الفارابی

الفارابی (محمد القارابي) Al – Farabi M

هو أبو نصر، المعلم الثانی، الشهير بالفارابی. فاسمه (محمد) وكنيته (أبو نصر) ولقبه (المعلم الثاني) وشهرته (الفارابی). وقد اشتهر بالفارابي نسبة إلى مسقط رأسه (فاراب).

ولد الفارابي حوالي سنة 873 م. كما يذكر لنا معظم المؤرخين أنه قد توفي سنة 955 م ويعتبر كتابه (آراء أهل المدينة الفاضلة) من أشهر مؤلفاته. وقد قصد الفارابي في هذا الكتاب إلى تكوين مجتمع فاضل (یوتوبيا) على غرار جمهورية أفلاطون. وقد قسم الفارابي هذا الكتاب إلى قسمين: ويحتوي القسم الأول على شرح للمبادئ الفلسفية التي يدين بها والتي سيراعيها في إنشاء مدينته. وفي القسم الثاني من هذا الكتاب حدثنا الفارابي عن القواعد التي يريد أن يرسي عليها مدينته الفاضلة. وقد تأثر في آرائه بفلاسفة اليونان ولاسيما أفلاطون وأرسطو.

ويتكون القسم الاجتماعي من هذا الكتاب من اثنتي عشرة فقرة. وقد أعطاها الفارابي العناوين الآتية:

(القول في احتياج الإنسان إلى الاجتماع والتعاون، القول في العضو الرئيس، القول في خصال رئيس المدينة الفاضلة، القول في مضادات المدينة الفاضلة، القول في اتصال النفوس بعضها ببعض، القول في الصناعات والسعادات، القول في أهل هذه المدن، القول في الأشياء المشتركة لأهل المدينة الفاضلة، القول في آراء أهل المدن الجاهلة والضالة، القول في العدل، القول في الخشوع، القول في المدن الجاهلة).

وقد بدأ الفارابي القسم الاجتماعي من هذا الكتاب بالحديث عن (احتياج الإنسان إلى الاجتماع والتعاون). فقرر أن الإنسان اجتماعی بطبعه من جهة، ومضطر إلى هذا الاجتماع اضطرارا لسد حاجاته من جهة أخرى. وفي هذا يقول القارابی: (وكل واحد من الناس مفطور على أنه محتاج في قوامه وفي أن يبلغ أفضل كمالاته إلى أشياء كثيرة لا يمكنه أن يقوم بها كلها هو وحده، بل يحتاج إلى قوم يقوم له كل واحد منهم بشيء مما يحتاج إليه. وكل واحد من كل واحد بهذه الحال). (انظر: أبو نصر محمد الفارابی، آراء أهل المدينة الفاضلة، الطبعة الثانية، على نفقة مكتبة الحسين التجارية لصاحبها محمود توفيق سنة1368 هـ – 1948 م ص ۷۷)۔

وبعد أن حدثنا الفارابي عن (احتياج الإنسان إلى الاجتماع والتعاون) انتقل إلى الكلام عن تقسيم المجتمعات الإنسانية، وهو يقسم المجتمعات إلى قسمين: مجتمعات كاملة ومجتمعات غير كاملة. والمجتمعات الكاملة هي التي يتحقق فيها التعاون الاجتماعي بوجه كامل لتحقيق سعادة الأفراد. وأما المجتمعات غير الكاملة فهي التي لا يتحقق فيها هذا التعاون الكامل ولا تستطيع أن تكفي نفسها بنفسها. والمجتمعات الكاملة، في نظر الفارابی، ثلاث مراتب: (عظمي ووسطى وصغرى). فالعظمی اجتماعات الجماعة كلها في المعمورة، والوسطى اجتماع أمة في جزء من المعمورة، والصغرى اجتماع أهل مدينة في جزء من مسكن أمة. (انظر: كتاب وآراء أهل المدينة الفاضلة) للفارابی، ص ۷۸78).

وبعبارة أخرى، يرى الفارابي أن اجتماع العالم كله في دولة واحدة وتحت سيطرة حكومة واحدة، هو أرقى أنواع المجتمعات الكاملة مرتبة. ثم يلي ذلك في الكمال اجتماع أمة في جزء من المعمورة تحت سيطرة حكومة مستقلة. أما اجتماع أهل مدينة في جزء من الأمة تحت سلطة رئيس، فإنه يعتبر في نظره أقل هذه المجتمعات في الكمال.

والمجتمعات غير الكاملة ثلاث مراتب أيضًا. وفي هذا يقول: (وغير الكاملة أهل القرية واجتماع أهل المحلة ثم اجتماع في سكة ثم اجتماع في منزل. وأصغرها المنزلة. والمحلة والقرية هما جميعا لأهل المدينة، إلا أن القرية للمدينة على أنها خادمة للمدينة. والمحلة للمدينة على أنها جزؤها. والسكة جزء المحلة. والمنزل جزء السكة. والمدينة جزء مسكن أمة. والأمة جزء جملة أهل المعمورة). (انظر کتاب: آراء أهل المدينة الفاضلة للفارابی، ص 78).

وبعبارة أخرى يرى الفارابي أن أكثر المجتمعات غير الكاملة رقيا وأقربها إلى الكمال اجتماع أهل القرية واجتماع أهل المحلة (والمحلة جزء من المدينة)، وأكثر من ذلك نقصا اجتماع أهل السكة (وهي جزء من المحلة). أما أنقص المجتمعات غير الكاملة، في نظره، هو اجتماع أفراد أسرة في منزل.

هذا ويهمنا أن نشير هنا إلى أن الفارابي قد قصر كلامه في كتابه (آراء أهل المدينة الفاضلة على المجتمعات الكاملة). غير أنه قد أغفل دراسة اجتماع العالم كله واجتماع الأمة ولم يدرس إلا اجتماع المدينة فقط. والمدينة الفاضلة في نظر الفارابي، هي التي تتحقق فيها سعادة الأفراد على أكمل وجه. وهو يرى أن ذلك لا يمكن تحقيقه إلا إذا تعاون أفراد المدينة على الأمور التي تنال بها السعادة، واختص كل واحد منهم بالعمل الذي يحسنه وبالوظيفة المهيأ لها بطبعه وفي هذا يقول: (فالمدينة التي يقصد بالاجتماع فيها التعاون على الأشياء التي تنال بها السعادة في الحقيقة هي المدينة الفاضلة).

والاجتماع الذي به يتعاون على نيل السعادة هو الاجتماع الفاضل. والأمة التي تتعاون مدنها كلها على ما تنال الأمة الفاضلة. وكذلك المعمورة الفاضلة إنما تكون إذا كانت الأمم التي فيها يتعاونون على بلوغ السعادة. والمدينة الفاضلة تشبه البدن التام الصحيح الذي يتعاون أعضاؤه كلها على تتميم حياة الحيوان وعلى حفظها عليه بالسعادة. (انظر كتاب وآراء أهل المدينة الفاضلة للفارابی، ص 79).

ويرى الفارابي أن وظيفة الرياسة هي أهم وظائف المدينة وأكبرها خطرًا. ولا يصلح له