الشركات التجارية وتاريخها وطبيعتها وأنواعها

الشركات التجارية وتاريخها وطبيعتها وأنواعها

ملخص المحتوى: الشركات التجارية، نبذة عامة في تاريخ الشركات، تشريع الشركات في المملكة العربية السعودية، الطبيعة القانونية للشركة، الفرق بين قواعد الشركة وقواعد العقود، الطبيعة التنظيمية للشركة في الوقت الحاضر. أنواع الشركات، الشركات التجارية والشركات المدنية، الشركة المدنية ذات الشكل التجاري. أشكال الشركات التجارية، شركات الأشخاص، شركات الأموال، الشركات المختلطة.

نبذة عامة في تاريخ الشركات

تقوم الشركة على فكرة الاشتراك بين شخصين أو أكثر بغية تكتيل الجهود وتجميع الأموال اللازمة للنهوض بالمشروعات الاقتصادية الكبرى والتي يتعذر على الأشخاص مهما كانت قدرتهم وعظمت ثروتهم القيام بها فرادى.

والشركة بهذا المعنى ليست فكرة حديثة، بل هي قديمة قدم هذا العالم وإن اختلف تنظيمها باختلاف العصور. فقد وردت بعض الأحكام الخاصة بعقد الشركة في “قانون حمورابي” الذي وُضعت أحكامه قبل خروج المسيح بما يقرب من ألفي سنة. وقد كان لدى الإغريق تصوّر معيّن عن الشركة خاصة في التجارة البحرية. إذ كان الرأسمالي يقدم الأموال إلى مجهّز السفينة في شكل قرض عُرف باسم “قرض المخاطرة الجسيمة” مقابل اقتضاء فائدة كبيرة متى عادت السفينة سالمة.

وبالرغم من ترفّع الرومان عن التجارة، فقد عرف القانون الروماني أنواعًا معيّنة من الشركات أهمها “شركة تغطية الضرائب” التي كانت تنشأ بين الملتزمين بدفع الضرائب والتي كانت تتمتع بشخصية معنوية وبذمّة مالية مستقلّة عن ذمم الشركاء فيها.

ولقد عرف العرب الشركة قبل ظهور الإسلام نظرًا لحاجتهم إليها لما كان لهم من نشاط تجاري ملحوظ ولما اقتضته طبيعة الحياة التجارية والحاجة إلى التعاون لتنمية المال واستثماره بين الأشخاص.

الشركات التجارية في الشريعة الإسلامية

وقد أقرّت الشريعة السمحاء مشروعية الشركة. وجرى التعامل بها منذ صدور الإسلام دون أن يكون هناك تفصيل في بيان أحكامها. ولما اتسعت الفتوحات وانتشرت التجارة في رقعة العالم الإسلامي كثر حينئذٍ استنباط الأحكام الشرعية للمسائل المتجددة، وفصّل الفقهاء في أحكام الشركات وميّزوا بينها وقسّموها إلى عدة أقسام وفروع تختلف باختلاف مذاهبهم.

هذا وقد جرت عادة الشُرّاح على تقسيم الشركات في الشريعة الإسلامية إلى قسمين كبيرين وهما: شركة الملك وشركة العقد. وصورة شركة الملك هي أن يملك اثنان أو أكثر شيئًا بسبب من أسباب الملكية. وهي إما أن تكون اختيارية كشرائهم عينًا أو قبولهم هبة أو وصية على الشيوع. وإما أن تكون إجبارية كاشتراك الورثة في المال المورث. أما شركة العقد فهي عبارة عن تعاقد اثنين أو أكثر على العمل للكسب بواسطة الأعمال أو الأموال أو الوجاهة ليكون الغنم والغرم بينهما حسب الاتفاق المشروع وشركة العقد إما أن تكون شركة عنان أو شركة مفاوضة.

ومع ذلك فالثابت أن الشركات في الشريعة الإسلامية هي شركات أشخاص لا تتمتع بشخصية اعتبارية ولا بذمة مالية مستقلة.

الشركات التجارية في دول الغرب

وقد ترتب على انتعاش التجارة البريّة والبحرية في الجمهوريات الإيطالية ابتداء من القرن الثاني عشر الميلادي ظهور بعض الشركات التي كانت تقترب كثيرًا من شركات التضامن المعروفة اليوم وذلك نظرًا لمسؤولية الشركاء فيها مسؤولية تضامنية ومطلقة عن ديون الشركة. صحيح أن هذه الشركات لم تكن تتمتع بالشخصية المعنوية إلا أن فكرة المصلحة المشتركة التي كانت تربط بين الشركاء كانت تعطي لهذه الشركة نوعًا من الوحدة لا يقل في أهميته عن الوحدة التي تحققها الشخصية المعنوية.

وقد كان لحظر الربا من جانب الكنيسة خلال القرون الوسطى أثره في ظهور شركة التوصية الحالية. إذ اضطر الرأسمالي آنذاك تفاديًا لهذا الحظر إلى إبرام عقد توصية (Contrat de commande) مع تاجر بمقتضاه تقدّم الأموال لهذا الأخير ليقوم باستغلالها تحت رقابة وإشراف مقدّم المال الذي لا يظهر أمام الغير. ولا يُسأل عن الخسارة إلا في حدود المال الذي قدمه. أما في حالة الربح فالغالب أن يستحوذ على ثلاثة أرباعه تاركاً الربع فقط لمن قام بالعمل. كذلك فقد ازدهرت شركة التوصية في خلال هذه الحقبة أيضًا نتيجة إقبال طبقة النبلاء ورجال الدين عليها للتحايل على منعهم من ممارسة التجارة.

وفي خلال القرون الوسطى تأكدت الشخصية المعنوية للشركة فاعتبرت الشركة مالكة للحصص التي يقدمها الشركاء وأصبح لها عنوان يتكون من اسم شريك أو أكثر من الشركاء المسؤولين مسؤولية مطلقة عن ديون الشركة.

وقد اقتصر الأمر الملكي الصادر عام 1673 في عهد لويس الرابع عشر والخاص بتقنين قواعد التجارة البريّة على تنظيم شركة التضامن وشركة التوصية تنظيمًا يكاد يقترب من التنظيم المعاصر.

الشركات الاستعمارية

وفي القرن الثامن عشر ظهرت الشركات الاستعمارية الكبرى كشركة الهند الشرقية وشركة الهند الغربية في صورة شركات مساهمة. وقد منحت هذه الشركات امتيازات وسلطات كبيرة من قبل الدول المستعمرة مثل حقها في أن يكون لها أسطولها الخاص وقوتها المسلحة الخاصة كما اعترف لها في بعض الأحيان بحق سك النقود. وقد كانت الدول الاستعمارية تشارك الأفراد تأسيس أمثال تلك الشركات واقتسام ما تدره من أرباح. لذلك نظر البعض إلى هذه الشركات باعتبارها أول تطبيق لفكرة الاقتصاد المختلط.

ولقد تطوّرت شركات المساهمة بتطوّر النظام الرأسمالي حتى اعتبرت بمثالة التعبير القانوني عن هذا النظام. إذ وجدت الرأسمالية الحديثة في شركات المساهمة الأداة القانونية الرائعة التي مكّنتها من تجميع المدخرات وتوظيفها في المشروعات الإنتاجية الكبرى. وبالتالي من التوسع والانتشار على الصعيد الداخلي والخارجي على حد سواء.

تشريع الشركات في المملكة العربية السعودية

خُصّص الفصل الثاني من الباب الأول من نظام المحكمة التجارية الصادر في 15 محرم 1350هـ للشركات. والواقع أن هذا الفصل لم يتضمّن سوى إشارة سريعة لبعض الشركات المعروفة في الشريعة الإسلامية. وهي: شركة المفاوضة (المعبر عنها بالتضامن). وشركة العنان ومن صورها شركة المساهمة وشركة المضاربة.

وقد قرّرت المادة السادسة من النظام أنه “ماعدا الشركات المذكورة آنفًا توجد شركات أخرى متعارفة بين التجار تجري فيها مقتضياتها”.

وقد كان هناك العديد من شركات الأشخاص التي تقوم ببعض أوجه النشاط الاقتصادي في المملكة وكان ينظمها عرف مستمد من قوانين بعض الدول العربية والأجنبية، وأدى ذلك إلى اختلاف السبل واختلاط الأمور – كما جاء في المذكرة التفسيرية لنظام الشركات – اختلاطًا جعل مهمة الدولة في مراقبتها والإشراف عليها مهمة عسيرة.

ومن هنا بدت الحاجة إلى وضع نظام شامل للشركات. يوضح الأحكام الواجبة الاتباع في تأسيسها وفي مزاولتها لنشاطها وعند انقضائها وتصفيتها. ويبين مدى صلاحية الوزارة في مراقبتها والإشراف عليها حفظًا للصالح العام ومحافظة على ما تحت يد تلك الشركات من أموال الأفراد. وبفرض الجزاءات على مخالفة تلك الأحكام.

وعليه فقد صدر نظام الشركات المصادق عليه بالمرسوم الملكي رقم ٦/٢ وتاريخ ١٣٨٥/٣/٢٣هـ، ويحتوي هذا النظام على 233 مادة موزعة بين خمسة عشر بابًا.

مشروعية الشركات في السنّة والاجماع

وقد حرصت المذكرة التفسيرية على تأكيد مشروعية الشركات التي جاء بها النظام، واستدلّت بالسنّة والإجماع.

  • أما السنّة: فما روي في الحديث القدسي وهو: يقول (الله تعالى) أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه. فإن خانه خرجت من بينهما. وما روي عن أسامة بن شريك أنه جاء إلى رسول الله (ص) فقال: أتعرفني: فقال عليه السلام: كيف لا أعرفك وكنت شريكي، ونعم الشريك لا تداري ولا تماري. وقد بعث والناس يتعاملون بهذه الشركة فأقرّهم عليها حيث لم ينههم ولم ينكر عليهم والتقرير أحد وجوه السنّة.
  • وأما الإجماع: فما نراه من اشتراك المسلمين في التجارة من صدر الإسلام حتى الآن بدون نكير.

كما حرصت المذكرة التفسيرية أيضًا على إيضاح أن النظام مستمد من القواعد العرفية التي جرى عليها التعامل بين الناس وثبتت صلاحيتها مع الأخذ بالصالح من أنظمة الدول الأخرى، تحقيقًا للتقارب الذي تفرضه الصفة الدولية للتجارة التي دعت ولاتزال تدعو إلى توحيد الأنظمة التجارية كوسيلة من وسائل تحقيق الرخاء للجميع. وذلك بعد استبعاد ما يمكن أن يتعارض مع هذه الأحكام وتلك القواعد مع الشرع الحنيف.

كما أكدت المذكرة التفسيرية أن الأشكال الحديثة التي جاء بها النظام لا تختلف عن الشركات التي كانت معروفة في الماضي إلا في بعض التفاصيل الجزئية التي لا تمس الأسس العامة في المعاملات المشروعة ودون أن تحلل حرامًا أو تحرّم حلالاً، أو تعارض نصًا أو سنة أو إجماعًا. وقد نصّت المادة الثانية من نظام الشركات على أن أحكامه لا تمسّ الشركات المعترف بها في الشريعة الإسلامية. وهكذا يتضح أن نظام الشركات في المملكة لا يتعارض ولا يصطدم بأحكام الشريعة الإسلامية.

الطابع الآمر لنصوص نظام الشركات

ويلاحظ أن نصوص نظام الشركات في المملكة ذات طابع آمر باستثناء ما ينص النظام نفسه على جواز مخالفته منها. وقد أكدت هذا الحكم المادة الثانية التي تقضي بسريان أحكام هذا النظام وما لا يتعارض معها من شروط الشركاء وقواعد العرف على الشركات المنصوص عليها في هذه المادة. ومعنى ذلك أنه لا قيمة لشروط الشركاء ولا لقواعد العرف ولا يؤخذ بها مادامت تخالف أحكام النظام.

وقد جرى تعديل هذا النظام بالمرسوم الملكي رقم م/ه وتاريخ ۲/۱۲/١٣٨٧هـ والمرسوم الملكي رقم م/٢٣ وتاريخ ١٤٠٢/٦/٢٨هـ والمرسوم الملكي رقم م/46 وتاريخ 1405/7/4هـ والمرسوم الملكي رقم م/63 وتاريخ ١٤٠٧/١١/٢٦هـ، والمرسوم الملكي رقم م/٢٢ وتاريخ ١٤١٢/٢٢/٣٠هـ .

تقسيم دراسة الشركات التجارية

تنقسم دراستنا للشركات التجارية إلى أربعة أبواب موزعة على النحو التالي:

  • الباب الأول: النظرية العامة للشركة.
  • الباب الثاني: شركات الأشخاص.
  • الباب الثالث: شركات الأموال.
  • الباب الرابع: الشركات المختلطة.

النظرية العامة للشركة

سنقسم دراستنا في هذا الباب إلى أربعة فصول، نتكلم في الأول منها عن الطبيعة القانونية للشركة وأنواعها، وفي الثاني عن عقد الشركة وفي الثالث عن الشخصية المعنوية للشركة، وفي الرابع عن انقضاء الشركة.

طبيعة الشركة وأنواعها

نقسم هذا الفصل بدوره إلى مبحثين: نناقش في الأول الخلاف حول طبيعة الشركة ونبيّن في الثاني أنواع الشركات.

طبيعـة الشركة

تنص المادة الأولى من نظام الشركات في المملكة على أن “الشركة عقد يلتزم بمقتضاه شخصان أو أكثر بأن يساهم كل منهم في مشروع يستهدف الربح بتقديم مال أو عمل، لاقتسام ما قد ينشأ عن المشروع من ربح أو خسارة”.

وهذا التعريف مأخوذ في الحقيقة من المادة 505 من القانون المدني المصري. والتي تقضي بأن “الشركة عقد بمقتضاه يلتزم شخصان أو أكثر بأن يساهم كل منهم في مشروع مالي، بتقديم حصة من مال أو عمل لاقتسام ما قد ينشأ المشروع من ربح أو خسارة”. وهذه المادة مستمدة بدورها من المادة ١٨٣٢ من التقنين المدني الفرنسي.

ويقضي اعتبار الشركة عقدًا بضرورة خضوع هذا العقد للقواعد العامة في العقود وبالتالي الاعتراف بحرية المتعاقدين في تنظيم وتحديد ما ينشأ عنه من حقوق والتزامات.

غير أن هذا المفهوم للشركة واعتبارها عقدًا وإن كان مقبولاً في القرن التاسع عشر حيث ساد مبدأ سلطان الإرادة، إلا أنه لم يعد مقبولاً في القرن العشرين بعد تقهقر هذا المبدأ وظهور الفوارق الكبيرة بين قواعد قانون الشركات والقواعد التي تقوم عليها العقود بصفة عامة والتي يمكن إيجازها فيما يأتي:

الفرق بين قواعد الشركات وقواعد العقود

  1. يتميّز عقد الشركة عن غيره من العقود بأنه لا يقتصر على تقرير بعض الحقوق وإنشاء بعض الالتزامات التي تنتهي بمجرد تنفيذها، بل يترتب عليه إنشاء شخص معنوي “الشركة” يستقل بإرادته عن إرادة الشركاء، فيكتسب الحقوق ويتحمل الالتزامات.
  2. يتميّز عقد الشركة بأنه يجوز تعديله بموافقة الأغلبية بينما تقتضي القواعد العامة في العقود موافقة جميع أطراف العقد على تعديله. لهذا قيل بحق أن الشخص المعنوي “الشركة” يسيطر بقوة على الإرادات الفردية التي شاركت في إنشائه.
  3. تقوم العقود عادة على التوفيق بين مصالح متعارضة لأطرافها كما هو الحال في معظم عقود المعاوضة كعقد البيع وعقد الإيجار، بينما ينتفي هذا التعارض في الشركة التي يسعى الشركاء فيها إلى تحقيق هدف مشترك هو الحصول على الربح.
  4. ويظهر ضعف المفهوم التعاقدي للشركة في شركات المساهمة بصفة خاصة إذ يصعب القول بوجود عقد بين أشخاص لا يعرف بعضهم يستطيعون مناقشة الشروط التي يتم على أساسها مساهمتهم في المشروع، بل وغالبًا ما يجهل المساهمون في هذه الشركات طبيعة المشروع الذي يساهمون فيه، ولعله من غير المعقول أن ينظر إلى الشخص الذي يشتري سهمًا في البورصة ليعيد بيعه بعد أسابيع قليلة كشريك يتعاقد مع بقية الشركاء.
  5. لم يعد يُنظر إلى القائمين على إدارة الشركات من مديرين وأعضاء مجلس إدارة على اعتبار أنهم وكلاء عن الشركاء. وهو ما تقتضيه الفكرة التعاقدية للشركة. بل على أساس أنهم أعضاء الشركة وممثلوها القانونيون.

لهذه الأسباب أنكر جزء من الفقه الحديث على الشركة الصفة التعاقدية ورأى فيها نظامًا قانونيًا (Institution) يتعارض تمامًا مع فكرة العقد ويُقصد بالنظام تلك المجموعة من القواعد القانونية التي تهدف إلى غرض مشترك ويقتصر دور الأفراد على الإفصاح عن الرغبة في الانضمام إليها.

الفكرة التنظيمية للشركة في الوقت الحاضر

ومما يؤيد الأخذ بالفكرة التنظيمية للشركة في الوقت الحاضر كثرة تدخل المشرّع، بغية تحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية معينة، بنصوص آمرة في تنظيم الشركات عمومًا وشركات المساهمة خصوصًا، إلى درجة يمكن القول معها اليوم بأن إرادة الأفراد تقتصر على مجرد الانضمام إلى تلك القواعد القانونية الآمرة والتي لا يملك الأفراد حق مناقشتها. وهكذا يمكن القول إن تأسيس الشركة قد أصبح اليوم بمثابة عمل شرطي يختلف عن العقد التقليدي ولا تلعب فيه إرادة الشركاء دورًا يُذكر.

وبالرغم من افتقار الفكرة التنظيمية للشركة إلى التحديد، فإنها تظل الفكرة الوحيدة التي تسمح لنا بتفسير جواز تعديل حقوق الشركاء الواردة في عقد تأسيس الشركة، إذا كانت حياة أو نجاح الشركة تتطلب ذلك، كما أنها الفكرة التي تفسّر عدم اعتبار أعضاء مجلس إدارة الشركة ومديريها مجرد وكلاء عن الشركاء وإنما هم السلطة المكلفة بتحقيق الغرض المشترك الذي قامت عليه الشركة، كما أنها الفكرة التي تبرر لنا أخيرًا تدخّل المشرّع المستمر والذي مردّه الرغبة في رقابة نشاط الشركات في الحياة الاقتصادية وحماية أموال الجمهور.

ومع ذلك لاتزال بعض التشريعات تحتفظ للفكرة العقدية ببعض الأهمية خاصة في نطاق شركات الأشخاص. ومن بين هذه التشريعات تشريع الشركات السعودي الصادر عام 1385هـ.

أنواع الشركات

تنقسم الشركات من حيث طبيعة العمل الذي تقوم به إلى شركات مدنية وشركات تجارية. وتنقسم الشركات التجارية بدورها ومن حيث قيامها على الاعتبار الشخصي أو المالي إلى شركات أشخاص وشركات أموال وشركات ذات طبيعة مختلطة.

لذا فإننا سنقسم هذا المبحث إلى فرعين: نتحدث في الأول منهما عن الشركات التجارية والشركات المدنية. وفي الثاني عن أشكال الشركات التجارية.

الشركات التجارية والشركات المدنية

سبق أن ذكرنا عند دراستنا لشروط التاجر أن الشركة تكتسب صفة التاجر. وفقًا لتشريع التجارة السعودي متى كان محلها أو موضعها القيام بأعمال تجارية. وهو ما يعني بعبارة أخرى أن معيار التمييز بين الشركة المدنية والشركة التجارية في المملكة، هو نفس المعيار الذي يستعمل للتفرقة بين التاجر وغير التاجر الأفراد. أي هو طبيعة العمل الرئيسي الذي تقوم به الشركة. وتحديد الصفة المدنية أو التجارية للشركة لا يثير في الغالب صعوبة كبيرة. وذلك نظرًا لتحديد طبيعة نشاط الشركة والغرض منها في عقدها التأسيسي.

وعليه فإن الشركة التي يكون موضع نشاطها القيام بأعمال مدنية كالاستغلال الزراعي والمضاربة في العقارات تكون شركة مدنية ولو كان جميع الشركاء فيها تجارًا، وعلى العكس من ذلك فإن الشركة تعتبر تجارية متى كان الغرض الرئيسي منها مباشرة واحد أو أكثر الأعمال التجارية التي نصّت عليها المادة الثانية من نظام المحكمة التجارية والتي سبق دراستها.

وإذا كانت الشركة تباشر أعمالاً مدنية وأعمالاً تجارية في نفس الوقت، فالعبرة دائمًا بالنشاط أو العمل الرئيسي. فإذا كان النشاط الرئيسي من طبيعة تجارية اعتبرت الشركة تجارية. أما إذا كان النشاط المدني هو النشاط الرئيسي والتجاري هو النشاط الثانوي أو التبعي فإن الشركة تعتبر مدنية. والتمييز بين الشركات المدنية والشركات التجارية له أهميته. فالشركات التجارية وحدها هي التي تكسب صفة التاجر. وتتحمل الالتزامات المترتبة على هذه الصفة وتخضع لنظام الإفلاس متى توقفت عن دفع ديونها التجارية. أما الشركات المدنية فإنها تخضع في المملكة لأحكام الشركات المقررة في الشريعة الإسلامية والتي تختلف حسب نوع الشركة.

الشركة المدنية ذات الشكل التجاري

يجوز للشركة المدنية أن تتخذ أحد الأشكال الخاصة بالشركات التجارية كأن تنشأ في شكل شركة تضامن أو شركة توصية بسيطة بالأسهم أو شركة مساهمة أو شركة ذات مسؤولية محدودة.

غير أن اتخاذ الشركة المدنية لأحد الأشكال الخاصة بالشركة التجارية لا يغيّر من طبيعتها ولا يكسبها صفة التاجر. لأن العبرة في تحديد الصفة التجارية وفقًا للتشريع السعودي هي بطبيعة نشاط الشركة لا بشكلها. وبالتالي فإن الشركة المدنية التي تتخذ شكلاً تجاريًا لا تخضع لالتزامات التجار ولا لنظام الإفلاس.

ومع ذلك ينص نظام الشركات السعودي في مادته الثانية على سريان أحكام هذا النظام على جميع أشكال الشركات التي ينص عليها وهي ثمانية دون تقيّد بطبيعة نشاط الشركة. أي ولو كان هذا النشاط من طبيعة مدنية. وعلى ذلك تخضع الشركة المدنية التي تتخذ الأشكال المنصوص عليها في نظام الشركات للأحكام التي تنظم الشكل المختار. فإذا اختارت الشركة المدنية شكل شركة التضامن وجب عليها مراعاة القواعد الخاصة بشهر هذا النوع من الشركات والواردة في نظام الشركات. كما يصبح الشركاء مسؤولون بالتضامن عن ديون الشركة، وإن كانوا لا يكتسبون صفة التاجر. وإذا اتخذت الشركة المدنية شكل شركة المساهمة وجب اتباع قواعد التأسيس والشهر والإدارة والرقابة الخاصة بهذا النوع من الشركات. كما تتحدد مسؤولية المساهمين فيها عن ديون الشركة بمقدار ما يملكونه من أسهم.

وقد رأينا فيما سبق أن الشركات المدنية مُلزمة وفقًا لأحكام السجل التجاري السعودي بالقيد في السجل التجاري.

نقد التفرقة بين أنواع الشركات التجارية والمدنية

والواقع أن التفرقة القائمة بين الشركات على أساس من طبيعة الأعمال التي تقوم بها، هي تفرقة منتقدة نظرًا لما أدت إليه من مفارقات عجيبة. فشركات البترول والتعدين العملاقة والشركات الزراعية الكبرى يحرم المتعاملون معها من ضمانات القانون التجاري لأن موضوعها وفقًا للنصوص الحالية من طبيعة مدنية في حين يعترف للشخص الذي يحترف شراء وبيع منتجات هذه الشركات كبائع الفاكهة والغاز وغيرهما من تجار التجزئة بصفة التاجر.

لذا عملت التشريعات الحديثة إلى إضفاء الصفة التجارية على جميع الشركات التي تتخذ شكلاً تجاريًا مهما كان موضوعها. فالمادة الأولى من القانون الفرنسي الصادر في 24 يوليو 1966م تنص صراحة على أن الطابع التجاري للشركة يتحدد بشكلها أو بموضوعها.

وتعتبر تجارية بسبب شكلها وأيًا كان موضوعها، شركات التضامن وشركات التوصية البسيطة والشركات ذات المسؤولية المحدودة وشركات الأسهم.

فكل شركة تتخذ أحد الأشكال السابقة تعتبر في فرنسا شركة تجارية ولو كان موضوعها القيام بأعمال مدنية كالمهن الحرة والزراعة والصناعة الاستخراجية.

وقد أخذ بنفس الاتجاه قانون التجارة الموحّد فنصت المادة (٢/١٣) منه على أن: …. 2. عدا شركة المحاصة، يعتبر تاجرًا كل شركة تتخذ أحد الأشكال المنصوص عليها في قانون الشركات ولو كانت تزاول أعمالاً غير تجارية”.

ولا شك أنه من الأفضل أن يساير المشرع السعودي هذا الاتجاه الحديث ويقضي بتجارية الشركات ذات الشكل التجاري أيًا كان موضوعها، وذلك حتى يفيد الشركاء والدائنون من أحكام وضمانات القانون التجاري.

أشكال الشركات التجارية

حدد نظام الشركات السعودي الأشكال القانونية التي يمكن أن تتخذها الشركات في المملكة بثمانية.وهي: شركة التضامن وشركة التوصية البسيطة وشركة المحاصة وشركة المساهمة وشركة التوصية بالأسهم، والشركة ذات المسؤولية المحدودة والشركة ذات رأس المال القابل للتغيير والشركة التعاونية.

ويُلاحظ أن هذا التعداد قد ورد على سبيل الحصر. وفي هذا تقول صراحة المادة الثانية: “تكون باطلة كل شركة لا تتخذ أحد الأشكال المذكورة ويكون الأشخاص الذين تعاقدوا باسمها مسؤولين شخصيًا وبالتضامن عن الالتزامات الناشئة عن هذا العقد.

وجرى الفقه على تقسيم الشركات التجارية إلى قسمين كبيرين: شركات أشخاص وتسمى أيضًا شركات الحصص Societes de personnes ou societes par interest. وشركات أموال Societes de capitaux. وأساس هذا التقسيم هو مدى قيام الشركة على الاعتبار الشخصي بين الشركاء ومدى مسؤولية الشركاء عن ديون الشركة في مواجهة الغير.

وإذا كان هذا التقسيم قد أصبح من الأمور التقليدية بين فقهاء القانون التجاري، فإن هناك في الواقع شركات يصعب إدخالها في القسمين السابقين وذلك لكونها تجمع بين خصائص شركات الأشخاص وشركات الأموال. ولذلك فقد اصطلح على تسميتها بالشركات المختلطة.

شركات الأشخاص

شركات الأشخاص هي الشركات التي تقوم على الاعتبار الشخصي. وتتكون أساسًا من عدد قليل من الأشخاص تربطهم صلة معينة كصلة القرابة أو الصداقة أو المعرفة. ويثق كل منهم في الآخر وفي قدرته وكفاءته. وعلى ذلك فإنه متى ما قام ما يهدد الثقة بين الشركاء ويهدم الاعتبار الشخصي الذي تقوم عليه هذه الشركات فإن الشركة قد تتعرض للحل، ولذلك يترتب في الأصل على وفاة أحد الشركاء في شركات الأشخاص أو الحجر عليه أو إفلاسه أو إعساره أو انسحابه من الشركة حل الشركة.

وتشمل شركات الأشخاص في التشريع السعودي شركة التضامن وشركة التوصية البسيطة وشركة المحاصة.

  1. شركة التضامن: وهي النموذج الأمثل لشركات الأشخاص حيث يكون كل شريك فيها مسؤولاً مسؤولية تضامنية وفي جميع أمواله عن ديون الشركة كما يكتسب كل شريك فيها صفة التاجر.
  2. شركة التوصية البسيطة: وتتكون من فريقين من الشركاء. شركاء متضامنون يخضعون لنفس النظام القانوني الذي يخضع له الشركاء في شركة التضامن، فيكونون مسؤولين مسؤولية تضامنية، وغير محددة عن ديون الشركة ويكتسبون صفة التاجر. وشركاء موصون لا يسألون عن ديون الشركة إلا في حدود حصصهم ولا يكتسبون صفة التاجر ولا يشاركون في إدارة الشركة.
  3. شـركة المحاصـة: وهي شركة مستترة لا تتمتع بالشخصية المعنوية ولا وجود لها بالنسبة إلى الغير وتقتصر آثارها على الشركاء فيها.

شركات الأموال

وهي الشركات التي تقوم أساسًا على الاعتبار المالي ولا يكون لشخصية الشريك أثر فيها. فالعبرة في هذه الشركات بما يقدمه كل شريك من مال. ولهذا فإن هذه الشركات لا تتأثر بما قد يطرأ على شخص الشريك كوفاته أو إفلاسه أو الحجر عليه.

وشركات الأموال لا تشمل حسب الرأي الذي نرجّحه سوى شركات المساهمة. وهي الشركات التي يقسّم رأس المال فيها إلى أسهم متساوية القيمة وقابلة للتداول بالطرق التجارية. ويسمى الشركاء في هذه الشركة بالمساهمين. وهم ليسوا تجارًا ولا يُسألون عن ديون الشركة إلا في حدود قيمة الأسهم التي يمتلكونها في الشركة.

الشركات المختلطة

وهي الشركات التي تقوم على الاعتبار المالي والاعتبار الشخصي في نفس الوقت. وبالتالي فهي تجمع بين خصائص شركات الأموال وشركات الأشخاص.

وتشمل الشركات المختلطة في التشريع السعودي شركة التوصية بالأسهم والشركة ذات المسؤولية المحدودة.

شركة التوصية بالأسهم

وهي تشبه شركة التوصية البسيطة من حيث أنها تضم فريقين من الشركاء. شركاء متضامنون يخضعون لنفس النظام القانوني الذي يخضع له الشركاء المتضامنون في شركة التضامن وشركة التوصية البسيطة. وبالتالي فإن الشركة تعتبر بالنسبة إليهم شركة أشخاص. إذ يكتسبون جميعهم صفة التاجر ويسألون مسؤولية تضامنية وغير محددة عن جميع ديون الشركة، وفي مقابل ذلك يستأثرون بالإدارة. وشركاء موصون لا يترتب على دخولهم في الشركة اكتساب صفة التاجر ولا يسألون عن ديون الشركة إلا في حدود حصصهم التي تأخذ شكل الأسهم القابلة للتداول بالطرق التجارية. وبالتالي فإن الشركة تعتبر بالنسبة إليهم شركة أموال.

الشركة ذات المسؤولية المحدودة

وهي الشركة التي تتكون بين عدد قليل من الشركاء لا يجوز أن يزيد عن الخمسين شريكاً. وهذه الشركة تشبه شركات الأشخاص من حيث قلة عدد الشركاء فيها وحظر اللجوء إلى الادخار العام عن طريق الاكتتاب في أسهم أو سندات وتقييد انتقال حصص الشركاء. وهي تشبه شركات الأموال من حيث تحديد مسؤولية كل شريك فيها عن ديون الشركة بمقدار حصته. ومن حيث نظام إدارتها والرقابة عليها.

ويلاحظ أن العبرة في تحديد شكل الشركة ليست بالوصف الذي يضفيه الشركاء على عقد الشركة. وإنما العبرة بتوافر الشروط القانونية لشكل الشركة، بحسب الإرادة الحقيقة للشركاء. فقد يصف الشركاء الشركة بأنها شركة تضامن في حين يتضح من شروط العقد أنها شركة توصية بسيطة فيجب عندئذ تكييفها على أساس أنها شركة توصية بسيطة. إذ أن المناط في تكييف العقود بما عناه المتعاقدون لا بما أطلقوه من أوصاف.

هذا وقد رأينا أن تشريع الشركات السعودي لا يقتصر على مجرد تقرير الأشكال الستة السابقة كإطار قانوني للشركات في المملكة بل إن المادة الثانية من النظام تضيف إلى ذلك شكلين للشركات لا تعرفهما معظم التشريعات العربية وهما:

  • الشركة ذات رأس المال المتغير.
  • الشركة التعاونية.

والحقيقة أن الشركة ذات رأس المال المتغير والشركة التعاونية ليست أشكالاً جديدة تضاف إلى الأشكال الستة السابقة للشركات. إذ أنها لا تعدو أن تكون أنواعًا خاصة لهذه الأشكال.

الشركة ذات رأس المال المتغير

ففيما يتعلق بالشركة ذات رأس المال المتغير، نلاحظ أن النظام ينص صراحة على أنه يجوز لكل شركة – تضامن أو توصية بسيطة أو توصية بالأسهم أو مساهمة أو ذات مسئولية محدودة – أن تنص في عقدها أو نظامها على أن رأس مالها قابل للتغيير فتصبح عندئذ الشركة شركة تضامن ذات رأس مال متغير أو شركة توصية بسيطة ذات رأس مال متغير أو شركة مساهمة ذات رأس مال متغير، إلخ. ويترتب على ذلك خضوع الشركة أولاً للقواعد الخاصة الواردة في الباب الثامن من نظام الشركات. ثم للأحكام والنصوص العامة التي تحكم الشكل المختار (تضامن، توصية، بسيطة، مساهمة، إلخ).

الشركة التعاونية

وفيما يتعلق بالشركة التعاونية، نلاحظ أن نظام الشركات قد ألزمها باتخاذ إما شكل شركة المساهمة أو شكل الشركة ذات المسؤولية المحدودة. والشركة التعاونية تكون دائمًا ذات رأس مال قابل للتغيير. وهو ما يعني أن الشركة التعاونية تخضع في المملكة أولاً لنظام الشكل المختار – نظام شركة المساهمة أو نظام الشركة ذات المسؤولية المحدودة – ثم للأحكام الخاصة بالشركة التعاونية الواردة في الباب التاسع من نظام الشركات. هذا بالإضافة إلى خضوعها للقواعد الواردة في الباب الثامن والمتعلقة بالشركات ذات رأس المال القابل للتغيير. (المواد ۱۸۱، ۱۸۲، ۱۸۹، ۱۹۱، من نظام الشركات).

المصدر