الرئيسية » العلوم القانونية » التحكيم » التحكيم – تعريفه وطبيعته ونطاقه وآثاره وأنواعه والدفع به

التحكيم – تعريفه وطبيعته ونطاقه وآثاره وأنواعه والدفع به

آخر تحديث: نوفمبر 14, 2020

الملخص

تعريف التحكيم وتمييزه عما يشتبه به كالصلح والوكالة والخبرة، من حيث طبيعته ونطاقه وآثاره وأنواعه، التَحكيم الاختياري والإجباري – التَحكيم بالقضاء والتحكيم مع التفويض بالصلح – التَحكيم الحر والمؤسسي – التَحكيم الوطني والدولي ومعايير التفرقة بينهما – المعيار الجغرافي والمعيار الاقتصادي، والدفع بوجود اتفاق التحكيم.

تعريف التحكيم

1. في اللغة

التحكيم في اللغة هو التفويض، يقال حاكمه إلى الحاكم أي دعاه.

وحكّمت الرجل أي فوضت إليه.

وحكمه في الأمر أي أمره أن يحكم فاحتكم.

والحكم (بفتح الحاء) وحكّمه في ماله تحكيمًا إذا جعل إليه الحكم فيه فاحتكم عليه في ذلك.

والاسم الأحكومة والحكومة، ومن اختاره الطرفان للتحاكم إليه يسمى حكمًا.

2. اصطلاحًا

في مجال الشريعة الإسلامية عرّف الفقهاء التحكيم بتعريفات كثيرة منها:

  • أنه تولية الخصمين حاكمًا يحكم بينهما.
  • وعرفه البعض أنه اختيار الخصمين شخصًا غير قاضي للحكم بينهما فيما تنازعا فيه.
  • وقيل أنه يُقصد به أن يحكم اثنان أو أكثر آخر بينهم ليقضي النزاع ويطبق حكم الشرع.

وقد ثبتت مشروعية التَحكيم بالكتاب والسنة والإجماع.

3. في مجال الفقه القانوني

قد عرفه البعض بأنه نظام قانوني يتم بواسطته الفصل بحكم ملزم في نزاع قانوني بين طرفين أو أكثر بوساطة شخص أو أشخاص من الغير يستمدون مهمتهم من اتفاق أطراف النزاع. وعرفه البعض الآخر بأنه اتفاق الأطراف على اختيار شخص أو أكثر يفصل فيما يثور مستقبلا أو يثور فعلا بينهم من نزاعات، بحكم ملزم دون المحكمة المختصة.

فالتحكيم في حقيقته ليس اتفاقًا محضًا ولا قضاء محضًا، وإنما هو نظام يمر عبر مراحل متعددة، يلبس في كل منها لباسًا خاصًا وتنحو طابعًا مختلفًا.

فهو في أوله اتفاق وفي وسطه إجراء، وفي آخره حكم، وينبغي مراعاة هذه الصور عند تعيين القانون الواجب التطبيق.

والتحكيم بالمعنى الاصطلاحي الذي تعرفه النظم القانونية وتعني بتنظيمه يضم بين دفتي معنيين معًا.

فهو في الحقيقة يتمثل في متوالية الأعمال، تبدأ بعمل من المتنازعين يتمثل في اختيار طرف محايد يوكلان إليه مهمة الفصل في نزاعهما وتراضيهما مقدمًا على النزول عندما يراه هذا الطرف حلا قانونيًا أو عادلا له، ويتواصل بقبول هذا الطرف للمهمة التي انتدب لها وتحريه لوقائع النزاع ولقواعد القانون أو العدالة الواجبة التطبيق عليه، وينتهي بحكم منه يجسد القانون أو العدالة بشأنه، مثله في ذلك مثل الحكم القضائي.

وعلى هذا النحو يجب أن يتضمن تعريف التَحكيم مجمل العمليات التي يتألف منها، يستوي بعد ذلك أن نبدأ التعريف من العملية التي تمثل نتيجته النهائية، وهي عمل المحكّم، مسندين إياه إلى العمل الذي تبدأ به، وهو اتفاق الطرفين على طرح نزاعهما على المحكم الذي يختارانه، أو نبدأ من هذا الاتفاق ذاته متبعين إياه بالعمل الصادر من المحكم. ولذلك فقد يكون من الأوفق تعريفه كما انتهى إليه البعض بأنه مجمل الأعمال أو العمليات التي تستهدف الفصل في نزاع من منازعات القانون الدولي الخاص، بمقتضى اتفاق بين المعنيين به، عن طريق قضاة خاصين مختارين من قبلهم، لا معينين من قبل القانون.

تمييز التحكيـم عما يشتبه به

قد يتشابه التَحكيم مع غيره كالصلح والوكالة والخبرة، إلاّ أنه يختلف عنهم في طبيعته ونطاقه وآثاره.

التحكيم والصلح

وجه الشبه بين التَحكيم والصلح يكمن في وجود عقد بين المتنازعين وكل منهما يؤدي إلى إنهاء النزاع.

إلاّ أنهما يختلفان، فالصلح عقد يتم بين أطراف النزاع أنفسهم، أو بين من يمثلونهم، يقومون بمقتضاه بحسم خلافاتهم عن طريق نزول كل منهم عن بعض ما يتمسك به بينما في التَحكيم يكون محل العقد هو الالتزام بعدم طرح النزاع على المحكمة المختصة بنظره واختيار محكم للفصل فيه. فالتحكيم أشد خطورة من الصلح لأن التجاوز عن الحق في الصلح معلوم قبل تمامه.

بينما في التَحكيم تتعذر معرفة ما قد يمكن أن يحكم به المحكم.

التحكيم والوكالة

الوكيل يستمد سلطانه من الموكل ويملك التنصل من عمل الوكيل إذا خرج عن حدود وكالته.

ولا يقوم الوكيل – كقاعدة عامة – إلاّ بما يمكن أن يقوم به الموكل.

أما المحكم بمجرد قبوله المهمة تصبح له صفة القاضي ويكون مستقلا عن الأطراف، ولا يتمكن الخصوم من التدخل في عمله، بل أن حكمه في النزاع يُفرض عليهم.

هذا وقد يتفق الطرفان في اتفاق التحكيم على أن يكون لكل طرف تعيين حكمه.

ويكون تعيين واختيار المحكم المرجح (الحكم الثالث) لذات الطرفين أو لمحكميهما أو لشخص آخر، ففي مثل هذه الأحوال يكون محكم الخصم بمثابة مدافع عنه (وكيل بالخصومة) وتكون هذه الصفة الغالبة له، ومع ذلك يظل له من الناحية القانونية وصفه كمحكم وليس كوكيل بالخصومة. وهذا ما يعرف في بعض الأنظمة القانونية بالمحكمين غير الحياديين كنظام التحكيم الأمريكي، وتكون هيئة التَحكيم الثلاثية هي في حقيقتها محكم فرد باعتبار أن المحكم المرجح هو المحكم الحيادي الوحيد داخل هيئة التحكيم.

التحكيم والخبرة

يختلف التحيكم عن الخبرة، فالمحكم يقوم بوظيفة القضاء بالفصل في النزاع المعروض عليه بحكم ملزم. بينما الخبير لا يُكلف إلاّ بمجرد إبداء الرأي فيما يُطرح عليه من مسائل، ورأيه لا يُلزم الخصوم كما لا يُلزم القاضي أو المحكم، فالمحكم يصدر حكمًا ويتقيد بالأوضاع والمهل والإجراءات المقررة باتفاق التحكيم أو المقررة في القانون الإجرائي الواجب التطبيق، بينما الخبير يكتب تقريرًا ولا يتقيد إلاّ بالإجراءات والمواعيد المقررة في قانون الإثبات.

وقد يدق في بعض الأحيان تحديد حقيقة المقصود من المهمة الملقاة على عاتق شخص معين، وما إذا كانت هي مهمة تحكيم أو خبرة، والعبرة في تكييف الوضع بحقيقة المقصود من المهمة وليس بالألفاظ التي يُصاغ بها المطلوب من الشخص. فإذا قرر الخصوم مواقتهم على الأخذ برأي أشخاص معينين يُستشارون فيما يُرفع إليهم من نزاع فإن الأمر يعتبر تحكيمًا وليس بخبرة، ويعتبر محكمًا الذي يكلفه الخصوم بحسم نزاع بينهم ولو وصفه هؤلاء بكونه خبيرًا، ولا يعتبر محكمًا الشخص الذي يكلفه الخصوم أو القاضي بتقدير قيمة الخسائر في حادثة ما، ولا يجوز الالتجاء إليه عند حصول نزاع بين الطرفين في هذا الصدد ولو وصف بأنه محكم.

أنواع التحكيم ومعايير التفرقة بينها

تتعدد أنواع التحكيم حيث يوجد ما يسمى بالتحكيم الاختياري والتحكيم الإجباري وذلك بالنظر إلى مبدأ سلطان الإرادة.

كما يوجد ما يسمى بالتَحكيم بالقضاء والتحكيم مع التفويض بالصلح وذلك بالنظر إلى طبيعة الاتفاق.

وهناك التحكيم الحر (ADHOC) والتَحكيم المؤسسي أو المنظم (بالإنجليزية: INSTITUTIONAL)، وذلك بالنظر إلى القواعد الإرائية المتفق عليها.

كما يوجد ما يسمى بالتَحكيم الوطني والتحكيم الدولي وذلك بالنظر إلى جنسية الخصوم وطبيعة العقد.

أنواع التحكيم الاختياري والإجباري

التحكيم الاختياري

التحكيم الاختياري هو التَحكيم الذي يلجأ إليه أطرف النزاع بإرادتهم الحرة.

وهذا النوع من أنواع التحكيم هو طريق استثنائي لفض المنازعات قوامه الخروج على طرق التقاضي العادية وسلبًا لاختصاص جهات القضاء.

وتقتصر ولاية هيئة التحكيم على نظر موضوع النزاع الذي تنصرف إليه إرادة المحكمين.

فالتحكيم الاختياري يعتبر نظامًا بديلا عن القضاء فلا يجتمعان، ذلك بأن مقتضاه عزل المحاكم جميعها عن نظر المسائل التي انصب عليها، استثناء من أصل خضوعها لولايتها، وعلى تقدير أن المحكمين يستمدون ولايتهم عند الفصل فيها إما من اتفاق يكون سابقًا على قيام النزاع أو لاحقًا لوجوده.

وعلى ذلك فإن قضاء هيئة تحكيم في أي نزاع دون الاستناد في ذلك إلى اتفاق تحكيم يكون منطويًا بالضرورة على إخلال بحق التقاضي بحرمان ذوي الشأن من اللجوء إلى قاضيهم الطبيعي بغير طريق الاتفاق الإرادي على ذلك، كما ينطوي في نفس الوقت على الافتائات على اختصاص السلطة القضائية صاحبة الولاية العامة دون سند مشروع بالمخالفة للنظام العام.

التحكيم الإجباري

ينظم القانون أحيانًا أنواعًا أخرى من التَحكيم يسمى في بعض الدول بالتحكيم الإجباري وفي بعض الدول الأخرى يسمى بالتحكيم الإلزامي أو التَحكيم القضائي. ويجب على الأطراف الالتجاء إليه دون غيره لحل المنازعات المتعلقة بروابط قانونية معينة ولا تسري أحكام التحكيم الاختياري على التَحكيم الإجباري الذي يفرضه المشرع قسرًا على الأطراف بموجب نصوص آمرة بالنسبة لمنازعات محددة مراعاة لظروفها الخاصة إلاّ فيما يناسب طبيعته الخاصة وفيما لم يرد بشأنه نص خاص.

وهذا النوع من التَحكيم الإجباري كان متبعًا في الدول الاشتراكية وبعض دول العالم الثالث كوسيلة قليلة الكلفة نسبيًا لفض منازعات الدولة وعادة ما يرد هذا التنظيم في قانون خاص ينص على هيئة تحكيم لها ولاية النظر في المنازعات الناشئة عن تطبيق هذا القانون ويحدد الإجراءات الواجبة الاتباع أمامها فيلتزم الأطرف بالالتجاء إليها بدلا من الالتجاء إلى القضاء العام.

والتحكيم الإجباري أو القضائي ليس فيه من التَحكيم إلاّ اسمه، فالتحكيم مجموعة حريات من حرية نزع اختصاص المحاكم، إلى حرية احتيار المحكم، إلى حرية اختيار القانون المطبق، إلى حرية اختيار إجراءات التحكيم ومكان التحكيم… إلخ. وهذه الحريات جميعها لا تتوافر فيما يسمى بالتحكيم الإجباري باستثناء حرية كل طرف في اختيار محكمًا عنه ويعين وزير العدل رئيس هيئة التحكيم من القضاة.

أنواع التحكيم بالقضاء والتحكيم مع التفويض بالصلح

تعرف غالبية الأنظمة القانونية نوعين من التَحكيم، يختلفان من حيث سلطة المحكم، هما:

  1. التحكيم بالقضاء وهو ما يعرف بالتحكيم العادي
  2. التحكيم مع التفويض بالصلح (بالفرنسية: Ex aequo et bono)

والأصل هو التَحكيم العادي أو ما يسمى التحكيم بالقضاء الذي تلتزم فيه هيئة التَحكيم بتطبيق القواعد الإجرائية للقانون الذي يحكم النزاع.

ولا يوجد هذا الالتزام بالنسبة للتحكيم مع التفويض بالصلح إذ يطبق المحكم قواعد العدل والإنصاف ويعفي المحكم من اتباع هذه القواعد فيما عدا القواعد المتعلقة بالنظام العام.

وإذا لم ينص في مشارطة التحكيم على تفويض المحكمين بالصلح فإنهم يكونون محكمين بالقضاء.

ويجب على الخصوم الاتفاق على جميع المحكمين المفوضين بالصلح الذين يحكمون بصفتهم محكمين مصالحين وتعيينهم باسمائهم سواء في مشارطة التحكيم أو في عقد سابق عليها.

ويمتنع على المحكمة في جميع الأحوال أن تعين محكمًا مصالحًا لم يتفق عليه الطرفان المتنازعان.

أنواع التحكيم الحر والتحكيم المؤسسي

التحكيم الحر

التحكيم الحر هو التَحكيم الذي ينظمه الأطراف بأنفسهم بمناسبة نزاعهم وفقًا لما يخوله لهم القانون.

هو تحكيم طليق حر من أي قالب تحكيمي جاهز سلفًا، فهو تحكيم خاص بحالتهم دون غيرهم.

ويتوافر للخصوم في التَحكيم الحر مجموعة من الحريات منها:

  • حرية اختيار المحكمين وطريقة تشكيل هيئة التحكيم.
  • حرية الاتفاق على المكان الذي تجري فيه جلسات التحكيم
  • حرية الاتفاق على المدة التي يجب فيها على هيئة التحكيم أن تفصل في النزاع.
  • حرية اختيار القواعد الإجرائية التي يجب على هيئة التحكيم أن تتبعها أثناء سير الجلسات.
  • حرية اختيار القانون الواجب التطبيق على النزاع.
  • حرية الاتفاق على تسبيب الحكم من عدمه.

فالتحكيم الحر هو مجموعة حريات وميزاته مستمدة من الثقة التي يوليها الطرفان في المحكم الذي يختارانه ومن إمكانهما الاتفاق على إجراءات تحكيم مناسبة للنزاع.

التحكيم المؤسسي

التحكيم المؤسسي يُقصد به التحكيم المنظم بواسطة هيئات أو مؤسسات أو مراكز دائمة للتحكيم سواء كانت وطنية أو دولية.

ويتم التَحكيم وفقًا لقواعد هذا المركز وإجراءاته.

وقد يقوم المركز أيضًا بتعيين المحكمين أو أحدهم حسب اتفاق الطرفين، أو يقوم بمراجعة حكم التحكيم حسب ما تنص عليه لائحته.

وقد ازداد الالتجاء في السنوات الأخيرة إلى التَحكيم المؤسسي لما يقدمه مركز التحكيم من مكان مناسب للتحكيم ومن تسهيلات إدارية وفنية ولما يوفره من ثقة مستمدة من أهمية المركز وتاريخه، مما يشعر الأطراف بالاطمئنان إلى ما يتم من إجراءات التحكيم وما يصدر تحت مظلة المركز من أحكام.

التحكيم الوطني والتحكيم الدولي

أثارت التفرقة بين التحكيم الوطني والتحكيم الدولي جدلا فقهيًا وقضائيًا كبيرًا في محاولة لوضع معيار لهذه التفرقة حرصًا على إبعاد التَحكيم الدولي عن سلطان القوانين الدولية وتحريره من قيودها التي تتعلق بصفة خاصة بإجراءاته وسبل تنفيذ ما يسفر عنه من قرارات.

ويكون التحكيم وطنيًا (بالفرنسية: National) إذا تعلق بنزاع يمس دولة واحدة، وذلك سواء كان النزاع مدنيًا أو تجاريًا.

أما التحكيم الدولي فهو الذي يمس أكثر من دولة.

وسيقت عناصر شتى لتمييز أنواع التحكيم الدولي عن التَحكيم الوطني، ومنها مثلا:

  • اختلاف جنسية الخصوم.
  • اختلاف جنسية المحكمين عن جنسية الأطراف.
  • إذا كان التَحكيم يجري في دولة غير الدولة التي ينتمي إليها أطراف النزاع.
  • إذا كان التَحكيم يجري وفق إجراءات ينظمها قانون أجنبي.

غير أن هذه العناصر لم تسلم من النقد ولم تفلح كمعيار لتمييز ما يعد تحكيمًا تجاريًا دوليًا.

وقد ساد اعتماد معيارين للتفريق بين أنواع التحكيم الدولي والتحكيم الوطني هما المعيار الجغرافي والمعيار الاقتصادي.

أنواع التحكيم حسب المعيار الجغرافي

هذا المعيار يعتمد على التفرقة بين أنواع التحكيم الدولي والتحكيم الوطني على معيار جغرافي بالنظر إلى مكان التحكيم أو جنسية الخصوم أو القانون الواجب التطبيق.

فيكون التَحكيم دوليًا:

  • إذا تم في بلد أجنبي.
  • إذا كان أحد أطرافه أجنبيًا.
  • إذا كان القانون الواجب التطبيق أجنبي أو قواعد إجراءات المحاكمة أجنبية.

وهذا المعيار هو الذي أخذت به اتفاقية نيويورك (اتفاقية الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية) والتي تطبق على أحكام التحكيم الصادرة في دولة غير الدولة التي يطلب منها الاعتراف بحكم التحكيم وتنفيذه على أراضيها.

أنواع التحكيم حسب المعيار الاقتصادي

هذا المعيار يعتمد على الطبيعة الاقتصادية لموضوع النزاع، فيكون التحكيم دوليًا إذا تعلق موضوعه بمصالح التجارة الدولية دون أخذ مكان التحكيم أو القانون الواجب التطبيق أو جنسية الخصوم بعين الاعتبار.

وقد اعتمد القانون الفرنسي هذا المعيار فقد عرف التحكيم الدولي بأنه:

يعتبر تحكيمًا دوليًا ذلك التَحكيم الذي يضع في الاعتبار مصالح التجارة الدولية أو الاقتصاد الدولي.

الدفع بوجود اتفاق التحكيم

يرتب اتفاق التحكيم أو الاتفاق على التَحكيم أيًا كانت صورته، شرطًا أو مشارطة، عددًا من الآثار، وهو يهدف إلى منع اللجوء إلى القضاء لحسم النزاع وإخضاعه لهيئة التَحكيم لتفصل فيه بحكم ملزم للأطراف.

فالاتفاق على التحكيم ينشئ على عاتق أطرافه التزامًا سلبيًا متبادلا بالامتناع عن الإلتجاء إلى القضاء للفصل في النزاع.

وعند إخلال أحد الطرفين بهذا الالتزام وطرح الأمر على القضاء فإنه يتولد عن ذلك دفعًا للطرف الآخر يمنع بمقتضاه القضاء من الفصل في النزاع.

وينشأ عن الاتفاق أيضًا التزام إيجابي وهو الالتزام بعرض النزاع على التَحكيم.

ويتم تحديد ولاية هيئة التحكيم على أساس هذا الاتفاق.

والالتزام بعدم اللجوء إلى القضاء ينشأ عن الاتفاق على التَحكيم، ويمكن للطرفين التقابل فيه، بمعنى التنازل المتبادل عن الاتفاق واللجوء إلى القضاء، أو نزول المدعى عليه، إذا ما رفعت دعوى أمام القضاء للفصل في النزاع المتفق على التَحكيم بشأنه، عن الدفع بوجود اتفاق التحكيم صراحة أو ضمنًا.

ويكون النزول الضمني بالكلام في موضوع الدعوى دون أن يسبق ذلك التمسك بالتَحكيم.

وفيما يلي عرضًا لمفهوم الدفع بوجود اتفاق التحكيم وطبيعته، وسلطة المحكمة إزاءه.

أولا: مفهوم الدفع بوجود اتفاق التحكيم

يوجد اتفاق التحكيم إذا توافرت أركانه الثلاثة كعقد مدني، وهي الرضا والمحل والسبب.

ومنذ توافر هذه الأركان يُعد هذا الاتفاق شريعة المتعاقدين في وجوب الإلتجاء إلى التحكيم دون قضاء الدولة بشأن المنازعات المتفق على عرضها على التَحكيم.

فإذا لجأ أحد طرفي الاتفاق إلى القضاء للفصل في النزاع بالمخالفة لاتفاق التحكيم كان للطرف الآخر الدفع أمام المحكمة المعروض عليها هذا النزاع بوجود الاتفاق على التَحكيم. هذا الدفع يترتب على مخالفة أحد الطرفين الأثر السلبي لهذا الاتفاق، وهو عدم اللجوء إلى القضاء للفصل في النزاع محل الاتفاق. وبعبارة أخرى، فإن الدفع بوجود اتفاق التحكيم هو الدفع الذي يبديه الخصم بقصد إلزام خصمه بالإلتجاء إلى التَحكيم دون قضاء الدولة، وسبب الدفع هو وجود الاتفاق على التَحكيم. وينشأ الحق في إبداء هذا الدفع من لحظة لجوء الطرف الآخر للقضاء بالمخالفة لاتفاق التحكيم، ففي هذه اللحظة تتوافر المصلحة الحالة لاستعمال هذا الحق.

والدفع بوجود اتفاق التحكيم هو دفع إجرائي لا ينشأ إلى بمناسبة خصومة قضائية مطروحة على القضاء.

وهو دفع لا يتعلق بالنظام العام ويجوز النزول عنه صراحة أو ضمنًا.

ويسقط الحق فيه بالكلام في الموضوع، أي قبل تقديم أي طلب أو الدفاع في الدعوى.

ثانيًا: الطبيعة القانونية للدفع بوجود اتفاق التحكيم

تنقسم الدفوع إلى دفوع شكلية ودفوع موضوعية ودفوع بعدم القبول.

وقد اختلف الفقه والقضاء والتشريع المقارن في تكييف الدفع بوجود اتفاق التحكيم.

  • فذهب اتجاه إلى تكييفه على أنه دفع بعدم الاختصاص.
  • وذهب اتجاه آخر إلى تكييفه بأنه دفع بعدم القبول.
  • واتجاه ثالث إلى أنه دفع ببطلان المطالبة القضائية.
  • وذهب اتجاه رابع إلى أنه دفع بوقف الدعوى.

وفيما يلي عرضًا موجزًا لهذه الاتجاهات الأربعة:

الاتجاه الأول: نظرية الدفع بعدم الاختصاص

ذهب جمهور الفقه الفرنسي إلى تكييف الدفع بوجود اتفاق التحكيم على أنه دفع بعدم الاختصاص على أساس أن التَحكيم يسلب اختصاص القضاء بنظر النزاع.

وقد نص قانون المرافعات الفرنسي على هذا التكييف وكذلك القانون الكويتي.

وتردد هذا الاتجاه في أحكام القضاء المصري قبل صدور قانون التحكيم الحالي.

وقد انتقد هذا الاتجاه لصعوبة تحديد نوع عدم الاختصاص في مثل هذه الحالة وهل هو:

  • اختصاص ولائي ؟
  • أم اختصاص نوعي ؟

وعدم الاختصاص يتعلق بالنظام العام على عكس الدفع بوجود الاتفاق.

الاتجاه الثاني: نظرية الدفع بعدم القبول

وهذا هو الاتجاه الغالب في الفقه العربي، وهو ما أخذ به قانون التحكيم المصري (م12/1).

وأساس هذه النظرية أن اتفاق التحكيم ليس من شأنه نزع اختصاص المحاكم فهو يهدف إلى إقامة مانع يحول دون طرح النزاع على القضاء.

وأن الإلتجاء إلى التَحكيم يتضمن تنازلا من أطراف التحكيم عن حق اللجوء إلى القضاء فتفقد الدعوى شرط من شروط قبولها.

وعدم القبول يستند إلى أن الدعوى قد رُفعت بغير الطريق المقرر اتفاقًا.

وعدم القبول في هذه الحالة لا يتعلق بالنظام العام نظرًا للأساس العقدي له، فهو دفع ناشئ عن الاتفاق على التحكيم.

وهو يختلف عن الدفع بعدم القبول لرفع الدعوى لغير الطريق المقرر قانونًا لرفعها فهذا الأخير يتعلق بالنظام العام.

وقد وُجه إلى هذه النظرية النقد على أساس أن الدفع بعدم القبول هو دفع موضوعي يجوز إبداءه في أي حالة تكون عليها الدعوى بخلاف الدفع بوجود الاتفاق على التحكيم يجب التمسك بها قبل الكلام في الموضوع.

كما أن الدفع بوجود الاتفاق لا يتعلق بشروط قبول الدعوى التي تتمثل في توافر المصلحة الحالة والقائمة على اتفاق الحق.

الاتجاه الثالث: نظرية الدفع ببطلان المطالبة القضائية

ذهب هذه الاتجاه إلى القول بأن الدفع بوجود اتفاق التحكيم هو دفع إجرائي بحت ببطلان المطالبة القضائية بسبب عيب موضوعي، وذلك على أساس أن الدفع بوجود اتفاق التحكيم لا صلة له بموضوع الدعوى وأنه دفع موجه إلى إجراءات الخصومة القضائية استنادًا إلى أنه يرتب التزامًا على عاتق طرفيه بعدم الإلتجاء إلى القضاء وأن الدفع به هو الوسيلة التي يتمسك بها الخصم في مواجهة خصمه للالتزام باتفاق التَحكيم وعدم اتباع إجراءات التقاضي العادية.

ولكن هذا الاتجاه وُجه إليه النقد لأن القول بأن الدفع بوجود اتفاق التحكيم دفعًا ببطلان المطالبة القضائية يخالف قواعد البطلان.

فالبطلان يجب أن يستند إلى أمر في المطالبة القضائية ذاتها وليس في أمر خارجي مثل الاتفاق على التحكيم.

كما أن البطلان يجب أن يترتب على أمر معاصر للمطالبة وقد يتم الاتفاق على التحكيم لاحقًا لقيام الخصومة.

الاتجاه الرابع: نظرية وقف الدعوى

ذهب هذه الاتجاه إلى القول بأن الدفع بوجود اتفاق التَحكيم يترتب عليه التزام المحكمة بوقف الدعوى إلى حين الفصل في النزاع من هيئة التحكيم.

وقد أخذ بهذا الاتجاه قانون المرافعات السوداني (م 154) وقانون المرافعات العراقي (م253).

ولكن هذا الاتجاه انتُقد على أساس أن الاتفاق على التحكيم ليس وقفًا اتفاقيًا يفترض أن للخصوم معاودة الحضور أمام المحكمة بعد فترة زمنية معينة يستعدون فيها لتقديم دفاعهم.

ثالثًا: سلطة المحكمة إزاء الدفع بوجود الاتفاق

نصت المادة (12/1) من قانون التَحكيم المصري على أنه “يجب على المحكمة التي يُرفع إليها نزاع يوجد بشأنه اتفاق تحكيم أن تحكم بعدم قبول الدعوى إذا دفع المدعى عليه بذلك قبل إبدائه أي طلب أو دفاع في الدعوى”. ونصت المادة (1458) من قانون المرافعات الفرنسي على أنه:

“التزام المحكمة بالحكم بعدم الاختصاص في حالة الدفع بوجود اتفاق التحكيم ما لم يكن اتفاق التَحكيم ظاهر البطلان”.

وقد أُثير التساؤل حول سلطة المحكمة في نظر الدفع بوجود الاتفاق وما إذا كان:

  • مجرد الدفع يوجب على المحكمة الحكم بعدم القبول؟
  • أم أن للمحكمة أن ترفض الدفع لعدم وجود اركان الاتفاق أو شروط صحته؟

الاتجاه الأول

ذهب بعض الفقه المصري إلى أن المحكمة تلتزم بالحكم بعدم القبول بمجرد إبداء الدفع ولا تملك سلطة تقديرية في ذلك خلافًا للقانون الفرنسي حيث عليها أن تستمر في الفصل في النزاع إذا كان الاتفاق على التحكيم ظاهر البطلان.

ويستند هذا الرأي إلى نص المادة (22/1) من قانون التحكيم المصري والتي تنص على أن هيئة التَحكيم هي التي تفصل في الدفع بعدم اختصاصها وبطلان الاتفاق على التَحكيم ومسألة عدم وجود اتفاق أو سقوطه بشرط أن تكون الهيئة قد تشكلت فعلا وقت إبداء الدفع أمام المحكمة، أما إذا لم تكن الهيئة قد تكونت فيكون للمحكمة المثار أمامها الدفع سلطة البحث في وجود الاتفاق وصحته.

الاتجاه الثاني

ويرى رأي آخر أنه في جميع الأحوال لا تتخلص المحكمة عن نظر النزاع لمجرد تمسك أحد أطراف الاتفاق بوجوده بل يلزم أن يكون هذا الاتفاق صحيحًا وموجودًا وإلا استمرت في نظره.

ومن ثم يكون للمحكمة التي دُفع أمامها بوجود اتفاق على التَحكيم سلطة بحث وجود الاتفاق أو عدم وجوده أو سقوطه أو بطلانه.

فالدفع باتفاق التَحكيم لا يعدو أن يكون طلبًا من الخصم بوجود اتفاق صحيح ومطابق للقانون.

وقد أُثير التساؤل حول مدى جواز الإحالة إلى التحكيم بعد الحكم بعدم قبول الدعوى القضائية.

فقد ذهب جمهور الفقه إلى القول بعدم جواز الإحالة بين القضاء والتَحكيم لأن الإحالة لا تكون إلى بين المحاكم القضائية التابعة للدولة ولا إحالة بين القضاء والجهات غير القضائية. كما أن تكييف الدفع بوجود اتفاق التَحكيم على أنه دفع بعدم القبول يستبعد طرح هذا السؤال لأن الجدل حول الإحالة من عدمها يكون في حالة الدفع بعدم الاختصاص، كما أن نص المادة (12/1) من قانون التَحكيم المصري واضح في هذه المسألة.

المصدر

  • الدفع بوجود إتفاق التَحكيم
  • أ.د. السيد عيد نايل
  • أستاذ القانون المدني
  • عميد كلية الحقوق سابقًا
  • كلية الحقوق، جامعة عين شمس.
التحكيم ، تعريفه وتمييزه من حيث طبيعته ونطاقه وآثاره
التحكيم ، تعريفه وتمييزه من حيث طبيعته ونطاقه وآثاره – موسوعة العلوم القانونية – مركز البحوث والدراسات متعدد التخصصات