التغير الاجتماعي – مفهومه وأنواعه ومعوقاته

مفهوم التغير الاجتماعي

تتصف المجتمعات الإنسانية، سواء كانت بدائية أو نامية أو متقدمة أو غير ذلك من الصفات، بأنها في تغيّر دائم. فالتغيّر هو سمة الحياة الاجتماعية، وآثاره واضحة في كل شيء حولنا. فالنظم الاجتماعية، والمعارف والعلوم، والعادات والتقاليد وأنماط السلوك كلها يصيبها التحوّل والتغيّر. ومهما حاولت أي قوة أن تبقي تلك الأوضاع على حالها دون أن يصيبها التغيّر، ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً. فالتغير الاجتماعي يعني أساسًا تلك العمليات من التحوّلات والتطوّر والتقدم والنمو الذي يحدث في المجتمع وتنظيمه الاجتماعي. وقد يحدث في بناء المجتمع، أو في وظائف هذا البناء أو فيهما معًا.

حقًا إن معدل التغيّر قد يختلف من مجتمع إلى آخـر في اتجاهه أو معدله، فإذا كان المجتمع سريع التغيّر فهو مجتمع ديناميكي، وإذا كان التغيّر يحدث بمعدلات بطيئة نسبيًا، فيوصف المجتمع بأنه “ستاتيكي”. وكلما كانت درجة التغيّر أكبر تكيفًا، كلما كانت درجة المستوى الثقافي للمجتمع أكثر تقدمًا.

ولا شك أن للتغيّر آثاره الاجتماعية الواضحة، وغير المحدودة، أيًا كانت معدلات هذا التغيّر. فآثاره تمتد لتشمل كل نشاط الحياة الاجتماعية، وما تنطوي عليه من علاقات ومؤسسات وروابط من الناحيتين البنائية والوظيفية. فيمكننا أن نلمس مثلاً التغيّر الذي يحدث لمجتمع ما نتيجة تغيير نظامه التعليمي أو الاقتصادي أو غيرهما. فإن آثار هذا التغير تمتد إلى الأسرة، وإلى النظام الإداري، والنظام السياسي، والقيم الأخلاقية والصحية وما إليها، وذلك لأن ظواهر المجتمع ونظمه متماسكة ومترابطة ومتداخلة ومتكاملة في بنائها التركيبي والوظيفي. فإذا أصاب التغيّر عنصرًا واحدًا أو جانبًا واحدًا من جوانب الحياة الاجتماعية لا بدّ وأن ينعكس ذلك على باقي العناصر والجوانب الأخرى بدرجات متفاوتة.

التغير الاجتماعي والتغير الثقافي

ينظر بعض المختصين للتغير الاجتماعي على أنه تغير ثقافي. ويطلق البعض مصطلح التغير الاجتماعي الثقافي على التغير وذلك باعتبار أن الحركة الدافعة لعملية التغير تكون عادة التغير الثقافي. بمعنى استحداث سمة ثقافية أو مركب ثقافيين جديدين. وإما لأن التغير الثقافي الكامل قد يطلق سلسلة من التغييرات الاجتماعية بحيث يهيئ كل تغير اجتماعي فيها إلى تغير اجتماعي آخر وهكذا.

ويمكن القول بأن التغير الاجتماعي جزء من تغير أوسع وأشمل هو التغير الثقافي. لأن الأول يتضمن تغيرًا في بناء المجتمع ووظائفه. أما الثاني فيشمل كل أنواع التغير في نظم المجتمع (البناء والوظيفة). وكذلك التغيرات التي تحدث في العلم والفلسفة، الفنون الجميلة، التكنولوجيا، إلخ.

التغير الاجتماعي عند بعض علماء الاجتماع

شغل موضوع التغير عقول المفكرين الاجتماعيين القدامى والمحدثين. وإن كان هناك اختلاف كبير بين هؤلاء القدامى والمحدثين، سواء في الغرض من دراسة التغير أو في طريقة البحث. فمن ناحية الغرض: كان القدماء يتجهون إلى البحث عن أحسن وسيلة تحقق السعادة، وتقيم مجتمعات مثالية، ومدنًا فاضلة (أفلاطون، أرسطو، الفارابي). وكانت طريقة هؤلاء القدماء تعتمد على التأمل والخيال الفلسفي. وأما المحدثون فقد اتجهوا إلى دراسة حقائق التغيير كما هي لا كما يجب أن تكون. لأنهم أدركوا أن التغير لا يسير وفق إرادة الإنسان مهما بلغ من القوة والعزم. وإنما وفقًا لقوانين ثابتة مثل باقي الظواهر. ولكنهم مع ذلك يؤكدون أهمية التدخل لإزالة معوقات التغير، ومن أجل تغيير شكل العلاقات الاجتماعية. واتجه المحدثون في دراستهم للتغير إلى الدراسات العلمية الوصفية المنظمة. وسوف نشير الى آراء بعض العلماء في التغير الاجتماعي.

ابن خلدون

وهو من أول المفكرين الذين أدركوا حقائق التغير التي تلحق بالمجتمعات عندما حلّل حياة البدو والحضر. وكشف ابن خلدون عن التغير الذي يلحق المجتمع البدوي إذا زادت فيه خصائص الحضارة. وحين انتبه إلى أهمية دراسة الظواهر الاجتماعية في حالتي الثبات والتغير.

أوجست كونت

فقد قسم كونت علم الاجتماع إلى فرعين: فرع يدرس التغير الاجتماعي “الديناميك” وفرع آخر يدرس نظم المجتمع في حالة ثباتها “الإستاتيك”، وجعل موضوع الفرع الأول دراسة الاجتماع الإنساني من ناحية تطوره وانتقاله في كلية من حال لآخر. وجـعل موضوع الفرع الثاني دراسة الاجتماع الإنساني من ناحية استقراره وثباته.

وبعد النتائج التي طرحتها الثورة الفرنسية في المجـال السياسي، والثورة الصناعية في إنجلترا، أصبح البحث عن نظرية للتغير الاجتماعي والكشف عن قوانين الحركة والتغير في المجتمعات يمثل النقاط المحورية في اهتمام علم اجتماع القرن التاسع عشر. كمـا كان ظهـور المجتمع الرأسمالي والحركات الثورية الاجتماعية التي صاحبته كالنمو الحضري وتطور الاتجاه الصناعي وتنقل الأفراد والأفكار والجماعات هو الدافع الأساسي للتحليل السيسيولوجي للتغير.

كارل ماركس

تتسم نظريته في التغير بالطابع الثوري. حيث أكدت أن نظام الإنتاج هو العنصر الأساسي في المجتمع، “البناء التحتي”. والذي تقوم فوقه وعلى أساسه النظم الأخرى السياسية والدينيـة والأسرية والتعليمية، التي تكون “بناءات فوقية”. وكلما تقدمت وسائل التكنولوجيا، سنحت الفرصة لاستخدام نظم جديدة للإنتاج، مما يؤدي إلى إقدام طبقات جديدة على اغتصاب بعض السلطة أو القوة السياسية والاقتصادية من الطبقات الحاكمة الموجودة. وعلى ذلك يرى ماركس أن تاريخ المجتمعات ما هو إلا تاريخ النضال الطبقي.

ماكس فيبر: فقد اتخذ من نظرية ماركس نقطة البدء في دراسـة للتغير الاجتماعي تذهب إلى أن تطور البرجوازية الغربية قد سبقه بالضرورة ظهور المذهب “الكالفيني” (نسبة للفيلسوف المسيحي حنا كالفن Calvin الذي نادي بأن قدر الإنسان محتوم ولا حيلة له في تغييره). وأن نظرية ماركس قد ذهبت إلى أن البرجوازية النامية تحاول باستمرار اغتنام الفرصة المواتية لتراكم رأس المال، وما يترتب على ذلك من تعاظم طبقة البروليتاريا المعدمة. وقد قبلها فيبر إلا أنه رأى أن الشروط المادية رغم أهميتها إلا أنها غير كافية. فيجب أن يكون معها أخلاقيات ومعنويات على نحو ما بيّن في كتابه “الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية”.

أصحاب النظريات التطورية

وهم الذين رأوا أن المجتمعات تمر بأدوار تطوّرية ارتقائية. ويمكن أن تذكر منهم: هربرت سينسر الذي تصور تطور المجتمع على أنه انتقال من مجتمع بسيط وصغير في بنائه ووظائفه إلى مجتمع يتسم بالتباين والاختلافات على نطاق واسع (المجتمع المركّب). وصاغ في ذلك نظريته عن التطور فوق العضوي. وكذلك داروين صاحب نظرية “أصل الأنواع”. ومنهم أيضًا لويس مورجان عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي الذي صاغ نظرية تطورية لنمو الثقافة خلال مراحل ثلاثة هي: مرحلة الوحشية ومرحلة البربرية، ثم مرحلة الحضارة أو المدنية.

ومع مطلع القرن العشرين تركّزت الجهود حول دراسات أكثر تعمقًا وتفصيلاً لموضوع التغير الاجتماعي للكشف عن حقيقته وأسبابه ومعدلاته. وتمت دراسات مختلفة لمجتمعات محلية، ولنظم معيّنة استخدم فيها المنهج العلمي من ملاحظة، ومسح، وقياس، إلخ. ومع ذلك فلا يوجد حتى الآن نظرية واحـدة أمكن الاتفاق عليها بين المفكرين الاجتماعيين. بل توجد نظريات عديدة، تهتم كل منها بمظاهر ونتائج معيّنة ومحددة للتغير الاجتماعي.

ويعزى الفضل إلى وليم أوجيرن W. Ogburn في انتشار مصطلح التغير الاجتماعي، وتخليصه من المصطلحات الغامضة التي أطلقت عليه “كالتقدم” والتطور وغيرهما عندما نشر كتابه “التغير الاجتماعي” وميّز فيه بين نوعين من الثقافة (ثقافة مادية وثقافة لامادية) وأن سبق أو تأخر أي نوع منهما من الآخر يؤدي إلى ما أسماء بالتخلف الثقافي Cultural Lag.

الملامح الرئيسية للتغير الاجتماعي

على أنه يمكن تلخيص الملامح الرئيسية للتغير الاجتماعي في المجتمع المعاصر على النحو التالي:

  1. أن التغير الاجتماعي ظاهرة موجودة، وتحدث في كل المجتمعات وفي كل الأوقات، وفي كل الثقافات بوضوح واستمرار. ولا يمكن إيقاف التغير بأية وسائل.
  2. أن أية ناحية من نواحي التغير، تؤثر في النواحي الأخرى. وأن التغير الاجتماعي يؤثر على الفرد كما يؤثر على نظم المجتمع. ومعنى ذلك انه ليست هناك ناحية واحدة من الحياة بمنأى عن توقع حدوث التغير فيها.
  3. لا يمكن عزل التغيرات من حيث الزمان أو المكان خصوصًا بعد تعدد وسائل الاتصال وتقدمها. لأنها تحدث في سلسلة متعاقبة ومتصلة الحلقات (تغير تلقائي). كما قد تحدث بشكل أقل على شكل تغيرات مقصـودة ومخطط لها تؤدي إلى الإسراع بخطى التغيير والتحكم في توجيهه مما يؤدي إلى إعادة البناء.
  4. أن نتائج التغيرات المعاصرة يمكن أن تنتشر بسرعة وتنتقل إلى أي مكان مؤثرة فيه. وأن أسباب هذه التغيرات متعددة، ويصعب رد التغير إلى سبب بعينه.
  5. أن علاج المشكلات الناجمة عن التغييرات الاجتماعية يصعب علاجها بدون إحداث تغيّر آخر مقصود.
  6. أن حجم التغيرات الاجتماعية المعاصرة، سواء أكانت مقصودة ومخطط لها، أو كانت تلقائية أي تمثل نتائج ترتيب على التجديدات والاختراعات الحديثة، أكبر بكثير من التغيرات التي كانت تحدث من قبل. ولعل نظرة متأنية لحجم وسرعة التغيرات التي حدثت في النصف قرن الأخير، ربما تصل أو تفوق في حجمها وسرعتها أضعاف إنجازات التغيرات التي حدثت عبر عشرات القرون السابقة.
  7. أن نطـاق التكنولوجيا المادية والاستراتيجيات الاجتماعية قد ازداد واتسع وسيظل يزداد ويتسع مفضيًا إلى نتائج وآثار تراكمية.
  8. أن هناك عدة مستويات للتغير الاجتماعي. فهناك تغير على المستوى الفردي، وتغير على مستوى المجتمع المحلى، وتغير على مستوى المجتمع القومي، وتغير على المستوى الدولي أو العالمي. ولعل التغير على المستوى الفردي أسهل ملاحظة ودراسة وعلاجًا من المستويات الأخرى.

التغير الاجتماعي والتطور والتقدم والتنمية

استخدم بعض المفكرين الاجتماعيين قبل هذا القرن العشرين بعضًا من هذه المصطلحات للتدليل على تغير المجتمعات الإنسانية، مثلما استخدم أوجست كونت نظريته في التقدم التي لخصها في قانون الأدوار الثلاثة التي قطعتها البشرية في أدوار تطورية ارتقائية من الدور الثيولوجي اللاهوائي إلى الدور الميتافيزيقي وأخيرًا الوصول إلى دور العلم الوضعي. وكذلك استخدام هربرت سبنسر لمصطلح التطور بهذا المعنى. إلا أن التقدم عنده ليس ارتقائيًا بصفة مطلقة، ولكنه يتوقف عند نقطة يأخذ بعدها في التراجع والضعف حتى الفناء (نظريته التي تنطوي على حقيقتين أساسيتين هما:

  1. النشوء والارتقاء.
  2. الاضمحلال والفناء مثلما يحدث للكائن الحي.

واستخدم أوجبرن لفظ التغير الاجتماعي. أما مصطلح النمو فقد استخدم بطريقة مختلفة تمامًا في معظم الكتابات السيسيولوجية الحديثة. فما هو الفرق بين هذه المصطلحات؟

التغير

اصطلاح التغيّر Change يدل على نوع من التغيّر أو التحوّل المستمر في الحركة. وقد يكون حركة التغير إلى الأمام أو إلى الخلف، إلى أعلى أو إلى أسفل. ارتقاء وتقدمًا، أو نكوصًا وتخلفًا. ذلك أن المجتمعات قد تشهد ارتقاء في جانب، وتأخر في جانب آخر، وليس هناك تقدم أو تحسن مضطرد أو مطلق، بل هناك تحوّل وتغيّر. وقد يكون هذا التغير تلقائيًا وقد يكون مخططًا، بطيئًا في سرعته، أو ثوريًا جذريًا وسريعًا. والتغير الاجتماعي جزء من التغير الثقافي (وبعض المفكرين لا يفرقون بينهما) لأن الأول – كما ذكرنا – يحدث في النظم والعلاقات الاجتماعية بينما يشمل الثاني كل فروع الثقافة من علوم وفنون وآداب وفلسفة ونظم، وقوانين، وعلاقات، إلخ.

التقدم

التقدم Progress هو تحوّل تدريجي نحو الأحسن. أي أنه تغيّر يتجه إلى الأمام دومًا. والتقدم هو كل عمل ناجح يساعد الإنسان على حفزه للعمل في حرية وتعاون من أجل تحقيق هدف مشترك هو رقي المجتمع. وبالطبع لا يحدث ذلك إلا بسيطرة الإنسان على بيئته واستخراج مواردها واستغلالها استغلالاً أمثل. وكل مرحلة تتم في هذا المضمار يعتبر تقدمًا. والتقدم مسألة نسبية ترتبط بالزمان والمكان. ولهذا يصعب إخضاعها لمقياس موحّد. فقد تضع بعض المجتمعات في ظروف ما مقياسًا معنويًا روحيًا للتقدم، وقـد تضع في ظروف أخرى مقياسًا ماديًا. وما يعتبر تقدمًا اليوم في مجتمع ما، قد يكون تخلفًا في مجتمع آخر. فالتقدم بهذا المعنى لا وجود له إلا كحكم تقييمي شخصي، وأنه كقيمة يتوقف على وجهة نظر الملاحظ له.

ويضيف هرتسلر Hertzler أن التقدم يحدث نتيجة توافر عدة عوامل هي: التعقل والمعرفة، العلم والاختراع، الأفراد الخارقون للعادة، البرامج الإرشادية الهادفة للمثاليات، التنشئة الاجتماعية، الرأي العام المستنير، الحكومات الصالحة، الديموقراطية.

التطور

التطور Evolution هو الحالة الطبيعية للجماعة الإنسانية. حقيقة قد يكون التطـور في جماعة أوضح منها في جماعة أخرى، لكن المؤكد أنه لا يخلو مجتمع من التطـور. والتطور يشبه التغيّر من حيث أنه قد يكون تقدمًا ارتقائيًا، وقد يكون تقهقرًا وضعفًا. والتطور يختلف عن التغيّر من حيث أن الأول يتم تدريجيًا وفق مراحل معينة دون تدخل أو تخطيط مقصود. بينما التغيّر قد يكون مثل التطور تلقائيًا، وقـد يتم عن طريق التخطيط، مما يجعله يخرج عن تلقائيته ويصبح مرسومًا ومقصودًا.

النمو

النمو Growth هو تحوّل إلى الزيادة عن طريق الإضافة. فنمو الطفل مثلاً هو زيادة سنوات عمره، ونمو المدنية هو إضافة سكان ومباني ومساحة إليها. فالنمو هو تغيّر ارتقائي تقدمي عن طريق التطور التدريجي التلقائي. أما إذا حـدث تدخل للإسراع بعمليات النمو أصبح النمو تنمية Development.

أنواع التغير الاجتماعي

يمكن أن نميز عدة أنواع للتغير الاجتماعي كالاتي:

1. التغير الاجتماعي التلقائي

وهو التغير الذي يسير سيرًا طبيعيًا دون ما تدخل لقوى خارجية تسرع بهذا التغير أو تؤخّر حركته. ومن أمثلته في حياتنا الاجتماعية التغير الذي طرأ على شكل الأسرة من أسرة كبيرة أو ممتـدة إلى أسرة زواجية. وتطور الحياة الاقتصادية من الإنتاج البدائي البسيط (لغرض الاستهلاك) إلى الإنتاج الصناعي الضخم. ومن نظام المقايضة والمبادلة إلى نظام المصارف والبنوك وهكذا.

2. التغير الاجتماعي الرجعي

وهو التغير الذي يحدث في اتجاه نكوصي، فتسـوء الحالة، وتتدهور. ومن أمثلته تدهور حالة الدول التي يصيبها الحـرب بالتمزق والتفكك. أو تعرض بعض المجتمعات للأزمات السياسية أو الهزات الاقتصادية، أو لكوارث طبيعية كالأوبئة والزلازل، إلخ.

3. التغير الارتقائي المقصود

وهو تغير إلى الأمام وإلى الأفضل. وهو بهدف إلى تحقيق أغراض مخطط لها تخطيطًا علميًا، قائمًا على الدراسة الموضوعية، والبحث العلمي. ومن أمثلته تقدّم وارتقاء العلوم والمعارف والتكنولوجيا. فمما لا شك فيه أن العلم في تقدم وكل يوم تثبت البحـوث والتجارب المزيد من ارتقائه وتقدمه. فلو أخذنا جانبًا علميًا واحدًا كوسائل المواصلات للاحظنا تقدمها. فقديمًا كانت الفيل والبغال والحمير، فالعجلات التي تجرها الحيوانات والمراكب الشراعية البسيطة إلى أن دخل الإنسان عصر البخار وصنع القاطرة والسيارة وبعدها الطائرة وأخيرًا سفن الفضاء.

4. التغير الاجتماعي الجذري

وهو التغير الذي يتم عن طريق ثورة شاملة تطيح بمعظم النظم القائمة، وتضع بدلاً منها نظمًا مستحدثة تمثل إما تقدمًا وتحسنًا في الأوضاع الاجتماعية وإما تدهورًا ونكوصًا. ويتميز هـذا النوع من التغير بالقوة والعنف والسرعة في الإنجاز.

5. التغير الاجتماعي الجزئي

قد يكون التغير جزئيًا. وهو التغير الذي يتناول مجالات معينة تتصل ببعض النواحي السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية. ويدخل في هذا النوع من التغير، التغيرات التي تصيب أوضاع بعض الظواهر الاجتماعية من حيث الدرجة Degree، والشدة Tension. فمثلاً قد يحدث تغير في علاقة اجتماعية كالتنافس، فقد تزيد درجته فيصبح صراعًا أو تخف شدته فيصبح تعاونًا. وقد يحدث تغيّر في ظاهرة التكافل الاجتماعي فقد تسود وتزداد، فيقل تبعًا لذلك أسباب الحسد الاجتماعي ويسـود المجتمع عواطف الخير والحب والمشاركات الوجدانية. وقد تقل ولا يعبأ الأغنياء بالفقراء، فيزداد الحسد، وقد يتحول إلى توتر ينذر باندلاع ثورة داخلية طبقية وهكذا.

عوامل التغير الاجتماعي

هناك عوامل كثيرة تُحدث التغيرات الاجتماعية. وسنشير هنا إلى أهم العوامل التي تسبب التغير، وتكسبه صفة الدوام في المجتمعات الإنسانية:

1. العوامل الطبيعية

فالطبيعة لها أثرها الملموس في إحداث التغير. فكل ما تجود به الطبيعة على الإنسان من خيراتها أو قساوتها يدفع بالمجتمع إلى التعديل والتكيف، ويؤثر على كل مجالات العمل والحياة. لقد كان الإنسان قديمًا يقف عاجزًا أمام الطبيعة، ولكن بتقدم العلوم والتكنولوجيا أصبح الآن يتحداها ويسخرها لمعيشته وكل أغراضه. وكلما أقبل الإنسان على الطبيعة وحوّر في شكلها ازدادت استفادته منها. فحفر بئر في صحراء كفيل بأن يحيل تلك البقعة إلى مكان محبب للإقامة والحياة. واكتشاف بئر بترولية قد يغيّر كثيرًا من أوضاع الناس وظروفهم المختلفة. والحصول على مناجم غنية بالمعادن، إلخ. كل ذلك يُحدث تغيرًا تلقائيًا في المنطقة، ويؤدي إلى أنماط جديدة في حياة الأفراد، أي تغير اجتماعي.

ولماذا نذهب بعيدًا، إن اكتشاف البترول في بلد كالمملكة العربية السعودية مثلاً قد أحدث آثارًا على جميع جنبات الحياة في ذلك البلد الشقيق وأصبحت المملكة تمثل ثقلاً اقتصاديًا وسياسيًا بالغ الأهمية، لا بالنسبة للمنطقة وحدها وإنما في العالم أجمع.

وكما يحدث التغير نتيجة كرم الطبيعة وجودها بما عليها أو في بطنها من خيرات، فإنها يمكن أن تُحدث التغير نتيجة ضراوتها. فكم من زلازل دمرت مدنًا زاهرة، وكم عواصف وأعاصير سُخّرت على أقوام فأبادتهم. وكم من أمطار تحوّلت إلى سيول جرفت أمامها النبت والبيت والحيوان والإنسان. وكل هذا من العوامل المسببة للتغير الاجتماعي. لأن الحياة تنحسر عن تلك البقاع، وقد يهجرها ساكنوها إلى بيئة أخرى، ليواجهوا ظروفًا جديدة تستلزم تغيرًا في نوع أعمالهم، وطرق تفكيرهم.

2. العوامل السكانية

ونقصد بها الهيكل السكاني لأي مجتمع من حيث:

  1. حجم السكان.
  2. توزيعهم على مساحة ما.
  3. خصائص السكان.

ولا شك أن لهذه الجوانب الثلاث أهميتها من حيث رفاهية المجتمع وتقدمه أو من حيث تخلفه وتأخره. فكثرة السكان في مجتمع قد تكون مصدر هيبته في القتال والحروب وقد تكون عبئًا على موارده إن كانت محدودة. وكثافة السكان في مكان ما تُحدث الكثير من التغيرات الاجتماعية في نمط المساكن والمرافق والتماسك الاجتماعي. ويدخل في توزيع السكان مسألة الهجرة سواء كانت هجرة طبيعية أو تهجيرًا وما تُحدثه الهجرة بنوعيها من تغيرات سواء في المجتمع المهاجر منه أو في المجتمعات المهاجر إليها.

أما عن خصائص السكان التي يقصد بها الديموغرافيون تركيبهم من حيث السن، والنوع، والزواج، والمهنة، والتعليم، والدخل، إلخ، فهي أيضا لها دورها في زيادة السكان أو نقصهم، وما يرتبط بذلك من آثار اجتماعية واقتصادية وسياسية لها أهميتها في إحداث التغيرات الاجتماعية.

3. العوامل الأيديولوجية

ارتبط الفكر ارتباطًا وثيقًا ينظم المجتمع، وبناء هيئاته ومؤسساته. فكلما حدث تغير للفكر، كلما حدث تغير للأنظمة الاجتماعية – غالبًا – والتاريخ حافل بالشواهد. فالفكر الذي جاء به الدين الإسلامي مثلًا قد أحدث تطورًا وتقدمًا ليس في الجزيرة العربية فحسب وإنما في جميع أنحاء العالم.

والأيديولوجية هي قوة فكرية تعمل على تطوير النماذج الاجتماعية الواقعية، وفقًا لسياسة متكاملة، تتخذ أساليبًا وأشكالا هادفة، وتساندها عادة تبريرات اجتماعية، أو نظريات فلسفية، أو أحكام عقائدية، أو أفكار تقليدية. ومن هنـا ترتبط الأيديولوجية بالحركة الاجتماعية. فهي ليست مجرد مجموعة أفكار ومعتقدات واتجاهات يؤمن بها جمع من الناس سواء كان هذا الجمع أمة من الأمم، أو طبقـة اجتماعية، أو مذهبًا من المذاهب، أو حزبًا من الأحزاب، أو مهنة من المهن، وإنما هي حركة فكرية هادفة لها فعالية إيجابية في البنية الاجتماعية وفي العلاقات الاجتماعية وتنعكس روحها على التنشئة الاجتماعية بما يحدث من تغيرات في قيم الجماعة وفي النظرة إلى الطبقات الاجتماعية، وكذلك الحال فيما يتصل بالعمليات الاجتماعية.

ولا شك أن انتشار التيارات الفكرية المتعددة، والمذاهب الاجتماعية المختلفة، والأديان ورسالاتها تؤدى إلى أوضاع وتشريعات ونظم جديدة، وإلى تحديد لعلاقة الفرد بغيره، وبالجماعات التي ينتمي إليها، وبالمؤسسات التي يتفاعل معها. ومن هنا تكون الأفكار الجديدة والآراء المستحدثة عاملاً محركًا لكثير من التغيرات في المجتمع. وتصبح الأيديولوجية بحق قوة فكرية قاهرة، تعمل على تطوير النماذج الاجتماعية الواقعية وفقًا لسياسة وأهداف محددة.

4. العوامل الثقافية

ويُقصد بها الاتجاهات الأخلاقية والعادات والتقاليد والأعراف التي تمثل قوالب الفكر السائد ونمط العمل. وقد ذهب بعض الاجتماعيين (فيبر) إلى اعتبار العوامل الثقافية أساس التغيرات الأخرى كالاقتصادية والتكنولوجية وما ينشأ عنها من تغيرات اجتماعية.

والثقافة تؤثر في وسائل الإنتاج ونوعه، وفي طرق الاستهلاك وفقًا لعادتنا ومعتقداتنا. ويختلف تقبّل الناس لعناصر الثقافة (المادي واللامادي) باختلاف طبقات المجتمع وفئاته، حيث ثبت أن الطبقات الفقيرة في المجتمع تميل إلى تقبل الأشياء المادية بسرعة تفوق الطبقات الغنية. بينما تميل الطبقات الغنية إلى تقبل الأشياء اللامادية (الأنماط الثقافية والسلوكية) بسرعة أكبر جدًا من الطبقـات الفقيرة، وذلك بسبب حرصها على تدعيم هيبتها ومكانتها الاجتماعية لسلوك معين يميزها عن الطبقات الدنيا.

وبطبيعة الحال فإن الاحتكاك الثقافي والانتشار الثقافي وزيادة فاعليتهما بفضل تقدم وسائل الاتصال المتعددة والمتقدمة أدى إلى تغيير كثير من أفكار الأفراد في المجتمعات خصوصًا إذا تبني هذه الأفكار قيادات لها تأثيرها، وتنتشر بواسطتهم عن طريق التقليد حتى تصبح جزءًا من ثقافتهم المجتمعية.

5. العوامل الاقتصادية

ويقصد بها أشكال النظم الاقتصادية وأثرها في الإنتاج والتوزيع والاستهلاك. والظواهر الاقتصادية السابقة ما هي إلا ظواهر اجتماعية (علم الاجتماع الاقتصادي). ومما هو معروف عن تلك الظواهر أنها متداخلة ومترابطة ويؤثر كل منها في الآخر. وتأسيسًا على ذلك فإن العوامل الاقتصادية تؤثر على سائر الظواهر الاجتماعية. فنلاحظ مثلاً نشأة بعض المدن لارتباطها ببعض الصناعات، أو لأنها سوق هامة، أو لاكتشاف بعض المواد الخام التي يؤدي استخراجها إلى إيجاد انتعاش اقتصادي يسمح بقيام مجتمع دائم.

ولا شك أن الوفرة الاقتصادية تؤدي إلى تغييرات في نواحي الحياة الأخرى من إنشاء للخدمات والمرافق، ومن توفير الإسكان المناسب والمواصلات الميسرة، وطرق الحياة الأكثر رفاهية. ويرتبط ازدهار الفنون والآداب والعلوم بالاقتصاد لما تتطلبه من ثروة معينة لكي تزدهر. وأثر العوامل الاقتصادية في التغيرات الاجتماعية حقيقة لا يقارفها شك إذا ما تأملنا لبعض الأقطار النفطية وكيف تغيرت معالم الحيـاة في كثير منها.

6. العوامل السياسية

لا يستطيع أحد أن ينكر دور السلطة والتكوين السياسي والقيادة والدبلوماسية إلى جانب الروح المعنوية للشعب في عمليات التغير والإعداد له والمساعدة فيه.

فالحكومة الصالحة، والحاكم العادل الديموقراطي يجران مجتمعاتهما إلى تغير محمود ومقبول في جميع الجوانب، سواء كانت مادية أو لا مادية. فالحكومات الرشيدة تسهر لتوفير الأمن والأمان لمواطنيها، فلا تسمح بتجاوز أو ظلم، وتنشر التعليم، وتقرب الفوارق بين الناس عن طريق تثبيت أسس التكافل الاجتماعي، أو فرض قوانين عادلة للضرائب أو إعادة توزيع الملكيات، إلى غير ذلك حسب النظـام السياسي الذي تقيمه الدولة. ولا شك أن عمل الحكومة والنظام السياسي في أي دولة يمتد ليغطي كل جنبات الحياة خصوصًا إذا اتبعت نظام التخطيط الشامل أو الجزئي للإسراع بخطى التغير، للوصول إلى الأهداف المنشودة في أسرع وقت ممكن.

7. الحروب

يمكن اعتبار الحروب من عوامل التغير الاجتماعي. فقد تُحدث الحروب دمارًا يصيب العمران فيحيله إلى خراب، ويفتك بالإنسان فيفنيه أو يعيقه ويشوهه. وقـد ييتم أطفالاً، ويرمل نساءً، مما يترتب عليه هجرات أو تهجير لها ما لها وعليها ما عليها. ويترتب على الحروب أيضًا خلل في تركيب السكان خصوصًا من حيث النوع والسن والزواج والمواليد والوفيات. وأخيرًا قد يترتب على الحرب تمزيق لرقعة الدولة باحتلالها أو باحتلال جزء من أراضيها ناهيك عن سباق التسليح، وما يرتبط به من فقر اقتصاد الدولة وضعفه.

8. القادة

للقادة دور كبير في إحداث التغير الاجتماعي في كل المجتمعات، سواء كانت تلك المجتمعات محلية أو قومية، وسواء كان هؤلاء القادة شعبيين أو رسميين. وبطبيعة الحال يزداد دورهم خطورة كلما كانوا في مراكز السلطة والحكم، وكلما كانوا وطنيين محبوبين من شعوبهم.

9. العوامل الفنية (التكنولوجية)

التكنولوجيا هي وسائل الصناعة الحديثة، والتقدم الآلي، وكل ما ابتكره الإنسان من أجل إشباع حاجاته، وكل ما أوجده في مجال التطبيق العملي للعلوم. فاختراع أي وسيلة من وسائل إشباع الحاجات الجديدة لها أثرها الكبير على التغير الاجتماعي. فالسيارة مثلا أحدثت اتصالا للبيئات المعزولة، ووسّعت دائرة العلاقات نتيجة كثرة التنقل من مكان إلى آخر، واتسعت المدن، وارتفع مستوى المعيشة لبعض الناس. وكان لكل ذلك أثره رد فعل في بناء العلاقات الاجتماعية ووظائفها.

ولو ألقينا نظرة على التغيرات التي أصابت المجتمع الأوربي إثر عصر النهضة الصناعية لوجدنا أن أثر تلك الثورة الصناعية قد امتد ليشمل النظم السياسية، ومناهج التعليم، والاقتصاد، والأسرة، وأوجد كيانات اجتماعية جديدة لم تكن معروفة من قبل كالنقابات العمالية والمهنية، وأنهى كثيرًا من الصناعات البدوية. وكان لكل اختراع جديد كالراديو والتليفزيون والفيديو، والمحركات (سيارات، قطارات، طائرات، بواخر، سفن فضاء) أثره في العلاقات الاجتماعية.

وقد شمل التغير كثيرًا من الاتجاهات والتقاليد والمعتقدات. وانقلبت أوضاع اجتماعية كما حدث لوضع المرأة ومكانتها، وحدث حراك اجتماعي سريع. ونمت المدن الصناعية وجذبت الكثير من أهل الريف، وإلى غير ذلك من ملامح التغير الاجتماعي الثقافي.

معوقات التغير الاجتماعي

من الممكن أن يقابل التغير الاجتماعي بعقبات تقلل من سرعته أو توقفه لفترة من الزمن. فقد يحدث مثلاً أن يظهر اختراع، أو يُبتكر جهاز ولا يُقبل عليه الناس، بل يقاومونه بشتى الطرق. فعندما ظهرت السيارة قاومها رجال المال ومربيي الخيول لاقتناعهم بأنه لا يوجد شيء يمكن أن يحل محل الحصان من حيث سرعته، وقوته، وتمكنّه من السير في طرق ضيقة أو غير ممهدة. وإلى الآن لا زال البعض يقاوم اختراع الطائرات ويرفض ركوبها بحجة مخاطرها. ولم يكن الأمر بالنسبة للميادين الفكرية إلا بأصعب وأشـد مقاومة. فالدعوة إلى تعليم البنات أو تشغيل المرأة لا زالت تلاقي في بعض المجتمعات مقاومة عنيفة. وتعرضت رسالات الله نفسه جل وعلا لمقاومة شديدة من الأقوام التي نزلت عليهم. وقوبل أنبياء الله ورسله بمختلف أنواع الاضطهاد والتعسف والعناد، حتى من قبل أن تتبيّن الأقوام من مقدار الفائدة من تلك الدعوات السامية.

وهذا شيء طبيعي في ناقوس الحياة، نقولها لكل مصلح اجتماعي، قد يغضب من مقاومته أو يضيق صدره مما يصادفه من عقبات. لأن في كل مجتمع بعض الفئات التي لا تطمئن إلى التغير، أو لا ترتاح إليه لما في ذلك من إقلاق على مصالحها أو قضاء عليها نهائيًا.

وعلى أي حال فإن دراستنا لعوائق التغير، سوف تزيد فهمنا لعملية التغير ذاتها. لهذا سنشير الى أهم العوامل الأساسية المعوقة للتغير الاجتماعي والثقافي بصفة عامة فيما يلي.

1. ركود الاختراعات وندرة الإبداع

الاختراع هو كل شيء مُستحدث لا في مجال الصناعة والتكنولوجيا الفنية فحسب وإنما في مجالات العلوم والفنون والنظم الاجتماعية. ومن المعلوم أن الاختراعات توجد حيث يتوفر المناخ المساعد. فأهل الأماكن المعزولة جغرافيًا مثلاً يعيشون بنفس الطريقة التي كان يعيش عليها أجدادهم بسبب عدم توافر الاختراعات، وبسبب العزلة التي تحول دون وصولها، وبسبب عدم توافر المفكرين والعلماء، وخامات الصناعة، الخ. وحتى لو أمكن أن يصلهم اختراع فإنه من الصعب أن ينتشر بسرعة.

ولو حللنا جميع الظروف التي تتصل بالاختراع والقدرة عليه وجد أنها:

  1. توافر الإمكانات المادية.
  2. الحاجة إلى الاختراع. فقديمًا قيل الحاجة أم الاختراع، بمعنى أن المجتمع إذا أحس بحاجة ماسة إلى اختراع لكان ذلك دافعًا رئيسيًا للتفكير في هـذا الاختراع الذي يشبع هذه الحاجة. ولكن مجرد الإحساس بالحاجة إلى الاختراع لا تكفي لتحقيق الاختراع وظهوره حقيقة.
  3. القدرة على تنفيذ الابتكار: إذ لا يكفي مجرد التفكير بالحاجة، والإحساس بها إلى وجودها. فكم من أمم تحس وطأة مشكلاتها ولديها أفكارها، ولكنها تعاني منها الويلات، فالخبرة الفنية والقدرة العلمية والعقلية شيء أساسي لإيجاد الابتكارات الملاحظة أو المحسوسة من الأفكار والتمنيات أو بمعنى آخر فإن المقدرة العقلية والعلمية مطلب أساسي للابتكارات والاختراعات. ولهذا يرى “أوجبرن” Ogburn أن المثل الذي سبق ذكره “الحاجة أم الاختراع” يتضمن نصف الحقيقة فقط، ومن الأصح أن نقول “أن الثقافة أم الاختراع”، لأن العقل الإنساني لا يستطيع الوصول إلى أشياء كثيرة ذات معنى، إذا كان الوسط الثقافي متخلفًا.

ويمكن أن نعدد من عوامل تعويق ظهور الاختراعات الكثير مثل: عدم تقدير المخترعين ومكافأتهم أو عـدم حفظ براءات الاختراع، وعدم انتشار التعليم العالي المتخصص، وعدم إنشاء مراكز للبحوث، سواء العلمية أم الاجتماعية، وعدم الاستقرار السياسي، إلخ.

2. إعراض المجتمع عن تقبل الاختراعات

إن عدم توافر العوامل المساعدة على الاختراع، تفسر لنا ندرة المخترعات في العصور ما قبل الحديثة. كما أن توافر هذه العوامل في الدول الصناعية المتقدمة أدى إلى تسميتها بهذا الاسم. وفيما يلي نستطيع أن نورد أهم الأسباب التي تؤدى إلى عدم انتشار المخترعات في بعض الجماعات، وقد أرجعها أوجبرن إلى:

  1. صعوبة تغيير العادات المتأصلة في الأفراد والجماعات.
  2. ارتفاع التكاليف الاقتصادية للاختراع، بما لا يسمح للجماعة بإمكانية تقبله واقتنائه.
  3. الخوف من التغيير، ومن الشيء الجديد الذي لم يُجرب بعد.
  4. الخلخلات والاهتزازات الخطيرة التي ربما تحدث نتيجة لبعض الابتكارات.
  5. الحقوق المكتسبة، وإمكان تعرضها للسحب أو التخفيض.
  6. عزلة المجتمع الجغرافية والثقافية.
  7. الضيق بأوجه النقص في بدء ظهور الاختراعات.
  8. عدم التجانس في تركيب المجتمع.
  9. الضغوط الاستعمارية، إذ قد يحـول الاستعمار دون تغير مستعمراته قدمًا للأمام.
  10. الجهل وارتفاع نسبة الأمية.

ومع ذلك يمكن أن يخطئ من ينادي بمحاربة كل قديم، والجري وراء كل جديد سواء في عالم المخترعات (المادية) أو في عالم الابتكارات (اللامادية بالذات). فالفضائل الدينية، والمثل العليا التي جاءت بها الأديان السماوية الراقية وخاصـة خاتمتها الإسلام تعتبر قمة التطور الاجتماعي الارتقائي رغم مرور أكثر من أربعة عشر قرنًا على نزوله وظهوره.

المراجع

  • كتاب: مبادئ علم الاجتماع، تأليف: دكتور أحمد رأفت عبد الجواد، كلية الآداب، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية.