الثقافة – تعريفها وتقسيمها ومميزاتها

ملخص المحتوى

الثقافة – مفهومها وتعريفها، تعريفات علماء الاجتماع لها وتقسيماتها المختلفة، مميزاتها وخصائصها، الهوّة الثقافية. ملخص من كتاب مبادئ علم الاجتماع.

مفهوم الثقافة

يجمع معظم المفكرين الاجتماعيين على أن العلوم الاجتماعية تختص بدراسة الطبيعة ما فوق العضوية Super Organic. مثلما تختص العلوم الطبيعية بدراسة البيئة غير العضوية Dis Organic، ومثلما تختص العلوم البيولوجية بدراسة البيئة العضوية (حيوان، نبات). ولا شك أن هذه الطبائع الثلاث (العضوية، غـير العضوية، ما فوق العضوية) تمثل كل الكون الذي خلقه الله سبحانه وتعالى من جميع جوانبه، وبجميع مشتملاته. وهي لكونها أجـزاء الناموس العـام للطبيعة الكونية، فإن بينها صلات، وعلاقات متبادلة. والإنسان الذي كرّمه الله، وسن له كل ما في الكون المنقسم إلى هذه الطبائع الثلاث، هو نفسه يشارك في هذه الطبائع كلها، وهو يؤثر فيها بعمله وعلمه وجهده وتعاونه مع أقرانه، ويتأثر بما فيها.

إنسانية الثقافة

وتشتد صلة الإنسان بالطبيعة العضوية لأنه يشارك فيها مع الحيوان والنبات بصفتهم كائنات حية. وهو كذلك ينفرّد بالطبيعة “فوق العضوية” لأنها البيئة الخاصة بالإنسان باعتباره كائنًا اجتماعيًا. بمعنى آخر فإن الطبيعة فوق العضوية هي بيئة الإنسـان الاجتماعية التي تشمل كل ما خلقته مهارة الإنسان وإبداعه، وما يتطلبه تطوره الثقافي والحضاري، وما يحتاجه ويلجأ إليه في مختلف وجوه نشاطه الاجتماعي. ويطلق على هذه الأمور التراث الثقافي الاجتماعي. ذلك التراث الذي يقابل التراث الطبيعي والبيولوجي.

إذن فالثقافة إنسانية، بمعنى أن الإنسان هو وحده المخلوق الذي يتميّز بأن له ثقافة. والثقافة الإنسانية هي كل ما يقوم به المرء من أعمال. وكل ما يؤمن به من اعتقادات وأفكار. وكل ما يشعر به من صور وأحاسيس. كذلك كل ما تراكم لديه من عادات وأعراف وتقاليد. وكل ما يوجه سلوكه من علوم ومعارف وقوانين. وعلى الجملة هي كل تراثه، وهي أسلوب وطريقة الإنسان في حياته.

وإذا كانت الثقافة من صنع الإنسان، ولا توجد ثقافة إلا حيثما وُجد المجتمع الإنساني، فهو ( أي الإنسان) خاضع لها ويلتزم بها. وهو يثني عليها ويمجدها ويحرص عليها. وبإمكانه أن يضيف إليها.

الفرد والمجتمع

ومما لا شك فيه أن ثقافة أي فرد تتوقف على ثقافة الفئة أو الطبقة الاجتماعية التي نشأ في كنفها. وينتمي إليها (كالأسرة، أو الفئة المهنية التي ينتمي إليها، إلخ). وأن ثقافة الفئة أو الطبقة، تتوقف على ثقافة المجتمع كله الذي تنتمي إليه تلك الفئة أو الطبقة. وبناء على ذلك فإن ثقافة المجتمع هي الأساس، الذي منه تتفرع ثقافات الفئات أو الطبقات فيه، ومن ثم تصدر ثقافة الأفراد.

ولكن لا ينبغي أن نتصور أن هناك فردًا يمكنه أن يمثل أو بالأحرى يحيط بجميع أجزاء الثقافة ومكوناتها خصوصًا في المجتمعات الحديثة المعقدة. فالثقافة الكاملة لا يمكن أن تسبغ على أحد، وذلك لتعدد وتشابك وتداخل أجزاء الثقافة الواحدة. فنحن نعلم مثلاً أن العلم بدون سلوك قويم فهو حذلقة، والسلوك المهذب بدون فكر أو تعليم يجعل من الفرد مجرد آلة. وأن القدرة الفكرية إذا جُردت من الصفات الأكثر إنسانية لا تستحق الإعجاب، إلا كما يستحق ذكاء طفل معجزة في لعبة “الشطرنج”. وأن الفنون بدون إطار فكري هي زيف وخواء.

وإذا كنا لا نجـد الثقافة إلا مترابطة ومتداخلة وأن كمالها لا يتحقق إلا بهذا التساند والتكامل الجمعي لأجزائها، فإننـا كذلك يجب ألا نتوقع في أي شخص واحد أن يكون كاملاً في جميعها (الثقافة). وإذن نستنتج أن الفرد الكامل الثقافة هو محض خيـال. ولو استطردنا في البحث عن الثقافة الكاملة، فإننا لم نجدها في الفئة أو الطبقة الاجتماعيةـ لأنها مكوّنة من أفراد غير كاملي الثقافة أيضًاـ ولكننا سنجدها بعد التحليل الدقيق في هيئة المجتمع ككل. وهذه الفكرة كثيرًا ما تغيب عن ذهن الناس. فالناس يعتبرون أنفسهم مثقفين عـلى أساس إتقانهم لفن واحد أساس، وبجانبه عدة أشياء أخرى مكمّلة له. في حين أنهم يفتقدون فنون أخرى لا حصر لها. ولكن لا يشعرون بهذه النواحي التي تعوزهم.

التخصيص

على أن الثقافة ليست هي المجتمع، وليست هي فئاته أو طبقاته المكونين من أفراده لكنها ألصق بالمجتمع من الإنسان الفرد الذي هو صانعها وتابعها. فالمجتمع كجماعة من الناس يصنعون ثقافة، ولا يستطيعون الانفصال عنها رغم أنهم صانعوها. وهذا ما أوضحه “رالف لنتون” عندما ميّز بين الفرد والمجتمع والثقافة بقوله “إن كل لفظ من هذه المتغيرات الثلاثة اسم لشيء مختلف، ولكل منها خصائصه المميزة، ودوره الخاص به في الصورة الدينامية التي تتكون من الثلاثة معًا: فالمجتمع أفراد منظمون، والثقافة طائفة منظمة من الاستجابات المكتسبة يتميز بها مجتمع معين، والفرد كائن حي قادر على الشعور والتفكير والفعـل بذاته، لكنه مقيّد في استقلاله بالمجتمع وبالثقافة الذين ينمو فيهما”.

وبطبيعة الحال فإن درجة تقدم المجتمع نحو التعقيد، والتباين الوظيفي، ترتبط ارتباطًا عكسيًا بتخصيص الثقافة. بمعنى أن المجتمع البدائي أو شبه البدائي البسيط تميل الثقافة فيه إلى العموميات، أي يتبعها كل أفراد المجتمع، ويميل أفراد هذا المجتمع البسيط إلى الإحاطة بكل أجزائها أو معظمها فهو مشارك في اقتصاد المجتمع وفي حروبه، وفي فنونه وفي آدابه وفى معارفه بالإضافة إلى عاداته وتقاليده وذلك لصغر حجم المجتمع وقيام أفراده بدور مؤسساته المتخصصة. أما في المجتمع الحديث حيث كبر حجمه، وتباين المهن، نتيجة تقسيم الأعمـال، وقيام المؤسسات والمنظمات المختلفة فيه، فإن دور الفرد والجماعات الأولية ينحصر ويتضاءل، ولا يدخل مشاركا في كل أوجه الحياة – كما كان في المجتمع البسيط – ولهذا تميل الثقافة في هذا النوع من المجتمعات الحديثة إلى “الخصوصيات” حيث ينقسم هذا المجتمع إلى آلاف من التقسيمات المهنية والطبقية والفئوية. لكل منها نمط خاص يميّزها عن الجماعات الأخرى داخل المجتمع الواحد.

وتمثل الخصوصيات جزءًا كبيرًا من ثقافات المجتمعات المتمدنة، وهي في الحقيقة عوامل مفرقة بين أجزاء المجتمع. إذ أن كل جماعة تصبح لها شخصية مستقلة بفضل تلك الخصوصيات. وعلى طرف نقيض نلاحظ أن العموميات تلعب دورًا هامًا في تماسك المجتمع وترابطه نظرًا لشمول تطبيقها.

عناصر الثقافة

تتمثل عناصر الثقافة في عدة أمور منها: اللغـة، العادات، الأعراف، التقاليد، الفنون المختلفة، العلوم والمعارف، القانون، الرأي العام، بالإضافة إلى جميع النظم التي وضعها الإنسان لتنظيم حياته في المجتمع.

تعريف الثقافة

يصعب إيجاد تعريف واحد محدد، ومتفق عليه، لهذا المصطلح البالغ الأهمية. ولهذا فسوف نستعرض بعض التعريفات التي نرى أنها تعطي صورة واضحة لمضمون الثقافة Culture.

تعريف كروبي وكلاكهون

من تعریف کروبی وکلاکهون: وهو تعريف يحظى بموافقة علماء الاجتماع في الوقت الحاضر، لأنه يعتبر صيغة تأليفية مقبولة، فالثقافة – عندهما – تتألف من أنماط، مستترة أو ظاهرة للسلوك المكتسب والمنقـول، عن طريق الرموز، فضلاً عن الإنجازات المتميزة للجماعات الإنسانية. ويتضمن ذلك الأشياء المصنوعة. ويتكون جوهر الثقافة من أفكار تقليدية وكافة القيم المتصلة بها. أما الأنساق الثقافية، تعتبر نتاج السلوك من ناحية، وتمثل الشروط الضرورية له من ناحية أخرى.

ويذكر هذان العالمان أنهما قد توصلا إلى هذا التعريف بعد أن حلّلا ما يزيد على 160 تعريفًا كتبت بالإنجليزية قدمها علماء الاجتماع، والإنثروبولوجيا، وعلم النفس، والطب النفسي وغيرهم. وتبين لهما أن هناك تعريفات اهتمت بالحصر والوصف، بينما اهتمت أخرى بالطابع النفسي، وتعريفات ثالثة تاريخية، ورابعة معيارية، وخامسة بنائية وأخيرًا تعريفات تطوّرية.

تعريف تايلور للثقافة

تعريف العالم الإنجليزي أ. ب. تايلور: “الثقافة بالمعنى الإنفوجرافي الواسع هي ذلك الكل المعقّد الذي يشتمل على: المعرفة، العقيـدة، الفن، الأخلاق، القانون، العادات، وكل المقومات الأخرى التي يكتسبها الإنسان كعضو في المجتمع.

تعريف إليوت للثقافة

تعريف ت. س. إليوت يقول: “إن الثقافة هي طريقة حيـاة شعب معيّن، يعيش معًا في مكان واحد. وهي تظهر في فنون الشعب ونظامه الاجتماعي وفي عاداته وأعرافه، وفي دينه. ولكن اجتماع هذه الأمور لا يكوّن الثقافة. وإن كنا كثيرًا ما نتكلم – للتسهيل – كما لو كان هذا صحيحًا. إن هذه الأمور ليست إلا الأجزاء التي يمكن أن تنقسم إليها “ثقافة ما” كما ينقسم جسم الإنسان بالتشريح. ولكن كما أن الإنسان أكثر من مجموع الأجزاء المختلفة المكوّنة لجسمه، فكذلك الثقافة أكثر من مجموع فنونها وأعرافها ومعتقداتها. فهذه العناصر كلها يؤثر بعضها في بعض، ولكي نفهم واحدًا منها حـق الفهم يجب أن نفهمها جميعًا.

وهناك درجات مختلفة من الثقافة، ثقافات عليا تتميّز – على العموم -بتباين الوظائف، وثقافات أقل درجات تبعًا لدرجة تقسيم العمل وتباين الوظائف في المجتمع بحيث يمكنك أن تتكلم عن طباق المجتمع الأقل ثقافة، والأكثر ثقافة، وبحيث يمكنك أن تتحدث في نهاية المطاف عن أحد الأفراد على أنه ذو ثقافة ممتازة. فثقافة الفنان أو الفيلسوف متميّزة عن ثقافة العامل الزراعي. وثقافة المهندسين أو المعلمين مختلفـة عن ثقافة السياسي. ولكنها تكون كلها في المجتمع أجزاء من ثقافة واحدة مشتركة، تميّز هذا المجتمع عن غيره من المجتمعات.

تعريف ريدمونت فيرث للثقافة

تعريف ريموند فيرث R. Firth يقول: “إذا نظرنا إلى المجتمع على أنه يمثل مجموعة أفراد، فإن الثقافة طريقتهم في الحياة. وإذا اعتبرناه مجموعة العلاقات الاجتماعية فإن الثقافة هي محتوى العلاقات. وإذا كان المجتمع علاقات متبادلة بين الأفراد والهيئات، فإن الثقافة هي المظاهر التراكمية المادية واللامادية التي يتوارثها الناس ويتناقلونها، ويستخدمونها. والثقافة محتوى فكري ينظم سلوك الإنسان. وهي من وجهة النظر السلوكية سلوك مكتسب ومتعلم، وهي علاوة على ذلك تعتبر حافزًا للأعمال والأفعال.

أهم تقسيمات الثقافة

من أشهر التقسيمات ذلك التقسيم الذي يفرّق بين نوعين من الثقافة:

  1. ثقافة مادية، وهي جميع المصنوعات التي صنعها الإنسان ليتوافق مع بيئته.
  2. ثقافة لا مادية: وهي جميع السمات الثقافية غير المحسوسة، كالمعتقدات والأفكار والقيم، والمعايير، والمهارات الفنية، واللغة. والتي يمكن أن تنتقل من جيل إلى جيل. ويفضّل بعض علماء الاجتماع قصر استخدامهم للثقافة للدلالة على هذا الجانب اللامادي فقط. بينما يميل آخرون إلى قسمة الثقافة إلى الجانبين المادي واللامادي.

ويرى بعض العلماء من أمثال “تالكوت بارسونز”، أن هـذا الفصل بين جانبي الثقافة فصل تعسّفي، ولا ينهض دليلاً مقبولاً على صحة الوقائع. فكل اختراع أو فن تكنولوجي (مادي) ما كان ليظهر لو لم يكن قد سبقه تفكير نظري فيه. كما أن الاختراع (الماديات) يمكن أن يفضي إلى أفكار ودراسات علمية لحل مشكلات الصناعة والتكنولوجيا وهكذا.

تقسيم كلارك ويسلر

ومن بين التقسيمات تقسيم كلارك ويسلر C. Wissler الذي قسمه إلى تسعة أقسام رئيسية يمكن أن نجدها لو قمنا بتحليل ثقافة أي مجتمع ما وهي:

  1. طرق التعبير: اللغات، طرق الكتابة، والحركات المعبرة.
  2. الفنون: كالنقش، والرسم، والنحت، والموسيقى، والمسرح والسينما.
  3. الموضوعات المادية وتشمل:
    1. عادات الطهي وتناول الطعام
    1. المسكن
    1. الملبس
    1. المهن والصناعات
    1. العدد والآلات
    1. الأسلحة
    1. النقل والمواصلات وطرق الاتصال الأخرى
  4. المعارف، وتشمل الميتافيزيقا والفلسفة، والعلوم، والأساطير الشعبية.
  5. الدين ويشمل: صور الطقوس، كيفية معاملة الموتى، علاج المرضى.
  6. النظم الاجتماعية وتشمل:
    1. تركيب الأسرة
    1. الميراث
    1. الضبط الاجتماعي
    1. صور الزواج
    1. المعاملات
    1. الألعاب والرياضية والتسلية
  7. الملكية ومنهـا:
    1. العينية والشخصية
    1. طرق البيع والتبادل ومقتنيات القيم
    1. التجارة الداخلية والخارجية
  8. الحكومة: ومعها النظام السياسي، القوانين والتشريعات وإجراءاتها.
  9. الحرب

تقسيمات أخرى للثقافة

ولم تكن تلك التصنيفات هي آخر الحديث عن تقسيمات الثقافة. وإنما هناك أيضًا تقسيمات أخرى يركّز كل منها على بُعد معين. فمن الممكن مثلاً تصنيف الثقافة إلى أنواع مختلفة بحيث تبدأ من أكثرها محسوسية إلى أبعدها تجريدًا كما يلي:

  1. الأشياء المادية: كالمباني، والآثار، والعِدد والأدوات المستخدمة من جانب الإنسان ليمكنه التكيف مع البيئة.
  2. الأنماط السلوكية: كالعادات والتقاليد، وكيفية استخدام الناس للأشياء المادية السابقة.
  3. الأنماط العقلية: كالاتجاهات، والعواطف، والشِعر، والموسيقى والنظافة، إلخ.
  4. النظم الاجتماعية: كالأسرة، والقانون، والملكية ونحو ذلك.
  5. الرموز: كاللغة، والرسم أو الوشم، والألعاب الرياضية.
  6. المعتقدات الدينية، والعلوم، والفلسفات، والسحر

مميزات الثقافة

يمكن في ضوء التعريفات السابقة، والتصنيفات المُشار إليها، وما تقدم في صدر استعراضنا لهذا القسم أن نستخلص الصفات الجوهرية التالية التي يمكن أن تتميّز بها الثقافة في أي مجتمع بصفة عامة:

1. أن الثقافة مكتسبة

بمعنى أن الفرد يتعلمها عن طريق التنشئة الاجتماعية منذ مولده في أسرته. ويستزيد اكتسابه لها كلما نما واتسعت دائرة معارفه واحتكاكه بالآخرين في المدرسة والنادي وجماعات الأصدقاء وجماعات المهنة أو الطبقة. وعلى ذلك فإن الثقافة ليست فطرية أو موروثة، ولكنها في جملتها نتيجة للاختراع الاجتماعي. وتنتقل من جيل إلى جيل عن طريق التعلّم سواء كان مقصودًا، أو غير مقصود.

وفي ذلك تقـول مارجريت ميد M. Mead: “إن الثقافة سلوك مكتسب تنقله جماعة من الناس كاملاً إلى أبنائهم، وينقلون جزءًا منه إلى المهاجرين إليهم من الكبار الذين يقبلون الإقامة معهم في مجتمعهم”.

2. أن الثقافة مجتمعية

  • أنها محددة لأنماط الحياة الاجتماعية في أي مجتمع.
  • رغم أن الثقافة تعمل على توفير سُبل الحياة، وتنظيم الحياة الاجتماعية بشكل يوفّر لأفراد المجتمع ما أمكن من حاجاتهم المعيشية، وطرق الحصول عليها، إلا أنها تختلف في الوسائل المؤدية إلى إشباع هذه الحاجات، وفي شكل التنظيم نفسه. فكل ثقافة مثلاً تعمل على توفير الأكل وطرق الحصول عليه للناس إلا أن ثقافة مجتمع ما تعتمد على الزراعة في ذلك. بينما تعتمد ثقافة مجتمع آخر على الاستيراد. وكذلك الحال في طريقة إعداد الطعام في كل ثقافة حيث نلاحظ اختلافها من مجتمع إلى آخر، وهكذا.
  • تتأثر ثقافة كل مجتمع، بالخبرات والظروف البيئية (الجغرافية والطبيعية والبيولوجية) وكذلك بالأوضاع الاجتماعية المحيطة بالمجتمع. فثقافة البدوي مخالفة لثقافة الحضري، وثقافة مجتمع آخر كالقرية غير تلك الخاصة بمجتمع الصناعة وهكذا.
  • رغم أن كل مجتمع يجتهد في الحفاظ على ثقافته المميّزة له، فإن الثقـافة عرضة للتغير بفضل ما تضيفه إليها الأجيال الجديدة من خبرات وأدوات وقيم ومصطلحات لفظية وغيرها. هذا وتختلف سرعة تغيّرها من مجتمع إلى آخـر.
  • أن الثقافة إنسانية: أي خاصة به ومن صنعه، وهو حفيظ عليها.
  • تنتشر الثقافات، وتنتقل من مجتمع إلى آخر عن طريق وسائل الاتصال المختلفة وعن طريق الغزو أو الاحتكاك الثقافي كما يحدث في حالة الإيفاد للتعليم، والابتعاث لدول أجنبية لاكتساب علوم أو مهارات فنية جديدة أو في استيراد الكتب والمجلات العلمية أو عن طريق الاستعمار بأشكاله المتعددة.

3. أن طبيعتها كلية

  • الثقافة أكبر من مجموع أجزائها: فهي لا تدرك عن طريق تشريحها إلى عناصرها بحيث تفهم جزءًا جزءًا أو عنصرًا عنصرًا، وإنما هي كل متماسك لا يمكن فهمها إلا جملة. وهي بذلك أشبه بجسم الكائن الحي لو شرح إلى أجزاء، لما أمكن فهم طبيعته الحية، وكيفية تلاحم هذه الأجزاء وأدائها لوظائفها بطريقة تنم عن حياة متكاملة فيها “روح حية” لا يمكن إدراكها بعد التشريح وعزل الأجزاء من تركيبتها الإلهية.
  • اللغة كوسيلة للاتصال الرمزي تعتبر أساسًا هامًا من مكونات أي ثقافة. كما أنها عاملاً هاما يعمل على تراكم التراث الثقافي وزيادته، وإمكان انتقاله من جيل إلى آخر داخل المجتمع، ومن مجتمع إلى آخر. وهي في الوقت ذاته أساس هام في عملية التنشئة الاجتماعية.

بمعنى أن ثقافة المجتمع هي أساس ثقافة الجماعات. وأن ثقافة الجماعات هي أساس ثقافة الأفراد (كما سبق التوضيح). وليس معنى ذلك أن كل عناصر الثقافة لا بدّ وأن يتبعها كل أفراد المجتمع، بل هناك ثقافات تتبعها فئات أو جماعات معينة في المجتمع بينما لا تطبقها جماعات أخرى. وما يقال عن الجمـاعات يمكن أن يقال عن الأفراد. بمعنى أن بعض الأفراد في المجتمع يمكنهم أن يجدوا فرصًا لاختيار بعض العناصر أو السمات يتبعونها أو لا يتبعونها. ولتوضيح ذلك فإنه يمكن القول بأن الثقافة يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام تبعًا للفرد، والجماعة، والمجتمع وهي:

المتغيرات

وتعني أمر ما، أو موقف معين، يمكن الوصول إلى تحقيقه من خلال عدة طرق مختلفة. لكن كل منها يوصل إلى نفس الأمر. وللفـرد الحرية في أن يختار السلوك الذي يتفق مع ميوله وظروفه الخاصة. فمثلاً: يستطيع المسلم في المجتمع العربي أن يختار بين زوجة واحدة أو زوجتين أو ثلاث أو أربع في إطار شروط معينة. ويستطيع الفرد أن يتعلم المهنـة التي تناسب ميوله فهو يستطيع أن يكون طبيبًا، أو مهندسًا أو تاجرًا أو نجارًا أو صانعًا ما أو زارعًا. إلى غير ذلك من المهن. وهنا يجب أن نلاحظ أن الفرد وإن كان له الحق في اختيار نمط السلوك الخاص به، إلا أن هذا الحق ليس مطلقًا، وإنما له حدود معيّنة تصفها ثقافة المجتمع، وتحـدد إطارها. وتمثل المتغيرات الجانب الأكبر من أنماط السلوك لأي ثقافة.

الخصوصيات

وهي تمثل جزءًا ليس بالقليل من ثقافات المجتمعات المتمدّنة. وهي في الحقيقة عوامل مفرقة – كما سبق التوضيح – بين أجزاء المجتمع. إذ أنها تسبغ شخصية خاصة على كل جماعة أو فئة داخل المجتمع الواحد. إذ يوجد بفضلها أنماط خاصة من السلوك تميّز كل جماعة عن غيرها. فهناك مثلاً: جماعات الطلبة، جماعات الأطباء، جماعات المهندسين، جماعات العمال، جماعات المحاسبين، والصيادلة، والمعلمين، والضباط، والفلاحين، إلخ. وبطبيعة الحال كلما زاد حجم المجتمع، زادت درجة تعقّد العلاقات الاجتماعية فيه، كلما كثرت التقسيمات الفرعية في داخل المجتمع. ويؤدى ذلك إلى تفكك المجتمع، وعدم ترابط جماعاته لكثرتها وتباعد أهدافها ومصالحها الخاصة.

وربما كان انقسام المجتمع المتمدّن الكبير إلى فئات وطبقات مهنية واجتماعية وثقافية واقتصادية وتعليمية مختلفة لدرجة أن سكان المنزل الواحد في المدينة قد لا يعرفون بعضهم البعض رغم معيشتهم لعدة سنوات متجاورين ومتقاربين في ذلك المنزل. ربما كان هـذا الحال من ضعف الروابط الاجتماعية، وتفككها ما حدا ببعض المفكرين إلى التحذير من مغبة تمزق الروابط الاجتماعية، وتحوّلها إلى روابط ثانوية ونفعية خصوصًا مع التحوّلات والتغيرات الواسعة التي تطرأ على شكل المجتمعات بفضل عوامل التغير الاجتماعي والثقافي وأهمها التقدم العلمي والتكنولوجي وارتباط تقدم الصناعة بنشأة المدن وازدهارها مما يجعلها مناطق جذب شديد، تغري الكثيرين من السكان في القطاعات غير الحضرية بالهجرة إليها لأسباب عديدة. ومعنى ذلك بوضوح في رأي هؤلاء المفكرين أن المجتمعات الإنسانية بصفة عامة تقبل وستقبل في المستقبل مع زيادة نموها وكبرها، ونمو القطاعات الحضرية بها، على أنماط سلوكية مفككة للعلاقات الاجتماعية. وذلك لأن جزءًا كبيرًا من ثقافة تلك المجتمعـات المتمدّنة تدخل في الخصوصيات.

وحدة الدين

وتأسيسًا على ذلك حاول بعض هؤلاء المفكرين أن يجدوا وسيلة تحفظ للمجتمع تماسكه، وتعيد إليه وحدته فيقول إليوت بصدد حديثه عن وحدة الثقافة الأوروبية: “إن القوة الرئيسية في خلق ثقافة مشتركة بين فئات اجتماعية، أو بين شعوب لكل منها ثقافته المتميزة، هي الدين”.

وبالتأكيد فإن الدين في أي مجتمع هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يجمع كل فئات المجتمع على هدف واحد وعقيدة واحـدة. فمثلاً الدين الإسلامي في المجتمعات التي تدين به يعتبر وعاءً هامًا ووحيدًا، تختفي فيه كل عوامل التفرقة والتجزئة والانقسامات الفئوية والطبقية. فلا فرق بين غني أو فقير، ولا بين شريف أو حقير إلا بالتقوى. والجميع أمام شريعة هذا الدين سواء. والدين فوق كل هذا هو الإطار الروحي الذي يريح الناس من مفاسد الماديات، فيقرب بينهم، ويحضّهم على التكافل والتقارب بين ذوي الرحم وصلات النسب وبين الجيران. وتأسيسًا على ذلك فإن الدين – ولا شيء غيره – يمكن أن ينهض مجمعًا لفرقاء المجتمع، وأن يمسك عليه روابطـه الاجتماعية قوية بين أفراده وجماعاته.

العموميات

وهي العناصر الثقافيـة التي يتبعها كل أفراد المجتمع ويعاقب كل من يخالفها ومن أمثلتها: القوانين، ومنع زواج المحارم، والقواعد الدينية خصوصًا في المجتمعات التي تطبق شرائع أديان معينة.

4. أنها متعددة الجوانب ومتنوعة المضمون

  • أن لها جانبان: مادية (الصناعة والتكنولوجيا) وغير مادية تتمثل في العلاقات الاجتماعية المتمثلة بين الإنسان بالإنسان، أو المتمثلة في علاقة الإنسان بالروحانيات والغيبيات والرموز.
  • أنها متنوعة المضمون: فقد نجد تنوعًا في مضمون الثقافات قد يصـل إلى حد التناقض: فقد نجد أن أنماط السلوك التي يتبعها مجتمع ما ويعتقد أنها الفضيلة بعينها، قد تعتبر جريمة في مجتمع آخر يعاقب عليها قانونه.
  • الثقافة متشابه الكل: اذا كانت الثقافة متنوعة في مضمونها لدرجة التناقض – كما أسلفنا – فإن الإطار الخارجي لجميع الثقافات واحـد ومتشابه، مهما اختلفت الثقافات في سلم التقدم الحضاري، ففي كل ثقافة نجد أشكالاً ثقافية واحـدة مثل نظام العائلة، اللغـة، الدين، الفنون، النظم الاجتماعية المختلفة، إلخ. والتشابه هنا ينصب على الشكل العام الخارجي للثقافات.
  • أنها تراكمية: أي عملية نمو الثقافة وتطوّرها من جيل إلى جيل حتى تصل إلى شكلها الحاضر.

الهوّة الثقافية

يرجع الفضل إلى وليم أودبرن W. F. Dgburn في إدخال مصطلح الهوّة الثقافية Cultural Lag إلى علم الاجتماع حين طبقه على المجتمعات الغربية التي تتطوّر فيها أجزاء الثقافة المادية بسرعة تفوق معدلات تطور الثقافة اللامادية.

ويعني هذا المصطلح تغيّر في بعض جوانب الثقافة بمعدلات أسرع من تغير الجوانب الأخرى. فيحدث تخلّف لبعض العناصر الثقافية نتيجة عدم توازن عمليات تغيّر الثقافة، نتيجة لاختلاف معدلات السرعة في التغير. وذلك مثلاً كما يحدث بالنسبة لسبق التنمية الاقتصادية مع تخلّف التنمية الاجتماعية. وهنا يصدق المثل القائل “شبع بعد جوع”.

وقد تظهر بعض المشكلات الاجتماعية المرتبطة بالتفكك الاجتماعي الذي يظهـر نتيجة التخلف الثقافي أو التقاعس الثقافي كما يسمى في بعض الأحيان.

وهكذا يتضح لنا أن الثقافة كل متكامل ومعقّد تشتمل على عناصر مختلفة منها اللغة، الدين، العادات، التقاليد، الفنون، القانون وبقية النظم الاجتماعية الأخرى. وأنها شيء يميّز كل مجتمع عن الآخر، لأنها طريقة الحياة الخاصة بسكان كل مجتمع. وأنها مجتمعة في أساسها، ولو أن هناك قدرًا لحرية الفرد في اختيار نمط الثقافة الخاص به. أيضًا وأن هناك ثقافة “خصوصيات” خاصة بكل فئة أو طبقـة داخل المجتمع الواحد. ويزداد هذا اللون من الثقافة في المجتمعات الأكثر تمدنًا والأكبر حجمًا. وأن الثقافة رغم اختلاف مضمونها من مجتمع لآخر، فهي متشابهة في مظهرها الخارجي في كل الثقافات المجتمعية.

المراجع

  • كتاب: مبادئ علم الاجتماع، تأليف: دكتور أحمد رأفت عبد الجواد، كلية الآداب، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية.