تبني Adoptio

لقد حدثنا العلماء عن وجود التبني عند قدماء المصريين والرومان وفي الجزيرة العربية قبل الإسلام. وفضلا عن ذلك فقد وجد التبني أيضًا في كثير من المجتمعات البدائية، وما زال موجودا حتی الآن في كثير من المجتمعات القروية والحضرية في مناطق مختلفة من العالم. وقد حرمت الشريعة الإسلامية التبنی تحریمًا باتًا.

والتبني كان معروفًا في الجاهلية. فقد كان العرب يحرمون على المتبنى أن يتزوج مطلقة الابن بالتبني (الدعى)، كما أنهم كانوا يعتبرون التبنی سببًا من أسباب الإرث التي كانوا يورثون بها. وقد تبنى النبي صلى الله عليه وسلم زید بن حارثة، فكان يدعی: زید بن محمد لكن الإسلام نهى عن التبني بعد ذلك، فقد نزل قوله تعالى: (وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم).

وقد أسقط الإسلام التبني من أسباب الميراث، كما بين أن الابن الذي يحرم الزواج بامرأته هو الابن من الصلب: (وحلائل أبناءكم الذين من أصلابكم) وقد أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم بتنفيذ التشريع الجديد وطلب منه أن يتزوج حليلة زيد بن حارثة بعد أن طلقها. وجاء ذلك في قوله تعالى: فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا.

ولقد حدثنا العلماء أيضًا عن التبني في كثير من المجتمعات البدائية. وسوف نكتفي هنا بالإشارة إلى قبائل النوير في جنوب السودان وقبيلة الكيسيجيس في كينيا وسكان جزو الأندمان.

1. قبائل النوير: لقد ذكر لنا (إيفانز بريتشارد) أن أفراد قبائل النوير يتبنون الرجال الذين يأسرونهم أثناء غاراتهم على قبائل الدنكا المجاورة.

2. قبيلة الكيسيجيس: يحرم على الرجل في تلك القبيلة – كما ذكرا لنا (بریستیانی) – أن يتبنى ولدا من الكيسيجيس. ولكنه يستطيع أن يتبنى فقط أولادا من القبائل الأجنبية. وفي الماضي كان التبنی منتشرا عندهم. ذلك أنهم كانوا يغيرون على القبائل المعادية ويأسرون كثيرا من أولادهم، ثم يقومون بعد ذلك بتبنيهم في مجتمع الكيسيجيس. والاحتفالات الخاصة بالتبني عندهم بسيطة للغاية. فعندما يرغب الرجل في تبني أحد الأولاد، فإنه يقوم بتوجيه الدعوة إلى أفراد عشيرته. ثم يضحى بماعزة ويعلن أمامهم أن الولد الأجنبي قد أصبح عضوًا في أسرته، وأنه يجب اعتباره ابنًا له.

3. جزر الأندمان: كما ذكر لنا ( أ. رادکلیف براون) – في دراسته التي نشرها عن سكان جزر الأندمان سنة 1922 – أن التبني ينتشر أيضًا في تلك الجزر. فبعد أن ينزل الرجل ضيفًا على صديق له، ويقيم عنده بعضًا من الوقت، فإنه يرى أنه ينبغي عليه أن يتبنى أحد أولاد هذا الصديق المضيف مجاملة له ودليلا على صداقته، وقد جرت العادة في ذلك المجتمع على عدم رفض مثل هذا الطلب. ثم يتوجه الطفل بعد ذلك إلى بيت والده بالتبني ويقيم معه هناك. لكن الصلة بين الطفل وأسرته الأصلية لا تنقطع بعد ذلك. وبالنسبة للسن عند التبني، فإنه يبدأ من سن التاسعة أو العاشرة. ويستطيع الرجل المتزوج، بهذه الطريقة، أن يتبنى أي عدد يروق له من الأطفال. ولكنه يتعين عليه أن يعاملهم بشفقة، وأن يراعي مشاعرهم ورغباتهم. وبصفة عامة، يجب عليه أن يعاملهم كما يعامل أولاده وبناته تمامًا. ومن ناحية أخرى، ينبغي على الابن بالتبني أن يطيع والده المتتبى وأن يحترمه ويحبه، تمامًا كما يحب الابن والده.

كما حدثنا العالم الأمریکی (چون إمبري) عن التبني في دراسته التي أجراها خلال عامی 1935 و1936 عن قرية (سوهی) باليابان. فإذا تزوج أحد الرجال في هذه القرية، ولم تنجب له زوجته ذرية فإنهما يتجهان إلى تبني أحد الأولاد الصغار. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه القرية يوجد بها عدد كبير من الأسر التي لم تنجب أطفالا. ونتيجة لذلك، فإن التبني ينتشر بين الأسر هناك. والواقع أن هناك عوامل مختلفة كان لها أثرها في انتشار التبني في قرية (سوهی).

ومن هذه العوامل نذكر: الرغبة الشديدة من جانب أفراد الأسرة لتخليد اسم الأسرة، الحاجة إلى وجود ابن يعيش مع الأسرة في المنزل ويقدم لها المساعدة في مرحلة الشيخوخة، إصابة ابن الأسرة بمرض خطير، اقتصار الزوجة على إنجاب الإناث فقط وفي الأغلب يتجه الزوج إلى تبني ابن أخيه أو ابن أخته. وإذا كان للزوج أخ أصغر منه سنًا، فإنه يتبناه. وفي هذه الحالة يعيش الأخ الأصغر سنا مع أخيه الأكبر سنا على أنه ابن له. وهناك شروط معينة ينبغی توافرها في الولد المراد تبنية. ومن هذه الشروط نذكر: ارتباط الولد بالأسرة بصلة القرابة، الصحة الجيدة، الجد في العمل، صغر السن، احترام كبار السن. وإذا ما تم الاتفاق على التبني، فإن الوالد الحقيقي للصبي والوالد المتيني يتبادلان أقداح الخمر، أما من الناحية القانونية فإنه يلزم أن يقوما بنقل اسم الصبي من السجل الخاص بوالده الحقيقي إلى السجل الخاص بالأب المتبئي.

والولد المتبئى له جميع الحقوق الخاصة بالاين الحقيقي، فهو يحمل اسم الرجل الذي تبناه ويعيش معه في مسكن واحد. كما يجب عليه أن يعتنق مذهبه البوذي أيضًا. وعلاوة على ما تقدم، فإنه عادة يرثه بعد وفاته. هذا ويهمنا أن نشير هنا إلى أن الولد المتبئى لا يقطع صلته بأسرته، فهو يحضر أفراحهم وماتمهم. كما أنه يسارع لنجدتهم في حالة نشوب حريق بالمنزل وكذلك في أوقات الفيضانات.

والعلاقة بين الأب المتبتی والولد المتبنی لیست علاقة أبدية، ويمكن فضها في أي وقت من الأوقات. ولذلك فإن التبني لا يسجل في سجلات الأسرة بالقرية بعد إتمامه مباشرة إنهم ينتظرون فترة من الزمن، سنة أو أكثر حتى يتأكدوا من نجاح العملية، وحتی لا يكلفوا أنفسهم مشقة تسجيل فسخ التبني في سجل الأسرة بمكتب القرية.

ويوجد نظام التيني في الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا كأسلوب من أساليب الرعاية الاجتماعية. ففي الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً، صدرت عدة قوانين خاصة بالتبنی فی كثير من الولايات خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وبحلول سنة 1929، أصبح لكل ولاية قانونها الخاص بتنظيم التبني. ومن الواضح أن قانون التبني في ولاية (ماساشوست) الذي صدر سنة 1851، كان نموذجًا يحتذى للقوانين الخاصة بالتينی التي صدرت في الولايات الأخرى بعد ذلك.

وقد نص قانون ولاية (ماساشوست) على ما يأتي: ضرورة الحصول على الموافقة الكتابية للوالد الطبيعي للطفل، تقديم التماس مشترك يوقع عليه الرجل الذي يرغب التبني وكذلك زوجته، صدور حكم من القضاء بأن التبني لائق ومناسب، قطع العلاقات كلية من الناحية القانونية بين الطفل والوالدين الطبيعيين.

وتنقسم الإحصاءات الخاصة بالتبني في الولايات المتحدة الأمريكية إلى قسمين رئيسيين:

1. التبني بواسطة الأقارب (أي بواسطة أفراد تربطهم بالطفل روابط أسرية مثل العم أو الخال، زوج الأم، زوجة الأب).

2. التبني بواسطة أشخاص من غير الأقارب.

وفي سنة 1936 مثلاً، نجد أن عدد الأطفال الذين تم تبنيهم قانونا قد بلغ 127000 طفلاً تقريبًا. وقد بلغت نسبة الأطفال الذين تم تبنيهم بواسطة الأقارب 47.2%، في حين بلغت نسبة الأطفال الذين تم تبنيهم (في نفس السنة) بواسطة أفراد من غير الأقارب 52.8%.

وفي بريطانيا، صدر أول قانون خاص بالتبني سنة 1926، وفي الوقت الحالي، توجد هناك جمعيات كثيرة تختص بتنظيم التبني.

المراجع

  1. الآيتان 4، 5 من سورة الأحزاب.
  2. الآية 33 من سورة النساء.
  3. الآية 37 من سورة الأحزاب.
  4. الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت، الفتاوی، دراسة لمشكلات المسلم المعاصر في حياته اليومية والعامة (دار القلم، الطبعة الثانية) ص 318-324. ولنفس المؤلف: تفسير القرآن الكريم (دار الشروق، الطبعة السادسة، سنة 1974) ص. ص 190 – 191.
  5. علي محمود الفار، معجم علم الاجتماع، إنجليزي – عربي، دار المعارف، الإسكندرية، 2001.
  6. Evans – Pritchard, EE, The Nuer (Oxford, At The Clarendon Press, 1940), p. 223.
  7. Peristiany, JG, The Social Institutions Of The Kipsigis (London, George Routledge & Sons, First Edition, 1939 ), pp 80 – 81.
  8. Radcliffe – Brown, AR, The Andaman Islanders (The Free Press of Gllencoe, 1964 ), pp 77 – 78.
  9. Embree, J. F., A Japanese Village (London, Kegan Paul, Trench, Trubner & Co., LTD, 1946), p.p. 61 – 64.
  10. Kadushin, A., Child Welfare Services (The Macmillan Company, New York, A Fourth Printing, 1968), p.p. 436-465.
  11. Pugh, E., Social Work In Child Care (London, Routledge & Kegan Paul, 1968), p.p. 82-84.