القانون التجاري السعودي

القانون التجاري السعودي

ملخص الفصل الأول من كتاب القانون التجاري السعودي للدكتور محمد حسن الجبر، الرياض، المملكة العربية السعودية.

تعريف القانون التجاري

جرى الفقه على تعريف القانون التجاري بأنه ذلك الجزء من القانون الخاص الذي يحكم الأعمال التجارية، ونشاط التجار في ممارسة تجارتهم.

وطبقًا للتقسيم التقليدي للقانون إلى قانون عام وقانون خاص فإن القانون التجاري يأخذ مكانه بين فروع القانون الخاص. والقانون التجاري بهذا التعريف لا ينظّم إلا فئة معيّنة من الأعمال هي الأعمال التجارية ولا ينطبق إلا على طائفة معيّنة من الأشخاص هم التجار، وهو لذلك أضيق نطاقًا من القانون المدني الذي يعتبر بمثابة الشريعة العامة Droit Commun والمتضمن للقواعد القانونية التي تحكم بحسب الأصل الروابط القانونية ما بين الأفراد بصرف النظر عن صفاتهم وطبيعة أعمالهم.

وتعبير قانون تجاري Droit Commercial مشتق في الأصل من كلمة تجارة Commerce. إلا أن لهذه الكلمة في المفهوم القانوني معنى يختلف عن معناها في المفهوم الاقتصادي. إذ هي لا تشمل في هذا المفهوم الأخير سوى العمليات المتعلقة بتداول الثروات وتوزيعها. في حين أنها تشمل في المفهوم الأول زيادة على ذلك العمليات المتعلقة بالصناعة. ومفاد ذلك أن للتجارة في مفهوم القانون معنى أوسع وأشمل من معناها لدى علماء الاقتصاد إذ أنه لا يفرق – على عكس هؤلاء – بين التجارة والصناعة، فكل رب صناعة هو تاجر قانونًا.

ولكن ليس معنى ذلك أن القانون التجاري هو قانون النشاط الاقتصادي فسنرى فيما بعد أن بعض أوجه النشاط الاقتصادي لا تزال بمنأى عن القانون التجاري، ولا يمتد إليها حكمه كالعمليات المتعلقة بالعقارات والصناعات الاستخراجية والزراعية والمهن الحرة والحرف اليدوية.

وسنرى – أيضًا وعلى العكس من ذلك – أن بعض المعاملات تخضع للقانون التجاري دون أن يكون لها أدنى علاقة بالمفهوم السابق تحديده لكلمة “تجارة” ولعل خير مثال على ذلك هو سند الحوالة أي الكمبيالة والتي يعتبرها نظام المحكمة التجارية في المملكة العربية السعودية الصادر سنة 1350 من قبيل الأعمال التجارية في جميع الأحوال.

أسباب وجود القانون التجاري

يمكن تبرير وجود قانون خاص بالتجارة ومستقل عن القانون المدني بما ينطوي عليه هذا القانون من قواعد تيسّر سرعة إبرام الصفقات التجارية وتدعم الائتمان وتقوي ضماناته.

أولاً: السرعة

السرعة هي روح التجارة. إذ بخلاف الشخص غير التاجر الذي يشتري البضاعة ليستهلكها أو ليحتفظ بها وبالتالي لا يقدم على التصرف إلا بعد تروٍ وتبصّر ووزن للأمور من كافة الوجوه، فإن التاجر سعيًا وراء تحقيق الكسب والاستفادة من تقلّبات الأسعار وتفاديًا لتلف البضائع يقوم في كل يوم بإبرام العديد من العمليات التجارية. من هنا كانت حاجته إلى قواعد تتفق وطبيعة النشاط الذي يمارسه أي إلى قواعد أكثر مرونة وأقل شكلية من قواعد القانون المدني وذلك سواء فيما يتعلق بإبرام التصرفات القانونية وإثباتها وحل ما قد ينشأ عنها من خلافات أو فيما يتعلق بتداول الحقوق التجارية.

لذلك كان من بين أهم قواعد القانون التجاري تلك القاعدة التي تقضي بحريّة الإثبات في المواد التجارية. وطبقًا لهذه القاعدة يجوز إثبات التصرفات القانونية بكافة الوسائل بما في ذلك الكتابة وشهادة الشهود والقرائن والدفاتر التجارية والمراسلات والفواتير. وحرية الإثبات في المواد التجارية مبدأ مسلَّم به حتى في الدول التي تستلزم قوانينها للإثبات في المواد المدنية كتابة التصرف القانوني متى تجاوز نصابًا معينًا أو كان غير محدد القيمة.

ويترتب على حرية الإثبات هذه في المواد التجارية نتيجة بالغة الأهمية بالنسبة للتجار ألا وهي جواز إبرام الصفقات التجارية عن طريق الاتفاقات الشفهية والتلفون والبرق والتلكس والإنترنت.

كذلك تهتم قواعد القانون التجاري بإنهاء الخلافات المترتّبة على التجارة بسرعة وبواسطة أشخاص يتوافر لديهم الإلمام بالبيئة التجارية وبقوانينها، لذلك تشجّع معظم التشريعات التجارية اللجوء إلى التحكيم وتعني في نفس الوقت بتنظيم قضاء يتخصص في المواد التجارية.

وعليه فليس غريبًا أن يحمل أول مشروع نظام تجاري أُعد في بلادنا سنة 1345ه اسم نظام المجلس التجاري وأن يقضي بإنشاء محكمة خاصة بالمواد التجارية. وسنرى فيما بعد أن التشريع التجاري السعودي الحالي يتمثل بصفة أساسية فيما يُعرف باسم نظام المحكمة التجارية الصادر بالمرسوم الملكي رقم ٣٢ في 15 محرم عام 1350ه. ويُلاحظ من ناحية أخرى أن نظام الغرفة التجارية والصناعية ينص صراحة على اعتبار الغرفة المذكورة “حكمًا في حسم الدعاوى والخلافات التجارية التي تقع بين تاجرين أو أكثر بناء على اتفاق وتكليف من الطرفين”.

ومن مظاهر اهتمام القانون التجاري بالسرعة اهتمامه بتبسيط إجراءات تداول الحقوق الثابتة في الصكوك التجارية وهي الكمبيالة والسند الإذني والشيك، فهو يقضي بانتقال الحقوق الثابتة في هذه الصكوك بالتسليم إذا كانت لحاملها، وبالتظهير إذا كانت إذنية، وذلك خلافًا لحوالة الحقوق الشخصية التي تستلزم في القانون المدني اتباع إجراءات معينة.

ولكن ليس معنى ذلك أن القانون التجاري خالٍ من الشكلية فالشركات التجارية والأوراق التجارية مثلاً تخضع لقواعد شكلية خاصة، ومع ذلك فالرأي متفق لدى شرُّاح القانون التجاري. على أن الشكلية في القانون التجاري لا تعدو أن تكون مظهرًا من مظاهر التبسيط والسرعة التي يكفلها هذا القانون. إذ هي تسمح بمجرد الاطلاع على الشكل الذي يفرغ فيه التصرف، بمعرفة طبيعته وفحواه. وبالتالي باستبعاد كل خلاف حول تكوين التصرف وتفسيره وشروطه.

ثانيًا: الائتمان

يهتم القانون التجاري بالائتمان اهتمامًا بالغًا. ويتمثل في منح المدين أجلاً للوفاء. فالتاجر غالبًا ما يحتاج إلى فترة زمنية أي إلى أجل للوفاء ولتنفيذ تعهداته. إذ هو كثيرًا ما يقوم بشراء بضائع جديدة قبل أن يتمكن من قبض ثمن البضاعة المبيعة أو من تصريفها بكاملها. ومن هنا تأتي أهمية الائتمان في الحياة التجارية وبالتالي أهمية القانون التجاري. فهو القانون الذي يحتوي على سرعة القواعد والأنظمة التي تعني بخلق أدوات الائتمان ومؤسساته كنظام الأوراق التجارية ونظام البنوك والشركات وفي نفس الوقت بتدعيمه وحمايته كنظام الإفلاس.

وهكذا يتضح أن السرعة والائتمان هما أساس ومبرر وجود القانون التجاري وبالتالي استقلاله عن القانون المدني.

صلة القانون التجاري السعودي بالشريعة الإسلامية

المفيد أن نسارع إلى القول بأن الإسلام – على عكس الفلسفة الرومانية التي كانت تقلل من قيمة التجارة وترى فيها مهنة العبيد وصغار القوم – قد عني عناية خاصة بالدعوة إلى الاشتغال بالتجارة فالله تعالى يقول: “يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضِ منكم” (سورة النساء، 29). ويقول مشجعًا التجارة الخالية من الربا: “وأحل الله البيع وحرم الربا” (البقرة، 275). ويدعو إلى القرض وبيّن ما فيه من ثواب “ومن ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا فيضاعفه له أضعافًا كثيرة، والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون” (البقرة، 245).

ويدعو إلى إمهال المَدين المُعسر إلى حال اليسار: “وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة. وإن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون.” (البقرة، 280). وخشية الوقوع في الظلم من غير قصد ومنعًا للضرر والضرار يأمرنا سبحانه وتعالى بكتابة الديون “يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل، ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب ويملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئًا” (البقرة، 282).

لا غرابة بعد ذلك أن نجد كبار الصحابة وعلى رأسهم أبو بكر وعثمان يعملون في ميدان التجارة. ولا عجب أيضًا أن نجد فقهاء الشريعة الغرّاء وقد عكفوا على شرح قواعد المعاملات. بل إننا نجد أنهم قد أولوا الشركات عناية خاصة فبيّنوا أنواعها وكيفية تكوينها وأحكام كل منها. وسنرى فيما بعد أن مؤلفات بعضهم قد عالجت الكثير من الأنظمة التجارية المعروفة كنظام الدفاتر التجارية والاحتجاج بها ونظام الكمبيالة والصرف والإفلاس.

ومع ذلك فالثابت أن الشريعة الإسلامية شأنها في ذلك شأن الشرائع السابقة والكثير من القوانين الوضعية المعاصرة لم تأخذ بالتفرقة بين المعاملات التجارية والمعاملات المدنية وبالتالي بالتفرقة بين التاجر وغير التاجر. فالأعمال الواحدة وفقًا لأحكامها تخضع لنفس القواعد سواء كان من قام بها تاجرًا أو غير تاجر. وذلك لأن الفقه الإسلامي قد عالج المسائل الخاصة بالمعاملات بوجه عام دون نظر إلى طبيعتها أو إلى صفة القائم بها.

وبالرغم من ذلك فليس ثمة ما يمنع – في ظل دولة تأخذ حكم الإسلام – من اقتباس بعض الأنظمة الحديثة المعمول بها في الدول الأخرى والتي ليست إلا تقنينًا للقواعد وللأعراف التي درج عليها التجار في معاملاتهم والتي توافق البيئة التجارية أكثر من غيرها وذلك بشرط أن يتم استبعاد كل ما لا يتفق ومبادئ وتعاليم الشرع الحنيف من هذه الأنظمة. حيث أن من أوسع أبواب السياسة الشرعية سن ما تحتاج إليه الأمة من تشريعات تنفيذية وتنظيمية، تستكمل بها الهيكل التشريعي الذي ينظّم شؤون حياتها ويضع لها الدقائق والتفاصيل القانونية على أساس من قواعد الشريعة ومبادئها الكلية وروحها العامة. وتكون هذه التشريعات فيما سكتت عنه الشريعة ولم يرد فيه نص مُلزم، فيستطيع أولو الأمر أن يضعوا من القوانين أو الأنظمة ما يحقق المقاصد الشرعية عن طريق القياس أو الاستحسان أو اعتبار المصلحة المرسلة أو العرف أو غير ذلك من طرق الاستدلال مراعين في ذلك ما يليق ببيئتهم وعصرهم وأوضاع حياتهم.

وقد قامت الدولة بالفعل في المملكة العربية السعودية بوضع وتبني العديد من الأنظمة الحديثة التي لا تخرج في جملتها على أحكام الشريعة الغراء. ومن أمثلة هذه الأنظمة في الميدان التجاري نظام المحكمة التجارية الصادر سنة 1350ه ونظام تسجيل العلامات الفارقة الصادر سنة 1358ه. ونظام الغرفة التجارية والصناعية الصادر سنة 1365، ونظام السجل التجاري الصادر سنة 1375، وغير ذلك من الأنظمة.

ولا يقتصر دور الشريعة الإسلامية على مجرد استبعاد كل ما يتعارض وتعاليمها من نطاق أنظمتنا التجارية، وبالتالي من نطاق قانوننا التجاري إذ أنها تقوم – فضلاً عن  ذلك – بدور إيجابي يتمثل في إكمال أحكام هذا القانون عند غياب النص فيه. فالقانون التجاري ليس إلا شريعة خاصة بفئة معيّنة من الأعمال وبطائفة معينة من الأشخاص يقوم إلى جوار الشريعة العامة التي تنطبق بحسب الأصل على جميع الأعمال أيًا كانت طبيعتها وعلى جميع الأفراد أيًا كانت صفتهم أو مهنتهم والتي يشكلها القانون المدني في الدول الأخرى والشريعة الإسلامية في بلادنا.

لذلك ينبغي الرجوع إلى أحكام الشريعة الإسلامية في المعاملات كلما انعدمت النصوص التجارية. ويلاحظ أنه لا يشترط للرجوع إلى أحكام الشريعة الإسلامية أن ينص القانون التجاري صراحة على الإحالة إليها إذ أن الشريعة الإسلامية – شأنها هنا شأن القوانين المدنية في الدول الأخرى – واجبة التطبيق بمجرد انعدام النصوص الخاصة.

وهكذا يتضح مدى العلاقة الوثيقة بين القانون التجاري السعودي والشريعة الإسلامية.

تحديد نطاق القانون التجاري

يُقصد بتحديد نطاق القانون التجاري تحديد دائرة ومجال تطبيقه. فالقانون التجاري ليس إلا شريعة خاصة تقوم إلى جوار الشريعة العامة. لذا لزم أن يرسم بدقة ووضوح مجال تطبيقه.

وإذا نحن نظرنا إلى التشريعات التجارية في الدول الأخرى نجد أنها تتردد – عند تحديدها لدائرة القانون التجاري – بين نظريتين: تعرف الأولى باسم النظرية الذاتية أو الشخصية Theorie subjective والثانية باسم النظرية الموضوعية أو المادية Theorie objective. ويحسن بنا قبل أن نبيّن موقف القانون التجاري السعودي أن نعرّف بإيجاز هاتين النظريتين.

النظرية الذاتية أو الشخصية

تتخذ هذه النظرية من صفة القائم بالعمل أساسًا لتحديد نطاق القانون التجاري. فالقانون التجاري وفقًا لهذه النظرية هو القانون الذي يحكم التجار عند ممارسة مهنتهم أو حرفتهم التجارية. لذلك تعني هذه النظرية بتعريف التاجر وفي نفس الوقت بتحديد المهن أو الحرف التجارية.

أما غير التجار فلا شأن للقانون التجاري بهم حتى ولو قاموا ببعض الأعمال أو الحرف التي يعتبرها القانون تجارية طالما أن مباشرتهم لها لم تصل إلى درجة الاحتراف. فمن يقوم بشراء بضاعة لأجل بيعها وتحقيق الربح لا يعتبر تاجرًا ولا يخضع لأحكام القانون التجاري وذلك طالما أنه لم يتخذ من شراء السلع وإعادة بيعها بقصد الربح حرفة له. فمثل هذا الشخص يظل خاضعًا لأحكام الشريعة العامة أي لأحكام القانون المدني.

ويؤخذ على هذه النظرية أنها تستلزم حصرًا للحرف التجارية أو على الأقل تصنيفًا قانونيًا لها. الأمر الذي ليس باليسير إذ يتطلب ذلك الرجوع إلى عادات غير مستقرة وغير واضحة.

كما يُعاب عليها أنها تؤدي إلى حرمان الأشخاص الذين لا يحترفون التجارة من أن يستخدموا قواعد القانون التجاري وأن يستفيدوا من مزاياه. أما ما قيل من أن هذه النظرية تؤدي إلى استغراق الحرفة لحياة التاجر، مع أن للتاجر – كسائر الأفراد – حياته المدنية ولا محل لأن تخضع أعماله الغريبة على التجارة لأحكام القانون التجاري، فإننا نلاحظ أن منطق النظرية لم يقضِ بتطبيق أحكام القانون التجاري على جميع أعمال التاجر وتصرفاته بل يقصر هذا التطبيق على النشاط المهني لمن يحترف التجارة.

وقد كانت النظرية الشخصية أو الذاتية أساس القانون التجاري عند ميلاده وفي بداية حياته. فقد ولد هذا القانون في القرون الوسطى كقانون خاص بطبقة التجار ومقصور عليها. ويأخذ بهذه النظرية في الوقت الحاضر القانون الألماني والقانون السويسري والقانون الإيطالي.

النظرية الموضوعية أو المادية

على عكس النظرية الشخصية، تتخذ النظرية الموضوعية من طبيعة العمل أساسًا لتحديد نطاق القانون التجاري. فالقانون التجاري طبقًا لهذه النظرية هو قانون الأعمال التجارية، أي تلك المجموعة من الأعمال التي ينص القانون على اعتبارها تجارية بصرف النظر عن صفة حرفة القائم بها. فشراء بضاعة معيّنة بقصد إعادة بيعها وتحقيق الربح من فروق الأسعار يعتبر طبقًا لهذه النظرية عملاً تجاريًا سواء كان القائم بالعمل شخصًا يحترف هذا النوع من الأعمال أم لا.

ومعنى ذلك أن هذه النظرية في تحديدها لدائرة القانون التجاري لا تنظر إلى مهنة أو صفة القائم بالعمل بل إلى العمل ذاته وما إذا كان من بين الأعمال التي ينص القانون على اعتبارها تجارية. وكثيرًا ما يهتدي القانون في تحديده للأعمال التجارية بالهدف من هذه الأعمال كالشراء لأجل البيع أو بموضوعها كعمليات البنوك أو بشكلها كالكمبيالة.

والتاجر طبقًا لهذه النظرية هو الشخص الذي يحترف القيام بالأعمال التجارية. وهي لا تعتد بصفة التاجر إلا لكي تخضع من يكتسبها لبعض الأحكام الخاصة كإمساك الدفاتر التجارية والقيد في السجل التجاري والخضوع لنظام الإفلاس وإشهار النظام المالي للزواج.

ويؤخذ على هذه النظرية أنها تتطلّب حصر الأعمال التجارية وتعدادها وهذا أمر عسير إن لم يكن مستحيلاً في مجال متغير ومتطور كمجال التجارة. صحيح أن هذا المأخذ يمكن توجيهه أيضًا إلى النظرية الشخصية التي تتطلب بدورها الحصر والتعداد للحرف التجارية، إلا أنه من الثابت اليوم أن حصر الحرف التجارية أسهل من الأعمال التجارية.

وبالمقابل فإنها تمتاز بتوسيعها لدائرة تطبيق أحكام القانون التجاري وإن كان القضاء قد حد من هذه الميزات وذلك بتوسعه في تطبيق نظرية المدنية بالتبعية أي تلك النظرية التي تؤدي إلى فقدان العمل الصفة التجارية متى كان ضروريًا لممارسة المهنة المدنية. ويأخذ بالنظرية الموضوعية التقنين التجاري الفرنسي الصادر عام ١٨٠٧. وكذلك التشريعات المتأثرة به كالتشريع البلجيكي والتشريع المصري. ويرجع تبني التشريع الفرنسي لهذه النظرية إلى أسباب تاريخية.

فالمجموعة التجارية الفرنسية قد وضعت في أعقاب الثورة الفرنسية التي سبق وأن أعلنت مبدأ حرية التجارة والصناعة ومبدأ مساواة الجميع أمام القانون مما اقتضى إلغاء نظام الطوائف وما يمثله من امتيازات. لذلك حرصت اللجنة التي شكلت آنذاك لوضع المجموعة التجارية الجديدة على البعد بها عن الطابع الطائفي وبالتالي عن النظرية الشخصية التي طبعت القانون التجاري منذ نشأته في الجمهوريات الإيطالية في القرون الوسطى. لذلك جاءت المجموعة الحالية وقد اعتمدت بصفة أساسية على النظرية المادية كأساس لتطبيق أحكامها. ويلاحظ مع ذلك أن المجموعة المذكورة لم تتخلص نهائيًا من النظرية الشخصية بل احتفظت لها ببعض الأهمية.

موقف القانون التجاري السعودي من النظرية الشخصية والمادية

حرصت المادة الثانية من نظام المحكمة التجارية الصادر عام 1350هـ على تعداد الأعمال التي تعتبر من قبيل الأعمال التجارية في نظر النظام التجاري السعودي وهي تعتبر كذلك شراء المنقول لأجل البيع والأعمال المتعلقة بالكمبيالة والصرافة والسمسرة والتجارة البحرية. والمادة السابقة تعتبر هذه الأعمال تجارية في الأحوال حتى ولو كان من باشرها لا يحترف القيام بها. وهو ما يعني أن القانون التجاري السعودي لا ينظر عند تحديده لدائرة تطبيقه إلى صفة الشخص القائم بالعمل وكونه تاجرًا بل إلى العمل في ذاته. من هنا يمكن القول بأن القانون التجاري السعودي قد أخذ بالنظرية المادية وبالتالي فهو يعتبر كالقانون الفرنسي والقوانين المتأثرة به قانون الأعمال التجارية. ومع ذلك نعتقد أن القانون التجاري السعودي لا يقتصر على الأخذ بالنظرية المادية كما يبدو ذلك من كتابات البعض بل أخذ بنصيب من النظرية الشخصية.

فالمادة الأولى من نظام المحكمة التجارية تنص على أن التاجر هو كل من اشتغل،  بالمعاملات التجارية واتخذها مهنة له. فهذا النص يحتمل الشخصية، كما أن هذا القانون يتضمن بعض الأحكام الخاصة بالتجار مثل إمساك الدفاتر التجارية والخضوع للإفلاس والقيد في السجل التجاري. يضاف إلى ذلك أن المادة الثانية الأنفة الذكر تشترط لإضفاء الصفة التجارية على بعض الأعمال أن يكون الشخص الذي يباشرها تاجراً. وهذه الأعمال هي الأعمال المتعلقة بالصناعة والوكالة والعمولة والنقل والبيع بالمزاد ومقاولة محلات ومكاتب الأعمال ومقاولة إنشاء المباني. فكل هذه الأعمال لا تكون تجارية إلا إذا بوشرت على وجه المقاولة. وهو ما يقتضي أن يكون القائم بها محترفًا أي تاجرًا.

ولعل خير دليل على أخذ القانون التجاري السعودي بالنظرية الشخصية نص الفقرة (د) من المادة الثانية والمقرر لنظرية التجارية بالتبعية إذ هو يقضي بتجارية “جميع العقود والتعهدات الحاصلة بين التجار والمتسببين والسماسرة والصيارف والوكلاء بأنواعهم”. فكما هو واضح فإن تجارية هذه الأعمال لا ترجع إلى طبيعتها وإنما إلى صفة القائمين بها وكونهم تجارًا قاموا بهذه الأعمال لأغراض تجارتهم.

خلاصة القول إن القانون التجاري السعودي قد أخذ بالنظرية المادية كأساس لتطبيق أحكامه مع تطعيمها في نفس الوقت ببعض أحكام النظرية الشخصية.

ظهور وتطور القانون التجاري

ليس من اليسير التعرّف بدقة على كيفية ظهور وتطور القانون التجاري. ولعل ذلك يرجع إلى النشأة العرفية والدولية لقواعد هذا القانون. ومع ذلك فقد درج الشرُّاح على التمييّز – فيما يتعلق بتاريخ القانون التجاري – بين ثلاثة عصور: العصور القديمة، والعصور الوسطى، والعصور الحديثة

العصور القديمة

لقد ازدهرت التجارة في عهد البابليين الذين سكنوا بلاد وادي الرافدين حوالي القرن العشرين قبل الميلاد وبلغت شأنًا عظيمًا، الأمر الذي حدا بالملك حمورابي إلى تدوين بعض أحكامها في مجموعته المشهورة “مجموعة حمورابي” Code d’Hammourabi. والتي تعتبر من أهم وأقدم الوثائق التشريعية. ولقد بلغ من هذه الأحكام أنها احتلت 44 مادة من مجموعته المكونة من 282 مادة. ويلاحظ أن الأحكام المتعلقة بالتجارة الواردة بمجموعة حمورابي ليست إلا تقنينًا للأعراف التي كانت سائدة آنذاك وهي تتعلق بصفة عامة بالعقود كعقد القرض بفائدة وعقد الوديعة وعقد الشركة وعقد الوكالة بالعمولة وببعض المشاكل القانونية الخاصة بالملاحة في نهري دجلة والفرات.

واشتغل الفينيقيون بالتجارة خاصة البحرية منها. ولقد ترك الفينيقيون نظامًا قانونيًا أصيلاً لايزال معمولاً به حتى يومنا هذا في القانون البحري. وهذا النظام هو نظام الخسارة المشتركة أو العوار المشترك L’avarie Commune. فإذا ألقيت بضاعة أحد الشاحنين في البحر بقصد تخفيف حمولة السفينة وإنقاذها من الغرق، التزم صاحب السفينة وملاك البضائع التي وصلت سالمة بتعويض صاحب البضاعة التي ألقيت في البحر.

واهتم الإغريق بالتجارة البحرية وبتطوير أنظمتها فابتدعوا ما يعرف اليوم في القانون البحري باسم قرض المخاطر الجسيمة Pret a la grosse avanture وبمقتضاه يقترض ربان السفينة من أحد الأشخاص الموسرين مبلغًا من المال لتجهيز السفينة وشراء البضائع اللازمة، فإذا عادت السفينة سالمة إلى الميناء استوفى المقرض مبلغ القرض مع فوائد مرتفعة، أما إذا هلكت السفينة فإن المقرض لا يسترد شيئًا متحملاً بذلك مخاطر الرحلة. ومن قرض المخاطر الجسيمة استُمدّت فكرة التأمين البحري الحديث.

وقد اشتهر قدماء الرومان بترفّعهم عن التجارة باعتبارها من المهن التي لا تليق بهم فمارسها الأرقاء والعتقاء. ولما كثرت الفتوحات العسكرية واتسعت رقعة الإمبراطورية ازدهرت التجارة وقام بها الأجانب كما قام بها الرومان وإن كان ذلك بطريق غير مباشر أي عن طريق الأبناء والأرقاء. ولما كان القانون المدني الروماني القائم على الشكلية يعتبر بمثابة الامتياز الخاص بالمواطنين الرومان، فقد طبّق على الأجانب في روما ما يعرف باسم قانون الشعوب “قانون الأجانب” وذلك سواء في علاقاتهم ببعضهم البعض أو في علاقتهم بالرومان. وقد امتاز قانون الشعوب بمرونته ويبعده عن الشكليات الأمر الذي جعله أكثر استجابة وملاءمة لمقتضيات التجارة. وقد اشتمل هذا القانون بالفعل على معظم القواعد والأحكام التجارية التي عرفها الرومان.

وعندما زالت التفرقة في المعاملة بين الرومان وغيرهم استقبل القانون المدني – كجزء منه – قانون الشعوب بما ينطوي عليه من أنظمة وأحكام وأصبح عند الرومان قانون مدني موحّد تسري أحكامه على جميع التصرفات القانونية وعلى جميع الأفراد تجارًا كانوا أم غير تجار.

ومن أهم الأنظمة التجارية التي عرفها الرومان نظام الخسارة المشتركة ونظام القرض البحري المأخوذين من الفينيقيين والإغريق ونظام الإفلاس والمحاسبة فضلاً عن نظرية النيابة في التصرفات القانونية التي عرفها قانون الشعوب.

أما العرب فقد اشتغلوا بالتجارة منذ القدم حيث كانت قوافلهم تذهب إلى الشام ومصر لتبادل العروض التجارية. كما ثبت أنهم كانوا يقومون برحلتين في العام رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام والواردة أخبارهما في القرآن الكريم.

وقد كان للعرب فضل في تطوير أحكام القانون التجاري وخير دليل على ذلك وجود المصطلحات الأجنبية ذات الأصل العربي والتي لازالت مستعملة حتى يومنا هذا مثل كلمة (Avarie) وأصلها عوار، وكلمة (Magasin) وأصلها مخزن وكلمة (Quirat) وأصلها قيراط، وكلمة (Cable) وأصلها حبل، وكلمة (Tarif) وأصلها تعرفة، وكلمة (Tare) وأصلها عيار، .. إلخ.

وجاء الإسلام بمبادئه الخالدة فأقر مبدأ حرية التجارة وحثّ المسلمين على الاشتغال بها باعتبارها من أهم موارد الرزق والكسب المشروع واهتم الفقه الإسلامي بالتجارة وأنظمتها ووضع لها من الضمانات والقواعد ما يكفل استقرار التعامل بها ويؤدي إلى ازدهارها. وقد كان للفقه الإسلامي فضل السبق في تحليل وتأصيل الكثير من القواعد التي تقوم عليها أنظمة اليوم كنظام الحوالة والكمبيالة والصرف والإفلاس والشركات والدفاتر التجارية.

ومع هذا ينبغي ألا يغيب عن البال ما سبق قوله وهو أن القواعد والأنظمة جاءت بها الشريعة الإسلامية تسري على جميع الأفراد تجارًا كانوا أم غير تجار.

وعليه يمكن القول بأن القانون التجاري لم يعرف في العصور القديمة كقانون مستقل بذاته.

العصور الوسطى

تضافرت عدة عوامل خلال هذه الحقبة من الزمن لإبراز القانون التجاري كقانون مستقل ومتميز عن القانون المدني.

فقد صاحب انتعاش التجارة في القرن الحادي عشر بعد الركود الذي أصيبت به على أثر سقوط الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس الميلادي، سيطرة التجار على المدن الإيطالية الواقعة على حوض البحر الأبيض المتوسط والمشهورة باسم الجمهوريات الإيطالية مثل جنوة والبندقية وفلورنسا وبيزا وأمالفي. وقد قام تجار هذه المدن بالانتظام في نقابات قوية استطاعت السيطرة على السلطة السياسية. كما أنشأت هذه النقابات أو الطوائف محاكم خاصة بها عرفت باسم المحاكم القنصلية.

إذ كانت كل طائفة من التجار تقوم بانتخاب رئيس لها يسمى “القنصل” يتولى بمساعدة أحد الفقهاء أو اثنين من التجار للفصل في المنازعات التي تقوم بين أعضاء الطائفة وذلك طبقًا للعادات التي درج التجار على اتباعها فيما بينهم. وما لبثت هذه المحاكم بدأت توسع من اختصاصاتها فلم تعد تقتصر على نظر المنازعات التي تقوم بين التجار بل عمدت إلى نظر المنازعات المتعلقة بالعمليات التجارية حتى ولو كان أطرافها غير تجار. ومن هنا ظهرت نظرية العمل التجاري المعروفة اليوم فضلاً عن نظام القضاء التجاري.

كما كان للحروب الصليبية أثرها في تنشيط حركة التبادل التجاري بين الموانئ الإيطالية والمرافئ الإسلامية الواقعة في حوض البحر الأبيض المتوسط. وبالتالي في اتصال الغرب بالشرق وبعاداته وأعرافه التجارية. ويرجع الكثير من الفضل في بعد القانون التجاري عن التعقيدات الشكلية إلى الشريعة الإسلامية وتأثر الغرب آنذاك بطابعها الرضائي.

وساهمت الأسواق الموسمية (Foires) مثل أسواق شامباني وليون في فرنسا وليبزج وفرانكفورت في ألمانيا والتي كانت تعقد بين مختلف التجار في خلق ما يعرف بقانون الأسواق وهو عبارة عن مجموعة القواعد العرفية التي درج عليها التجار والتي تهدف إلى تسهيل التبادل التجاري ودعم الثقة والائتمان فيما بينهم كقواعد الكمبيالة والإفلاس. وقد كان لهذه الأسواق قضاء خاص بها يتولاه التجار ويفصل في المنازعات التجارية طبقًا للقواعد العرفية التي استقر العمل بها في السوق.

وقد كان للكنيسة أثرها في تطوير أحكام القانون التجاري. فمن المعلوم أن الكنيسة حظرت خلال القرون الوسطى القرض بفائدة. ولكن الحظر لم يكن مطلقًا إذ كانت تجيز القرض بفائدة متى انطوى القرض على بعض المخاطر الجسيمة.

وقد أدى ذلك – فضلاً عن احتكار اليهود واللومبارديين لتجارة النقود – إلى ابتداع الأنظمة الجديدة كنظام شركة التصفية وعقد الصرف.

هكذا ظهرت الأنظمة الرئيسية للقانون التجاري وبرزت معالمه كقانون مستقل عن القانون المدني متميز بكونه قانونًا عرفيًا نابعًا من البيئة التجارية نبوعًا ذاتيًا وقانونًا دوليًا يحكم العلاقات التجارية أيًا كانت جنسية أطرافها وقانونًا شخصيًا أو طائفيًا نظراً لأنه خاص بطوائف التجار التي احتكرت مزاولة المهنة التجارية.

العصور الحديثة

ترتب على اكتشاف أمريكا وطريق رأس الرجاء الصالح في أواخر القرن الخامس عشر انتقال مركز التجارة من المدن الإيطالية الواقعة على البحر الأبيض إلى المدن المطلة على المحيط الأطلسي في كل من إنجلترا وفرنسا وهولندا وإسبانيا والبرتغال. كما ترتب عليه أيضًا ظهور الشركات الاستعمارية الكبرى كشركة الهند الشرقية وشركة خليج هدسن والتي تعتبر حق بمثابة الأصل التاريخي لشركات المساهمة المعروفة اليوم. كما كان لاكتشاف العالم الجديد أثره في تدفق المعادن الثمينة إلى الأسواق الأوروبية وفي إقبال الناس على استثمار أموالهم بدلاً من اكتنازها الأمر الذي أدى في النهاية إلى الاهتمام بالبنوك وبتطوير أعمالها.

وتميّزت هذه العصور – بصفة خاصة القرن السابع عشر – بظهور سلطات مركزية قوية أخذت على عاتقها مهمة التشريع والقضاء بعد أن كانت تحتكر هذه المهمة في الميدان التجاري نقابات التجار طيلة العصور الوسطى. وقد كان ذلك إيذانًا بانتهاء الطابع الدولي والعربي للقانون التجاري وفاتحة عصر التقنيات وظهور القوانين التجارية المحلية.

وقد ظهر في فرنسا أول تقنين تجاري. وكان ذلك في عهد الملك لويس الرابع عشر الذي أراد تشجيع من وزيره (Colbert) أن يجمع القواعد العرفية الخاصة بالتجارة في مجموعة مستقلة. فأصدر بذلك أمرين ملكيين، كان الأول في مارس 1673 متعلقًا بالتجارة البرية كالشركات التجارية والأوراق التجارية والإفلاس. أما الثاني فقد صدر في أغسطس 1681 خاصًا بالتجارة البحرية. وقد ظل هذان الأمران ساريا المفعول حتى صدرت المجموعة التجارية الفرنسية في عهد نابليون بونابرت عام ١٨٠٧.

ظهور وتطور القانون التجاري السعودي

سبق أن أوضحنا أن المعاملات تخضع في الشريعة الإسلامية لنفس الأحكام أيًا كانت صفة القائم بها. وهو ما يعني بعبارة أخرى أن الشريعة الإسلامية لا تعرف التفرقة بين المعاملات التجارية والمعاملات المدنية. وبالتالي التفرقة بين التاجر وغير التاجر. وقد رأينا أيضًا أن موقف الشريعة الإسلامية في هذا الصدد يتفق مع موقف الكثير من الشرائع القديمة والحديثة على حد سواء. ومع ذلك فقد قلنا إنه ليس ثمة ما يمنع – من وجهة نظر الشريعة الإسلامية – من أن يقوم ولي الأمر بوضع نظم خاصة بالتجارة والتجار طالما كان الهدف من هذه النظم رعاية مصالح المجتمع في شؤون معاشه وحياته وطالما كانت طبيعة هذه النظم تتفق مع المبادئ والقواعد المقررة لمزاولة التجارة في الشريعة الإسلامية.

ولعل هذا هو ما دفع بمجلس التجارة جدة إلى أن يأخذ بزمام المبادرة ويقوم في عام 1345هـ بإعداد مشروع نظام خاص بالتجارة وبالقضاء التجاري عرف باسم “نظام المجلس التجاري”. وقد قامت النيابة العامة بإحالة مشروع نظام المجلس التجاري إلى المجلس الشورى الذي قام بدراسته وتعديله بما يحقق الهدف من وجوده ويجعله أكثر انسجامًا مع الأنظمة في الدول الأخرى نظراً لأن أمور التجارة – كما يقول المجلس الشورى في مذكرته – أمور مشتركة بين عموم الحكومات”.

والحقيقة أن نظام المجلس التجاري كما أعده مجلس التجارة بجدة مقتبس من القوانين العثمانية المأخوذة بدورها عن قانون التجارة الفرنسي وفي ذلك يقول المجلس الشورى في مذكرته الخاصة بالمجلس التجاري أنه “بعد الفحص والتدقيق لنظام المجلس التجاري كما وضعه مجلس التجارة بجدة ظهر له أنه مجموعة من أربعة أنظمة قانون التجارة وذيل قانون التجارة وقانون أصول المحاكمات التجارية وقانون رسوم المحاكم، ولم يستوعب كل ما هو لازم للمجلس مما احتوته تلك القوانين، وفيه شيء من شروح القوانين المذكورة وشرح مجلة الأحكام الشرعية. فرأي المجلس (أي مجلس الشورى) أن يضم إلى هذا بعض تعديلات يحتاج إليها المجلس التجاري”.

ويتكون نظام المجلس التجاري كما أقرّه مجلس الشورى في 13 ذي القعدة ١٣٤٥هـ من أربعة أبواب: خصص الأول لنظام المجلس التجاري (30 مادة)، والثاني لنظام التجارة البرية والبحرية (٨٧ مادة)، والثالث لنظام أصول المحاكمات التجارية (١٢٨مادة)، والرابع لنظام تعرفة الخرج (46 مادة).

وقد أُحيل نظام المجلس التجاري بعد موافقة المجلس الشوري عليه لمقام النائب العام لجلالة الملك برقم 123 وتاريخ 17 ذو القعدة 1345. ولما كانت مقررات المجلس الشوري لا توضع موضع التطبيق طبقًا لنص المادة 31 من التعليمات الأساسية للمملكة الحجازية والصادر بها الأمر الملكي المؤرخ 21 صفر 1345ه إلا بعد عرضها من قبل النيابة العامة على جلالة الملك واقترانها بالتصديق العالي، ونظرًا لأننا لم نجد حتى الآن ما يدل على اعتماد جلالة المغفور له الملك عبدالعزيز لنظام المجلس التجاري، فإنه يصعب علينا على الأقل في الحالة الراهنة للبحث، القول بدخول هذا النظام مرحلة التنفيذ.

وبعد ذلك بخمس سنوات صدر ما يُعرف اليوم باسم نظام المحكمة التجارية، والذي تمت الموافقة عليه بالأمر السامي رقم ٣٢ وتاريخ 15 محرم سنة 1350هـ وبالرغم من الصياغة الركيكة لهذا النظام ومن قدمه فإنه يمتاز بشموله وغزارته فهو يحتوي على 633 مادة موزعة بين أربعة أبواب رئيسية: أولها في التجارة البرية

وينقسم إلى إحدى عشر فصلاً، وثانيهما في التجارة البحرية ويضم أربعة عشر فصلاً، وثالثهما في المجلس التجاري ويتكون من اثني عشر فصلاً، ورابعهما في تعرفة الخرج ويشمل على سبعة عشر فصلاً.

ولما كان نظام المحكمة التجارية الآنف الذكر لم ينظّم الأوراق التجارية سوى الكمبيالة وبطريقة مقتضبة، فقد ظهرت الحاجة فيما بعد إلى وضع نظام يحكم الأوراق التجارية بكافة أنواعها وينظم طريقة التعامل بها بالشكل الذي يتفق مع حاجات البلاد وتقاليدها وشريعتها، فصدر بذلك نظام الأوراق التجارية والذي وافق عليه مجلس الوزراء بقراره رقم 692 بتاريخ ۱۳۸۳/۹/٢٦هـ وجلالة الملك بمرسومه رقم 37 في 1383/10/11هـ. وقد استمد هذا النظام من أحكام التنظيم الموحّد الذي أقره مؤتمرا جنيف المنعقدان في عام 1930 و1931 فيما عدا بعض الأحكام التي تصطدم مع أحكام الشرع الحنيف أو كانت محل خلاف.

ولقد كان للنهضة الحديثة التي أخذت المملكة بأسبابها وشملت كافة نواحي الحياة أثرها في ازدهار التجارة وازدياد المشروعات العمرانية الكبيرة وبالتالي في إقبال الأفراد على تأسيس الشركات وفي ارتفاع عددها في بضع سنوات من بضع عشرات إلى بضع مئات، ولما كانت الأحكام الخاصة بالشركات والواردة في نظام المحكمة التجارية لا تزيد على بضع مواد، فإنها لم تكن كافية لمواجهة كافة المسائل المتعلقة بالشركات مما حمل الأفراد عند تأسيس شركاتهم ومعالجة أمورها على اقتباس القواعد المعمول بها في الدول الأخرى وقد نتج عن ذلك اختلاط الأمور في كثير من الأحوال اختلاطًا جعل مهمة وزارة التجارة في مراقبتها والإشراف عليها مهمة عسيرة.

ومن هنا بدأت الحاجة ملحّة إلى وضع نظام شامل للشركات، يوضح الأحكام الواجبة الاتباع في تأسيسها وفي مزاولتها لنشاطها وعند انقضائها وتصفيتها، ويبيّن مدى صلاحيات الوزارة في مراقبتها والإشراف عليها حفظًا للصالح العام ومحافظة على ما تحت يد تلك الشركات من أموال الأفراد وبفرض الجزاءات على مخالفة تلك الأحكام، وعليه فقد صدر نظام الشركات الحالي بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 185 في 1385/ 3 / 17 هـ والمصادق عليه بالمرسوم الملكي رقم م/6 وتاريخ ١٣٨٥/۳/٢٢ه.

بالمثل فإن نظام المحكمة التجارية رغم شموله للتجارة البرية والبحرية وللقضاء التجاري فإنه لم يحط بجميع أوجه التجارة والنشاط الاقتصادي في البلاد، الأمر الذي أدى إلى الدولة فيما بعد لإكمال النقص وسد الثغرات بتشريعات مستقلة، كنظام السجل التجاري الصادر عام 1375ه ونظام العلامات الفارقة الصادر عام ١٣٥٨هـ ونظام مكافحة الغش التجاري الصادر عام ١٣٨١هـ … إلخ.

هذا وبالرغم من تبني الحكومة لمبدأ حرية التجارة وتشجيعها للمبادرات الفردية وفتحها الباب واسعًا أمام القطاع الخاص فالملاحظ أنها كثيرًا ما تتدخل بقصد مقاومة جشع بعض التجار فتفرض عليهم الأسعار الإجبارية وتحدد نسبة أرباحهم وتخضعهم لعقوبات صارمة في حالة مخالفتهم لقراراتها. كما يلاحظ من ناحية أخرى وجود قطاع عام في المملكة على قدر كبير من الأهمية، وهذا القطاع يحظى بتنظيم تشريعي يختلف كثيرًا عن مثيله في الدول الأخرى وإن كان في حاجة إلى إصلاح.

وهكذا يتضح أن النصوص القانونية التجارية موزعة اليوم في المملكة بين نظام المحكمة التجارية وبين العديد من التشريعات المستقلة، وفضلاً عن الصعوبات العملية التي تنتج عن مثل هذا التعدد والتشتت للتشريعات التجارية. فالمعروف أن نظام المحكمة التجارية مأخوذ عن قانون التجارة العثماني المستمد بدوره من المجموعة التجارية الفرنسية الصادر عام ١٨٠٧م ولو تذكرنا أن المجموعة الفرنسية مستمدّة أساسًا من أحكام القانونين الصادرين في عامي ١٦٧3م و١٦٨١م لأدركنا أن نظام المحكمة التجارية المعمول به اليوم في المملكة العربية السعودية قد وضعت معظم أحكامه في أواخر القرن السابع عشر الميلادي، أي قبل ظهور التطورات الاقتصادية الكبرى والتي برزت على وجه الخصوص في القرن التاسع عشر والقرن العشرين كاستخدام البخار والكهرباء والذرة في الصناعة وتقدم وسائل النقل البري والبحري والجوي وتركز رؤوس الأموال وانتشار الشركات المساهمة وهيئات الائتمان وازدياد القيم المنقولة والمضاربات على الأوراق المالية وتدخل الدولة المستمر في النشاط الاقتصادي.

خلاصة القول إن نظام المحكمة التجارية لم يعد صالحًا لحكم الحياة التجارية في القرن العشرين. صحيح أن المصدر التاريخي لهذا النظام، ونقصد بذلك التقنين التجاري الفرنسي، لايزال قائمًا ولكن يلاحظ أن هذا التقنين كان طيلة الفترة الماضية محلاً للتطوير والتجديد لدرجة يمكن القول معها أن الغالبية العظمى من نصوصه الموضوعة عام ١٨٠٧م قد تغيرت. أما نظام المحكمة التجارية عندنا فقد ظل – باستثناء ما ذكرناه بخصوص الأوراق التجارية والشركات تقريبًا – على الحالة التي وضع بها دون تطوير أو إصلاح.

لذلك فإننا نعتقد أنه من المصلحة اليوم، بعد أن أصبحت التجارة تقوم بدور هام في اقتصاد البلاد وفي مجال العلاقات مع الدول الأخرى، إعادة النظر في الكثير من التشريعات التجارية القائمة ووضع تقنين تجاري جديد وشامل يستجيب لمتطلبات العصر ويفي بحاجات البلاد وما تتطلبه نهضتنا الاقتصادية، وقد استجيب لهذه الدعوة بالفعل وتم تحديث العديد من الأنظمة التجارية كنظام المعادن الثمينة والأحجار الكريمة ونظام العلامات التجارية ونظام مكافحة الغش التجاري ونظام الدفاتر التجارية ونظام السجل التجاري … إلخ. كما قامت الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية بإعداد مشروع قانون تجاري موحّد لدول المجلس وتمت موافقة لجنة التعاون التجاري على هذا القانون كقانون استرشادي لمدة ثلاث سنوات يتم بعدها تقييمه في ضوء التجربة وينظر في رفعه إلى المجلس الأعلى لإقراره كقانون تجارة موحد في جميع دول المجلس.

مصادر القانون التجاري

يتحتم عند الفصل في المنازعات التجارية الرجوع إلى النصوص الواردة في الأنظمة التجارية، فإذا خلت هذه الأنظمة من الحلول وجب الرجوع إلى أحكام الشريعة الإسلامية في المعاملات والتي تعتبر في المملكة بمثابة الشريعة العامة التي تنظم جميع الروابط القانونية أيًا كانت طبيعتها أو صفة القائمين بها، وكذلك إلى أحكام العرف التجاري والعادات التجارية. وإلى جانب ذلك يقوم القضاء والفقه التجاريان بدور هام في تفسير المصادر السابقة وتحديد مفاهيمها مما يساعد على تطبيقها.

وعلى ذلك يمكن القول بأن للقانون التجاري أربعة مصادر هي التشريع التجاري، والشريعة العامة، والعرف التجاري والعادات التجارية، والقضاء والفقه.

أولاً: التشريع التجاري

يعتبر التشريع المصدر الرئيسي الأول للقانون التجاري السعودي، بمعنى التشريع يحتل المرتبة الأولى بين مصادر هذا القانون وعليه فإنه يتحتم على القاضي عندما يعرض عليه النزاع التجاري أن يبحث عن حل له في النصوص التجارية ولا يلجأ إلى أي من المصادر إلا إذا لم يجد نصًا تشريعيًا يحكم النزاع المعروض. ويتمثل التشريع التجاري في المملكة العربية السعودية بصفة أساسية في نظام المحكمة التجارية الصادر في ١٣٥٠/١/15هـ والذي يعتبر حق بمثابة التقنين التجاري فهو يضم 33 مادة تنظّم فضلاً عن التجارة البرية والتجارة البحرية القضاء التجاري.

كما يتمثل التشريع التجاري أيضًا في العديد من الأنظمة التي صدرت مكمّلة أم معدّلة لهذا النظام والتي أهمها نظام الأوراق التجارية الصادر بقرار مجلس الوزراء رقم ٦٩٢ وتاريخه ١٣٨٣/٩/٢٦هـ، والمتوج بالمرسوم الملكي رقم 37 في ۱۳۸۳/۱۰/۱۱هـ ونظام الشركات الصادر بقرار مجلس الوزراء ١٨٥ وتاريخ ۳/۱۷/١٣٨٥هـ والمتوج بالمرسوم الملكي رقم م/6 في ۱۳۸٥/۳/٢٢ وتعديلاته ونظام السجل التجاري الصادر بالأمر الملكي رقم ٤٤٧٠/١/٢١ في ٣٧٥/١١/٩ ونظام تسجيل العلاقات الفارقة الصادر بالأمر السامي رقم ٧٧٦٢ في ١٣٥٨/٧/٢۸، ونظام مكافحة الغش التجاري الصادر بقرار مجلس الوزراء رقم 601 بتاريخ ١٣٨١/٨/6هـ والمتوج بالمرسوم الملكي رقم 45 في ١٣٨١/٨/١٤هـ، ونظام الوكالات التجارية الصادر بالمرسوم الملكي رقم 11 وتاريخ ۱۳۸۳/۲/۲۰، ونظام المعايرة والمقاييس الصادر بقرار مجلس الوزراء رقم ٦٢٧ وتاريخ ١۳۸۳/۹/۲هـ المتوج بالمرسوم الملكي رقم ٢٩ في ۱۳۸۳/۹/۱۳هـ،

ونظام مراقبة البنوك الصادر بقرار مجلس الوزراء رقم 179 بتاريخ ١٣٨٦/٢/٥هـ والمتوج بالمرسوم الملكي رقم م/ه في ١٣٨٦/٢/٢٢هـ، ونظام مؤسسة النقد العربي السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم 1046/1/4/30 وتاريخ ١٣٧١/٧/٣٢٥هـ، والمعدل بالمرسوم الملكي رقم 23 وتاريخ ١٣٧٧/٥/٢٣هـ ونظام الغرفة التجارية، ونظام حماية وتشجيع الصناعات الوطنية الصادر بالمرسوم الملكي رقم 50 وتاريخ ۱۳۸۱/۱۲/۲۳، ونظام استثمار رأس المال الأجنبي الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/4 وتاريخ ١٣٩٩/٢/٢هـ، ونظام المعادن الثمينة والأحجار الكريمة الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/٤٢ وتاريخ ١٤٠٧/٧/۱٠هـ، ونظام الدفاتر التجارية الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/61 وتاريخ ١٤٠٩/١٢/١٧ه.

ثانيًا: الشريعة العامة

سبق القول أن الشريعة الإسلامية تعتبر في بلادنا الشريعة العامة التي تنظّم الروابط القانونية على اختلاف أوصافها ويخضع لها جميع الأشخاص تجارًا كانوا أم غير تجار، وأن القانون التجاري لا يتضمن سوى مجموعة من الأحكام الخاصة ببعض المسائل التي قدر نظرًا لطبيعتها الخاصة ضرورة إفرادها بتنظيم معين. ويترتب على ذلك أنه إذا لم ترد في التشريعات التجارية نصوص خاصة بعلاقة قانونية معينة، فإنه يتعين الرجوع إلى أحكام الشريعة الإسلامية في المعاملات والبحث فيها عن الحل المطلوب. ويلاحظ أن الرجوع في هذه الحالة إلى أحكام الشريعة الإسلامية أمر لازم قبل اللجوء إلى مصادر القانون التجاري الأخرى، كما أنه لا يكون إلا عند سكوت النصوص التجارية.

ولكن ما الحكم عند تعارض نصوص الشريعة الخاصة مع أحكام الشريعة العامة؟

هذا التساؤل بعض الصعوبات في الدول ذات القوانين الوضعية والتي يشكل فيها القانون المدني الشريعة العامة. وقد استقر الرأي في حالة قيام تعارض بين نص تجاري ونص مدني على أنه يجب دائمًا تغليب النص التجاري حتى ولو كان النص المدني لاحقًا من حيث التاريخ طالما كان النصان من درجة واحدة بأن كان كل منهما آمرًا أو مفسرًا. أما إن اختلفت قوتهما بأن كان أحدهما آمرًا والآخر مفسرًا فيلزم الأخذ بالنص الآمر ولو كان واردًا في التشريع المدني.

والواقع أن مثل هذه الصعوبات لا يتصور قيامها في ظل دولة تأخذ بحكم الإسلام إذ أنه يشترط لصحة التشريع في هذه الدولة ألا تتعارض المصالح التي ينظمها مع مبدأ أو حكم بني على نص أو إجماع، فالتعارض بين التشريعات الخاصة وأحكام الشريعة الإسلامية غير وارد إذن في ظل دولة الإسلام.

ثالثًا: العرف التجاري والعادات التجارية

Coutume et usages commerciaux

يُقصد بالعرف كمصدر من مصادر القانون مجموعة القواعد غير المكتوبة التي تنشأ من إطراد سلوك الأفراد في مسألة معينة على وجه معين مع اعتقادهم في إلزامها وضرورة احترامها.

وعليه فإن العرف التجاري ليس إلا مجموعة القواعد التي تعارف عليها التجار في تنظيم معاملاتهم التجارية مع شعورهم بإلزامها وضرورة اتباع أحكامها. وللعرف أهمية خاصة في المعاملات التجارية، فقد رأينا أن الغالبية الساحقة من قواعد القانون التجاري نشأت كعادات وأعراف درج عليها التجار قبل أن تصبح نصوصًا مكتوبة، وعلى الرغم من دخول القانون التجاري مرحلة التقنين ووفرة النصوص التشريعية في العصر الحديث، فلايزال العرف يقوم بدور لا يمكن إغفاله في تكوين القانون التجاري وتطوير أحكامه، بل إن بعض النظم التجارية كالبيوع البحرية والحسابات الجارية والاعتمادات المستندية لاتزال محكومة بقواعد عرفية بحته. كما أن هناك العديد من القواعد العرفية التجارية لم تدوّن بعد في نصوص تشريعية ومن أمثلتها افتراض التضامن بين المدينين بدين تجاري في حالة تعددهم وذلك خلافًا للقاعدة المدنية التي تقضي بعدم افتراض التضامن، والاكتفاء في البيع التجاري بإنقاص الثمن دون الفسخ إذا ما قدم البائع للمشتري بضاعة أقل جودة من الصنف المتفق عليه.

والعرف قد يكون خاصًا بمكان معين أو بتجارة معينة وقد يكون عامًا متبعًا في الدولة بأسرها وسائدًا في جميع المعاملات التجارية. والعرف الخاص يغلب على العرف العام. وكثيرًا ما يكون العرف التجاري دوليًا كما هو الشأن في المسائل البحرية.

وفي حالة قيام تعارض بين النصوص التجارية والعرف التجاري، فلا صعوبة في الأمر إذ يجب دائمًا تغليب النصوص التجارية الآمرة على العرف، وهذا الأخير على النصوص التجارية المفسّرة.

أما إذا وقع التعارض بين النصوص المدنية والعرف التجاري، فنلاحظ أنه لا خلاف أيضًا بين الشرح على ضرورة النزول عند حكم العرف طالما كانت النصوص المدنية من طبيعة مفسرة. أما إذا كانت النصوص المدنية من طبيعة آمرة فقد اختلف الرأي، فنادى البعض بضرورة تغليب العرف التجاري في مثل هذه الحالة بحجة أن النصوص المدنية – آمرة كانت أو مفسّرة – لا تطبّق في نطاق القانون التجاري إلا إذا لم يوجد حكم خاص في القانون التجاري، ووجود عرف تجاري معناه وجود قاعدة قانونية تجارية خاصة فلا حاجة مع وجودها إلى تطبيق القواعد المدنية العامة. بينما قال البعض الآخر بضرورة تغليب النصوص المدنية الآمرة على العرف التجاري لأن هذه النصوص تتعلق بالنظام العام.

على أن هذا الخلاف لا أهمية له في الدول التي تستمد قانونها المدني وشريعتها العامة من أحكام الشريعة الإسلامية الغرّاء إذ أنه يشترط شرعًا لاعتبار العرف في هذه البلاد ألا يكون معارضًا لأصل شرعي قطعي أو معطلاً لنص شرعي.

والعرف التجاري بهذا المعنى يختلف عن العادة التجارية التي هي عبارة عن القاعدة التي شاعت واستقرت في المعاملات التجارية نتيجة اعتياد الأفراد الأخذ بها في عقودهم إلى درجة يمكن القول معها باتجاه إرادة المتعاقدين ضمنًا إلى اتباع حكمها دون حاجة إلى النص عليها. فالعادة التجارية تستمد قوتها الملزمة من افتراض انصراف نية الأفراد إلى قبولها صراحة أو ضمنًا. لذلك غالبًا ما تسمى العادات التجارية باسم  العادات الاتفاقية. وعليه فإنه إذا ما ثبت عدم رضاء أحد المتعاقدين بالعادة أو عدم علمه بها وجب استبعاد حكمها.

ومن أمثلة العادات الاتفاقية جريان العمل على مسلك معين في حزم البضائع أو تقديرها وزنًا أو عددًا أو قياسًا، أو تحديد مدة معينة لفحص البضائع في بعض البيوع التجارية أو تحديد مدة قصوى للرجوع بضمان العيوب الخفية، وإلى غير ذلك.

ويلاحظ في النهاية ما بين العرف والعادة الاتفاقية من فارق أساسي من حيث القوة الملزمة. فالعرف ملزم دائمًا ما لم يتفق الأطراف على استبعاده صراحة ولذلك فإنه ينطبق حتى ولو ثبت عدم علم الأطراف به، أما العادة الاتفاقية فلا تطبق إلا إذا اتجهت إرادة الأطراف الصريحة أو الضمنية إلى الأخذ بها، وعلى من يحتج بها أن يثبت قيامها وأخذ الطرفين بها.

ومرد ذلك إلى أن العرف قانون ولذلك يفترض علم الكافة والقاضي بأحكامه كما يفترض علمهم بالتشريع سواء بسواء ولهذا قال البعض أنه يتعين على القاضي أن يطبق العرف من تلقاء نفسه دون أن يكلف الخصوم بإثباته، فالمتقاضون لا يكلفون بإثبات القواعد القانونية الواجبة التطبيق.

هذا وقد جرى العمل على إثبات العرف التجاري بواسطة شهادة تسمى (Parere) تستخرج من الغرفة التجارية، ونعتقد أن نظام الغرفة التجارية في المملكة العربية السعودية يسمح للغرف التجارية بإصدار مثل هذه الشهادات. إذ هو ينص – فضلاً عن أن من بين مهام الغرفة تزويد الحكومة والدوائر بالمعلومات التي تطلبها منها فيما يختص بالشؤون التجارية والمالية والصناعية – على أن الشهادات التي تصدر من الغرفة بناء على طلب المحكمة أو دائرة من دوائر الحكومة تكون معتبرة.

ومع ذلك فليس للشهادات التي تصدرها الغرفة التجارية إلا حجة نسبية بالاستناد أمام القضاء. فللمحاكم أن تهملها وتكون اقتناعها بوجود أو بعدم وجود العرف بالاستناد إلى رأي خبير أو باستشارة هيئات موثوق بها.

هذا ويلاحظ في النهاية أن العادة التجارية لا يمكن أن تخالف عرفًا تجاريًا خاصًا كان أو عامًا.

رابعًا: القضاء والفقه

بخلاف المصادر السابق دراستها والتي تعتبر مصادر رسمية للقانون التجاري يلتزم القاضي بالرجوع إليها لحل ما يعرض عليه من منازعات تجارية يعتبر القضاء والفقه من المصادر التفسيرية التي يستعين بها القاضي على استخلاص القواعد من المصادر الرسمية الملزمة وعلى تقصي مفهوم تلك القواعد عند الفصل في المنازعات التي تعرض عليه. وعلى الرغم من عدم التزام القاضي عمومًا باتباع ما تقضي به المصادر التفسيرية، فإن لهذه المصادر أهمية خاصة في نطاق القانون التجاري.

وتظهر أهمية القضاء فيما يقوم به من سد النقص في التشريع ليس عن طريق وضع قواعد قانونية جديدة – فهو لا يملك سلطة التشريع – وإنما عن طريق تفسير النصوص والتوفيق بينها بطريقة تمكنها من ملاحقة التطور في الحياة التجارية ومن حكم المسائل التي لم يرد حكمها في المصادر الرسمية. ومن المعلوم أن تكرار نفس الحلول في نفس القضايا يؤدي إلى استخلاص المبادئ التي يقوم عليها القانون والتي يصعب على القاضي الخروج عليها. ولعل من أهم المبادئ والنظريات التي استخلصها القضاء الفرنسي نظرية المنافسة غير المشروعة ونظرية الشركة الفعلية والمبادئ التي تحكم الحساب الجاري.

ومما ساعد القضاء الفرنسي على الوصول إلى هذه الحلول وجود قضاء خاص للمواد التجارية هو القضاء التجاري، ونشر أحكام هذا القضاء على نطاق واسع سواء كان ذلك في المجموعات القضائية أو في المجلات المتخصصة.

وسنرى فيما بعد أن الاختصاص بنظر المنازعات التجارية في المملكة كانت تتقاسمه بصفة أساسية هيئات حسم المنازعات التجارية ولجان الأوراق التجارية.

وللحقيقة نقول أن الاطلاع على قرارات هيئات حسم المنازعات التجارية بصفة خاصة لم يكن بالأمر اليسير بل كان متعذرًا. ولهذا سبق أن قلنا أن حجب هذه القرارات عن الدارسين والمهتمين بالشئون التجارية والقانونية لا يخدم المصلحة العامة بشيء، فهو لن يساعد على كشف ما قد يعتور الأنظمة من نقص أو عيوب وبالتالي لن يسمح بمعرفة الحلول التي جرى عليها قضاء الهيئات المذكورة في معالجة مثالب تلك الأنظمة. بعبارة أخرى نعتقد أن تناول قرارات هيئات حسم المنازعات التجارية بالدرس والتحليل من قبل فقهاء الشريعة وشرُّاح القانون على حد سواء سيساعد كثيرًا على تطوير تلك الأنظمة بما يلبي حاجات مجتمعنا المتجددة ويتفق وروح شريعتنا السمحاء. وهذا أمر لن يتسنى إلا بعد السماح بنشر قرارات تلك الهيئات أو على الأقل بالاطلاع عليها.

وتظهر أهمية الفقه فيما يقوم به من نقد وتقويم للنصوص القانونية والحلول القضائية. بالتالي إبراز ما تنطوي عليه من مزايا وعيوب وما يكتنفها من تعارض وغموض. ولقد ساعد الفقه بالفعل في الدول الأخرى على تطوير قواعد القانون التجاري وتوحيد أحكام القضاء في المسائل التجارية. لذلك غالبًا ما يلجأ القاضي إلى مؤلفات وتعليقات شُرّاح القانون للتعرف على آرائهم وتفسيراتهم لأحكام القانون واتجاهات القضاء دون التزام من جانبه باتباعها بل كثيرًا ما يكون الفقه هاديًا ومرشدًا للمشرع ذاته.

وحتى الآن لا يوجد لدينا في المملكة فقه تجاري بالمعنى الصحيح سوى مذكرات أستاذنا الكبير أكثم أمين الخولي التي ألقاها على دارسي الدورة الثانية بقسم دراسات الأنظمة بمعهد الإدارة العامة عام 1393ه/ 1973م، بالإضافة إلى بعض المؤلفات في القانون التجاري التي ظهرت في الآونة الأخيرة. إلا أنه نظرًا للطابع الدولي لمعظم أحكام القانون التجاري، فإنه يمكن سد النقص في هذا المجال من جانب المختصين بالرجوع إلى المؤلفات العربية والمطولات الأجنبية في القانون التجاري المشار إليه في هذا المؤلف.

محتويات كتاب القانون التجاري السعودي

المصدر

  • كتاب القانون التجاري السعودي للدكتور محمد حسن الجبر، الرياض، المملكة العربية السعودية.