمل، وسكن، وتعليم، وغيره.

تمييز القانون الدولي الخاص

يتميز القانون الدولي الخاص عن غيره من القوانين الأخرى، وتميزه ينبع من أنه لا يعالج سوى المشاكل المترتبة على الطابع الدولي للعلاقة بين الأفراد تاركًا تنظيمها الموضوعي لأحد الدول التي ترتبط بها، ويُلاحظ أنه قانون يطبق على الأشخاص الخاصة، وهذا ما يميزه عن القانون الدولي العام الذي يُطبق على الدول والمنظمات الدولية.

والأشخاص الخاصة في القانون الدولي العام يرتبطون فيما بينهم بعلاقة ذات طابع دولي.

والعلاقة ذات الطابع الدولي هي العلاقة التي ترتبط من خلال عناصرها بأكثر من دولة، وبالتالي بأكثر من نظام قانوني.

فعلى سبيل المثال عقد الزواج المبرم بين مصري وهولندية هو علاقة ذات طابع دولي لأنها ترتبط بدولة مصر عن طريق جنسية الزوج، وبدولة هولندا عن طريق جنسية الزوجة. كذلك فإن عقد البيع المبرم في مصر بين شركة سعودية وشركة أمريكية هو عقد دولي يرتبط بمصر عن طريق سببه، وبالسعودية والولايات المتحدة عن طريق جنسية أطرافه.

موضوع مقترح: القانون الدولي العام – نشأته وطبيعة قواعده القانونية

موسوعة العلوم القانونية

موضوعات القانون الدولي الخاص

للقانون الدولي الخاص ثلاثة موضوعات رئيسية:

  • توزيع الأفراد توزيعًا دوليًا، الجنسية والموطن
  • تمتع الأجانب بالحقوق، مركز الأجانب
  • استعمال هذه الحقوق وحمايتها، تنازع القوانين والاختصاص القضائي الدولي.

وبالرغم من تمايز كل موضوع من هذه الموضوعات عن الآخر من حيث ما يعالجه من مسائل، إلا أنها تشترك جميعها في هدف واحد هو تنظيم الحياة الدولية الخاصة، الأمر الذي يمكّن من ضمهم معًا لتكون موضوعًا لفرع من فروع القانون. فتوزيع الأشخاص توزيعًا دوليًا مما يترتب عليه من تفرقة بين الوطنيين والأجانب، أو بين المتوطنين وغير المتوطنين، يستتبع بيان ما يتمتع به هؤلاء وأولئك من حقوق. والاعتراف للأجنبي بالتمتع بالحقوق يتبعه البحث في القانون الذي يحكم استعمال هذه الحقوق وحمايتها، وهذا ما يقع في ميدان تنازع القوانين وكذلك تنازع الاختصاص القضائي الدولي، إذا ما تطلب الأمر التماس حماية القضاء.

مصادر القانون الدولي الخاص

مصار القانون الدولي الخاص هي:

  1. التشريع
  2. العرف
  3. الاتفاقيات والمعاهدات
  4. مبادئ القانون الدولي الخاص
  5. القضاء

وفيما يلي شرحًا مفصلا لكل منها:

1. التشريع

التشريع من المصادر الرسمية للقانون الدولي الخاص.

والتشريع هو القانون المكتوب الصادر عن الإرادة الصادرة عن المشرّع والذي يطبقه القاضي على المنازعات التي يفصل فيها.

وتختلف أهمية التشريع كمصدر للقانون الدولي الخاص تبعًا لاختلاف موضوعاته. ففيما يتعلق بالجنسية ونظرًا لاتصالها الوثيق بكيان الدولة فإن تنظيمها لا يكون إلا من خلال القواعد التي يصدرها المشرّع الوطني.

وقد يورد المشرّع القواعد الخاصة بالجنسية في الدستور أو في التشريع العادي، أو يوزع هذه القواعد بين الاثنين.

أما بالنسبة لتنازع القوانين والاختصاص القضائي الدولي فإن التشريع لم يمارس دورًا هامًا إلا في تاريخ حديث نسبيًا.

وقد ظل القضاء يعتمد طيلة عدة قرون على الحلول التي وضعها الفقه، وخصوصًا في إطار نظرية الأحوال. ولم تأخذ أهمية التشريع في التعاظم بالنسبة لتنازع القوانين وتنازع الاختصاص إلا منذ منتصف القرن التاسع عشر.

2. العرف

وهو مجموعة القواعد القانونية التي نشأت من تواتر السلوك في مسألة معينة على نحو معين تواترًا مقترنًا بالاعتقاد في إلزامية هذا السلوك. ويعد العرف مصدر هام للقانون الدولي الخاص، إلا أن أهميته تختلف بحسب اختلاف موضوعاته، فهي ضعيفة في الجنسية نظرًا للطبيعة السياسية لها ولاتصالها بكيان الدولة وسيادتها، الأمر الذي يجعل استقلال المشرّع بتنظيمها أمرًا منطقيًا. وتزداد أهمية العرف بالنسبة لمركز الأجانب حيث يعد مصدر تاريخي لكثير من القواعد التي تحدد الحقوق التي يتمتع بها الأجانب والتي تم تكريسها تشريعيًا في الكثير من الدول الحديثة. وتبلغ أهمية العرف منتهاها بالنسبة لقواعد تنازع القوانين، لأن معظم هذه القواعد نشأت عرفية في الأصل ثم امتدت لها يد المشرّع بالتقنين.

ومن أمثلة ذلك:

  • قاعدة خضوع شكل التصرف لقانون محل إبرامه وقاعدة خضوع الميراث في المنقول لقانون موطن المتوفى.
  • قاعدة خضوع موضوع العقد لقانون إرادة المتعاقدين.

للعرف أهمية مماثلة بالنسبة لقواعد الاختصاص القضائي الدولي، حيث نشأت كثير من تلك القواعد في كنف العرف قبل أن تتناولها يد المشرع بالتقنين.

ومن أمثلة هذه القواعد:

  • قاعدة اختصاص محكمة موقع المال.
  • قاعدة تتبع المدعي للمدعى عليه أمام محكمة موطن هذا الأخير.

3. الاتفاقيات والمعاهدات

الاتفاقيات والمعاهدات قد تكون ثنائية وقد تكون جماعية.

وقد ينص في المعاهدة الجماعية على حق أية دولة في الانضمام إليها مستقبلا وذلك بقصد التوسع في نطاق تطبيقها.

وتختلف أهمية المعاهدات كمصدر للقانون الدولي الخاص باختلاف موضوعاته، ففيما يتعلق بالجنسية تحرص الدول ألا تلجأ للمعاهدات إلا في إطار ضيق لأن الأمر يتعلق بركن من أركان الدولة وثيق الصلة بكيانها، وهو ركن الشعب.

وفي أغلب الاحيان تلجأ الدول للمعاهدات في مجال الجنسية لتحديد جنسية إقليم تغيرت السيادة عليه.

كذلك تستعين الدول بالمعاهدات في علاج مشاكل تنازع الجنسيات، سواء كان هذا التنازع سلبيًا أو إيجابيًا.

وعلى العكس من ذلك يكثر لجوء الدول للاتفاقيات والمعاهدات الدولية لتنظيم مركز الأجانب. وتبلغ أهمية المعاهدات أوجها في مجال تنازع القوانين.

وقد تقوم المعاهدات بعلاج مشكلة تنازع القوانين عن طريق توحيد قواعد الإسناد الخاصة بمسألة معينة.

وقد تتضمن المعاهدة قواعد موضوعية تطبق مباشرة على المسألة التي تنظمها دون اللجوء إلى أية قاعدة إسناد، فيتم بذلك القضاء على تنازع القوانين بالنسبة لتلك المسألة في الدول الأطراف في المعاهدة.

تنازع المعاهدات مع القانون الداخلي

قد يحدث أن يحصل تنازع ما بين نصوص المعاهدة ونصوص أخرى من قانون داخلي عند تطبيق أحكامها من قبل قاضي النزاع.

فما هو الحل هنا؟

يفرق الفقه هنا بين ما إذا كانت المعاهدات لاحقة أم سابقة للقانون.

ففي الفرض الأول إذا كانت المعاهدة لاحقة على القانون فهنا يطبق القاضي أحكام المعاهدة لأنها تعتبر بمثابة القانون الجديد استنادًا إلى القاعدة التي تقضي أن القانون الجديد ينسخ القانون القديم بقدر ما يرفع التعارض بينهما.

أما في الفرض الثاني إذا كانت الاتفاقية سابقة للقانون فهنا يفرق بين حالتين:

الأولى:

إذا وجد نص صريح يقضي بأفضلية المعاهدة على التشريع فهنا تطبق أحكام المعاهدة ويهمل النص التشريعي

الثانية:

إذا لم يوجد نص صريح يقضي بأفضلية أو أولوية المعاهدة على النص التشريعي يذهب بعضهم إلى تطبيق أحكام المعاهدة وإهمال النص لأنها أسمى منه، كما تعكس إرادة دولتين أو أكثر في حين يعكس التشريع إرادة دولة واحدة أما الاتجاه الثاني فيذهب إلى إهمال المعاهدة وتطبيق حكم النص لأن القاضي ملزم بإتباع أوامر مشرعه الواردة في التشريع أما المعاهدة فهي تلزم الدولة.

أمثلة توضيحية

  • اتفاقيات جنيف بخصوص الأوراق التجارية
  • الشيك والكمبيالة والسند الاذني
  • اتفاقيات بروكسل بخصوص الملاحة البحرية
  • اتفاقية وارسو بخصوص الملاحة الجوية
  • اتفاقية مونتريال بخصوص الملاحة الجوية

وللمعاهدات دور هام أيضًا في تنظيم قواعد الاختصاص القضائي وتنفيذ الأحكام الاجنبية.

فقد تتفق عدة دول على وضع قواعد موحدة لتحديد الاختصاص الدولي لمحاكم كل منها.

ولتحديد شروط التنفيذ في كل دولة للأحكام الصادرة من محاكم الدول الأخرى الأطراف في المعاهدة.

مثال ذلك معاهدة بروكسل في 27 سبتمبر 1968م أو معاهدة الاتحاد الأوروبي بين دول الجماعة الأوربية لتحديد الاختصاص القضائي لمحاكم الدول الأعضاء في تلك الجماعة ولتحديد شروط تنفيذ الأحكام الصادرة من تلك المحاكم.

4. مبادئ القانون الدولي الخاص

لا يُقصد بهذه المبادئ بعض المبادئ النظرية أو المجردة في القانون الدولي الخاص فقط ولكن المبادئ المطبقة فعلا في النظم القانونية الأخرى، وهي مبادئ تتسم بالعمومية لتظافر تلك النظم على العمل بها. فمن الثابت أن الأفراد تتوزع على شكل وحدات سياسية قانونية يصطلح عليها بالدول، وبأثر تعدد الدول تتعدد الأنظمة القانونية، وأن هذه الأنظمة تتوزع على عوائل قانونية تتمثل بالأنظمة وعلى إثر ذلك تختلف أنظمة كل مجموعة عن المجموعات الأخرى.

وإذا افترضنا بقاء أفراد كل دولة ضمن محيطها الإقليمي فإن كل دولة ستستأثر بحكم هؤلاء الأفراد عن طريق قوانينها الداخلية دون أن تحتاج إلى قوانين تنظم أوضاع الأجانب، ولكن هذا الافتراض لا يستقيم أمام ضرورات الحياة المعاصرة التي تفترضها حركة وانتقال الأشخاص والأموال عبر الحدود الدولية مما يطرح اختلاف الحالة القانونية بفعل تغير المكان (الموطن) (مركز الأجانب) وظهور علاقات وعقود باثر ذلك بين أطراف تابعين لدول مختلفة أو لدولة واحدة (الجنسية) حول علاقة موضوعها أموال تقع في دولة أخرى أو بين أطراف تابعين لدولة واحدة تكونت بينها علاقة تعاقدية عن موضوع موجود في نفس الدولة ولكن إبرام العقد تم في الخارج (تنازع القوانين).

إن مثل تلك العلاقات في مختلف الفروض أعلاه لا يمكن أن تُعامل بمعاملة العلاقات الوطنية نفسها وهذا يعني أنها علاقات غير وطنية يصطلح عليها حديثًا بالعلاقات ذات الأبعاد الدولية الخاصة. فاختلاف المعاملة بين العلاقتين أعلاه يفترض اختلاف القوانين الحاكمة لكل منها، واختلاف المحاكم التي تنظر في المنازعات الناشئة عنها (تنازع الاختصاص القضائي الدولي). فالعلاقات الوطنية التي تحصل بين الأفراد التابعين لدولة واحدة على موضوع كائن فيها وعن سبب نشأ على أراضيها تخضع بدون خلاف للقانون الوطني لتلك الدولة ولكن العلاقات ذات الأبعاد الدولية المتصلة بعنصر أو أكثر من عناصرها (الأشخاص، الموضوع، السبب) بدولة أو أكثر تخضع لقواعد قانون آخر يصطلح عليه بالقانون الدولي الخاص.

5. القضاء

يُقصد بالقضاء كمصدر من مصادر القانون الدولي الخاص بأنه مجموعة الأحكام القضائية الصادرة عن القضاء الوطني والدولي التي استقر العمل بها في التعامل مع مسائل القانون الدولي الخاص. وينعدم تأثير هذا المصدر في إطار الجنسية للأسباب التي أوردناها سلفًا ويكون له تأثير مساعد ومعاون وإحتياطي في باقي موضوعات القانون الدولي الخاص. فهو مصدر تفسيري.

ومقابل ذلك يعد القضاء في بريطانيا من المصادر الرسمية والرئيسة للقانون.

ومع ذلك، كثيرًا ما أدى القضاء دور متميز في تطوير أحكام القانون الدولي الخاص وعلى مر التاريخ.

تعريف القانون الدولي الخاص

لم يظهر مفهوم هذا القانون إلى حيز الوجود إلا في بداية القرن السابع عشر ويرجح ظهوره إلى عام 1834م.

ونظرًا لاختلاف طبيعة الموضوعات التي يتضمنها القانون الدولي الخاص، ومن ثم اختلاف نطاق كل منها فضلا عن اختلاف المصادر التي يستقي منها أحكامه فلم يكن هناك اتفاق على تعريف القانون الدولي الخاص.

وعلى إثر ذلك ظهرت ثلاثة اتجاهات قانونية في هذا السياق، وهي كما يلي:

الاتجاه الأول

يضيق من تعريف القانون الدولي الخاص فيقصره على تنازع القوانين بمعناه الضيق لذا يعرف على وفق هذا الاتجاه، بأنه ذلك الفرع من القانون الذي يعني ببيان القانون الواجب التطبيق في العلاقات القانونية ذات الأبعاد الدولية الخاصة.

ويمثل هذا الاتجاه إيطاليا وألمانيا.

الاتجاه الثاني

يذهب إلى ضم تنازع الاختصاص القضائي إلى جانب تنازع القوانين أي أنه يجعل القانون الدولي الخاص قائمًا على تنازع القوانين بمعناه الواسع ويعرفه بأنه ذلك الفرع من القانون الذي يعنى ببيان القانون الواجب تطبيقه فضلا عن ذلك والمحكمة المختصة في العلاقات ذات الأبعاد الدولية الخاصة.

ويمثل هذا الاتجاه الفقه الأنجلوسكسوني.

الاتجاه الثالث

وهذا الاتجاه يعرف القانون الدولي الخاص بمعنى أوسع من الاتجاهين الأول والثاني.

فيلحق بتنازع القوانين (تنازع الاختصاص التشريعي وتنازع المحاكم، تنازع الاختصاص القضائي) كل من الجنسية والموطن ومركز الأجانب. ويعرفه بأنه ذلك الفرع من القانون الذي يعنى ببيان جنسية الأشخاص بالنسبة للدول وموطنهم وحالتهم القانونية عبر الحدود (التمتع بالحقوق) مع بيان القانون الواجب تطبيقه (استعمال الحقوق) والمحكمة المختصة (حماية الحقوق) في العلاقات الدولية الخاصة التي يكونوا أطرافًا فيها.

ويمثل هذا الاتجاه الفقه اللاتيني.

العلاقة بين موضوعات القانون الدولي الخاص

الاتجاه الأول

يذهب بعض الفقه إلى التقليل من العلاقة بين موضوعات القانون الدولي الخاص لاختلاف القواعد التي تحكم كل منها.

فيرى أصحاب هذا الاتجاه أن القواعد التي تحكم الجنسية والموطن ومركز الأجانب وتنازع الاختصاص القضائي تتصل بالقانون العام وتوصف بأنها قواعد موضوعية تضع حلول فورية ومباشرة لكل موضوع من هذه الموضوعات، في حين نجد قواعد تنازع القوانين تتصل بشكل رئيس بموضوعات هي من صميم القانون الخاص كما توصف بأنها قواعد إسناد لا تقدم حلولا فوريةً ومباشرة وأنما تقدم أحكامًا توجيهيةً إرشاديةً.

ويفضل هذا الاتجاه دراسة بعض من هذه الموضوعات ضمن القانون الدولي الخاص.

الاتجاه الثاني

وفي مقابل هذا الاتجاه هناك من يذهب إلى الاعتراف بوجود علاقة مباشرة وقوية بين موضوعات القانون الدولي الخاص.

فيرى أصحاب هذا الاتجاه أن كل موضوع يمهد للآخر.

كما أن جميع القواعد التي تحكم الموضوعات تنتمي إلى فصيلة واحدة من القوانين وهو القانون العام.

فالجنسية مثلا تعد السبب الأول لوجود بقية موضوعات القانون الدولي الخاص ولولا وجود الجنسية لكنا نعيش تحت مظلة كيان واحد ويحكمنا نظام قانوني واحد وهذا يعني أن اختفاء الجنسية يؤدي إلى غياب القانون الدولي الخاص، فوجود الجنسية يميز بصورة مباشرة بين الوطني والأجنبي كما إن ذلك يفتح الطريق أمام ظهور موضوع الموطن إذ تميز الجنسية عن طريق الموطن بين الأجنبي المتوطن وغير المتوطن.

وبالمقابل وجود الجنسية ومن ثم وجود الموطن يفضي إلى طرح موضوع آخر يعنى ببيان الوضع أو الحالة القانونية للأجنبي بعد تمييزه عن الوطني بواسطة الجنسية وكذلك وصفه في ظل توطنه وفي ظل عدم حصوله على الموطن فهذا الوضع يكشف عن مقدار ما يتمتع به الأجنبي من حقوق والتزامات مما يفتح الطريق أمام إمكانية الأجنبي استعمال ما يتمتع به من حقوق وهذا الاستعمال يطرح موضوعاٌ آخر وهو تنازع القوانين الذي بدوره يطرح أيضا تنازع المحاكم ومن ثم آليات تنفيذ ما يصدر منها من أحكام على المستوى الدولي.

ويلاحظ مما تقدم أن الموضوع الأول كان سببًا ترتبت عليه بقية الموضوعات، أي أن غيابه يعني غيابها.

طبيعة القانون الدولي الخاص

تطرح هذه الطبيعة جملة تساؤلات تتمحور حول الأمور التالية:

  • الأول: هل القانون الدولي الخاص قانون بالمعنى الفني للكلمة؟
  • الثاني: هل هو قانون دولي أم داخلي؟
  • الثالث: هل هو قانون عام أم خاص؟

القانون الدولي الخاص هو قانون بالمعنى الفني

من ناحية السؤال الأول يتمتع هذا القانون بصفة الإلزام لأنه يتضمن قواعد عامة مجردة يترتب على مخالفتها جزاء فيأخذ بذلك وصف القانون بالمعنى الفني.

القانون الدولي الخاص قانون دولي أو داخلي

أما السؤال الثاني فقد ذهب فيه الفقه في مذهبين، يمكن التفرقة بينهما فيما يلي:

المذهب الأول

ينكر الصفة الدولية على هذا القانون ويصفه بالقانون الداخلي وذلك لأن نطاق تطبيقه ومصادره تختلف عن نطاق تطبيق القانون الدولي الخاص ومصادره، فالأول يحكم العلاقات التي يكون أطرافها أفرادًا بينما الثاني يحكم العلاقات التي يكون أطرافها دولا أو أشخاصًا أخرى في القانون الدولي العام مثل المنظمات الدولية. كما أن مصادر الأول داخلية، ذلك لغياب مشرّع دولي في هذا السياق أو وجود قواعد تشريعية مشتركة بين الدول بينما مصادر القانون الدولي قد تكون في أكثر من دولة مثل الاتفاقيات الدولية أو الأعراف الدولية.

المذهب الثاني

أما المذهب الثاني فيعترف للقانون الدولي الخاص بالصفة الدولية من ناحية القواعد التي يتضمنها، وإن كانت تستقي من مصادر داخلية مثل التشريع والأعراف الداخلية إلا أن نطاق تطبيقها له أبعاد دولية إذ لا تحكم تلك القواعد العلاقات الوطنية إنما العلاقات ذات الأبعاد الدولية الخاصة، فقواعد الجنسية تحكم العلاقة بين الفرد والدولة وعلى أساسها يتحدد انتماؤه وبفعلها تتدخل الدولة لحماية الفرد دبلوماسيًا إذا أصابه ضرر في الخارج ولم يستطع الحصول على تعويض، كما إن الدولة تكون مسؤولة عن أفعاله من الناحية الدولية إذا ما ألحق ضررًا بدولة أخرى، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

كما إن قواعد تنازع القوانين وتنازع الاختصاص القضائي الدولي وضعت لحكم العلاقات بين أفراد تابعين لدولة مختلفة، وهذا ما يجعل هذه القواعد حاكمة لموضوعات متعدية الآثار على أكثر من دولة. كما يتأثر مركز الأجانب بالعلاقات الدولية فكلما تحسنت العلاقات الدولية بين الدول تحسن وضع الأجنبي وهذا يعني أن مركز الأجانب يتأثر بقواعد القانون الدولي وكذلك الحال بالنسبة للموطن.

وبين هذين الموضعين يذهب بعضهم إلى القول بأن قواعد القانون الدولي الخاص قواعد داخلية من حيث المصدر ولكن آثارها دولية من حيث نطاق تطبيقها.

القانون الدولي الخاص قانون عام أم قانون خاص

وإذا كان القانون الدولي الخاص قانونًا وطنيًا داخلي المصدر ودولي التطبيق.

فهل أن هذا القانون من فصيلة القانون العام أم الخاص؟

لقد أجاب الفقه عن ذلك في اتجاهين:

الاتجاه الأول

يذهب هذا الاتجاه إلى إلحاق القانون الدولي الخاص بالقانون الخاص.

وذلك لأن موضوعات القانون الدولي الخاص تتعلق بالعلاقات التي يكون الأفراد أطرافا فيها، فالجنسية وإن كانت علاقة بين فرد ودولة إلا أن آثارها تنعكس على العلاقات الدولية الخاصة كما أنها تبين فضلا عن الحقوق العامة الحقوق الخاصة للأفراد، وكذلك النظام القانوني الواجب تطبيقه وهي مسائل من أبحاث القانون الخاص، وينسحب هذا الكلام على الموطن وكذلك مركز الأجانب، أما تنازع القوانين فهو موضوع ينصرف إلى التنازع ما بين القوانين الخاصة في إطار العلاقات التي يكون الأفراد طرفًا فيها ونفس الوضع يتكرر بالنسبة لتنازع الاختصاص القضائي الدولي.

الاتجاه الثاني

هذا الاتجاه يلحق موضوعات القانون الدولي الخاص بنظم القانون العام.

فهو ينظر للجنسية بوصفها علاقة بين الفرد والدولة ومتعلقة بسيادة الاخيرة، وتحدد الحالة السياسية للأفراد فضلا عن حالتهم المدنية وهي مسائل من صميم القانون العام، والوضع نفسه بالنسبة للموطن، أما مركز الأجانب فإن قواعده يستأثر المشرّع الوطني في كل دولة بتنظيمها وهي مسألة متعلقة بسيادة الدولة فينظم حركة الأجانب عبر حدودها بالدخول والإقامة والخروج لحماية أمنها وسلامتها وهي أمور تخص القانون العام، أما بالنسبة لموضوع تنازع القوانين فهو يعنى ببيان نطاق تطبيق القوانين الوطنية والأجنبية، أي مدى سلطانها وتطبيقها على العلاقات الدولية الخاصة وهو من أبحاث القانون العام، أما تنازع الاختصاص القضائي الدولي فهو يعني بيان نطاق اختصاص المحاكم الوطنية والأجنبية في العلاقات الدولية الخاصة، لذا يلحق بنظم القانون العام فضلا عن أن كلا من الاختصاص القضائي والاختصاص التشريعي مظهر من مظاهر سيادة الدولة.

الاتجاه الثالث

في الحقيقة يمكن وصف القانون الدولي الخاص بأنه قانون مركب من موضوعات بعضها ينتمي للقانون العام، مثل:

  • الجنسية
  • الموطن
  • مركز الأجانب
  • تنازع الاختصاص القضائي الدولي

إلا أن آثارها تحرك تطبيق قوانين خاصة.

وبعضها الآخر تنتمي إلى القانون الخاص مثل:

  • تنازع القوانين

إلا أن آثارها يمكن أن تحرك تطبيق قوانين عامة.

المصدر

كتب: القانون الدولي الخاص

  • الأستاذ الدكتور: أبو العلا نمر
  • رئيس قسم القانون الدولي الخاص
  • كلية الحقوق، جامعة عين شمس
القانون الدولي الخاص - موسوعة العلوم القانونية - مركز البحوث والدراسات متعدد التخصصات
القانون الدولي الخاص – موسوعة العلوم القانونية – مركز البحوث والدراسات متعدد التخصصات