الضبط الاجتماعي – مفهومه وأهدافه وطرقه

مفهوم الضبط الاجتماعي وأهدافه

يستحوذ موضوع الضبط Social Control الاجتماعي على اهتمام طائفة كبيرة من علماء الاجتماع ويحتل مكانًا بارزًا في مؤلفاتهم. نظرًا لأنه يمس صميم الاجتماع الإنساني، ويتصـل بتنظيم العلاقات بين الفرد وجماعته، وبين الجماعات وبعضها البعض من جانب ثانِ وبين الجماعات والمجتمع من جانب ثالث.

ويتمثل هدف الضبط الاجتماعي في النظام الذي يحظى بالقبـول أو الموافقة من جانب المجتمع، ومن انتظام التفاعلات الاجتماعية بين أفراد المجتمع وجماعاته، بما يحفظ عليه استقراره، وتماسكه، واستمراره. كما يهدف إلى تدعيم القيم الاجتماعية، وعدم الانحراف عن معايير المجتمع، ومواصفاته وسننه الاجتماعية.

ويستخدم مصطلح الضبط الاجتماعي للإشارة إلى أن سلوك الفرد وتصرفاته محدودة بالجماعات التي ينتمي إليها، وبالمجتمع الكبير الذي يعتبر عضوًا فيه. أما الوسائل التي تكفل امتثال الأفراد لقواعد الضبط فهي ميكانيزمات ذات طبيعة اجتماعية. فالمجتمع يفرض عن طريق وسائل الضبط قيودًا منظّمة ومتّسقة نسبيًا على سلوك الأفراد، بهدف مسايرة فعل كل فرد فيه للتقاليد وأنماط السلوك ذات الأهمية في أداء الجماعة أو المجتمع.

وعلى الرغم من أن قوانين المجتمع تعتبر قواعد آمرة، بمعنى أن كل فرد مطالب بالالتزام بها، إلا أنها ليست حتمية. فمن الممكن أن يخرج عليها بعض الأفراد، (وفي هذه الحالة قد يلقى الجزاء المناسب) ومن الممكن تغيير تلك القواعد، ومن الممكن أيضًا أن تكون نسبية في تغيير معيارية هذه القواعد من منطقة إلى أخرى داخل المجتمع الواحد الكبير.

وقد تكون قوانين المجتمع وتنظيماته ممثّلة لمصالح طبقية، أو وُضعت لتخدم أغراضًا لفئات خاصة لها مكانتها في المجتمع، ولهذا يسعى الأفراد إلى الخروج عليها.

وتأسيسًا على ذلك فإن تنظيمات المجتمع وقوانينه – طالما كان بالإمكان الخروج عنها – فإن المجتمع بأجهزته المختلفة يعمل بكل قوة ليمارس حقه في ضبط كل من تسول له نفسه الخروج عليها.

الضبط الاجتماعي مطلب فردي ومجتمعي

كل فرد ينتمي إلى جماعة وربما لعدة جماعات في المجتمع. فهو عضو في أسرة، وعضو في نادي، وعضو في جمعية ما، إلخ. ومهما تعددت الجماعات التي ينتمي إليها الفرد ويتفاوت مركزه في كل منها، فهو يحاول في معظم الأحيان أن يكسب اعتزاز بعضها به، وثقتها فيه. فانتماء فرد لجماعة يجعله يتبنى قيمها ومعاييرها، وقواعد السلوك الخاصة بعضويتها ويحرص كل الحرص على ضبط نفسه قولاً وعملاً وفق قيم هذه الجماعة ومثالياتها.

ومع مرور الزمن وتمسّكه بجماعته وقيمها، ومثالياتها في الفكر والآراء، يتعوّد الفرد على ذلك، وتصبح قيم ومعايير ومثاليات تلك الجماعة مستبطنة في نفس الفرد داخل ذاته. بمعنى آخر تصبح “لا شعورية” أي يؤديها دون ما إحساس بتقييدها لحريته، أو ثقلها على نفسه. وبذلك تحلّ في ضميره، ويصبح الضمير عندئذٍ بديلاً للجماعة في الرقابة على الفرد.

وإذا كان الضبط يمثل حاجة فردية تتطلب الإشباع، فهو أيضًا حاجة مجتمعية. لأن كل مجتمع لكي يبقى ويستمر مستقرًا في نظمه وأوضاعه كان عليه أن يحـدد القواعد والنظم والقيم والمعايير التي يتحدد بها سلوك أفراده، حتى لا تصبح الحياة فيه ضربًا من الفوضى والانحرافات. ولهذا نجد في كل مجتمع تنظيمات مختلفة تراقب من يحاول العبث بالقانون والتقاليد والـعـرف والدين والأخلاق التي وضعها المجتمع.

وقد تكون هذه التنظيمات رسمية أو غير رسمية. ووظيفة هذه المنظمات الضبط الاجتماعي. ولديها جزاءات بالثواب أو العقاب، الاستحسان أو الاستهجان بدءًا من التخلص نهائيًا من المنحرف المجرم في حق المجتمع بالإعدام مثلاً أو السجن، وحتى محاولة الإقناع والإرشاد.

فالفرد المنتمي إلى الجماعات يسعى لكسب ثقتها به من ناحية. والمجتمع يسعى إلى تدعيم النظم الاجتماعية لضمان تماسكه واستمراره. وهكذا يتضح لنا أن الفرد في حاجة إلى الضبط الاجتماعي، كما أن المجتمعات هي الأخرى في حاجة إليه.

طرق الضبط الاجتماعي

عرفنا أن الضبط الاجتماعي بهدف إلى استتباب نظم المجتمع المختلفة. بحيث يسلك الأفراد وفق محددات هذه النظم، والتي يتفاعل الأفراد داخل نطاقها، دون ما إخلال أو خروج عليها. وقد أشرنا إلى أن نظم المجتمع وقوانينه يمكن تغييرها. كما أنها ليست حتمية، أي يمكن لبعض الأفراد أن يخرجوا عليها في بعض الأحيان إذ لا يخلو مجتمع من انحرافات. وقد يكون هذا الانحراف فرديًا عندما ينحرف فـرد في سلوكه عن معيار الجماعة المنتمي إليها، وقد يكون هذا الانحراف جماعيًا عندما تنحرف جماعة بأسرها عن معايير المجتمع التي هي جزء منه (يعتبر الفرد داخلها عضوًا ممثلاً لثقافتها الخاصة، والتي تعتبر منحرفة بالنسبة للمجتمع). وكما تنمو الجماعات المنحرفة عن طريق ضم أفراد جدد إليها، فإن الفرد المنحرف يعمل من جانبه على تكوين جماعة انحراف.

وقد يحدث الانحراف إما لعوامل ثقافية ترجع للابتعاد عن معايير السلوك المتوقع اجتماعيًا وإما لعوامل نفسية ترجع لابتعاد الأفراد عن تكامل الشخصية. وليست كل صـور الانحراف منبوذة أو غير مرغوب فيها. فالزعامة والبطــولة والعبقرية والرهبنة تُمجّد ويحترمها الناس. غير أن ذلك يقتصر على أفراد قلائل يبدو أن نمط شخصياتهم وظروف مجتمعاتهم هي التي تلعب الدور الأكبر في الاعتراف بعظمتهم وإنجازاتهم بدلاً من النظر إليهم على أنهم منحرفون.

مجمل القول إن خروج بعض الأفراد أو الجماعات على نظم المجتمع، شيء ممكن. وتخبرنا مشاهداتنا وتجاربنا على أن الانحراف له مظاهر في كل مجتمع أيًا كان هـذا المجتمع. فهل يقف المجتمع مكتوف اليدين أمام العابثين بنظمه، والخارجين عـلى قيمه ومعاييره؟ بالطبع لا يقبل أي مجتمع بالتسليم للانحراف. لأن معنى ذلك إشاعة الفوضى، وقضاء على تضامنه واستمراره. إذن كيف يتصدى المجتمع لمن يخرج عن قواعد الضبط؟ والسؤال بعبارة أخرى ما هي الطرق التي يتبعها المجتمع للضبط الاجتماعي؟

تقسيمات طرق الضبط الاجتماعي

اختلف علماء الاجتماع في تحديد الوسائل التي يتبعها المجتمع لتنميط سلوك أفراده وجماعاته وتعميم هذا التنميط Conformity داخل المجتمع بأكمله. فمنهم من قال إنها أربع عشرة وسيلة هي:

  1. الرأي العام
  2. القانون
  3. الاعتقاد
  4. الإيحاء الاجتماعي
  5. التربية
  6. العرف
  7. الدين
  8. المُثل العليا
  9. الشعائر
  10. الفن
  11. الأدب
  12. التثقيف
  13. التوهم
  14. القيم الاجتماعية

تقسيمات أخرى لطرق الضبط الاجتماعي

ويقسم البعض طرق الضبط تقسيمًا آخر. فيرى الدكتور كمال دسوقي إنها ثلاث طرق رئيسية هي:

التنشئة الاجتماعية، والضغوط الاجتماعية التي تُفرض على الأفراد لإلزامهم بالتوافق، وهذه الضغوط قد تكون رسمية كالقوانين واللوائح والإجراءات، والدعاية والمكافآت والعقوبات، وقد تكون غير رسمية كالاستحسان والاستنكار، الثناء أو اللوم أو النبذ من عضوية الجماعة. والثانية: هي استخدام القوة حين لا تجدى الطريقتان الأوليتان.

ويرى ابن خلدون أن وسائل الضبط الاجتماعي تشتمل – في رأيه – عـلى: الدين، القانون، الآداب، الأعراف، والعادات، والتقاليد، والمثل العليا. وليس بخافِ أن الدين الإسلامي بالذات يشتمل على القانون، لأنه لا يقتصر على العبادات فحسب ولكنه يهتم بتنظيم الحياة حقوقًا وواجبات بين الناس وبعضهم. واهتم بالمعاملات على أسس شرعية من الواجب أن يحكم القناة بمقتضاها في المجتمع الإسلامي.

والحقيقة أن الدين الإسلامي به كل القيم الاجتماعية Social Values التي تكفل سلوكا قويمًا لكل ألوان الشعوب والمجتمعات، وفي كل وقت من الأوقات. والإسلام إلى جانب ذلك مصدر التشريع. فهو قانون سماوي أحصى كل صغيرة وكبيرة بمنتهى الموضوعية والعدالة الإلهية التي لا تفرّق بين أمير وغفير، أو غني وفقير. والإسلام لا يجامل ولا يخجل ولا يخاف رهبة أو رغبة. فقانون السماء ثابت مستقر لا يأتيه الباطل، “لا يظلم ربك أحدًا”. وتعاليم هذا الدين الحنيف هي بذاتها قواعد التربية ونهج هذا الدين أيضًا يكون ما يسمى بالرأي العام Public opinion والأعراف والتقاليد الإسلامية الراسخة. وفي سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وسنته أفضل المبادئ والمُثل العليا “لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة”.

وهكذا نتبيّن أنه في المجتمع الإسلامي لا تكون هناك حاجة إلى تعدد مصادر الضبط، والغوص طويلاً وراء أقوال الاجتماعيين حول أنواع هذه الطرق أو عددها. لأنه مهما اختلفوا في ذلك فإنه لا خلاف عليها في المجتمع الإسلامي لأنها جميعًا راجعة إلى مصدر واحد حق هو الشريعة السمحاء، وعنه تنبثق كل هذه الفرعيات، مثلما تنبثق ألوان الطيف عن مصدر واحد أصيل للضوء (الشمس).

الضوابط الرسمية وغير الرسمية

ومع إيماننا بأن الإسلام يشتمل على جميع مصادر الضبط الاجتماعي – أيًا كانت تقسيماتها وأشكالها – فإن الأمر يستلزم أن نشير إلى أهم عوامل الضبط، وإيضاح كيفية اعتبارها محددات لسلوك الأفراد والجماعات. وسوف نتناول هذه العوامل من جانبين:

  • الأول: ونعني به الضوابط الرسمية، وهي تلك التي تمارس من خلال نظم المجتمع المختلفة: كالنظام الديني، والنظام القانوني، والنظام التربوي، والنظـام الأسرى، والنظام الاقتصادي والضريبي، إلخ.
  • الثاني: ونعني به الضوابط غير الرسمية. ومن أمثلتها نقل الأخبار “القيل والقال”، نشر الفضائح، المجـادلة، الإقناع، الاستحسان والاستنكار، الثناء واللوم، التهديد بالحرمان والحرمان، نبذ الخارج على الجماعة. ويوجد هذا النوع من الضوابط بشكل واضح في الجماعات الأولية Primary Groups كالأسرة، وجماعات الأصدقاء والتجمعات السكنية البسيطة التركيب كالقرى، والمجاورات الصغيرة Neighborhood في المدن وضواحيها شبه الحضرية المأهولة عادة بسكان مهاجرين من القرى. وسوف نتناول بالدراسة والتحليل بعض هذه الضوابط في كلا النوعين.

أولاً: نظم المجتمع كطرق للضبط الاجتماعي الرسمي

1. الدين

يعتبر الدين من أقوى وسائل الضبط في المجتمعات. وهو من الوسائل الرسمية ذات التأثير العميق والمحدد للسلوك في تلك المجتمعات التي تطبق شرائع دينها تطبيقًا دستوريًا. بمعنى أن حكومات تلك الدول تطبّقه في جميع مجالات العمل والحياة. كما هو الحال مثلاً في المملكة العربية السعودية التي تطبق الشريعة الإسلامية. وكذلك الباكستان.

ويعتبر الدين من الوسائل غير الرسمية في المجتمعات العلمانية أو الدول التي تطبّق قوانين وضعية خاصة قد تتفق أو لا تتفق مع دين الدولة المعلن أو غير المعلن في دستورها. ويعتبر الدين وسيلة رسمية في المؤسسات والهيئات والجمعيات الدينية المختلفة في المجتمعات العلمانيـة أو التي لا تطبق شريعة دين ما. حيث أن هـذه المؤسسات والهيئات والجماعات تكون مقيّدة لأعضائها بضرورة اتباع التعليمات الدينية الخاصة بها.

ولا يوجد بين النظم الاجتماعية نظامًا يمكن أن يصل إلى قوة الدين، ومبلغ تأثيره العميق في حياة الفرد والجماعة على حد سواء. وبالتالي في التمكين لاستقرار المجتمعات وأمنها. ونقصد بالدين هنا، لا الأديان السماوية الراقية وآخرها الإسلام فحسب ولكن الدين بالمفهوم العـام الواسع، فلكل دين أيًا كان قواعـد وتعليمات ملزمة كان لها في المجتمعات البدائية، والمجتمعات القديمة قوة الضبط وتحديد السلوك.

وترجع قوة الدين الضابطة، التي لا تعادلها قـوة أخرى في المجتمع، إلى الأسباب التالية:

فطرة التديّن

أن التديّن سمة طبيعية نشأت بنشأة المجتمعات الإنسانية. فلكل مجتمع منذ أقدم العصور دين. ولقد وُجد الدين في كل مكان. فالحياة البدائية لأية جماعة لم تخلُ من اعتقادات وممارسات لأحد الأديان. ولم يثبت منذ الإنسان الأول أنه وُجد زمن ما بلا دين ما لإنسان هذا الزمن. حقيقة أن إثبات نشأة الدين في الزمن ربما يصعب ذلك كما يقول روث بندكت في كتابه (الإنثروبولوجيا العامة)، لأن النظم الأخرى يمكن تتبّعها رجوعًا إلى حاجات الإنسان البيولوجية التي يمكن الكشف عنها في الحفريات وعلم آثار ما قبل التاريخ واللغات القديمة ورواسب الثقافات والسمات المميزة للأجناس، إلخ.

أما الدين فمن الصعب أن يتحقق باحث حديث من وجود أصل له في حياة الإنسان القديم. وربما هـذا ما دعا بعض المفكرين من أمثال كيلر وسومتر إلى افتراض أن الدين واحدة من الوسائل الهامة التي يسعى الإنسان بها إلى التكيف مع بيئته. وقد صنفا البيئات إلى ثلاث: طبيعية، اجتماعية، غيبية. والأخيرة وإن كانت فوق مستوى الإدراك لكنها أساسية لتكيف الإنسان، ورضـائه بالحياة في البيئتين الأخريتين (الطبيعية والاجتماعية).

اكتساب التديّن

إن الدين عقيدة وإيمان يترسّخ ويثبت في الفرد منذ الطفولة عن طريق الاكتساب من الأسرة والمجتمع. وتنمو القيم والمشاعر الدينية كلما أقبل الفرد على التمسك بها. ولهذا يصبح الدين في المجتمع بمثابة القلب من الجسد. وطالما أن الأفراد والجماعات يؤمنون بالدين يظل التديّن سلاحًا قويًا للضبط. واحترام الدين وتمكّنه من عقول وقلوب الناس أضفى على قوته الدينية منزلة سامية. ومهما قِيل عن ضعف الوازع الديني بحـكم التيارات المادية والمدنية الزائفة، فإن الدين سيظل من أهم وسائل ضبط السلوك، وتقويم الخلق، وتربية الضمير.

الحاجة للتديّن

إن الإنسان متديّن بطبعه حتى ولو لم يصله هاد أو بشير. إذ يُجمع كل علماء الأديان على ذلك، وإن اختلفوا فيما بينهم فيما يتعلق بنظريات أصل الأديان. فمنهم من رد أصول الديانات الأولى إلى النظـام التوتمي Totemisun. ومنهم من ردها إلى عبادة مظاهر الكون الطبيعي كالشمس والقمر والكواكب والنار والأشجار، إلخ. ومنهم من ردها إلى الأرواح والأشباح والملائكة والآلهة وهؤلاء أصحاب النظرية الحيوية (كونت سبنسر وتايلور). ويميل الكثيرون إلى تغليب عبادة الطبيعة وما حوته لأن خشية الإنسان من المجهول، وضحالة معلوماته عن أسرار الكون المحيط به، وحاجته إلى الطمأنينة في حياته، وحبه للبقاء، كل هذه الحاجات الاجتماعية النفسية هدته إلى التدين.

سلطة الدين الروحية

أن سلطة الدين فوق سلطة القانون الوضعي الذي يملك توقيـع العقوبات وتقرير الجزاءات. لأن سلطة الدين الروحية أقوى بكثير من سلطة القانون وأحكامه. فإن الإنسان قد تحدثه نفسه بارتكاب الجرائم والإثم، وقد لا يقع تحت طائلة القانون إذا ما أحكم تدبير الجريمة وإخفاء دلائلها. ولكنه لن يستطيع أن يفلت من عدالة الله، ولن يستطيع أن يفلت من وخز الضمير. وسوف يُقتص منه إن لم يكن في الحياة الدنيـا فسيكون في الحياة الآخرة. وهكذا تدس السلطة الدينية بفضل ما تفرضه من أوامر إلهية ووصايا قدسية دعائم استقرار المجتمع وسلامه.

قدسية الدين

إن الدين سيظل إلى أن تقوم الساعة له من الاحترام والجلال والقدسية في علم اليوم المعاصر الذي يموج بالاكتشافات العلميـة، وقوانينها، والتكنولوجيا وما تقدمه من رفاهية وعمارة الأرض (والدمار في بعض الأحيان). سيظل للدين نفس منزلته في نفوس الناس. حقيقة أن سلطان العلم اتسعت رقعته، وخضع الكثير من عالم المجهول في الكون إلى هذا السلطان، ولا زال هذا السلطان تقوى شوكته، وتتسع مستعمراته مما كان في عالم الغيب والمجهول لعلم الإنسان.

وقد بهر العلم بسلطانه بعض الناس لدرجة أنهم ظنوا أن العلم باستهدائه لما كان غيبًا في الماضي سيتخلّص من سلطان الدين. وفات هؤلاء أن الدين محتفظ وسيظل محتفظًا بأسرار العلة الأولى. وستظل الحدود بين عالم المعلوم الذي خضع لسلطان العلم وبين عالم اللا معلوم الذي سيظل الكثير منه مجهولاً ويختص به الدين. لأن العلم كلما اقتحم بابًا مجهولا، كلما توغل في صحرائه وسيبقى الحال هكذا إلى أبد الآبدين. إذ عنـدما يظن أهل الأرض كلهم بعلومهم أنهم أصبحوا قادرين على كل شيء فيها، سيأتي أمر الله “حتى إذا ظن أهلها أنهم قادرون عليها آتاهم أمرنا ليلاً أو نهارًا”.

قوة الدين

أن الدين يمثل نمطًا منظمًا من الثقافة. يستطيع به الفرد أن يواجه ويتغلب على المشاكل لا في الحياة الدنيا وحدها وإنما في الحياة الآخرة. فشرعية ولادته ونسبه، وتعليمه العبادات والمعاملات، كالزواج والطلاق والمواريث، والحث على الصبر والقناعة، والتسليم بالقضاء والقدر كلها أمور محددة للسلوك والأخلاقيات الفاضلة. ولهذا فالإيمان يدفع الفرد إلى جسر الأمان والطمأنينة والاستقرار. لذا يقوي الوازع الديني عند الشدائد والشعور بالمخاطر. فعندما تأزف الأزفة، فليس لها من دون الله كاشفة.

وإذا كانت هذه أسباب قوة الدين، ومبلغ تأثيره في الضبط المجتمعي، فما بالك في الدين الإسلامي – دين الله – الذي جمع بين تنظيم شئون الحيـاة الدنيا، وبين النعيم المقيم في الحياة الآخرة، وأوضح الحدود، وحدد الجزاءات، ودعا إلى الجدل والإقناع بالحسنى. وعلى الجملة يمكن القول بأن الفضائل والقيم الاجتماعية والأخلاقية والدينية تصدر كلها من نبع واحد هو الشريعة السمحاء. ومن ثم لا يقع الفرد المسلم في مهاوي الاختلافات بسبب تعدد المصادر كما في المجتمعات غير الإسلامية.

2. القانون

يعتبر القانون أقوى مظاهر الضبط المجتمعي. وهو يهـدف إلى استقرار التنظيمات الاجتماعية، وتقرير علاقات الأفراد ببعضهم. وهو مُلزم للفرد والجماعة والحكومة ويمتاز بوضوح بنوده، وجزاءاته محددة بدقة كبيرة.

إن تقسيمات القانون ذاتها أكاديميًا إلى قانون دستوري وقانون إداري وقانون جنائي وقانون دولي وقانون بحري وقانون تجاري، ونحو ذلك، دليل على أن القانون كعلم اجتماعي قد تضمّن تنظيم جميع أنواع العلاقات بين الأفراد والجماعات والدولة. ولم يترك أي علاقة إلا وقد وضع لها كل ضوابط الحقوق والواجبات.

وتعتبر الدولة هي المسئولة عن فرض قوانينها. وهي المخوّلة وحدها في توقيع الجزاءات ويمكنها استخدام القوة كالجلد والرجم والسجن والإعدام وغيرها. وكلما تعقّد المجتمع، وازدادت هيئاته، وتعدّدت جماعاته، وكثرت مؤسساته كلما علا صوت القانون، وانخفض تبعًا لذلك قوة السنن الاجتماعية. فالقانون كما يقول دوركايم يعكس شدة التضامن الاجتماعي الذي هو وظيفة أساسية للحكومة قبل حفظ الأمن والعمل على استتبابه. والقانون أصبح سمة المجتمعات المعقّدة الحديثة.

القانون تعبير عن إرادة الأمة

فالقوانين في نظر كثير من علماء الاجتماع تعبير عن إرادة الأمة وأعرافها وتقاليدها وسننها الاجتماعية. ولذلك يُنظر إلى هذه الأمور على أنها من مصادر القانون. ويرتبط القانون بكثير من الظواهر الاجتماعية الأخرى، فهو أيضًا صـورة حية لتاريخ الأمم وصدى للظروف الاجتماعية والتاريخية.

وموجز القول إن القوانين تضمن حماية الفرد مصالحه وحريته. وفي الوقت نفسه تحرم على الفرد أن يطغى على حرية الآخرين. وبذلك يقضي القانون على الصراعات بين الناس، ويجمع ميولهم ونزواتهم الطائشـة، فينعم الجميع بالعدالة والأمان. ويكفي أن نعلم أن القانون هو الوسيلة الأولى التي تهدف إلى عملية الضبط الاجتماعي. فموضوع الضبط هو غاية القانون الأساسية وربما الوحيدة. وذلك بخلاف الوسائل الأخرى التي تسعى إلى تحقيق غايات أخرى قد يكون الضبط في مرتبة تالية من حيث ترتيبه في سلم أهداف تلك الوسائل.

فالدين مثلاً يهدف إلى فوز الإنسان المتدين بالجنة، والسعادة في الدارين. والإنسان في سبيل فوزه برضـا المعبود، عليه أن يطبّق تعليمات وقواعد الدين، المنظِمة لحياة الفرد وعلاقاته بالله والناس فيحدث انضباط الأفراد داخل إطار تلك القواعد الدينية. والمدرسة مثلاً تهدف إلى تربية الأفراد لمد المجتمع بأعضاء متعلمين صالحين للعمل في مجالات الحياة المختلفة، وتوسيع مدارك الطلاب، وزيادة معارفهم. وتأتى عملية الضبط من خلال أن المدرسة جهاز للتنشئة وغرس القيم الفاضـلة بالنسبة للمجتمع. وهكذا فيما يتعلق بباقي أجهزة الضبط الأخرى.

3. التعليم

يتم التعليم الرسمي في مؤسسات المجتمع، أي في مدارسه ومعاهده وجامعاته، إلخ. ومن هذا المنطلق فهو أداة ضبط رسمية. فعن طريق المؤسسات التربوية يتعلم الأفراد المعارف المختلفة، وتنمو معلوماتهم حتى تصل إلى أدق التخصصات العلميـة التي تشمل كل ميادين العمل والحياة. وفيها يتم التثقيف اللازم. والمدرسة تعمـل على تدعيم التنظيم الاجتماعي والعمل على استقرار الأوضاع السياسية.

وتقوم المدرسة في ظروف المجتمع المستقر بتحقيق دورها العلمي والتعليمي بحيث يطفو هذا الدور أعلى أدوارها الأخرى. وفي ظروف المجتمع في المستقر والذي يعاني أو يخشى أن يعاني من هزات سياسية، أو تغيّرات اجتماعية، فإن المدرسة تعدّل من أدوارها بحيث تدعّم من ركائز البناءات السياسية الجديدة. كما تبذل المدرسة جهدًا للإسهام في تقبّل التغيرات الجديدة وتساعد في تمثلها. فبفضل التعليم يمكن غرس المبادئ الجديدة، والقيم المُراد استحداثها في نفوس المتعلمين عن طريق تعديل مقررات الدراسة ومناهجها. وبذلك تحقق المدرسة إلى جانب العملية التعليمية جانيًا إعلاميًا وتثقيفيًا. وتقوم بدور المُجادل والمُقنع بالفلسفات المجتمعية الجديدة.

ونظرًا لهذا الدور الخطير الذي تؤديه المؤسسات التعليمية والتربوية في تكوين شخصية الأفراد، وفي ترسيب المفاهيم التي يراها التنظيم الاجتماعي القائم (الحكومة) فإن جميع البلاد على مختلف اتجاهاتها ومذاهبها تحرص على تدخّلها في رسم سياسات التعليم وتراقب برامجه وتخطط لمناهجه. كما أنها تدقّق في تعيينها لأعضاء هيئة التدريس واختيارهم، لأن عن طريقهم يُلقَّن الطلاب المعلومات ومشاعر الأساتذة وعواطفهم واتجاهاتهم.

وخلاصة القول إن المؤسسات التعليمية بمقدار ما هي وسائل للتغيير الاجتماعي بمقدار ما هي أيضًا وسائل هامة لضبط السلوك، وتوجيهه نحو غاية المجتمع.

4. الأسرة ودورها في التنشئة الاجتماعية

تقوم الأسرة كنظام اجتماعي وفق محددات اجتماعية معترف بها من المجتمع. ونظرًا لأهمية دورها في حياة الأفراد والمجتمعات فقد تدخلت الأخيرة لتقنّن نظام الأسرة. فرغم أن الأسرة تقوم في أساسها على اتفاق بين شخصين أحدهمـا ذكر والآخر أنثى للدخول في معيشة مشتركة، إلا أن المجتمعات حتى أكثرها تطرفًا لم تترك لكل راغبين في تكوين أسرة أن يكوّناها حسبما يحلو لهما، وإنما يتم التدخل لضبط عملية التكوين هذه، وتنظيم العلاقة بين الزوجين وما قد ينشأ عن هذه العلاقة من أولاد. وحددت خطوات، ووضعت مراسيم، وأوجبت أن توثّق كل أسرة بعقـد شرعي، وإعلان رسمي. وكل علاقة تتم خارج هذا النظام المجتمعي لا ترتّب حقوقًا لطرف على طرف. كما يؤاخذ طرفيها، ويُنظر إليهما على أنهما منحرفين يستحقان جزاء يتناسب ودرجة هذا الانحراف عن قيم المجتمع وقوانينه.

ومن أهم وظائف الأسرة التناسل. حيث أودع الله سبحانه وتعالى غرائز الأمومة والأبوة لدى الوالدين حفظًا للنوع البشري، واستمرار لديمومة الحياة الدنيا حتى يأتي أمره سبحانه وتعالى. ومن سر تزويد الوالدين بهذه الغرائز الفطرية أيضًا هو تيسير الصبر على تربيته الأطفال وتنشئتهم دون تبرّم أو ضجر. إذ بدون هـذه الغرائز لربما أصبح أمر احتمال الصبر على تربية الأولاد أمرًا شاقًا، خصوصًا وأن فترة تلك التربية قد تصل إلى ما يزيد على العشرين عامًا.

الأسرة خلية المجتمع الأولى

ولهذا فإن محاولة تربية الأطفال وتنشئتهم في مؤسسات بديلة عن الأسرة ولو لبعض الوقت، كدور الحضانة النهارية ورياض الأطفال ومراكز الإيواء المختلفة، قلما تحقق المناخ الطيب اللازم، مهما حاولت هذه المؤسسات أن تنمي من دورها وتعتلي به. ولهذا يقال دائما أن الأسرة هي خلية المجتمع الأولى فإذا صلحت خلايا المجتمع صلح بناء المجتمع كله، وقوي تضامنه وتماسكه.

ويرجع إلى الأسرة الفضل الأول في تطبيع الفرد وتنشئته اجتماعيًا. فهي التي تعطيه الحنان والعطف. وهي التي تعطيه الأمن والأمان في كنفها. وهي التي تكسبه اللغة والدين والعادات والقيم الاجتماعية الخيّرة. وتغرس فيه الروح الجمعية والمشاركات الوجدانية وحب التعاون فيشب الفرد محبًا لما شب عليه.

تدخّل المجتمع لرسم إطار التنشئة

وإذا كان لكل أسرة أن تنشي، أولادها حسبما يتفق وأوضاعها المختلفة، إلا أن المجتمع يتدخل لرسم إطار عام للتنشئة التي يرى أنها محققة لفلسفته الاجتماعية. فنراه يدخل من خلال أجهزته الإعلامية (الإذاعة، التليفزيون، الصحف، المجلات، الكتب، الندوات العامة، المعارض، الأسواق التجارية، دور العرض الفنية، السينما والمسرح، وإلى غير ذلك. ونراه يتدخل بصورة سافرة الوضوح في تقرير البرامج والمقررات الدراسية في معاهد التعليم – كما أشرنا عند الحديث عن المدرسة – ونراه يتدخل عن طريق سن القوانين والتشريعات إذا رأى أنها ضرورية بهدف خلق هذا الإطار العام أو توضيحه وتحديده لدى المواطنين.

وبطبيعة الحال فإن دور الأسرة في التنشئة دور خطير ولا خلاف عليه. إلا أن مؤسسات المجتمع التربوية تسهم في مرحلة لاحقة بدور يكمل عملية التنشئة الاجتماعية التي بدأتها الأسرة. هذا ويساند المجتمع كله بتنظيماته المختلفة وما يسود فيه من معايير وقيم تتمسك بها عمليات التنشئة. فكأن عمليات التنشئة هذه تبدأها الأسرة لأفرادها ثم تكملها المدرسة، والمجتمع.

ثانيًا: وسائل الضبط غير الرسمية

وهذه الوسائل متعددة وتختلف باختلاف حجم ونوع الجماعة التي يرتبط معهـا الفرد بعلاقات معينة. كما تختلف باختلاف مكان المعيشة ونمطها.

ومن أمثلتها:

1. السنن الاجتماعية

من عادات وأعراف وتقاليد وتراث ثقافي. ولا شك أن لهذه القواعد من السنن الاجتماعية دورها في تحديد أنماط السلوك خصوصًا في نطاق الأسرة، وفي نطاق الجماعات الاختيارية (كالأصدقاء، وزملاء اللعب، وعلاقات الجوار)، وفي نطـاق الجماعات المحلية المختلفة.

2. الرأي العام

حيث يثير اهتمامات الناس حول موضوعات الساعة، ويجعلهم يبلورون حلولاً حول تلك الموضوعات التي أثارت انتباههم وتكوين رأي عام في موضوع معين. وقد يدفع الناس إلى اتخاذ مواقف معينة بصدد هذا الموضوع. وبمعنى آخر فإن الرأي العام يعتبر من محددات السلوك.

ولا يخفى أن لتكوين الرأي العام وسائل متعددة منها: الصحافة، والكتب والمجلات، والوسائل السمعية والبصرية (راديو، تليفزيون، فيديو، سينما، مسرح). ويمكن أن نضيف إلى ذلك المهرجانات المختلفة، والمعارض، والمؤتمرات، والندوات، وحلقات المناقشة، والمناظرات، وما إلى ذلك.

3. إطلاق الشائعات

فخوف الفرد من إطلاق بعض الشائعات عليـه، قد تثنيه عن إتيان تصرفات معينة. خصوصًا إذا كان هذا الفرد يتمتع بمكانة اجتماعية مرموقة، أو كان حريصًا على مراعاة ظروف من تدور حوله تلك الشائعات.

4. الدعاية

فقد استخدمت الدعاية في نشأتها في المجال الديني. فأول الدعاة الأنبيـاء والرسل ومن تبعهم من الصحابة والأنصار والمبشرين والوعاظ. وفي القرآن الكريم الكثير من الآيات الدالة على ذلك. فنوح عليه السلام يقول “رب إني دعوت قومي ليلاً ونهارًا، فلم يزدهم دعائي إلا فرارًا”. ومحمد عليه أفضـل الصـلاة والسلام كان “شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا”. ولا يستطيع أحد أن ينكر أثر الأنبياء والرسل وأصحابهم في تغيير سلوكيات الأفراد والجماعات، وتحديث الفضائل الأخلاقية التي حفظت لمجتمعاتهم عزها ومجدها. وحتى اليوم يوجد في المجال الديني الدعاة لهذه الرسالات السامية. ومن المجال الديني اتسع نطـاق الدعاية ليشمل مجالات العمل والحياة الأخرى خصوصًا في المجال الاقتصادي (التسويق) والسياسي. وهدف الدعاية بصفة عامة هو نشر معلومات بين الناس الهدف منهـا التأثير في الرأي العام وتوجيهه وفق اتجاه معين.

5. الإعلام

هو تقديم الحقائق والمعلومات عن موضوع معين، بصرف النظر عن صدى وقعها في النفوس. فقد تكون سارة وقد تكون محزنة. ولا شك أن معرفة الحقائق والمعلومات دون زيف أو مبالغة يؤثر في تصرفات الناس.

6. البدع والموضات

فالبدع وتقاليع الموضة في الأزياء قد تنشأ عن الرغبة في كسب مظهر أو مركز عن طريق “خالف تُعرف” أو بالتصدر للقيادة. ثم لا تلبث أن تموت بمرور الوقت أو تصبح مألوفة، خاصة إذا كان البادئ من ذوي الحيثيات في المجتمع بحيث يمكن أن يقلده الآخرون. ومن ثم يتمثلها الناس في ثقافتهم وتصبح جزء من ثقافة المجتمع.

أما تقاليع الموضات خصوصًا في الأزياء، فهذه التقاليع قد تدوم لبعض الوقت لأنها تصادف حاجة اجتماعية لطبقة اجتماعية حسب السن أو الجنس أو النوع. وينساق وراءها المراهقين لأنها تشعرهم بتحرر هم من ربقة عالم الكبار. كما يساعد عليها بيوت الأزياء ومعارضها لأهداف تجارية. وأظن أن لذلك أيضا أثره في تصرفات وسلوكيات الأفراد.

7. أساليب أخرى

  • إقناع الناس بأمور وأوضاع وتصرفات معينة.
  • اللوم والتحذير في مقابل الاستحسان والمدح والثناء.
  • الحوافز في مقابل تثبيط الهمم والعزائم.
  • نبذ الأفراد وابتعاد أفراد المجتمع عنهم.

المراجع

  • كتاب: مبادئ علم الاجتماع، تأليف: دكتور أحمد رأفت عبد الجواد، كلية الآداب، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية.