التخطيط الاجتماعي وخصائصه وأنواعه

مفهوم التخطيط الاجتماعي

لقد أضحى التخطيط ضرورة لا غنى عنها كأسلوب لرفع مستوى حياة الشعوب – أيًا كانت – في العصر الحديث. فتحقيق معدلات سريعة ومنتظمة من التنمية مرهون بشرط أساسي ألا وهو التخطيط الاجتماعي Social Planning والاقتصادي، مهما كان النظام السائد في المجتمع (رأسمالي أو اشتراكي)، ومهما كانت درجة المجتمع من التخلف أو التقدم. فروسيا وجميع دول أوروبا الشرقية تتبع أسلوب التخطيط، كما اتبعته معظم دول أوروبا الغربية كفرنسا وهولندا وبريطانيا وغيرها بعد الحرب العالمية الثانية لإعادة بناء ما دمرته الحرب. وكذلك تجربة الصين واليابان وغيرهما. هذا بالإضافة إلى أن معظم الدول النامية – لا سيما – تلك التي حصلت على استقلالها حديثًا قد بدأت كذلك في اتباع أسلوب التخطيط كمخرج أساسي ووحيد لتحقيق تقدمها.

التخطيط مرتبط بفلسفة المجتمع السائدة

إننا لو تأملنا حياة المجتمعات الإنسانية عبر تاريخها الطويل لوجدنا أن تنظيمها لشئون حياتها ما هي إلا ممارسات تخطيطية مستترة، أو غير مدركة، وأن هـذه الممارسات كانت تتمشى مع مقتضيات الحياة والفلسفة الاجتماعية التي أملتها ظروف تلك المجتمعات.

التخطيط الاجتماعي في العصور الوسطى

فقد قامت فلسفة العصور الوسطى على العمـل نحو تثبيت دعائم الحيـاة الاجتماعية التي استمدت محتواها من النزعة الدينية ومن النظام الإقطاعي ومن ترتيب الطبقات الاجتماعية ترتيبًا هرميًا يبدأ بالبابا والإمبراطور والملك في القمة، ويتدرج إلى الأشراف والفرسان ثم ينتهي بطبقة العبيد. وكان ترتيب العلاقات بين أفراد المجتمع يعتمد على عوامل الوراثة والموطن الجغرافي والمهنة التي يحترفها الفـرد كعوامل أساسية في تنظيم المجتمع. وكان الاتجاه الذي يسير فيه المجتمع هو الحفاظ على تلك الأوضاع الطبقية، وتحديد العلاقات بين تلك الطبقات تحديدًا دقيقًا حتى تلزم كل فئة مكانها في مدارج البناء الاجتماعي. وبطبيعة الحال استلزم الأمر تنظيم المرافق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تنظيمًا يتفق وهذه الفلسفة الاجتماعية السائدة، والتي حالت دون تذويب الفوارق بين الطبقات، وجعلت لكل طبقة طريقها المحـدد الواضح.

التخطيط الاجتماعي في النظام الرأسمالي

ولو ألقينا بنظرنا بعد ذلك على المجتمعات الرأسمالية لوجدنا أيضًا أنها تقيم فلسفتها الاجتماعية على ما يسمى بالنظرة الليبرالية Liberalism التي واكبت نظرية التطور الدارونية في القرن الثامن عشر والتاسع عشر والتي نادت بأن البقاء للأصلح. وكان محور تلك الفلسفة الاجتماعية هو التأكيد على أهمية التنافس بين الأفراد كقاعدة أساسية من قواعد الحياة. وتأسيسًا على ذلك فقد أُطلق العنان للتنافس الحر، وأُزيلت القيود والحدود الجامدة بين الطبقات. وانعكس ذلك كله فيما اتخذه المجتمع من تطبيقات عملية لإقرار الملكية الخاصة وصيانتها والحفاظ عليها. وظهرت الشركات والاستثمار الحر لرأس المال وما ارتبط بهذا كله من السعي وراء الحصول على أكبر عائد من الأرباح.

التخطيط الاجتماعي في النظام الاشتراكي

ثم ظهرت الفلسفات الاشتراكية كرد فعل على عيوب النظام الرأسمالي الحر، خاصة ما يتصل به من جوانب الاستغلال والاحتكار. وكانت الغايات الاجتماعية التي جاءت بها تلك الفلسفات تهدف إلى الاهتمام بالمجتمع كله دون تمييز بين فئاته. وجاءت تطبيقات تلك الفلسفات مؤكدة ملكية الدولة لوسائل الإنتاج وطرق الاستهلاك. وأصبحت التنظيمات التعاونية قواعد أساسية لتكتل الجهـود، وأساليب أساسية للحياة في المجتمعات الاشتراكية.

وخلاصة القول إن تجارب الإنسان خـلال تاريخه الطويل توحي بأن تنظيمه لشئون حياته (الممارسات التخطيطية فيما بعد) يستند إلى فلسفة اجتماعية لها غايات وأهداف معينة تختلف من فترة تاريخية إلى أخرى. وأن هذه الفلسفة تدفع ليسير النشاط الإنساني في اتجـاه يوصـل إلى تحقيق تلك الغايات، والتي يستلزم بلوغها إيجاد تنظيمات تقوم بتطبيق ما ارتضته تلك الفلسفة الاجتماعية. بحيث تصبح الأخيرة واقعًا يعيشه الإنسان ويحيا به وله.

أول تجربة في التخطيط الاجتماعي

ولقد كانت أول تجربة للتخطيط وعاها التاريخ القديم هي تلك التي قام بها يوسف عليه السلام عند تفسيره لحلم فرعون مصر. وقد ورد ذلك في القـرآن الكريم في قوله تعالى: “يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وآخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون، قال تزرعون سبع سنين دابًا فما حصدتم فذروه في سنبلة إلا قليلاً مما تأكلون، ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم إلا قليلاً مما تحصنون، ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون”. (سورة يوسف). ولما اقتنع الملك بتفسير يوسف لحلمه استخلصه لنفسه وجعله أمينًا على خزائن ملكه. وربما كانت هذه المحاولة مبنية على أساس الإلهام من الله جلّت حكمته ليوسف عليه السلام.

والتخطيط كعلم اتضحت قواعده، وأصبحت له أصوله ونظرياته وأساليبه لم يظهر إلا في القرن الحالي. ولم تبدأ ممارسته من جانب الدول إلا في عام 1928 عندما بدأ الاتحاد السوفييتي آنذاك أول خطة خمسية للتنمية. ثم تتابعت الممارسات التخطيطية في بقية دول العالم.

تعريف التخطيط الاجتماعي

اختلف العلماء في تعريف التخطيط الاجتمـاعي، باختلاف انتماءاتهم الفكرية والأيديولوجية. كما جاءت تعريفاتهم انعكاسًا للمدارس العلمية التي يتبعون لها.

تعريف علماء الغرب للتخطيط الاجتماعي

ونورد فيما يلي بعض تعريفات هؤلاء العلماء:

  1. تعريف لويس ويرث Wirth يقول: إن التخطيط يعني الحرية لأن عملياته تخلق ظروفًا مجتمعية تسمح لكل فرد أن يبذل قصارى جهــده لتحقيق الأغراض الجماعية المشتركة. كما أن عمليات التخطيط تثير القوى الكامنة في نفوس الأفراد وتجعل منها قوى ديناميكية يستطيع المجتمع بفضلها أن يحصل على كامل حريته في تقرير نوع الحكومة الذي يراه مطابقًا لرغباته ومتفقًا مع ميوله واتجاهاته ومحققًا لاحتياجاته كما ترسمها سياسة التخطيط. ويرى أن الحكومة الديموقراطية هي أفضل أنواع الديموقراطيات لأنها الأقدر على مسايرة وملاحقة ديناميات التخطيط. ثم إن المجتمع لا بدّ أن يعمل من أجل تحقيق أغراض ديمقراطية بوسائل وطرق ديمقراطية.
  2. يرى ألبرت W. Alpert: أن التخطيط محاولة تتميز بالاستمرارية والانتظام لتحقيق أهداف محددة في ضوء الموارد المتاحة. ويرى أن التخطيط موجود في كل المجتمعات سواء كانت رأسمالية أو اشتراكية، وأيًا كان حجمها، دولة (أو أمة) أو مدينة أو إقليمًا. كما قد يكون التخطيط طويل الأمد وقد يكون قصير الأمد.
  3. أما شارل بتلهيم Bettelheim: فيعتبر التخطيط نشاطًا اجتماعيًا يحدد به المجتمع “الاشتراكي” أهدافه في مجال الإنتاج والاستهلاك وذلك بطريقة منسقة تراعي القوانين الاقتصادية الموضوعة من جانب، وخصائص التنمية الاجتماعية من جانب آخر. وتؤدي هذه الأهداف بالمجتمع إلى وضع أفضل مما عليه الحال.

تعريف التخطيط الاجتماعي عند العلماء العرب

وقد شارك كثير من العلماء العرب في تعريف التخطيط الاجتماعي والتخطيط بشكل عام. فعلى سبيل المثال عرّفه الدكتور عاطف غيث بأنه أداة من أدوات التغير الاجتماعي على اعتبار أنه محاولة لضبط اتجاه التغير نحـو الارتقاء والتقدم، وتوجيهه نحو الأهـداف التي تحقق صالح الجماعة العليا.

ويعرف د. حامد عمار التخطيط بأنه رسم وتوقع وتدبر للصورة الشاملة للمجتمع في حياته المستقبلة. وفي المراحل التي يجتازها وهو في طريقه إلى مدارج القوة والنماء وهو أيضًا تحديد للقرارات التي ينبغي اتباعها في توجيه النشاط البشري لتحقيق نتائج معينة في فترة زمنية محددة. ويتطلب هذا توضيح الغايات التي ينشدها المجتمع وتحديد نظرته إلى قيمة الفرد والعلاقة بينه وبين غيره من الأفراد، ومصدر السلطة وتوزيع المكانة الاجتماعية وما يتصل بهذا كله من القيم والاتجاهات الإنسانية. بمعني أن التخطيط عنده هو تحديد للاتجاه الذي تسير عليه مختلف الأنشطة الإنسانية لتحقق أهداف المجتمع.

ويذهب الدكتور عبد الباسط حسن إلى رأي مشابه حيث يرى أن التخطيط الاجتماعي ما هو إلا أسلوب تنظيمي يهدف إلى تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية خلال فترة زمنية محددة، وذلك عن طريق حصر إمكانيات المجتمع وموارده المادية والبشرية وتعبئتها وتحريكها نحو تحقيق أهداف المجتمع وفلسفته الاجتماعية التي ارتضاها إطارًا لوجوده ونموه.

أما الدكتور على لطفي فيرى أن التخطيط الاجتماعي هو إعداد وتنظيم برنامج اقتصادي واجتماعي متناسق، معتمدًا على شيء من المركزية في الإعداد واللامركزية في التنفيذ، متضمنًا تنبؤات للأهداف المرتقبة خلال فترة زمنية لتحقيق تنمية سريعة ومنتظمة لجميع فروع الإنتاج وجميع مناطق الدولة.

خصائص التخطيط الاجتماعي

ولا شك أن هذه التعاريف وغيرها متباينة في صياغتها وربما مضامينها. ولكننا نستطيع أن نخرج منها بعدة خصائص أساسية لـ التخطيط الاجتماعي تتمثل فيما يلي:

1. إن التخطيط له مقومات أساسية أهمها:

التنسيق بين الأهداف والسياسات

أي التنسيق بين أهـداف الخطة من جانب، والتنسيق بين السياسات والوسائل والإجراءات اللازمة لتنفيذ الخطة. فمن المعلوم أن لكل خطة هدف عام هو تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. لتحقيق هذا الهدف لا بدّ من تحقيق أهـداف جزئية كزيادة إنتاج بعض القطاعات وتحسين الخدمات بنسبة معينة، إلخ. ومن الواضح أنه يصعب تحقيق الهدف العام إلا إذا كان هناك تنسيق بين هذه الأهداف الفرعية. وأما بالنسبة للوسائل والإجراءات، فإن التنسيق بينها يعتبر أمرًا ضروريًا، إذ يصعب تحقيق أهـداف الخطة دون التنسيق بين مكونات السياسة الاقتصادية والاجتماعية كسياسة الأسعار، وسياسة الأجور وسياسة الاستثمار والسياسة الصحية والتعليمية، إلخ.

مركزية إعداد الخطة ولامركزية تنفيذها

حيث أن الخطة السليمة يجب أن تعتمد على المركزية في إعدادها واللامركزية في تنفيذها. وذلك لأن هيئة التخطيط المركزية تستطيع بما يتوافر لديها من بيانات وإحصاءات أن تنسّق بين أهداف الخطة وبين الإجراءات والوسائل والسياسات اللازمة لتنفيذها. فهيئة التخطيط المركزية هي وحدها التي تستطيع أن تحـدد الحجم الكلي للاستثمار خلال فترة الخطـة بما يضمن تحقيق التوظف الكامل. وهي وحدها التي تستطيع أن تقوم بدراسات التنبؤ بما ستكون عليه حالة الطلب على مختلف السلع والخدمات خلال الخطة، ومن ثم تحديد الكميّات التي يلزم إنتاجها حتى تضمن التوازن بين الإنتاج والاستهلاك. هذا علاوة على أن الإعـداد المركزي للخطـة سيضمن تحقيق العدالة الاجتماعية بين مناطق المجتمع المختلفة عند توزيعه للسلع والخدمات على أنحاء البلاد.

أما عن تنفيذ الخطة فلا بدّ أن تكون لا مركزية. لأن مركزية التنفيذ تؤدي إلى إطالة الإجراءات وتأخير العمل. وتحول دون الدراسة العميقة لأن للطاقة البشرية حدودًا، وتؤذن بعـدم الثقة بين المخططين والمنفذين، وتحصر الخبرة في قلة من الناس بما يعوق النمو الإداري. لهذا نرى إعطاء القائمين بالعمل في الوحدات الإنتاجية والخدمات – في مرحلة التنفيذ – سلطة لاتخاذ القرارات اللازمة لتنفيذ الأهداف المحددة في الخطة دون الرجوع إلى الهيئة المركزية في كل صغيرة وكبيرة.

التنبؤ

فالتخطيط يقوم على التنبؤ العلمي بما سيكون عليه الحال في المستقبل. وفي العصر الحديث نجد أن طول فترة إعداد الإنتاج الحديث، وطول فترة استهلاك الآلات والسلع المعمرة لا يسمحان بتحقيق توازن الإنتاج والاستهلاك إلا إذا كانت هناك تنبؤات عن الاستهلاك المتوقع خلال فترة الخطة لكل فرع من فروع النشاط الإنتاجي. فالإنتاج الحديث يتميّز بطول الفترة اللازمة لإعـداده. وقد تطرأ تغيّرات على حالة الاستهلاك خلال تلك الفترة التي تصل في بعض فروع الإنتاج إلى عدة سنوات. ومعنى ذلك أن التنبؤ يعمل على تحقيق التوازن بين الإنتـاج والاستهلاك.

2. إن للتخطيط احتياجات ضرورية لا بدّ منها وهي:

  • توافر البيانات والإحصاءات: فجميع مراحل التخطيط تستلزم توافر بيانات وإحصاءات عن موارد الدولة البشرية والمادية حتى يمكن تعبئتها نحو تحقيق أهداف الخطة. كما لا يمكن متابعة الخطة أو تقويمها إلا عن طريق تجميع بيانات وإحصاءات عن مدى تقدم العمل في إنجاز الخطة ومـدى تحقيقها للأهداف المنشودة.
  • المشاركة الإيجابية للمواطنين: فمشاركة الأهالي في جميع مراحل الخطة سواء في إعدادها أو تنفيذها أو متابعتها، يجعلها (أي الخطة) واقعية ومحقِقة لأهداف المجتمع. كما يساعد على بلوغ درجة أفضل في إنجازها بحماس وارتياح. ويوطّد العلاقة بين الحكام والمحكومين. ومن هنا يقال إن الخطة التي يشارك فيها المواطنون تعتبر خطة ديموقراطية. فإن أي خطة مهما كانت أهدافها لا يمكن أن تنجح ما لم يؤمن بها أفراد المجتمع وجماعاته. وما لم يشاركوا مشاركة إيجابية وفعالة في تنفيذها عن طريق تعاونهم مع بعضهم البعض، وتعاونهم مع السلطات العامة. ومن هنا تبدو بوضوح أهمية الدور الذي يجب أن يلعبه المسئولون من التخطيط لخلق ما يسمى بالوعي التخطيطي لدى أفراد المجتمع وهيئاته.
  • توافر الاستقرار السياسي: مما لا شك فيه أن عدم توافر الاستقرار السياسي، واختفاء الأمن والأمان في المجتمع، يؤدي إلى القلائل الاجتماعية وإلى تغليب المصالح الفردية على المصالح العامة ويغيب الشعور بالمسئولية الوطنية. والمسئولين عن الحكم لن يستطيعوا القيام بواجبهم نحو تحقيق التقدم. وينتهي ذلك كله إلى هبوط معدلات الإنتاج، والتسيّب في إنجاز الأعمال. ويقل الادخار ويهرب رأس المال مما يعوق تنفيذ أي خطط أو حتى مجرد التفكير فيها.

3. إن التخطيط الاجتماعي عملية إرادية منظّمة

إن التخطيط عملية إرادية منظّمة وموجّهه لتحقيق أهداف محددة تنقل المجتمع إلى وضع اقتصادي واجتماعي أفضل خلال فترة معينة.

4. إن عملية التخطيط تحيط بها صعوبات أهمها ما يلي:

  1. إن موقف المجتمع أو المشروع قبل بدء عمليات التخطيط تتكوّن من عناصر مادية واجتماعية لها قدرة معينة على العطاء والإنجاز. بينما يتميّز الموقف المستهدف بالتخطيط بعناصر مادية واجتماعية ذات قدرة أعلى على الإنجاز. ومن ثم تبرز إحدى صعوبات التخطيط وهي كيفية إحداث التغيير المطلوب وضبط حركته، دون أن يؤدي ذلك إلى آثار جانبية.
  2. إن الظروف الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية والطبيعية وغيرها سوف تختلف عنها بعد إتمام عمليات التخطيط وأثناءها. ومن ثم تبـدو الصعوبة الثانية في التخطيط وهي إمكانية التنبؤ بالظروف المحيطة المتوقعة في المستقبل، واتخاذ الإجراءات المناسبة للتعامل مع تلك الظروف، ومحاولة توظيفها لتحقيق الأهداف المحددة.
  3. وتكمن الصعوبة الثالثة في كيفية إيجاد أكبر درجة من التوافق بين متطلبات التخطيط وعناصره، وبين ظروف المجتمع. بمعنى آخر محاولة تكييف الخطة مع الظروف الخارجية وفي نفس الوقت محاولة تطويع تلك الظروف والمناخ المحيط بصفة عامة لتتناسب مع خصائص الخطة.
  4. وتتضع الصعوبة الرابعة والأخيرة في أن الخطة يتم إعدادها وتنفيذها ومتابعتها بواسطة الناس. ولهذا فإن السلوك الإنساني يضطلع بدور هام في جميع خطواتها. ومن المعلوم أن هـذا السلوك يتسم بدرجات مختلفة من التغيّر وعدم الاستقرار. وبناء عليه فإن قدرًا كبيرًا من عدم التأكد يسيطر على المواقف الحالية والمتوقعة. لهذا يتطلب الأمر قياس الاحتمالات، وأخذها في الاعتبارات التخطيطية.

وتأسيسًا على كل ما تقدم يمكن أن نقول أن التخطيط الاجتماعي هو عملية تغيير اجتماعي مقصودة تستهدف الارتقاء بأوضاع المجتمع الاقتصادية والاجتماعية عن طريق تحديد أهداف محددة يستلزم تحقيقها خلال فترة معينة، تعبئة موارد المجتمع المادية والبشرية وتوجيهها نحو تحقيق هذه الأهداف التي أقرّها المجتمع حسب فلسفته الاجتماعية.

ويصور الشكل التالي نظام التخطيط بكل عناصره وأبعاده المختلفة:

نظام التخطيط الاجتماعي
نظام التخطيط الاجتماعي

أهمية التخطيط الاجتماعي وضرورته للدول النامية

يجمع كل العلماء والخبراء الاقتصاديون والاجتماعيون على أهمية التخطيط الاجتماعي لجميع أنواع المجتمعات فقيرها وغنيها، رأسماليها واشتراكيها، شرقها وغربها. فكلها تقريبًا تتبع أسلوب التخطيط أو تحاوله بدرجة أو بأخرى. وذلك لأن اتباع التخطيط يحقق للمجتمع ما يلي:

  1. حصر مشكلات المجتمع وتحديدها، ثم العمل على حلها، وتوفير الاحتياجات اللازمة في ضوء المتغيرات الحضارية المستمرة في عالم دينامي متغير حتى لا يتخلى المجتمع عن درجة تقدمه إذا كان متقدمًا، ولا تتسع الهوة بينه وبين من سبقه إذا كان متخلفًا.
  2. ضمان العدالة الاجتماعية، وإعمال مبدأ تكافؤ الفرص في توزيع الموارد والخدمات والمرافق بين أجزاء الدولة الواحدة من جهة، ولضمان إعطاء المواطنين حقوقهم، وتحديد واجباتهم.
  3. التوازن المطلوب في التنمية المتكاملة الجوانب من طريق التنسيق بين الجهود على كافة المستويات المحلية والإقليمية والقومية. وذلك لإيجاد المجتمع القوي المتماسك الذي لا تحكمه متناقضات، ولا تتسرب إليه الأحقاد.
  4. قياس فعالية برامج الإنتاج والخدمات القائمة عن طريق متابعتها وتقويمها للتعرف على مدى تحقيقها لأهدافها. وتصحيح مساراتها وتطويرها بما يتلاءم والأهداف المنشودة منها، وتوجيهها وفق حركة التغيير المطلوبة.
  5. تحقيق أهـداف المجتمع المحددة بطريقة مُثلى في أقصر وقت ممكن وبأقل تكاليف وجهد.

وإذا كانت المجتمعات عامة تتبع أسلوب التخطيط لرفع مستوى الحياة اجتماعيًا واقتصاديًا وتحقيق رفاهية شعوبها، فإن المجتمعات النامية مطالبة بضرورة اتباع منهج التخطيط إذا كانت تريد حقًا أن تخرج من تخلفها، وتحقق معدلات سريعة ومنتظمة من التنمية.

وقد يعارض البعض بالقول إن النهضة الحديثة التي كانت الثورة الصناعية الكبرى التي حدثت في الغرب، بدءا من 1760م بإنجلترا ثم في فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها في القرن التاسع عشر وحتى الآن، قد قامت على أكتاف رجال الأعمال في ظل “اقتصاد السوق” Market Economy، ودون تخطيط. ولكن يجب أن نعلم أن الظروف والأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي صاحبت مراحل النمو في الدول الغربية تختلف كلية عن تلك التي تسود اليوم في الدول النامية. ويمكن حصر أوجه الخلاف وتلخيصها فيما يلي:

الاختلافات بين الدول المتقدمة والدول النامية

  1. هناك فرق كبير بين الوضع الاقتصادي الذي ساد دول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية قبل قيام الثورة الصناعية (حتى منتصف القرن 18) وبين الحالة شبه البدائية التي يتميّز بها اقتصاد كثير من الدول النامية، ولا سيما بعض الدول التي كانت مستعمرات في أفريقيا بالذات وآسيا وأمريكا اللاتينية، فتدلنا دراسة التاريخ الاقتصادي إن الدول الأوروبيـة كانت قد مارست نشـاطًا تجاريًا واسع النطاق، وكانت تسـود فيها اقتصاديات نقدية، وكانت تنتشر فيهـا الصناعات الحرفية، لذلك استطاعت هذه الدول أن تتقدم سريعًا عندما قامت الثورة الصناعية.
  2. إن الدول الغربية الصناعية قد استفادت خلال المراحل الأولى للتنمية من بقية دول العالم خاصة (مستعمراتها) حيث كانت تحصل منها عـلى ما تحتاج إليه صناعتها من مواد خام، كما كانت تستفيد منها كأسواق لتصريف منتجاتها تامة الصنع. ولعل تاريخ بريطانيا التي كانت إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس خير مثال واضح عن ذلك. أما الدول النامية فإن وضعها يختلف اليوم تمامًا، لأنها عندما تتجه إلى التصنيع مثلاً لا تجد أمامها إلا دولاً عريقة في الصناعة، لا يمكن أن تقوى على منافستها من حيث جودة الإنتاج أو انخفاض التكاليف. كما إنها لا تملك أسواقًا واسعة تبعًا لذلك. ولا تستطيع أن تحصل على المصانع ولا التكنولوجيا اللازمة لبناء نهضتها إلا من خلال الدول المتقدمة.
  3. إن طبقة المنظمين ورجال الأعمال، أو ما يسمى بالكوادر الفنية والإدارية اللازمة لتشغيل وحدات الإنتاج والخدمات وإدارتها لا وجود لها اليوم في دول العالم الثالث التي تسودها طبقتين اثنتين في اغلب الأحوال، ها طبقة الأغنياء، وطبقة الفقراء (النظام الإقطاعي). أما الطبقة المتوسطة (البرجوازية) فهي غير موجودة أو قليلة بحيث لا يمكنها الاضطلاع بمسئوليات عمليات التنمية.
  4. إن الدول الغربية قد حققت تقدمها خلال فترة طويلة حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن. ونعتقد أن الدول المتخلفة لا يمكنها الانتظار طويلاً مثلما انتظر الغرب لعدة أسباب لعل منها:

أسباب حتمية التخطيط الاجتماعي في الدول النامية

  • التقدم العلمي والتكنولوجي وما يحدثه من ثورة سريعة. بحيث لم يعد العالم بقادر على أن يتابع حركة الاختراعات والاكتشافات الجديدة. والسكوت عن ملاحقة هذه الحركة سوف يزيد من هـوة التخلف ودرجاته.
  • إن شعوب الدول النامية يعيشون في بؤس وفقر وجهل ومرض، ولا يمكن لهم أن يظلوا على هذا الحال وسط عالم مترابط بأجهزة الاتصال الحديثة والمعقدة، ووسط مبادئ تنادي بحقوق الإنسان وكرامته، “ولقد كرمنا بني آدم”.
  • إنه لا يوجد طريق آخر سوى العمل على تحقيق معدلات سريعة ومنتظمة للنمو الاقتصادي والاجتماعي في هذه الدول سوى اتباعها لأسلوب التخطيط.

إن حتمية التخطيط الاقتصادي والاجتماعي للدول النامية تبدو بوضوح عنـد دراسة فروع النشاط الاقتصادي والاجتماعي في هذه الدول.

الزراعة

فبالنسبة للزراعة مثلاً: تجدها متأخرة في معظم الدول النامية. وغلتها المحصولية ضعيفة. وغالبًا ما تتميز ملكية الأرض بسوء التوزيع مما يترتب عليه آثار سيئة في النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. هذا علاوة على استخدام الأساليب البدائية في الزراعة، وعدم إمكانية استخدام التكنولوجيا والميكنة الزراعية بسهولة. ومن الواضح أن التغلّب على هذه المشكلات الزراعية لا يمكن أن يتم إلا في إطـار خطة تهدف إلى رفع إنتاجية الأرض أفقيًا ورأسيًا ورفع معيشة المزارعين والاهتمام بصحتهم وإرشادهم وتعليمهم.

الصناعة

وبالنسبة للصناعة: نراها متخلفة جدًا في معظم الدول النامية. وغالبية العاملين في مجالها يمثلون نسبًا بسيطة للغاية من مجموع السكان. ومع ذلك فإنك تجدهم رغم قلتهم يعملون في صناعات خفيفة أو أولية بدائية كجمع الثمار والصيد وإنتاج بعض السلع الاستهلاكية البسيطة. وبالطبع تنقص فيها رءوس الأموال اللازمة للتصنيع. كما يعوزها المهندسون والفنيون والعمال المهرة. وبالتأكيد أنه لكي تحـدث هزة صناعية فلا بدّ من اتباع منهج التخطيط في مجال الصناعة حتى يمكن إقامة الصناعات الأساسية الثقيلة اللازمة لبدء الصناعات الأخرى وإعداد المهندسين والمنظمين، واستقدام الخبراء الأجانب اللازمين للمساعدة في مراحل بناء التنمية الصناعية، وفتح الأسواق الجديدة أمام السلع المحلية، وهكذا.

التجارة الخارجية

وبالنسبة للنجارة الخارجية: فنجد أن الميزان التجاري في غير صالح الدول النامية لأنها لا تصدّر إلا منتج أو اثنين على الأكثر. وغالبًا ما يتم التصدير للمنتج بشكله الأولي (كالقطن البذرة، أو الزيت الخام، أو بعض الفواكه والخضروات دون تعليبها أو حفظها). في حين تقوم هذه الدول باستيراد معظم حاجياتها الاستهلاكية والصناعية والكمالية من الدول الأكثر تقدمًا، وما يترتب على ذلك من خضوع اقتصاد الدول النامية إلى الدول المتقدمة، ووقوعها تحت تأثيرات تقلّبات الاقتصاد العالمي وأسعاره المتزايدة. وهنا تصبح الحاجة ملحة إلى وجود خطة اقتصادية تهدف إلى الحـد من استيراد السلع الكمالية التي تستنفذ جزءًا كبيرًا من حصيلة العملات الصعبة، كمـا تعمل على تشجيع الصادرات وإعادة توزيعها جغرافيًا.

الخدمات العامة

وبالنسبة للخدمات كالصحة والتعليم والإسكان وغيرها: نجدها متأخرة في الدول النامية. وتتميّز بسوء توزيع صارخ بين المدن والمناطق الريفية والبدوية. لذلك فلا بدّ من توفير خطة اجتماعية تعمل على توفير عدد كاف من المدارس والأطباء والمستشفيات إلخ. وتضمن توزيعها على أقاليم الدولة المختلفة، توزيعًا عادلاً.

رأس المال

وبالنسبة لرأس المال اللازم للتنمية: نجده ضئيل وهزيل في الدول النامية. مما يستلزم وجود خطة تضمن تكوين رأس مال مناسب عن طريق تشجيع الادخار الفردي، والقضاء على الاكتناز، والادخار السلبي، وجذب رأس المال الوطني والأجنبي للإسهام في عمليات التنمية المطلوبة، وإلى غير ذلك.

الاستقرار السياسي

يضاف إلى كل ما تقدم أن بعض الدول النامية غير متمتعة بالاستقرار السياسي. وتكثر فيها الانقلابات العسكرية والثورات نتيجة ظروفها الصعبة. وإحساس الناس بخشونة الحياة وجفافها. ونتيجة لذلك يفرحون بكل تغيير سياسي، عله يأتي بما هو أفضل. لهذا فإن نضج الشعوب النامية، وتحقيق مطالبها في حياة أفضل، وإشباع حاجاتها لن يتأتى إلا من خلال خطط اقتصادية مدروسة بعناية، وواقعية حقيقية.

بناء على كل ما تقدم يمكننا أن نؤكد أن الظروف والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تعيشها الدول النامية حاليًا تختلف من ظروف مراحل النمو التي مرت بها الدول الغربية وأمريكا. وأنه لا مفر من ضرورة اتباع الدول النامية لمنهج التخطيط كأسلوب تنظيمي وحيد يحقق لها معدلات منتظمة وسريعة في المجالات الاقتصادية أولاً والاجتماعية ثانيًا، فتخرج بهذا الأسلوب من تخلفها، وتنتهي فيهـا الدائرة المفرغة للفقر.

أنواع التخطيط الاجتماعي وتقسيماته

نقسم الخطط تقسيمات مختلفة. ويمكن أن تتنوع تبعًا للمعيار المستخدم في التفرقة بينها. وعلى أية حال فإن هناك بعض المعايير والأبعاد التي يمكن لنا الاعتماد عليها لتباين أنواع الخطط وتقسيماتها وهذه المعايير والأبعاد هي:

  • البعد الزمني
  • البعد الجغرافي
  • البعد النوعي
  • درجة الشمول
  • درجة المركزية

وفيما يلي نتناول بالدراسة والتحليل أنواع التخطيط التي يمكن أن تندرج تحت هذه المعايير الخمسة:

أولاً: تقسيم التخطيط الاجتماعي حسب البعد الزمني

أي بالنسبة للفترة الزمنية المحددة لإنجاز الخطة. ويمكن أن نميز أنـواع الخطط التالية:

  1. خطة طويلة الأجل: وعادة ما يكون مداها الزمني (۱۰ سنوات فأكثر). وغالبًا ما تكون على شكل تنبؤات عامة بما يجب أن تكون عليه الاتجاهات الرئيسية في الاقتصاد القومي كمستوى العمالة وحجمها، ورصد ميزان المدفوعات وما إلى ذلك. وتقل درجة التفصيل في هذا النوع من الخطط. وتستخدم عادة كمرشد في إعداد الخطط الأقل مدى.
  2. خطة متوسطة الأجل: ويتراوح بعـدها الزمني عادة من (۳ إلى ۷ سنوات). وتحتوي على درجة أكبر من التفصيل بالمقارنة بالخطة طويلة الأجل. وتتعرض لهيكل القطاعات واختيار المشروعات وتفصيل هيكل العمالة، إلخ.
  3. خطة سنوية: وبعدها الزمني عام مالي واحد. وترتبط هذه الخطة بالموازنة العامة للدولة. وتستلزم هذه الخطة أن تكون معدة قبل بداية السنة المالية للدولة بوقت كاف. والخطة السنوية أكثر تفصيلاً حيث أنها تتبع تنفيذ المشروعات المختلفة والتي قد يستغرق تنفيذ بعضـها أكثر من عام.

وليس من الضروري أن يكون للدولة الواحدة خططًا من الأنواع الثلاثة السابقة. فقد يُكتفى بخطة متوسطة وفي أحيان أخرى خطط سنوية فقط.

ثانيًا: تقسيم التخطيط تبعًا للبعد الجغرافي

ويمكن أن نميّز تبعًا لهذا البعد بين أنواع من الخطط هي:

على المستوى المحلي الوطني

  1. خطة قومية: أي تتضمن الدولة بجميع أجزائها الجغرافية وجميع فئات سكانها.
  2. خطة إقليمية : ويقصد بها إعداد خطة لمنطقة إدارية واحـدة بالدولة. حيث تختلف أقاليم البـلد الواحـد (التقسيمات الإدارية كالمحافظات أو الولايات أو الإمارات أو الألوية أو ما شابه ذلك) فيما بينهـا من حيث الموارد والظروف الاقتصادية والاجتماعية المختلفة. ويهدف التخطيط الإقليمي إلى تحقيق درجة من التوازن في نمو الأقاليم. ويستتبع ذلك ضرورة دراسة إمكانيات كل منها، وتخصيص أفضل الاستثمارات ملاءمة له. وبذلك يستفيد الاقتصاد الوطني بدرجة أكبر نتيجة تحقيق وفورات خارجية من كل إقليم على حدة ومزايا اقتصادية في هذه الأقاليم إلى جانب المزايا الاجتماعية المتحققة من زيادة درجة التجانس بين أقاليم الدولة الواحدة. وقد اهتمت مصر بهذا النوع من التخطيط في السنوات الماضية فبدأت تنفيذ مشروع التخطيط الإقليمي لأسوان والاستفادة من السد العالي. كما تم تقسيمها في سنة 1977 إلى ثماني أقاليم اقتصادية.
  3. خطة محلية: وهو التخطيط الذي يهتم بالوحدات الصغيرة للمجتمع كالقرية مثلاً. ويهدف إلى تحقيق الاستخدام الأمثل لموارد المجتمع المحلي، والاستفادة من مشاركة الأهالي في إعداد وتنفيذ ومتابعة الخطة.
  4. تخطيط المدن.
  5. تخطيط الريف.

وتجدر الإشارة إلى أن التخطيط الإقليمي والخطط المحلية قد تكون مستقلة عن التخطيط القومي وقد تكون ضمن إطار الخطط القومية. ومن أمثلة التخطيط الإقليمي المستقل الخطة التي وضعتها إيطاليا للنهوض بالجنوب حيث المناطق المتخلفة نسبيًا. والخطط التي وضعتها المملكة العربية السعودية للنهوض بالمشاعر المقدسة والمدن الخاصة بها لتلبية حاجات المسلمين والحجيج المتزايدة كل عام. ومن أمثلة التخطيط الإقليمي داخل إطار الخطط القومية الخطة التي وضعتها مصر لمحافظة أسوان عام 1965 على الرغم من وجود خطة قومية للتنمية.

على المستوى الدولي

ويمكن أن يتسع هذا البعد ليشمل أنواعًا أخرى من التخطيط أكثر اتساعًا من حيث المدى الجغرافي كالتخطيط لأقاليم دولية (كخطط دول الخليج مثلاً، أو كخطة دول البحر المتوسط، إلخ). أو كالتخطيط في المستوى الدولي. وعادة ما تقوم به منظمات أو هيئات تابعة لهيئة الأمم المتحدة مثل منظمة العمل الدولية، والبنك الدولي للإنشاء التعمير، وصندوق النقد الدولي، ومؤسسة الأغذية والزراعة، وهيئة الصـحة العالمية، ومنظمة اليونسكو وغيرها.

ثالثًا: أنواع التخطيط الاجتماعي تبعًا للبعد النوعي

ويمكن أن نميز أنواع التخطيط التالية تحت هذا البعد:

التخطيط الإجباري والتخطيط الاختياري

ويقصد بالتخطيط الإجباري أن تكون جميع المؤسسات والهيئات والشركات ملزمة بتنفيذ ما تقضي به الخطة من حيث حجم الاستثمار وكمية الإنتاج وأسعار السلع، وحجم العمالة، إلخ. أما التخطيط الاختياري فيتلخص في أن الدولة تقـوم بإعداد الخطة ويُترك للهيئات والشركات حرية تنفيذها. وبالطبع فإن النوع الأول نراه واضحًا في الدول الاشتراكية حيث تملك كل المؤسسات والتنظيمات، أما التخطيط الاختياري فهو لصيق بالدول الرأسمالية.

ويرى بعض الاقتصاديين إن التخطيط يلزم أن يكون إجباريًا. بينما يرى البعض الآخر أن التخطيط يمكن أن يكون اختياريًا بشرط أن تعتمـد الحكومات على توفير الحوافز والدوافع والمغريات المالية لتوجيه عناصر الإنتاج بما يتفق وأهداف الخطة.

التخطيط المادي والتخطيط المالي

ويقصد بالأول حصر جميع موارد المجتمع الطبيعية والمادية والبشرية ومحاولة استخدامها أحسن استخدام لإشباع أكبر قدر ممكن من حاجات أفراد المجتمع. أما التخطيط المـالي فيقصد به تدبير الأموال اللازمة بالعملة المحلية والأجنبية، لتنفيذ الاستثمارات الواردة في الخطة.

وتنقسم مصادر التمويل اللازمة للخطة إلى قسمين:

  1. مصادر تمويل داخلية: وهي مثل الادخار، الضرائب، القروض، التمويل التضخمي.
  2. مصادر تمويل خارجية: وهي مثل فائض الميزان التجاري (التجارة الخارجية)، رؤوس الأموال الأجنبية، المساعدات المالية والفنية من الدول المتقدمة، المساعدات من المنظمات الدولية.

التخطيط الهيكلي والتخطيط الوظيفي

ويقصد بالأول الخطط التي تهدف إلى تغيير الفلسفة الاقتصادية والاجتماعية والنظام المبني على تلك الفلسفة. ويعني ذلك أن التخطيط الهيكلي يغير في بناء المجتمع اجتماعيًا واقتصاديًا لأنه يستلزم تغيرات جذرية لإقامة هيكل اقتصادي واجتماعي جديد يغاير تمامًا الهيكل الاقتصادي والاجتماعي السابق. ويحتاج هـذا النوع من التخطيط إلى إصدار سلسلة من القوانين والتشريعات ذات الطـابع السياسي الاستراتيجي. ومن أمثلة ذلك التأميم وقوانين الضرائب، والإصلاح الزراعي، ومجانية التعليم، إلخ.

أما التخطيط الوظيفي فيقصد به محاولة ترميم البنيان الاقتصادي والاجتماعي القائم ومحاولة إصلاح بعض جوانبه دون إحداث تغييرات جوهرية للأسس الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع. وهو يستهدف كما يتضح من اسمه إحداث بعض تغييرات طفيفة في الوظائف التي يؤديها النظام الاقتصادي والاجتماعي دون المساس بالهيكل الخاص بالنظـام نفسه.

رابعًا: تقسم التخطيط الاجتماعي حسب درجة الشمول

ونميّز في هذا المعيار ثلاث أنواع من التخطيط:

  1. خطة شاملة: أي تشتمل على جميع فروع النشاط الاجتماعي والاقتصادي من إنتاج زراعي وصناعي وتجارة خارجية وخدمات. ويحتاج هذا النوع من التخطيط إلى إجراء دراسات متعددة لمعرفة طبيعة العلاقات القائمة بين فروع النشاط الاقتصادي المختلفة، ومدى ترابطها وتأثيرها في بعضها. فمثلاً إذا كانت الخطة تهدف إلى زيادة حجم الإنتاج الصناعي بنسبة معينة خلال سنوات الخطة. فلا بدّ من توفير العدد اللازم من المهندسين والمنظمين وتدريب الفنيين. ومعنى ذلك ضرورة تخصيص قدر معيّن من الاستثمارات لقطاع التعليم والتدريب. وهكذا نرى طبيعة العلاقة بين قطاع الإنتاج وقطاع الخدمات.
  2. أما الخطة الجزئية: فنعنى بها إفراد خطة لفرع معين من فروع النشاط الاقتصادي أو الاجتماعي كتخطيط الإنتاج الزراعي، أو تخطيط الإنتاج الصناعي أو تخطيط الخدمات. وفي بعض الأحيان قد يشمل التخطيط الجزئي (وقد يسمى قطاعًا) نوعًا واحدًا من أنواع النشاط التي يضمها فرع النشاط.
  3. خطة مشروع: وهي أصغر خطة لوحدة إنتاجية أو خدمية تُعد وتُنفذ على مدى فترة محددة. كإعداد وتنفيذ خطـة لمشروع محطة تسمين دواجن، مشروع إصلاح منطقة محددة من الأرض الزراعية أو مشروع إنشاء مبنى، وهكذا.

خامسًا: أنواع التخطيط حسب درجة المركزية

وينقسم التخطيط وفقًا لهذا البعد إلى خطة مركزية وأخرى لامركزية. وترجع أسس التفرقة بين النوعين إلى مقدار الأوامر التي تصدرها الهيئة التخطيطية للوحدات الاقتصادية. وأن القرارات التي تتخذها كل وحدة متعددة. فمنها ما هو بعيد الأمد ومنها ما هو يومي. ومعيار التفرقة بين التخطيط المركزي واللامركزي هو عبارة عن مقدار التعميمات والأوامر والتعليمات والتوجيهات التي تصدرها الهيئة التخطيطية إلى المشاريع المختلفة بصـورة مباشرة. فكلما قلت تلك الأوامر إلى الوحدات وتركت لها حرية اتخاذ القرارات في ضوء ظروفها المختلفة، وكلما قلت مرات رجوع الوحدات إلى الهيئة التخطيطية في كل صغيرة وكبيرة كلما كان هذا التخطيط لا مركزيًا، والعكس صحيح.

ويعتبر الاتحاد السوفييتي أول دولة مارست التخطيط المركزي في القرن العشرين. ولكنه عاد فعدل عن المركزية المتصلة وبدأت الهيئة المركزية للتخطيط (الجوسبلان) تقلل من درجة المركزية وذلك بهدف إعطاء بعض الحرية في اتخـاذ بعض القرارات للحصول على كفاءة أفضل في الأداء والإنتاج.

مبادئ التخطيط الاجتماعي

للتخطيط أيًا كان نوعه مبادئ يجب مراعاتها كقواعد أساسية في عمليات التخطيط حتى تستكمل تلك العمليات المقومات اللازمة لها، وحتى يصبح التخطيط بحق منهج أساس من مناهج التغيير الاجتماعي المرغوب. وأهم هذه المبادئ هي:

1. الواقعية

ونقصد بها اتفاق الأهداف المطلوب تحقيقها، وكذلك الوسائل والإجراءات المستخدمة للوصول إليها، مع إمكانات المجتمع وظروفه السائدة والمتوقعة.

فقد تلجأ بعض القيادات السياسية إلى طلب خطط طموحة، بدافع من طموحهم في الرغبة من تقليل الفجوة بين مجتمعاتهم، ومجتمعات أخرى متقدمة، ولكن مثل هـذا الطموح قد لا يتحقق، ويؤدي إلى فقـدان الموارد، مما يترتب عليه تكديس الاستثمارات في أوجه قد لا ينتفع بها، وربما يؤدي ذلك إلى ارتفاع في الأسعار. و”رحم الله امرئ عرف قدر نفسه”.

ولهذا يقال أن التخطيط لا بدّ أن يكون عملية قائمة على تقدير الواقع والمقبول والممكن. وليس مجرد أمنيات يعيش الناس بها زمنًا طويلاً، وربما لا تتحقق.

2. الشمول

أي تساند أجزاء الخطة، وشمولها لـكل قطاعات المجتمع المختلفة كالزراعية والصناعية والتجارية، والتعليمية، والصحية، والثقافية، والطبيعية، والإسكانية، إلخ. وكذلك شمول الخطة لكل مناطق المجتمع وتقسيماته الإدارية الجغرافية. وذلك لأن شمول قطاعات المجتمع الوظيفية لأن هذه القطاعات متداخلة ومترابطة ويؤثر كل منها في الآخر. وبالتالي فإن إحداث أي تغيير في قطاع معيّن يستلزم تغييرًا مماثلاً وربما بنفس القدر في القطاعات الأخرى وخاصة المتصلة به اتصـالاً وثيقًا. فمثلاً التوسّع في التعليم وفتح المدارس والمعاهد المختلفة يستلزم بالضرورة تغييرًا محددًا في قطاع التشييد والبناء حتى يمكن إقامة الأبنية اللازمة لدور التعليم. كما يستلزم أيضًا إيجاد مجالات جديدة للعمل يمكنها أن تمتص الأيدي العاملة التي يخرجها قطاع التعليم للمجتمع. ويستلزم ذلك تغيرات كثيرة في قطاعات الإنتاج والخدمات وهكذا.

وغني عن البيان أن الخطة ينبغي أن تتم على مستوى جميع الوحدات الجغرافية المكانية في الوطن الواحد. حتى يمكن تجنب النمو غير المتوازن للمناطق الجغرافية. ونعني بالنمو اللامتوازن وجود بعض المناطق الجغرافية في المجتمع الواحد تعاني الكثير من الضائقات والمشكلات بينما تنعم بعض المناطق الأخرى في نفس المجتمع بالتقدم والرفاهية. كما هو الحال في تخلّف القرى عن المدن مثلاً. أو تخلّف بعض الأحياء في المدينة، وتقدم بعضها.

ومما لا شك فيه أن تغطية الخطة لجميع أجـزاء المجتمع الجغرافية يساعد على حشد وتعبئة جميع فئات المجتمع ومرافقه. كما يساعد بلا جدال على تحقيق تكافؤ الفرص بين الوحدات الإدارية للمجتمع. وتحقيق العدالة الاجتماعية بين أبنائه المتساوين في أداء واجباتهم لوطنهم، وبالتالي تجب المساواة بينهم في الحقوق.

3. الاستمرارية والتجدد

معظم دول العالم – ‘ن لم تكن جميعها الآن – تأخذ بفكرة التخطيط الدائم. أي كلما أنهت خطة أيًا كان مستواها شاملاً أو جزئيًا أو حتى خطة مشروع كلما بدأت الدخول في خطة أخرى، أو جددت هذه الخطة لتنفذ في جزء آخـر من الوطن. ومن ثم فإن خاصية الاستمرار والدورية واضحة تمامًا في نظام التخطيط. فحين تنتهي الدولة مثلاً من إعداد خطة خمسية للتنمية تبدأ مرحلة جديدة من العمل في اتجاهين: الأول لمتابعة تنفيذ الخطة الموضوعة، والثاني للإعداد للخطة التالية. وفي ضوء معلومات المتابعة وما يستجد من تطورات يستمر العمل التخطيطي بلا توقف.

لهذا يمكن القول يقينًا بأنه ما أن يبـدأ العمل التخطيطي في دولة ما أو مشروع معين، فإنه لا يتوقف بعد ذلك أبدًا. فقد تقل كفاءته، أو فعاليته، أو تنخفض سرعة استجابته للظروف المتغيرة ولكنه مع ذلك يظل مستمرًا (انظر الرسم التوضيحي لعملية التخطيط).

4. اضطراد التنمية

فمنهج التخطيط ينبغي أن يعمل على كفالة تنمية مضطردة للاقتصاد الوطني. إذ من المعروف أن ارتفاع مستوى المعيشية في مجتمع ما إنما يقاس في نهاية الأمر بقدرة هذا المجتمع على استمراره في توفير السلع والخـدمات اللازمة للمواطنين. وأيضًا بقـدرة هؤلاء المواطنين على استهلاك متزايد من تلك السلع والخدمات الأساسية التي تحقق لهم المستوى المطلوب من الإشباع والرفاهية. وقطعًا إن رفع مستوى الخدمات وتوفير السلع لا يتم إلا عن طريق تكوين رؤوس الأموال، وزيادة الدخل القومي، وخاصة عن طريق إنشاء القاعدة الصناعية والزراعية القوية التي تكفل التغذية المستمرة لجهاز الإنتاج بما يحتاجه من معدات ووسائل إنتاج لتجديد الطاقات الإنتاجية أو توسيعها. وهكذا تصبح زيادة الدخل القومي واطراده وخلق القيم والمشاعر الاجتماعية المرغوب فيها والتي تساند زيادته عاملاً أساسيًا لرفع مستوى المعيشة.

ويصبح اطراد التنمية عن طريق التخطيط ضرورة لازمة لتوفير السلع والخدمات لأفراد المجتمع. ومن الضروري أن نؤكد هنا على ضرورة الاستمرار في السياسة التي تحقق الزيادة المستمرة في الدخل الوطني على مراحل وفترات متتابعة حتى يصل حجم الإنتاج إلى الدرجة التي نؤمن عليه فيها من الانكماش أو الانحدار.

5. التوازن بين برامج الإنتاج وبرامج الخدمات

يجب أن تتضمن الخطة (القومية) مشروعات للتنمية الاقتصادية إلى جانب مشروعات للخدمات العامة. ونحن هنا لا نود أن ندخل في مناظرة حول ما يجب أن يستحوذ عليه كل من برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع، ولا أيها أولى بالبدء به، لكن ما نرى تأكيده الآن هو أن أمر زيادة الإنتاج ضرورة لازمة للاستهلاك ورفع مستوى المعيشة، والوصول إلى مستوى أفضل يزداد سنة بعد سنة في مجال الخدمات. إذ أن كل زيادة في الإنتاج لا بدّ وأن تؤثر في نهاية الأمر في مستوى الرفاهية ودرجة إشباع حاجات الأفـراد.

بيد أنه من المعلوم أن الاستهلاك والخدمات تقتطع جزء من الدخـل العام. وأنه في حالة الدول النامية ذات الدخل المحـدود فلا ينبغي أن يتجاوز نصيب الاستهلاك والخـدمات نسبة معينة حتى نضمن التغذية المستمرة لجهاز الإنتاج، واستمرار نمو الدخل القومي واطراده. وهنا يرى بعض المفكرين الاجتماعيين بصدد الموازنة بين الإنتاج والخدمات، أنه إذا حسبنا ما تنفقه الدولة على الفرد الواحد في الخدمات + ما ينفقه الفرد على نفسه للحصول على المستوى المناسب من ضروريات الحيـاة لأصبح المجموع مساويًا لمتوسط الاتفاق الاستهلاكي بالنسبة للفرد. وذلك بعد أن تصل برامج الخدمات إلى أهدافها المحددة. وهذا المتوسط يجب مقارنته بمتوسط الدخل القومي بالنسبة للفرد. وهذه المقارنة ستكون هي الحكم في تحديد البرامج المختلفة ومراحل التنفيذ.

والحقيقة التي نـود تأكيدها هي أنه لا يجب أن تصـل الخـدمات والاستهلاك إلى الحد الذي يزيد عن متوسط الدخل القومي للفرد، ولا حتى إلى الحد الذي يساويه. إذ يجب أن تكون هناك نسبة من الدخـل تخصص للمشروعات الإنتاجية. كما يجب أن يكون هناك هامشًا احتياطيًا ينبغي الاحتفاظ به لمواجهة أي مطالب أخرى للأفراد.

ومهما يكن الأمر فإن توفير الخدمات الاجتماعية إلى جانب البرامج الإنتاجية أصبح من المسلمات في التخطيط الشـامل. وإنما الذي يمكن الاختلاف عليه هو طبيعة العلاقة بين الجانبين الاجتماعي والاقتصـادي ومداها ونسبة التوازن بين الخدمات والإنتاج. ومرجع هذا الخلاف إلى طبيعة الفلسفات الاجتماعية، والمذاهب الاقتصادية التي تتحرك فيهـا عمليات التغيير الاجتماعي.

6. التوافق المنطقي

وكما أن نظام التخطيط يميل إلى أن يكون في حالة توازن مستمر، كما سبق التوضيح، فإنه أيضًا ينبغي أن يعمل على إيجاد أعلى درجة من التوافق بين مكوناته الداخلية من معلومات وأفراد وأساليب وأدوات. فإذا حصل جهاز التخطيط مثلاً على حاسب آلي مع افتقاره إلى الخبراء الذين يستطيعون تشغيله اختل توازنه وكان لزامًا عليه استعادة هذا التوازن مرة أخرى إما بالتخلص من هذا الحاسب أو بالحصول على الخبراء اللازمين.

وأيضًا ينبغي أن يكون التخطيط متوازنًا مع المجتمع والمناخ العام المحيط به وتكييف نفسه بما يتوافق مع كل هذا. ولعل المثل الواضح في مصر على هذا المظهر التوازني هو اتجاه نظام التخطيط القومي إلى دعم حركة التخطيط الإقليمي استجابة لاتجاه الدولة نحو الحكم المحلي.

7. التنسيق

ويكون التنسيق على مستويين:

  1. التنسيق بين أهداف الخطة.
  2. التنسيق بين الوسائل والإجراءات والسياسات اللازمة لتنفيذ الخطة.

فمن المعروف أن لكل خطة أهـداف محددة تحاول الخطة تحقيقها. ووضوح الهدف يساعد في تحديد أنواع الأعمال والأنشطة المرغوبة. كما يسهم في توضيح الإمكانيات والمستلزمات الضرورية. من ناحية أخـرى فإن تحديد الأهداف يُتخذ أساسًا للرقابة والتقييم. إذ يعتبر الهدف معيارًا لتقييم ما تم من إنجازات، وتحديد كفاءة النشاط. ولكل خطة أهـداف بعضها طويل الأجل وبعضها قصير الأجل، كما أن هذه الأهداف (طويل الأجل وقصير الأجل) تنقسم بدورها إلى أهداف عامة ومتخصصة، وهكذا كما يتضح من الآتي:

نظام التخطيط الاجتماعي
نظام التخطيط الاجتماعي

ويستلزم تحقيق تلك الأهداف التنسيق بينها. بحيث لا تتكرر الجهود دون ما حاجة إلى ذلك، أو ربما تتداخل الأهداف إلى الحد الذي يعوق حركتها، أو تتضارب.

والتنسيق لازم أيضًا بالنسبة للوسائل والإجراءات والأدوات المطلوبة لتنفيذ الخطة وتحقيق أهدافها.

8. تقدير الظروف الخارجية

لا يصح أن تقتصر الدراسات والمعلومات المتصلة بتقدير الموقف والتنبؤ بما سيكون عليه الحال مستقبلاً بظـروف الخطة داخـل المجتمع أو المشروع. وإنما يجب تقدير الموقف الخارجي للمجتمع. فيلزم أن يوضع في الحسبان الظروف السياسية والتجارية، إلخ. إذ أن اقتصاد أي مجتمع وأنواع الخدمات قد لا يمكن أن تتوافر كلها داخليًا، وإنما ترتبط بدرجات متفاوتة بالأسواق الخارجية لتصريف المنتجات أو استيراد المـواد والآلات أو الأدوية، إلخ. أو الاستعانة بالخبرة الفنية، ولكل ما يتصل بمسائل التصدير والاستيراد، وتوازن الميزان التجاري. مما يكون له في بعض الأحيان أبلغ الأثر في أنواع المشروعات التي تتضمنها الخطة.

9. المرونة

التخطيط عمل يتعلق بالمستقبل. والتخطيط خاصـة الشـامل عملية متشابكة ومترابطة نظرًا لتشابك وترابط النشاط الإنساني. ولهذا فإن المخطط قد يتعرض لخطأ غير مقصود خصوصًا في البلاد النامية التي عادة ما تكون أجهزة البحث والإحصاء فيها غير دقيقة ودون مستوى الكفاءة المطلوبة. وتلافيًا لمثل هذه الصعوبات ينبغي أن تكون الخطة مرنة بحيث تكون عناصرها قابلة للتغيير بناءً على ما قد يحدث من مفاجآت قد يصعب التنبؤ بها.

والمرونة تعني أيضًا مرونة زمنية لمقابلة التغيرات التي تحدث في المجتمع أثناء فترة تنفيذ الخطة. كما تعني مرونة مكانية بمعنى أن تكون الخطة القومية قابلة للتنفيذ على المستويات المحلية، بإدخال بعض التعديلات الطفيفة التي تقتضيها ظروف المجتمعات المحلية. وبالمثل يمكن للخطة المحلية مراعاة أوضاع المجتمع الكبير، وتساند خطته القومية وفلسفاته الاجتماعية.

المراجع

  • كتاب: مبادئ علم الاجتماع، تأليف: دكتور أحمد رأفت عبد الجواد، كلية الآداب، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية.